Ibn al-JawziAl‑An'am · 6:55–72

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:55–72

6:55Page 134

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٥٥

And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.

(p-٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: وكَما فَصَّلْنا لَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ دَلائِلَنا وأعْلامَنا عَلى المُشْرِكِينَ، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ لَكَ حُجَّتَنا في كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أهْلُ الباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى تَفْصِيلُها: إتْيانُها مُتَفَرِّقَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى "وَلِتَسْتَبِينَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَلِتَسْتَبِينَ" بِالتّاءِ، "سَبِيلُ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ نافِعٌ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: بِالتّاءِ أيْضًا، إلّا أنَّهُما نَصَبا السَّبِيلَ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلِيَسْتَبِينَ" بِالياءِ، "سَبِيلُ" بِالرَّفْعِ. فَمَن قَرَأ "وَلِتَسْتَبِينَ" بِالياءِ أوِ التّاءِ، فَلِأنَّ السَّبِيلَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ عَلى ما بَيَّنّا في (آَلِ عِمْرانَ) ومَن نَصَبَ اللّامَ، فالمَعْنى: ولِتَسْتَبِينَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ. وفي سَبِيلِهِمُ الَّتِي بُيِّنَتْ لَهُ، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها طَرِيقُهم في الشِّرْكِ، ومَصِيرُهم إلى الخِزْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها مَقْصُودُهم في طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْهُ، وذَلِكَ إنَّما هو الحَسَدُ، لا إيثارُ مُجالَسَتِهِ واتِّباعِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ انْفَرَدَتْ لامُ "كَيْ" في قَوْلِهِ: "وَلِتَسْتَبِينَ" وسَبِيلُها أنْ تَكُونَ شَرْطًا لَفِعْلٍ يَتَقَدَّمُها أوْ يَأْتِيَ بَعْدَها؟ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِجَوابَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها شَرْطٌ لَفِعْلٍ مُضْمَرٍ، يُرادُ بِهِ: ونَفْعَلُ ذَلِكَ لَكَيْ تَسْتَبِينَ.

والثّانِي: أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى لامٍ مُضْمَرَةٍ، تَأْوِيلُهُ: نُفَصِّلُ الآَياتِ لَيَتَكَشَّفَ أمْرُهم، ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُهم.

6:56Page 134

قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allāh." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

والثّانِي: تَعْبُدُونَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وأهْواءَهُمْ: دِينُهم. قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ إنَّما عَبَدْتُمُوها عَلى طَرِيقِ الهَوى، لا عَلى طَرِيقِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ. ومَعْنى "إذا" مَعْنى الشَّرْطِ؛ والمَعْنى: قَدْ ضَلَلْتُ إنَّ عَبَدْتُها. وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: "قَدْ ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللّامِ.

6:57Page 134

قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient.1 The decision is only for Allāh. He relates the truth, and He is the best of deciders."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ وسائِرَ قُرَيْشٍ قالُوا لَلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ، اسْتِهْزاءً؛ وقامَ النَّضْرُ عِنْدَ الكَعْبَةِ وقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ حَقًّا، فائْتِنا بِالعَذابِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَأمّا البَيِّنَةُ، فَهي الدَّلالَةُ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. قالَ الزَّجّاجُ: أنا عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ، لا مُتَّبِعٍ لِهَوًى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرَّبِّ. والثّانِي: تَرْجِعُ إلى البَيانِ. والثّالِثُ: تَرْجِعُ إلى العَذابِ الَّذِي طَلَبُوهُ اسْتِهْزاءً

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: ما بِيَدِي. وفي الَّذِي اسْتَعْجَلُوا بِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ الآَياتُ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَها؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. (p-٥٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحُكْمُ الَّذِي يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ بِإيجابِ الثَّوابِ والعِقابِ.

والثّانِي: أنَّهُ القَضاءُ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُخالِفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُصُّ الحَقَّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ "يَقُصُّ الحَقَّ" بِالصّادِّ المُشَدَّدَةِ، مِنَ القَصَصِ؛ والمَعْنى: أنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ بِهِ فَهو حَقٌّ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَقْضِي الحَقَّ" مِنَ القَضاءِ؛ والمَعْنى يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ.

6:58Page 134

قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٥٨

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allāh is most knowing of the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ: لَمْ أُمْهِلْكم ساعَةً ولَأهْلَكْتُكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: إنْ شاءَ عاجَلَهم، وإنْ شاءَ أخَّرَ عُقُوبَتَهم.

والثّانِي: أعْلَمُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، وأنَّهُ قَدْ يَهْتَدِي مِنهم قَوْمٌ، ولا يَهْتَدِي آَخَرُونَ؛ فَلِذَلِكَ يُؤَخِّرُوهم.

6:59Page 134

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩

And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٌ؛ (p-٥٣)يُقالُ مِفْتَحٌ ومِفْتاحٌ، فَمَن قالَ مِفْتَحٌ، جَمَعَهُ: مَفاتِحُ. ومَن قالَ: مِفْتاحٌ، جَمَعَهُ: مَفاتِيحُ. وفي "مَفاتِحِ الغَيْبِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ، لا يَعْلَمُ مَتى تَقُومُ السّاعَةُ إلّا اللَّهُ، ولا يَعْلَمُ ما تَغِيضُ الأرْحامُ إلّا اللَّهُ، ولا يَعْلَمُ ما في غَدٍ إلّا اللَّهُ، ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلّا اللَّهُ، ولا يَعْلَمُ مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ إلّا اللَّهُ"» قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُوتِيَ نَبِيُّكم عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا مَفاتِيحُ الغَيْبِ.

والثّانِي: أنَّها خَزائِنُ غَيْبِ السَّماواتِ مِنَ الأقْدارِ والأرْزاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما غابَ عَنَ الخَلْقِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وما تَصِيرُ إلَيْهِ الأُمُورُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ خَزائِنُ غَيْبِ العَذابِ، مَتى يَنْزِلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٥٤)والخامِسُ الوَصْلَةُ إلى عِلْمِ الغَيْبِ إذا اسْتَعْلَمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: عَواقِبُ الأعْمارِ وخَواتِيمُ الأعْمالِ.

والسّابِعُ: ما لَمْ يَكُنْ، هَلْ يَكُونُ، أمْ لا يَكُونُ؟ وما يَكُونُ كَيْفَ يَكُونُ وما لا يَكُونُ، إنْ كانَ، كَيْفَ يَكُونُ؟ فَأمّا البَرُّ، فَهو القَفْرُ. وفي البَحْرِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الماءُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ القُرى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُها ساقِطَةً وثابِتَةً، كَما تَقُولُ: ما يَجِيئُكَ أحَدٌ إلّا وأنا أعْرِفُهُ، لَيْسَ تَأْوِيلُهُ: اعْرِفْهُ في حالِ مَجِيئِهِ فَقَطْ. فَأمّا ظُلُماتُ الأرْضِ، فالمُرادُ بِها بَطْنُ الأرْضِ.

وَفِي الرَّطْبِ واليابِسِ، خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الرَّطْبَ: الماءُ، واليابِسُ: البادِيَةُ. والثّانِي: الرَّطْبُ: ما يَنْبُتُ، واليابِسُ: ما لا يَنْبُتُ، والثّالِثُ: الرَّطْبُ: الحَيُّ، واليابِسُ: المَيِّتُ. والرّابِعُ: الرَّطْبُ: لِسانُ المُؤْمِنِ يَذْكُرُ اللَّهَ، واليابِسُ: لِسانُ الكافِرِ لا يَتَحَرَّكُ بِذِكْرِ اللَّهِ. والخامِسُ: أنَّهُما الشَّيْءُ يَنْتَقِلُ مِن إحْدى الحالَتَيْنِ إلى الأُخْرى، فَهو يَعْلَمُهُ رَطْبًا، ويَعْلَمُهُ يابِسًا. وفي الكِتابِ المُبِينِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ المُتْقَنِ؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في إحْصاءِ هَذِهِ الأشْياءِ في كِتابٍ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

أحَدُها: أنَّهُ أحْصاها في كِتابٍ، لَتَقِفَ المَلائِكَةُ عَلى نَفاذِ عِلْمِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عِبادَهُ عَلى تَعْظِيمِ الحِسابِ، وأعْلَمَهم أنَّهُ لا يَفُوتُهُ ما يَصْنَعُونَ، لِأنَّ مِن يُثْبِتُ ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ، فَهو إلى إثْباتِ ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ أسْرَعُ. (p-٥٥)والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ: العِلْمُ؛ فالمَعْنى: أنَّها مُثْبَتَةٌ في عِلْمِهِ.

6:60Page 135

وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠

And it is He who takes your souls by night1 and knows what you have committed by day. Then He revives you therein [i.e., by day] that a specified term2 may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ يُرِيدُ بِهِ النَّوْمَ لِأنَّهُ يَقْبِضُ الأرْواحَ عَنَ التَّصَرُّفِ بِالنَّوْمِ، كَما يَقْبِضُ بِالمَوْتِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقْبِضُ أرْواحَكم في مَنامِكم. وجُرِحْتُمْ: بِمَعْنى كَسَبْتُمْ. "ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ" أيْ يُوقِظُكم فِيهِ، أيْ: في النَّهارِ ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ أيْ: لِتَبْلُغُوا الأجَلَ المُسَمّى لانْقِطاعِ حَياتِكم، فَدَلَّ بِاليَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.

6:61Page 135

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ الحَفَظَةُ: المَلائِكَةُ، وأحَدُهُما: حافِظٌ، والجَمْعُ: حَفَظَةٌ، مِثْلَ كاتِبٍ وكَتَبَةٌ، وفاعِلٌ وفَعَلَةٌ. وفِيما يَحْفَظُونَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أعْمالُ بَنِي آَدَمَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أعْمالُهم وأجْسادُهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: "تُوَفّاهُ رُسْلُنا" وحُجَّتُهُ أنَّهُ فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى مُؤَنَّثٍ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ، وإنَّما التَّأْنِيثُ لَلْجَمْعِ، فَهو مِثْلُ: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ [يُوسُفَ:٣٠] . وفي المُرادِ بِالرُّسُلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها أنَّهم أعْوانُ مَلَكُ المَوْتِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ النَّخَعِيُّ: أعْوانُهُ يَتَوَفَّوْنَ النُّفُوسَ، وهو يَأْخُذُها مِنهم.

(p-٥٦)والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَضِيعُونَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾، [السَّجْدَةِ:١١ ] فَعَنْهُ جَوابانِ

أحَدُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالرُّسُلِ مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، وقَدْ يَقَعُ الجَمْعُ عَلى الواحِدِ. والثّانِي: أنَّ أعْوانَ مَلَكِ المَوْتِ يَفْعَلُونَ بِأمْرِهِ، فَأُضِيفَ الكُلُّ إلى فِعْلِهِ.

وَقِيلَ: تُوُفِّيَ أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ بِالنَّزْعِ، وتُوُفِّيَ مَلَكُ المَوْتِ بِأنْ يَأْمُرَ الأرْواحَ فَتُجِيبُ، ويَدْعُوها فَتَخْرُجُ، وتَوَفِّي اللَّهَ تَعالى بِأنْ يَخْلُقَ المَوْتَ في المَيِّتِ.

6:62Page 135

ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢

Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي العِبادَ. وفي مُتَوَلِّي الرَّدِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، رَدَّتْهم بِالمَوْتِ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَدَّهم بِالبَعْثِ في الآَخِرَةِ. وفي مَعْنى رَدِّهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم رُدُّوا إلى المَكانِ الَّذِي لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.

والثّانِي: أنَّهم رُدُّوا إلى اللَّهِ تَدْبِيرِهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا أنْشَأهم كانَ مُنْفَرِدًا بِتَدْبِيرِهِمْ، فَلَمّا مَكَّنَهم مِنَ التَّصَرُّفِ، صارُوا في تَدْبِيرِ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ كَفَّهم عَنْهُ بِالمَوْتِ، فَصارُوا مَرْدُودِينَ. إلى تَدْبِيرِهِ (p-٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ يَعْنِي القَضاءَ. وبَيانَ سُرْعَةِ الحِسابِ، في [البَقَرَةِ] .

6:63–64Page 135

قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤

Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: " قُلْ مَن يُنَجِّيكم قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ" مُشَدَّدَيْنِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ، والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمُشَدَّدَةُ أجْوَدُ لَلْكَثْرَةِ. وظُلُماتُ البَرِّ والبَحْرِ: شَدائِدُها؛ والعَرَبُ تَقُولُ لَلْيَوْمِ الَّذِي تَلْقى فِيهِ شِدَّةً يَوْمٌ مُظْلِمٌ، حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ: يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، أيْ: قَدِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى صارَ كاللَّيْلِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَدى لِبَنِي ذُهَلِ بْنِ شَيَّبانَ ناقَتِي إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشَنْعا

(p-٥٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا﴾ أيْ مُظْهِرِينَ الضَّراعَةَ، وهي شِدَّةُ الفَقْرِ إلى الشَّيْءِ، والحاجَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُفْيَةً﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَفْصًا: "وَخُفْيَةً" بِكَسْرِ الخاءِ؛ وكَذَلِكَ في [الأعْرافِ] . وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الخاءِ، وهُما لُغَتانِ. قالَ الفَرّاءُ: وفِيها لُغَةٌ أُخْرى بِالواوِ، ولا تَصْلُحُ في القِراءَةِ، خِفْوَةً، وخَفْوَةً. ومَعْنى الكَلامِ، أنَّكم تَدْعُونَهُ في أنْفُسِكم، كَما تَدْعُونَهُ ظاهِرًا: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا" كَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا" وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لَئِنْ أنْجانا" بِألْفٍ، لِمَكانِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: "تَدْعُونَهُ" . وكانَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: وخَلْفٌ يُمِيلُونَ الجِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن هَذِهِ﴾ يَعْنِي: في أيِّ شِدَّةٍ وقَعْتُمْ، قُلْتُمْ: "لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ" . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: و"الشّاكِرُونَ" هاهُنا: المُؤْمِنُونَ. وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسافِرُ في البَرِّ والبَحْرِ، فَإذا ضَلُّوا الطَّرِيقَ وخافُوا الهَلاكَ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ، فَأنْجاهم. فَأمّا "الكَرْبُ" فَهو الغَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، ومِنهُ اشْتُقَّتِ الكُرْبَةُ.

6:65Page 135

قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

(p-٥٩)أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي فَوْقَهُمُ: العَذابُ النّازِلُ مِنَ السَّماءِ، كَما حُصِبَ قَوْمُ لُوطٍ، وأصْحابُ الفِيلِ. والَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ: كَما خَسَفَ بِقارُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. وقالَ غَيْرُهُمْ: ومِنهُ الطُّوفانُ، والرِّيحُ، والصَّيْحَةُ، والرَّجْفَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الَّذِي مِن فَوْقِهِمْ: مِن قِبَلِ أُمَرائِهِمْ. والَّذِي مِن تَحْتِهِمْ: مِن سَفَلَتِهِمْ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: الَّذِي مِن فَوْقِهِمْ: أئِمَّةُ السُّوءِ؛ والَّذِي مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ: عَبِيدُ السُّوءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَبُثُّ فِيكُمُ الأهْواءَ المُخْتَلِفَةَ، فَتَصِيرُونَ فِرَقًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُلْبِسُكُمْ: مِنَ الِالتِباسِ عَلَيْهِمْ والمَعْنى: حَتّى تَكُونُوا شِيَعًا، أيْ: فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ. ثُمَّ يُذِيقُ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ بِالقِتالِ والحَرْبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَلْبِسَكم، أيْ: يَخْلِطَ أمْرَكم خَلْطَ اضْطِرابٍ، لا خَلْطَ اتِّفاقٍ. يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِمُ الأمْرَ، أُلْبِسُهُ: إذا لَمْ أُبَيِّنْهُ. ومَعْنى شِيَعًا: أيْ يَجْعَلُكم فِرَقًا، فَإذا كُنْتُمْ مُخْتَلِفِينَ، قاتَلَ بَعْضُكم بَعْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ أيْ يَقْتُلُ بَعْضُكم بِيَدِ بَعْضٍ. وفِيمَن عَنِيَ بِهَذِهِ الآَيَةِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في المُسْلِمِينَ أهْلِ الصَّلاةِ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةَ، وقَتادَةَ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في هَذِهِ الآَيَةِ: هُنَّ أرْبَعُ خِلالٍ، وكُلُّهُنَّ عَذابٌ، وكُلُّهُنَّ واقِعٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَضَتِ اثْنَتانِ قَبْلَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، أُلْبِسُوا شِيَعًا، وأُذِيقَ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ. وثِنْتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: الخَسْفُ، والرَّجْمُ.

(p-٦٠)والثّانِي: أنَّ العَذابَ لَلْمُشْرِكِينَ، وباقِي الآَيَةِ لَلْمُسْلِمِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. وقَدْ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ رَبِّي ثَلاثًا، فَأعْطانِي اثْنَتَيْنِ، ومَنَعَنِي واحِدَةً، سَألْتُهُ أنْ لا يُصِيبَكم بِعَذابٍ أصابَ بِهِ مَن كانَ قَبْلَكم فَأعْطانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْكم عَدُوًّا يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَكم فَأعْطانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ، فَمَنَعَنِيها.»

والثّالِثُ: أنَّها تَهَدُّدٌ لَلْمُشْرِكِينَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

6:66Page 135

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ في هاءِ "بِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها كِنايَةٌ عَنِ القُرْآَنِ. والثّانِي: عَنْ تَصْرِيفِ الآَياتِ. والثّالِثُ: عَنِ العَذابِ. (p-٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَسْتُ حَفِيظًا عَلى أعْمالِكم لَأُجازِيَكم بِها، إنَّما أنا مُنْذِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: لَسْتُ حَفِيظًا عَلَيْكم أخْذَكم بِالإيمانِ، إنَّما أدْعُوكم إلى اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَصْلٌ

وَفِي هَذا القَدْرِ مِنَ الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اقْتَضى الِاقْتِصارَ في حَقِّهِمْ عَلى الإنْذارِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لَسْتُ حَفِيظًا عَلَيْكم، إنَّما أُطالِبُكم بِالظَّواهِرِ مِنَ الإقْرارِ والعَمَلِ، لا بِالإسْرارِ؛ فَعَلى هَذا هو مُحْكَمٌ.

6:67Page 135

لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧

For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ: لَكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُ اللَّهُ بِهِ وقْتٌ يَقَعُ فِيهِ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ولا تَأْخِيرٍ. قالَ السُّدِّيُّ: فاسْتَقَرَّ نَبَأُ القُرْآَنِ بِما كانَ يَعِدُهم مِنَ العَذابِ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنهُ في الدُّنْيا يَوْمَ بَدْرٍ، وفي الآَخِرَةِ جَهَنَّمُ.

6:68Page 135

وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨

And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٦٢)أحَدُها: المُشْرِكُونَ. والثّانِي: اليَهُودَ: والثّالِثُ: أصْحابُ الأهْواءِ. والآَياتُ: القُرْآَنُ. وخَوْضُ المُشْرِكِينَ فِيهِ: تَكْذِيبُهم بِهِ واسْتِهْزاؤُهم، ويُقارِبُهُ خَوْضُ اليَهُودِ، وخَوْضُ أهْلِ الأهْواءِ بِالمِراءِ والخُصُوماتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فاتْرُكْ مُجالَسَتَهم، حَتّى يَكُونَ خَوْضُهم في غَيْرِ القُرْآَنِ. ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يُنْسِيَنَّكَ"، بِفَتْحِ النُّونِ، وتَشْدِيدِ السِّينِ، والنُّونِ الثّانِيَةِ، ومِثْلُ هَذا: غَرَّمْتُهُ وأغْرَمْتُهُ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ﴾ والمَعْنى: إذا أنْساكَ الشَّيْطانُ، فَقَعَدْتَ مَعَهم ناسِيًا نَهَيْنا لَكَ، فَلا تَقْعُدُ بَعْدَ الذِّكْرى. والذِّكْرُ والذِّكْرى: واحِدٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُمْ إذا ذَكَرْتَهُ؛ والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ.

6:69Page 136

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩

And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَئِنْ كُنّا كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآَنِ،

وَخاضُوا فِيهِ، فَمَنَعْناهم، لَمْ نَسْتَطِعْ أنَّ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ولا أنْ نَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: إنّا نَخافُ الإثْمَ إنْ لَمْ نَنْهَهم عَنِ الخَوْضِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَوْ قُمْنا عَنْهم إذا خاضُوا، فانًّا نَخْشى الإثْمَ في مُجالَسَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. هَذا عَنْ مُقاتِلٍ، والأوَّلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الشِّرْكَ. والثّانِي: يَتَّقُونَ الخَوْضَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ يَعْنِي: حِسابُ الخائِضِينَ. وفي حِسابِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرُهم وآَثامُهم. والثّانِي: عُقُوبَةُ خَوْضِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرى﴾ أيْ: ولَكِنَّ عَلَيْكم أنْ تَذْكُرُوهم. وفِيما تُذَكِّرُونَهم بِهِ، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَواعِظُ. والثّانِي: قِيامُكم عَنْهم. قالَ مُقاتِلٌ: إذا قُمْتُمْ عَنْهم، مَنَعَهم مِنَ الخَوْضِ الحَياءُ مِنكم، والرَّغْبَةُ في مُجالَسَتِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الِاسْتِهْزاءَ. والثّانِي: يَتَّقُونَ الوَعِيدَ.

فَصْلٌ

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها اقْتَضَتْ جَوازَ مُجالَسَةِ الخائِضِينَ والِاقْتِصارَ عَلى تَذْكِيرِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النِّساءِ:٤١٠] والصَّحِيحُ أنَّها مَحْكَمَةٌ، لِأنَّها خَبَرٌ، وإنَّما دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ عَبْدٍ يَخْتَصُّ بِحِسابِ نَفْسِهِ، ولا يُلْزِمُهُ حِسابَ غَيْرِهِ.

6:70Page 136

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with it [i.e., the Qur’ān], lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allāh no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it [i.e., that soul]. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الكُفّارُ. والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى.

وَفِي اتِّخاذِهِمْ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ اسْتِهْزاؤُهم بِآَياتِ اللَّهِ إذا سَمِعُوها.

والثّانِي: أنَّهم دانُوا بِما اشْتَهَوْا كَما يَلْهُونَ بِما يَشْتَهُونَ.

والثّالِثُ: أنَّهم يُحافِظُونَ عَلى دِينِهِمْ إذا اشْتَهَوْا، كَما يَلْهُونَ إذا اشْتَهَوْا. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ مَن قَوْمٍ إلّا ولَهم عِيدٌ، فَهم يَلْهُونَ في أعْيادِهِمْ، إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ أعْيادَهم صَلاةٌ وتَكْبِيرٌ وبِرٌّ وخَيْرٌ.

فَصْلٌ

وَلِعُلَماءِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذا القَدْرِ مِنَ الآَيَةِ، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المُدَّثِّرِ:١١] فَعَلى هَذا، هو مُحْكَمٌ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ اقْتَضى المُسامَحَةَ لَهم والإعْراضَ عَنْهم، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ؛ وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ: عِظْ بِالقُرْآَنِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُبْسَلَ﴾ قَوْلانِ. (p-٦٥)أحَدُهُما: لِئَلّا تَبْسَلَ نَفْسٌ كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ [النِّساءِ:١٧٦] .

والثّانِي: ذَكَّرَهم إبْسالَ المُبْسِلِينَ بِجِناياتِهِمْ لَعَلَّهم يَخافُونَ.

وَفِي مَعْنى "تُبْسَلَ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَسْلَمُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَسْلَمُ إلى الهَلَكَةِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ وإبْسالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ بَعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُراقٍ

أيْ: بِغَيْرِ جُرْمٍ أجْرَمْناهُ؛ والبَعْوُ: الجِنايَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَسْلَمُ بِعَمَلِها غَيْرَ قادِرَةٍ عَلى التَّخَلُّصِ. والمُسْتَبْسِلُ: المُسْتَسْلِمُ الَّذِي لا يَعْلَمُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى التَّخَلُّصِ.

والثّانِي: تُفْضَحُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: تُدْفَعُ رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: تُهْلَكُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والخامِسُ: تُحْبَسُ وتُؤْخَذُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. والسّادِسُ: تُجْزى، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والكِسائِيُّ. والسّابِعُ: تُرْتَهَنُ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَرْتَهَنُ وتَسْلَمُ؛ وأنْشَدَ:

؎ هُنالِكَ لا أرْجُو حَياةً تَسُرُّنِي ∗∗∗ سَمِيرَ اللَّيالِي مُبْسَلًا بِالجَرائِرِ

(p-٦٦)سَمِيرُ اللَّيالِي: أبَدَ اللَّيالِي: فَأمّا الوَلِيُّ: فَهو النّاصِرُ الَّذِي يَمْنَعُها مِن عَذابِ اللَّهِ. والعَدْلُ: الفِداءُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وإنْ تَفْتَدِ كُلَّ فِداءٍ لا يُقْبَلُ مِنها. فَأمّا الحَمِيمُ، فَهو الماءُ الحارُّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ سُمِّيَ الحَمّامُ.

6:71–72Page 136

قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧١

Say, "Shall we invoke1 instead of Allāh that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allāh has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.'"2 Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٢

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أنَعْبُدُ ما لا يَضُرُّنا إنْ لَمْ نَعْبُدْهُ، ولا يَنْفَعُنا إنْ عَبَدْناهُ، وهي الأصْنامُ. ﴿وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ أيْ: نَرْجِعُ إلى الكُفْرِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ إلى الإسْلامِ، فَنَكُونُ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ: "اسْتَهْواهُ الشَّياطِينُ" عَلى قِياسِ قِراءَتِهِ: ( تُوَفّاهُ رُسُلُنا ) . وفي مَعْنى "اسْتِهْوائِها" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها هَوَتْ بِهِ وذَهَبَتْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُشَبِّهُ لَهُ الشَّياطِينُ، فَيُتْبِعُها حَتّى تَهْوِيَ بِهِ في الأرْضِ، فَتُضِلَّهُ.

والثّانِي: زَيَّنَتْ لَهُ هَواهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ: و"حَيْرانَ" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيِ: اسْتَهْوَتْهُ في حالِ حِيرَتِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: قالَ المُشْرِكُونَ لَلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا، واتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهِ﴾ فَنَكُونُ كَرَجُلٍ كانَ مَعَ قَوْمٍ (p-٦٧)عَلى طَرِيقِ، فَضْلٌ، فَخَيَّرَتْهُ الشَّياطِينُ، وأصْحابُهُ عَلى الطَّرِيقِ يَدْعُونَهُ: يا فُلانُ هَلُمَّ إلَيْنا، فَإنّا عَلى الطَّرِيقِ، فَيَأْبى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، دَعاهُ أبُوهُ وأُمُّهُ إلى الإسْلامِ فَأبى. قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِأصْحابِهِ: أبَواهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ هَذا رَدٌّ عَلى مَن دَعا إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وزَجَرَ عَنْ إجابَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ ذَلِكَ، لِأنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى، لا هُدى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ أمَرْتُكَ أنْ تَفْعَلَ: وأمَرْتُكَ لَتَفْعَلَ، وأمَرْتُكَ بِأنْ تَفْعَلَ، فَمَن قالَ: "بِأنَّ" فالباءُ؛ لِلْإلْصاقِ. والمَعْنى: وقَعَ الأمْرُ بِهَذا الفِعْلِ، ومَن قالَ: "أنْ تَفْعَلَ" فَعَلى خَذْفِ الباءِ؛ ومَن قالَ: "لِتَفْعَلَ" فَقَدْ أخْبَرَ بِالعِلَّةِ الَّتِي لَها وقَعَ الأمْرُ. قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أمَرَنا لِأنْ نُسْلِمَ، ولِأنْ نُقِيمَ الصَّلاةَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: أُمِرْنا بِالإسْلامِ، وبِإقامَةِ الصَّلاةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском