Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:36–54
6:36Page 132
۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦
Only those who hear will respond. But the dead1 - Allāh will resurrect them; then to Him they will be returned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ إنَّما يُجِيبُكَ مَن يَسْمَعُ، والمُرادُ سَماعُ قَبُولٍ.
وَفِي المُرادِ بِالمَوْتى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما يَسْتَجِيبُ المُؤْمِنُونَ؛ فَأمّا الكُفّارُ، فَلا يَسْتَجِيبُونَ حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَحْشُرُهم كُفّارًا، فَيُجِيبُونَ اضْطِرارًا. (p-٣٤)
والثّانِي: أنَّهُمُ المَوْتى حَقِيقَةً، ضَرَبَهُمُ اللهُ مَثَلًا؛ والمَعْنى: أنَّ المَوْتى لا يَسْتَجِيبُونَ حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللهُ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَيُجازِي الكُلَّ.
6:37Page 132
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧
And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allāh is Able to send down a sign, but most of them do not know."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ قُرَيْشٍ. "وَلَوْلا": بِمَعْنى "هَلّا" وقَدْ شَرَحْناها في سُورَةِ (النِّساءِ) . وقالَ مُقاتِلٌ: أرادُوا بِالآَيَةِ مِثْلَ آَياتِ الأنْبِياءِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادُوا نُزُولَ مَلِكٍ يَشْهَدُ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْزالِ الآَيَةِ.
والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِمْ مِنَ البَلاءِ في إنْزالِها، لِأنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها، زادَ عَذابُهم.
والثّالِثُ: لا يَعْلَمُونَ المَصْلَحَةَ في نُزُولِ الآَيَةِ.
6:38Page 132
وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ ٣٨
And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register1 a thing. Then unto their Lord they will be gathered.
قَوْلُهُ تَعالى وما مِن ﴿دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. قالَ الزَّجّاجُ: وذِكْرُ الجَناحَيْنِ تَوْكِيدٌ، وجَمِيعُ ما خَلَقَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَدُبَّ، وإمّا أنْ يَطِيرَ. (p-٣٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أصْنافٌ مُصَنَّفَةٌ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أجْناسٌ يَعْرِفُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَهُ.
وَفِي مَعْنى "أمْثالُكُمْ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أمْثالُكم في كَوْنِ بَعْضِها يَفْقَهُ عَنْ بَعْضٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أمْثالُكم في الخَلْقِ والمَوْتِ والبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أمْثالُكم في كَوْنِها تَطْلُبُ الغِذاءَ، وتَبْتَغِي الرِّزْقَ، وتَتَوَقّى المَهالِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَوْضِعُ الِاحْتِجاجِ مِن هَذِهِ الآَيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى رَكَّبَ في المُشْرِكِينَ عُقُولًا، وجَعَلَ لَهم أفْهامًا ألْزَمَهم بِها أنْ يَتَدَبَّرُوا أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ ويَتَمَسَّكُوا بِطاعَتِهِ، كَما جَعَلَ لَلطَّيْرِ أفْهامًا يَعْرِفُ بِها بَعْضُها إشارَةَ بَعْضٍ، وهَدى الذَّكَرَ مِنها لَإتْيانِ الأُنْثى، وفي كُلِّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفاذِ قُدْرَةِ المَرْكَبِ ذَلِكَ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ في الكِتابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما تَرَكْنا شَيْئًا إلّا وقَدْ كَتَبْناهُ في أُمِّ الكِتابِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ. رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما تَرَكْنا مِن شَيْءٍ إلّا وقَدْ بَيَّنّاهُ لَكم. فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما فَرَّطْنا في شَيْءٍ بِكم إلَيْهِ حاجَةٌ إلّا وبَيَّنّاهُ في الكِتابِ، إمّا نَصًّا، وإمّا مُجْمَلًا، وإمّا دَلالَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ:٨٩ ]أيْ: لَكُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. (p-٣٦)أحَدُهُما: أنَّهُ الجَمْعُ يَوْمَ القِيامَةِ. «رَوى أبُو ذَرٍّ قالَ: انْتَطَحَتْ شاتانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي فِيما انْتَطَحَتا؟ قُلْتُ: لا. قالَ: لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي، وسَيَقْضِي بَيْنَهُما.» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَحْشُرُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ، البَهائِمَ والدَّوابَّ والطَّيْرَ وكُلَّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِن عَدْلِهِ أنْ يَأْخُذَ لَلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ يَقُولُ كَوْنِي تُرابًا، فَيَقُولُ الكافِرُ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.﴾
والثّانِي: أنَّ مَعْنى حَشْرِها: مَوْتُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
6:39Page 132
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٩
But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allāh wills - He sends astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يَعْنِي ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ (صُمٌّ) عَنِ القُرْآَنِ لا يَسْمَعُونَهُ، "وَبِكُمْ" عَنْهُ لا يَنْطِقُونَ بِهِ، ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: في الشِّرْكِ والضَّلالَةِ. ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فَيَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ.
6:40Page 132
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠
Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، "أرَأيْتُمْ" "وَأرَأيْتَكُمْ" و"أرَأيْتَ" بِالألْفِ في كُلِّ القُرْآَنِ (p-٣٧)مَهْمُوزًا؛ ولَيَّنَ الهَمْزَةَ نافِعٌ في الكُلِّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا ألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ العَرَبُ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ، وهم يُرِيدُونَ: أخْبَرَنِي.
فَأمّا عَذابُ اللَّهِ، فَفي المُرادِ بِهِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: العَذابُ الَّذِي كانَ يَأْتِي الأُمَمَ الخالِيَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا السّاعَةُ، فَهي القِيامَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو اسْمٌ لَلْوَقْتِ الَّذِي يُصْعَقُ فِيهِ العِبادُ، ولِلْوَقْتِ الَّذِي يُبْعَثُونَ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ أيْ أتَدْعُونَ صَنَمًا أوْ حَجَرًا لَكَشْفِ ما بِكُمْ؟ فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما لا يَدْفَعُونَهُ، لِأنَّهم كانُوا إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ.
وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ جَوابٌ لَقَوْلِهِ: "أرَأيْتَكُمْ" لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبَرُوا، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَأخْبَرُوا مَن تَدْعُونَ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ بِكُمْ؟
6:41Page 132
بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١
No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَهم أنَّهم لا يَدْعُونَ في الشَّدائِدِ إلّا إيّاهُ؛ وفي ذَلِكَ أعْظَمُ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم عَبَدُوا الأصْنامَ.
﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ المَعْنى: فَيَكْشِفُ الضُّرَّ الَّذِي مِن أجْلِهِ دَعَوْتُمْ، وهَذا عَلى اتِّساعِ الكَلامِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ:٨٢]، أيْ: أهْلُ القَرْيَةِ.
وَتَنْسَوْنَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "تَتْرُكُونَ"؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّكم في تَرْكِكم دُعاءَهم بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ نَسِيَهم.
6:42Page 132
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢
And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].
(p-٣٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ في الآَيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ رُسُلًا فَخالَفُوهم، فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ؛ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الزَّمانَةُ والخَوْفُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها البُؤْسُ، وهو الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها الجُوعُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي الضَّرّاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: البَلاءُ، والجُوعُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي النَّقْصُ في الأمْوالِ والأنْفُسِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: الأسْقامُ والأمْراضُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا. والتَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ والِاسْتِكانَةُ. وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا.
6:43Page 132
فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣
Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.
قَوْلُهُ تَعالى: فَلَوْلا مَعْناهُ: "فَهَلّا" . والبَأْسُ: العَذابُ. ومَقْصُودُ الآَيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّهُ قَدْ أرْسَلَ إلى قَوْمٍ قَبْلَهُ بَلَغُوا مِنَ القَسْوَةِ أنَّهم أخَذُوا بِالشَّدائِدِ، فَلَمْ يَخْضَعُوا، وأقامُوا عَلى كَفْرِهِمْ، وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ضَلالَتَهم فَأصَرُّوا عَلَيْها.
6:44Page 132
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤
So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.
(p-٣٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكُوا ما وعَظُوا بِهِ. ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ رَخاءَ الدُّنْيا وسُرُورَها. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ: فَتْحنا بِالتَّشْدِيدِ هُنا وفي [الأعْرافِ]، وفي [الأنْبِياءِ]: فَتَحْت وفي [القَمَرِ]: ﴿فَتَحْنا﴾ والجُمْهُورُ عَلى تَخْفِيفِهِنَّ. قالَ الزَّجّاجُ: أبْوابُ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَنْهم مِنَ الخَيْرِ، حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ ما كانَ نَزَلَ بِهِمْ، لَمْ يَكُنِ انْتِقامًا، وما فُتِحَ عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، أخَذْناهم بَغْتَةً، أيْ: فاجَأهم عَذابُنا.
وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ التَّأْكِيدُ، كَقَوْلِ القائِلِ: أكَلْنا عِنْدَ فُلانٍ كُلَّ شَيْءٍ، وكُنّا عِنْدَهُ في كُلِّ سُرُورٍ، يُرِيدُ بِهَذا العُمُومِ تَكْثِيرُ ما يَصِفُهُ والإطْنابُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] . وقالَ الحَسَنُ: مَن وسِعَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أنَّهُ لَمْ يُمْكَرْ بِهِ، فَلا رَأْيَ لَهُ؛ ومَن قُتِّرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أنَّهُ يُنْظَرُ لَهُ، فَلا رَأْيَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، وقالَ: مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، أعْطَوْا حاجاتِهِمْ ثُمَّ أُخِذُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ في المُبْلِسِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الآَيِسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: الآَيِسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: المُبْلِسُ: اليائِسُ (p-٤٠)المُنْقَطِعُ رَجاؤُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لَلَّذِي يَسْكُتُ عِنْدَ انْقِطاعِ حُجَّتِهِ، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ جَوابٌ: قَدْ أبْلَسَ قالَ العَجّاجُ:
؎ يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرَّسًا قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا
أيْ: لَمْ يُحِرْ جَوابًا. وقِيلَ: المُكَرِّسُ: الَّذِي قَدْ بَعَرَتْ فِيهِ الإبِلُ، وبَوَّلَتْ، فَيَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
والثّانِي: أنَّهُ المُفْتَضِحُ. قالَ مُجاهِدٌ: الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُهْلِكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المَجْهُودُ المَكْرُوبُ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ ما لا يَسْتَطِيعُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ الحَزِينُ النّادِمُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِرُؤْبَةَ وحَضَرَتْ
؎ يَوْمَ الخَمِيسَ الأخْماسُ ∗∗∗ وفي الوُجُوهِ صُفْرَةٌ وإبْلاسٌ.
أيِ اكْتِئابٌ، وكُسُوفٌ، وحُزْنٌ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: هو الشَّدِيدُ الحَسْرَةَ، الحَزِينُ، اليائِسُ. وقالَ في مَوْضِعٍ آَخَرَ: المُبْلِسُ: السّاكِتُ المُتَحَيِّرُ.
6:45Page 133
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥
So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allāh, Lord of the worlds.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: دابِرُهُمُ: (p-٤١)الَّذِي يَتَخَلَّفُ في آَخِرِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُهُمْ: آَخِرُهُمُ الَّذِي يُدَبِّرُهم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو كَما يُقالُ: اجْتُثَّ أصْلُهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما حَمِدَ نَفْسَهُ عَلى قَطْعِ دابِرِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ إنْعامٌ عَلى رُسُلِهِمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهم، وعَلَّمَ الحَمْدَ عَلى كِفايَتِهِ شَرَّ الظّالِمِينَ.
6:46Page 133
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦
Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أيْ أذْهَبَها، ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ حَتّى لا تَعْرِفُونَ شَيْئًا ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ في هاءِ "بِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَعُودُ عَلى الفِعْلِ: والمَعْنى: يَأْتِيكم بِما أخَذَ اللَّهُ مِنكم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إذا كَنَّيْتَ عَنِ الأفاعِيلِ، وإنْ كَثُرَتْ، وحَّدْتَ الكِنايَةَ، كَقَوْلِهِ لَلرَّجُلِ: إقْبالُكَ وإدْبارُكَ يُؤْذِينِي.
والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الهُدى، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الكِنايَةُ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ولَكِنَّ المَعْنى يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن أُخِذَ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وخُتِمَ عَلى قَلْبِهِ لَمْ يَهْتَدِ.
والثّالِثُ: أنَّها تَعُودُ عَلى السَّمْعِ، ويَكُونُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ داخِلًا مَعَهُ في القِصَّةِ، لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ﴾ بِكَسْرِ هاءِ "بِهِ" ورَوى المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: "بِهِ انْظُرْ" (p-٤٢)بِالضَّمِّ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ، حَذَفَ الياءَ الَّتِي تَلْحَقُ الهاءَ في نَحْوِ: بِهِي عَيْبٌ، ومَن ضَمَّ، فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: فَخَسَفْنا بِهُو وبِدارِهُو الأرْضَ، فَحَذَفَ الواوَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي تَكُونُ العَلاماتُ في أُمُورٍ شَتّى فَيُخَوِّفُهم بِأخْذِ الأسْماعِ والأبْصارِ والقُلُوبِ، وبِما صَنَعَ بِالأُمَمِ الخالِيَةِ ﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ أيْ يُعْرِضُونَ فَلا يَعْتَبِرُونَ.
6:47Page 133
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧
Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: البَغْتَةُ: المُفاجَأةُ؛ والجَهْرَةُ: أنْ يَأْتِيَهم وهم يَرَوْنَهُ. ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: هَلْ يَهْلَكُ إلّا أنْتُمْ ومَن أشْبَهَكم لِأنَّكم كَفَرْتُمْ مُعانِدِينَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّكم ظالِمُونَ.
6:48–49Page 133
وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨
And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩
But those who deny Our verses - the punishment will touch1 them for their defiant disobedience.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ﴾ أيْ بِالثَّوابِ؛ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ، ولَيْسَ إرْسالُهم لَيَأْتُوا بِما يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآَياتِ. ثُمَّ ذَكَرَ ثَوابَ مَن صَدَقَ، وعِقابَ مَن كَذَبَ في تَمامِ الآَيَةِ والَّتِي بَعْدَها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَفْسُقُونَ: بِمَعْنى يَكْفُرُونَ.
6:50Page 133
قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠
Say, [O Muḥammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآَيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ( لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آَيَةً مِن رَبِّهِ )، فَأعْلَمَهم أنَّهُ لا يَمْلِكُ خَزائِنَ اللَّهِ الَّتِي مِنها يَرْزُقُ ويُعْطِي، ولا يَعْلَمُ الغَيْبَ فَيُخْبِرُهم بِهِ إلّا بِوَحْيٍ، ولا يَقُولُ: إنَّهُ مَلَكٌ، لِأنَّ المَلَكَ يُشاهِدُ مِن أُمُورِ اللَّهِ تَعالى ما لا يُشاهِدُهُ البَشَرُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "إنِّي مَلِكٌ" بِكَسْرِ اللّامِ. وفي الأعْمى والبَصِيرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الأعْمى: الكافِرُ، والبَصِيرُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: الأعْمى: الضّالُّ، والبَصِيرُ: المُهْتَدِي، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فِيما بَيَّنَ لَكم مِنَ الآَياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وصِدْقِ رَسُولِهِ.
والثّانِي: فِيما ضَرَبَ لَكم مِن مَثَلِ الأعْمى والبَصِيرِ، وأنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ.
6:51Page 133
وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٥١
And warn by it [i.e., the Qur’ān] those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالقُرْآَنِ، وإنَّما ذَكَرَ الَّذِينَ يَخافُونَ الحَشْرَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وإنْ كانَ مُنْذِرًا لَجَمِيعِ الخَلْقِ، لِأنَّ الحُجَّةَ عَلى الخائِفِينَ الحَشْرُ أظْهَرُ، لاعْتِرافِهِمْ بِالمِعادِ، فَهم أحَدُ رَجُلَيْنِ: إمّا مُسْلِمٌ، فَيُنْذِرَ لَيُؤَدِّيَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ في إسْلامِهِ، وإمّا كِتابِيٌّ، فَأهْلُ الكِتابِ. مُجْمِعُونَ عَلى البَعْثِ.
(p-٤٤)وَذَكَرَ الوَلِيَّ والشَّفِيعَ، لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى ذَكَرَتْ أنَّها أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَأعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ أهْلَ الكُفْرِ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ، أيْ: لَيْسَ لَهم غَيْرُ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، لِأنَّ شَفاعَةَ الشّافِعِينَ بِأمْرِهِ.
وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذِهِ الآَيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ [ الأنْعامِ:١٩ ] .
6:52Page 133
وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢
And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His face [i.e., favor]. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account.1 So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ «رَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في سِتَّةِ: فِيَّ، وفي ابْنِ مَسْعُودٍ، وصُهَيْبٍ، وعَمّارٍ، والمِقْدادِ، وبِلالٍ، قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا لا نَرْضى أنْ نَكُونَ أتْباعًا لَهَؤُلاءِ، فاطْرُدْهم عَنْكَ. فَدَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مِن ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ»
«وَقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: نَزَلَتْ فِينا، كُنّا ضُعَفاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، يُعَلِّمُنا بِالغَداةِ والعَشِيِّ ما يَنْفَعُنا، فَجاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَقالا: إنّا مِن أشْرافِ قَوْمِنا، وإنّا نَكْرَهُ أنْ يَرَوْنا مَعَهم، فاطْرُدْهم إذا جالَسْناكَ. قالَ: "نَعَمْ" .
(p-٤٥)فَقالُوا: لا نَرْضى حَتّى تَكْتُبَ بَيْنَنا كِتابًا، فَأتى بِأدِيمٍ ودَواةٍ، ودَعا عَلِيًّا لَيَكْتُبَ، فَلَمّا أرادَ ذَلِكَ، ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ، إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾، فَرَمى بِالصَّحِيفَةِ ودَعانا، فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ . فَدَنَوْنا مِنهُ يَوْمَئِذٍ حَتّى وضَعْنا رُكَبَنا عَلى رُكْبَتِهِ.» «وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ خَبّابُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالُ، وعَمّارُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، رَضِيتَ بِهَؤُلاءِ، أتُرِيدُ أنْ نَكُونَ تَبَعًا لَهُمْ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾» . وقالَ عِكْرِمَةُ: «جاءَ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، ومُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، في أشْرافِ بَنِي عَبْدِ مُنافٍ، إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ يَطْرُدُ عَنْهُ مَوالِينا وعَبِيدَنا كانَ أعْظَمَ في صُدُورِنا، وأدْنى لاتِّباعِنا إيّاهُ، فَأتاهُ أبُو طالِبٍ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَنْظُرَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ، فَأقْبَلَ عُمَرُ يَعْتَذِرُ مِن مَقالَتِهِ.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآَياتِ نَزَلَتْ في المَوالِي، مِنهم بِلالٌ، وصُهَيْبٌ، وخَبّابٌ، وعَمّارٌ، ومِهْجَعٌ، وسَلْمانُ، وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ؛ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِيهِمْ أيْضًا. وقَدْ رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ ناسًا مِنَ (p-٤٦)الأشْرافِ قالُوا لَلنَّبِيِّ ﷺ: نُؤْمِنُ لَكَ، وإذا صَلَّيْنا فَأخِّرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَعَكَ، فَلْيُصَلُّوا خَلْفَنا.» فَعَلى هَذا، إنَّما سَألُوهُ تَأْخِيرَهم عَنَ الصَّفِّ، وعَلى الأقْوالِ الَّتِي قَبْلَهُ، سَألُوهُ طَرْدَهم عَنْ مَجْلِسِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في هَذا الدُّعاءِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ، المَكْتُوبَةُ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةُ قالا: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ والعَصْرِ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ الصَّلاةَ يَوْمَئِذٍ كانَتْ رَكْعَتَيْنِ بِالغَداةِ، ورَكْعَتَيْنِ بِالعَشِيِّ؛ ثُمَّ فُرِضَتِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ بَعْدَ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعَلُّمُ القُرْآَنِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً، قالَهُ أبُو جَعْفَرَ.
والخامِسُ: أنَّهُ دُعاءُ اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، والإخْلاصِ لَهُ، وعِبادَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِالغَداةِ" وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هاهُنا وفي [الكَهْفِ] أيْضًا: "بِالغَدْوَةِ" بِضَمِّ الغَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ وبَعْدَها واوٌ.
قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ لا تُدْخِلُ الألِفَ واللّامَ عَلى "الغَدْوَةِ" لِأنَّها مَعْرِفَةٌ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، ولا تُضِيفُها العَرَبُ، يَقُولُونَ: أتَيْتُكَ غَداةَ الخَمِيسِ، ولا يَقُولُونَ: غَدْوَةَ الخَمِيسِ، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَعْرِفَةٌ.
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَجْهُ: الغَداةُ، لِأنَّها تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً، وتَتَعَرَّفُ بِاللّامِ؛ وأمّا غَدْوَةً، فَمَعْرِفَةٌ.
وَقالَ الخَلِيلُ: يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أتَيْتُكَ اليَوْمَ غَدْوَةً وبَكْرَةً، فَجَعَلَها بِمَنزِلَةِ ضَحْوَةً، فَهَذا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ. (p-٤٧)فَإنْ قِيلَ: دُعاءُ القَوْمِ كانَ مُتَّصِلًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَلِماذا خَصَّ الغَداةَ والعَشِيَّ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ نَبَّهَ بِالغَداةِ عَلى جَمِيعِ النَّهارِ، وبِالعَشِيِّ عَلى اللَّيْلِ، لِأنَّهُ إذا كانَ عَمَلُ النَّهارِ خالِصًا لَهُ، كانَ عَمَلُ اللَّيْلِ أصْفى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يُرِيدُونَ اللَّهَ، فَيَشْهَدُ اللَّهُ لَهم بِصِحَّةِ النِّيّاتِ، وأنَّهم مُخْلِصُونَ في ذَلِكَ.
وَأمّا الحِسابُ المَذْكُورُ في الآَيَةِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ حِسابُ الأعْمالِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: حِسابُ الأرْزاقِ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الكِفايَةِ؛ والمَعْنى: ما عَلَيْكَ مِن كِفايَتِهِمْ، ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عَظُمَ هَذا الأمْرُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وخَوَّفَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ الظّالِمِينَ، لِأنَّهُ كانَ قَدْ هَمَّ بِتَقْدِيمِ الرُّؤَساءِ عَلى الضُّعَفاءِ.
6:53Page 134
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣
And thus We have tried some of them through others that they [i.e., the disbelievers] might say, "Is it these whom Allāh has favored among us?" Is not Allāh most knowing of those who are grateful?1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ المَعْنى: وكَما ابْتَلَيْنا قَبْلَكَ الغَنِيَّ بِالفَقِيرِ، ابْتَلَيْنا أيْضًا بَعْضَهم بِبَعْضٍ. "وَفَتَنّا" بِمَعْنى: ابْتَلَيْنا واخْتَبَرْنا؛ "لِيَقُولُوا"، يَعْنِي الكُبَراءَ "أهَؤُلاءِ" يَعْنُونَ الفُقَراءَ والضُّعَفاءَ ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِالهُدى؟ وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، كَأنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَكُونُوا سَبَقُوهم بِفَضِيلَةٍ.
قالَ ابْنُ السّائِبِ: ابْتَلى اللَّهُ الرُّؤَساءَ بِالمَوالِي، فَإذا نَظَرَ الشَّرِيفُ إلى الوَضِيعِ قَدْ آَمَنَ قَبْلَهُ، أنِفَ أنْ يُسْلِمَ، ويَقُولُ: سَبَقَنِي هَذا؟ (p-٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ يَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ إذا مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ. والمَعْنى: إنَّما يَهْدِي اللَّهُ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ يَشْكُرُ. والِاسْتِفْهامُ في "ألَيْسَ"، مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: إنَّهُ كَذَلِكَ.
6:54Page 134
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٤
And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في رِجالٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عَظِيمَةً، فَسَكَتَ عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ، الآَيَةُ قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ نَهى عَنْ طَرْدِهِمْ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا رَآَهم بَدَأهم بِالسَّلامِ، وقالَ: «الحَمْدُ لَلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أنْ أبْدَأهم بِالسَّلامِ،» قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلَيٍّ، وحَمْزَةَ، وجَعْفَرٍ، وعُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ، ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وسالِمٍ، وأبِي سَلَمَةِ، والأرْقَمِ ابْنِ أبِي الأرْقَمِ، وعَمّارٍ، وبِلالٍ، قالَهُ عَطاءٌ.
والرّابِعُ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ أشارَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَأْخِيرِ الفُقَراءِ، (p-٤٩)اسْتَمالَ لَلرُّؤَساءِ إلى الإسْلامِ. فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾، جاءَ عُمَرُ يَعْتَذِرُ مِن مَقالَتِهِ ويَسْتَغْفِرُ مِنها، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ مُبَشِّرَةً بِإسْلامِ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَلَمّا جاءَ وأسْلَمَ، تَلاها عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ فَمَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ بِحُجَجِنا وبَراهِينِنا.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ تَشْرِيفًا لَهُمْ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِإبْلاغِ السَّلامِ إلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى السَّلامِ: دُعاءٌ لْلْإنْسانِ بِأنْ يَسْلَمَ مِنَ الآَفاتِ. وفي السُّوءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الشِّرْكُ. والثّانِي: المَعاصِي.
وَقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [النِّساءِ] مَعْنى "الجَهالَةِ" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا" فَإنَّهُ غَفُورٌ بِكَسْرِ الألِفِ فِيهِما. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الألِفِ فِيهِما. وقَرَأ نافِعٌ: بِنَصْبِ ألْفِ "أنَّهُ" وكَسْرِ ألْفِ "فَإنَّهُ غَفُورٌ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ ألِفَ "إنَّهُ" جَعَلَهُ تَفْسِيرًا لَلرَّحْمَةِ، ومَن كَسَرَ ألِفَ "فَإنَّهُ غَفُورٌ" فَلِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ حِكْمَةُ الِابْتِداءِ، ومَن فَتْحَ ألِفَ "أنَّهُ مَن عَمِلَ" جَعَلَ "أنْ" بَدَلًا مِنَ الرَّحْمَةِ، والمَعْنى: كَتَبَ رَبُّكم "أنَّهُ مَن عَمِلَ" ومَن فَتَحَها بَعْدَ الفاءِ، أضْمَرَ خَبَرًا تَقْدِيرُهُ: فَلَهُ ( أنَّهُ غَفُور رَحِيم ) والمَعْنى: فَلَهُ غُفْرانُهُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التَّوْبَةِ:٦٣]، مَعْناهُ: فَلَهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. وأمّا قِراءَةُ نافِعٍ، فَإنَّهُ أبْدَلَ مِنَ الرَّحْمَةِ، واسْتَأْنَفَ ما بَعْدَ الفاءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences