Ibn al-JawziAl‑A'raf · 7:155–170

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:155–170

7:155Page 169

وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment.1 And when the earthquake seized them,2 he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ المَعْنى: اخْتارَ مِن قَوْمِهِ، فَحَذَفَ (p-٢٦٨)"مِن" تَقُولُ العَرَبُ: اخْتَرْتُكَ القَوْمَ، أيِ: اخْتَرْتُكَ مِنَ القَوْمِ، وأنْشَدُوا:

؎ مِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ

هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ. وفي هَذا المِيقاتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المِيقاتُ الَّذِي وقَّتَهُ اللَّهُ لِمُوسى لَيَأْخُذَ التَّوْراةَ، أمْرَ أنْ يَأْتِيَ مَعَهُ بِسَبْعِينَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ نَوْفُ البَكالِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى، وأمَرَهُ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لَيَدْعُوَ رَبَّهم، فَدَعَوا فَقالُوا: اللَّهُمَّ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا قَبْلَنا، ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛ رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لِمُوسى، لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لَهُ: إنْ طائِفَةً تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُكَ، فَخُذْ مَعَكَ طائِفَةً مِنّا لَيَسْمَعُوا كَلامَهُ فَيُؤْمِنُوا فَتَذْهَبَ التُّهْمَةُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِن خِيارِهِمْ سَبْعِينَ، ثُمَّ ارْتَقِ بِهِمْ عَلى الجَبَلِ أنْتَ وهارُونُ، واسْتَخْلِفْ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ؛ قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لِمُوسى لَيَلْقاهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَعْتَذِرُ إلَيْهِ مِن فِعْلَ عَبَدَةِ العِجْلِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ مُوسى لا يَأْتِي إلّا بِإذْنٍ مِنهُ.

فَأمّا الرَّجْفَةُ فَهي الحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ. وفي سَبَبِ أخْذِها إيّاهم أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ادِّعاؤُهم عَلى مُوسى قَتْلَ هارُونَ؛ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

(p-٢٦٩)والثّانِي: اعْتِداؤُهم في الدُّعاءِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَنْهَوْا عَبَدَةَ العِجْلِ ولَمْ يَرْضَوْا؛ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَأْمُرُوهم بِالمَعْرُوفِ، ولَمْ يَنْهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، ولَمْ يُزايِلُوهم.

والرّابِعُ:" أنَّهم طَلَبُوا اسْتِماعَ الكَلامِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البَقَرَةِ:٥٥]؛ قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قامَ مُوسى يَبْكِي ويَقُولُ: رَبِّ ماذا أقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ إذا أتَيْتُهم وقَدْ أهْلَكْتَ خِيارَهم ﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَوْ شِئْتَ أمَتَّهم قَبْلَ أنْ تَبْتَلِيَهم بِما أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجْفَةُ. وقِيلَ: لَوْ شِئْتَ أهْلَكَتْهم مِن قَبْلِ خُرُوجِنا وإيّايَ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُعايِنُونَ ذَلِكَ ولا يَتَّهِمُونَنِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: هَذا اسْتِفْهامُ اسْتِعْطافٍ، أيْ: لا تُهْلِكُنا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى تَأْوِيلِ الجَحْدِ، أرادَ: لَسْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ. و"السُّفَهاءُ" هاهُنا: عَبَدَةُ العِجْلِ. وقالَ الفَرّاءُ: ظَنَّ مُوسى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاتِّخاذِ أصْحابِهِمُ العَجَلَ. وإنَّما أُهْلِكُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الِابْتِلاءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: العَذابُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ أيْ: ناصِرُنا وحافِظُنا.

7:156–158Page 170

۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧

Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written [i.e., described] in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and prohibits them from what is wrong and makes lawful for them what is good and forbids them from what is evil and relieves them of their burden1 and the shackles which were upon them.2 So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨

Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.

(p-٢٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا﴾ أيْ: حَقَّقَ لَنا وأوْجَبَ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهي الأعْمالُ الصّالِحَةُ ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: تُبْنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ " الَّذِينَ هادَوْا " [البَقَرَةِ:٦٢] كَأنَّهم رَجَعُوا مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ. وقَرَأ أبُو وجْزَةَ السَّعْدِيُّ: ﴿إنّا هُدْنا﴾ بِكَسْرِ الهاءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لا تَتَغَيَّرُ؛ يُقالُ: هادَ يَهُودُ ويَهِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ . وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ: مِن أساءَ بِسِينٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مَعَ النَّصْبِ.

(p-٢٧١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في هَذا الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَخْرَجَهُ عامٌّ ومَعْناهُ خاصٌّ، وتَأْوِيلُهُ: ورَحْمَتِي وسِعَتِ المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ عَلى العُمُومِ في الدُّنْيا، والخُصُوصِ في الآَخِرَةِ؛ وتَأْوِيلُها: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا، البَرَّ والفاجِرَ، وفي الآَخِرَةِ وفي الآَخِرَةِ هي لَلْمُتَّقِينَ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. فَعَلى هَذا، مَعْنى الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا لَلْكافِرِ أنَّهُ يُرْزَقُ ويُدْفَعُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ في حَقِّ قارُونَ: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القَصَصِ:٧٧] .

والثّالِثُ: أنَّ الرَّحْمَةَ التَّوْبَةُ، فَهي عَلى العُمُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الرَّحْمَةَ تَسَعُ كُلَّ الخَلْقِ، إلّا أنَّ أهْلَ الكُفْرِ خارِجُونَ مِنها، فَلَوْ قُدِّرَ دُخُولُهم فِيها لَوَسِعَتْهم، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ الزَّجّاجُ: وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا. ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ في الآَخِرَةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ فَسَأُوجِبُها. وفي الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُتَّقُونَ لَلشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَلْمَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، ذَهَبا (p-٢٧٢)إلى أنَّها العَمَلُ بِما يُزَكِّي النَّفْسَ ويُطَهِّرُها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قالَ إبْلِيسُ: أنا مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَنَزَعَها اللَّهُ مِن إبْلِيسَ، فَقالَ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ فَقالَتِ اليَهُودَ: نَحْنُ نَتَّقِي، ونُؤْتِي الزَّكاةَ، ونُؤْمِنُ بِآَياتِ رَبِّنا، فَنَزَعَها اللَّهُ مِنهم، وجَعَلَها لَهَذِهِ الأُمَّةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ . وقالَ نَوْفُ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى: أجْعَلُ لَكُمُ الأرْضَ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأجْعَلُ السَّكِينَةَ مَعَكم في بُيُوتِكم، وأجْعَلُكم تَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ عَنْ ظُهُورِ قُلُوبِكم، يَقْرَؤُها الرَّجُلُ مِنكم، والمَرْأةُ، والحُرُّ، والعَبْدُ، والصَّغِيرُ، والكَبِيرُ، فَأخْبَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: لا نُرِيدُ أنْ نُصَلِّيَ إلّا في الكَنائِسِ والبَيْعِ، ولا أنْ تَكُونَ السَّكِينَةُ إلّا في التّابُوتِ، ولا أنْ نَقْرَأ التَّوْراةَ إلّا نَظَرًا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ وفي هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كُلُّ مَن آَمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَبِعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ. وفي تَسْمِيَتِهِ بِالأُمِّيِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَكْتُبُ. والثّانِي: لِأنَّهُ مِن أُمِّ القُرى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ أيْ: يَجِدُونَ نَعْتَهُ ونُبُوَّتَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْرُوفُ: مَكارِمُ الأخْلاقِ، وصِلَةُ الأرْحامِ. والمُنْكَرُ: عِبادَةُ الأوْثانِ، وقَطْعُ الأرْحامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ: الإيمانُ، والمُنْكَرُ: الشَّرُّ. وقالَ غَيْرُهُ: المَعْرُوفُ: الحَقُّ، لِأنَّ العُقُولَ تَعْرِفُ صِحَّتَهُ، والمُنْكَرَ: الباطِلُ، لِأنَّ العُقُولَ تُنْكِرُ صِحَّتَهُ.

(p-٢٧٣)وَفِي الطَّيِّباتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَلالُ، والمَعْنى: يَحِلُّ لَهُمُ الحَلالُ. والثّانِي: أنَّها ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَطْيِبُهُ. والثّالِثُ: أنَّها الشُّحُومُ المُحَرَّمَةُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والرّابِعُ: ما كانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُهُ مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والِحامِ.

وَفِي الخَبائِثِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَرامُ، والمَعْنى: ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الحَرامَ.

والثّانِي: أنَّها ما كانَتِ العَرَبُ تَسْتَخْبِثُهُ ولا تَأْكُلُهُ، كالحَيّاتِ، والحَشَراتِ.

والثّالِثُ: ما كانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ صُرْهم وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ آَصارهم مَمْدُودَةَ الألِفِ عَلى الجَمْعِ. وفي هَذا الإصْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّشْدِيدُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ مِن تَحْرِيمِ السَّبْتَ، وأكْلِ الشُّحُومِ والعُرُوقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ مَسْرُوقٌ: لَقَدْ كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ، فَيُصْبِحُ وقَدْ كُتِبَ عَلى بابِ بَيْتِهِ: إنَّ كَفّارَتَهُ أنْ تَنْزِعَ عَيْنَيْكَ فَيَنْزِعُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ الأغْلالِ تَمْثِيلٌ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتُ هَذا طَوْقًا في عُنُقِكَ، ولَيْسَ هُناكَ طَوْقٌ، (p-٢٧٤)إنَّما جَعَلْتُ لُزُومَهُ كالطَّوْقِ. والأغْلالُ: أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم في القَتْلِ دِيَةٌ، وأنْ لا يَعْمَلُوا في السَّبْتِ، وأنْ يُقْرِضُوا ما أصابَ جُلُودَهم مِنَ البَوْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ ﷺ وعَزَّرُوهُ ورَوى أبانُ "وَعَزَّرُوهُ" بِتَخْفِيفِ الزّايِ. وفي المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نَصَرُوهُ وأعانُوهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عَظَّمُوهُ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والنُّورُ الَّذِي أنْزَلَ مَعَهُ: القُرْآَنُ، سَمّاهُ نُورًا، لِأنَّ بَيانَهُ في القُلُوبِ كَبَيانِ النُّورِ في العُيُونِ. وفي قَوْلِهِ "مَعَهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "عَلَيْهِ" .

والثّانِي: بِمَعْنى أُنْزِلَ في زَمانِهِ. قالَ قَتادَةُ: أمّا نَصْرُهُ، فَقَدْ سَبَقْتُمْ إلَيْهِ، ولَكِنَّ خَيْرَكم مَن آَمَنَ بِهِ واتَّبَعَ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ في الكَلِماتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: كَلِماتُهُ: آَياتُهُ.

والثّانِي: أنَّها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

7:159Page 170

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩

And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَدْعُونَ إلى الحَقِّ. والثّانِي: يَعْمَلُونَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وبِالحَقِّ يَحْكُمُونَ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ وراءَ الصِّينِ لَمْ تَبْلُغْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهم مَن آَمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ ابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، قالَهُ (p-٢٧٥)ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِالحَقِّ في زَمَنِ أنْبِيائِهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

7:160–162Page 171

وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠

And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١

And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾ يَعْنِي قَوْمَ مُوسى، يَقُولُ: فَرَّقْناهُمُ "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا" يَعْنِي أوْلادَ يَعْقُوبَ، وكانُوا اثَّنى عَشَرَ ولَدًا، فَوَلَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سِبْطًا. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ والسِّبْطُ ذَكَرٌ، لِأنَّ بَعْدَهُ "أُمَمًا" فَذَهَبَ بِالتَّأْنِيثِ إلى الأُمَمِ، ولَوْ كانَ ﴿اثْنَيْ عَشَرَ﴾ لَتَذْكِيرِ السِّبْطِ، كانَ جائِزًا. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، "أسْباطًا" نَعَتَ "فِرْقَةً" كَأنَّهُ يَقُولُ: جَعَلْناهم أسْباطًا وفَرَّقْناهم أسْباطًا فَيَكُونُ "أسْباطًا" بَدَلًا مِن ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ وأُمَمًا مِن نَعْتِ أسْباطٍ. والأسْباطُ في ولَدِ إسْحاقَ بِمَنزِلَةِ القَبائِلِ لَيَفْصِلَ بَيْنَ ولَدِ إسْماعِيلَ وبَيْنَ ولَدِ إسْحاقَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأسْباطُ: قَبائِلُ بَنِي إسْرائِيلَ، واحِدُهُمْ: سِبْطٌ. ويُقالُ: مِن أيِّ سِبْطٍ أنْتَ؟ أيْ: مِن أيِّ قَبِيلَةٍ وجِنْسٍ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْبَجَسَتْ مِنهُ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: انْفَجَرَتْ؛ يُقالُ: تَبَجَّسَ الماءُ، كَما يُقالُ: تَفَجَّرَ؛ والقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في [سُورَةِ البَقَرَةِ:٥٨-٦٠] .

(p-٢٧٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ بِالتّاءِ مَهْمُوزَةً عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ مِثْلَ: قَضاياكم، ولا تاءَ فِيها. وقَرَأ نافِعٌ "تَغْفِرُ" بِالتّاءِ مَضْمُومَةً خَطِيئاتكم بِالهَمْزِ وضَمَّ التّاءَ، عَلى الجَمْعِ، وافَقَهُ ابْنُ عامِرٍ في "تُغْفَرْ" بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ، لَكِنَّهُ قَرَأ خَطِيئَتكم عَلى التَّوْحِيدِ.

7:163Page 171

وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهُمْ﴾ يَعْنِي أسْباطَ اليَهُودِ، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ يُقَرِّرُهم عَلى قَدِيمِ كُفْرِهِمْ، ومُخالَفَةِ أسْلافِهِمُ الأنْبِياءِ، ويُخْبِرُهم بِما لا يَعْلَمُ إلّا بِوَحْيٍ وفي القَرْيَةِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها أيْلَةُ، رَواهُ مُرَّةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها مَدِينُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها ساحِلُ مَدْيَنَ، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها طَبَرِيَّةُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها قَرْيَةٌ يُقالُ لَها: مُقْنا، بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. ومَعْنى ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ مُجاوِرَةَ البَحْرِ وبِقُرْبِهِ وعَلى شاطِئِهِ. ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: يَظْلِمُونَ، يُقالُ: عَدا فُلانٌ يَعْدُو عُدْوانًا وعَدّاءً وعَدْوًا وعُدُوًّا إذا ظَلَمَ، ومَوْضِعُ "إذْ" نَصْبٌ؛ والمَعْنى: سَلْهم عَنْ وقْتِ عَدْوِهِمْ في السَّبْتِ. ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْضًا بِـ "يَعْدُونَ" والمَعْنى: سَلْهم إذْ عَدَوْا (p-٢٧٧)فِي وقْتِ الإتْيانِ. شَرْعًا أيْ: شُرَّعًا: ظاهِرَةً. ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا الِاخْتِبارِ الشَّدِيدِ نَخْتَبِرُهم بِفِسْقِهِمْ. ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ كَذَلِكَ، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ شُرَّعًا؛ ويَكُونُ نَبْلُوهم مُسْتَأْنَفًا. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: يسبتون بِضَمِّ الياءِ.

7:164Page 172

وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: افْتَرَقَ أهْلُ القَرْيَةِ ثَلاثَ فِرَقٍ؛ فِرْقَةً صادَتْ وأكَلَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وزَجَرَتْ، وفِرْقَةً أمْسَكَتْ عَنَ الصَّيْدِ، وقالَتْ لَلْفِرْقَةِ النّاهِيَةِ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ لامُوهم عَلى مَوْعِظَةِ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنَّهم غَيْرُ مُقْلِعِينَ، فَقالَتِ الفِرْقَةُ النّاهِيَةُ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مَعْذِرَة رَفْعًا، أيْ: مَوْعِظَتُنا إيّاهم مَعْذِرَةٌ، والمَعْنى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ واجِبٌ عَلَيْنا، فَعَلَيْنا مَوْعِظَةُ هَؤُلاءِ عُذْرًا إلى اللَّهِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مَعْذِرَة نَصْبًا، وذَلِكَ عَلى مَعْنى نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً. ﴿وَلَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: وجائِزٌ أنْ يَنْتَفِعُوا بِالمَوْعِظَةِ فَيَتْرُكُوا المَعْصِيَةَ.

7:165–167Page 172

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ يَعْنِي: تَرَكُوا ما وُعِظُوا بِهِ ﴿أنْجَيْنا (p-٢٧٨)الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهُمُ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ. والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بَئِيس عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، فالهَمْزَةُ بَيْنَ الباءِ والياءِ. وقَرَأ نافِعٌ: "بَيْسَ" بِكَسْرِ الباءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ هَمَزَ. ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، عَلى وزْنِ "فَعْلٍ" . ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "بَيَأْسٍ" عَلى وزْنِ "فَيْعَلٍ" . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأيُّوبُ: "بَيْآَسٍ" عَلى وزْنِ "فَيْعالٍ" . وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: "بِئْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ عَلى وزْنِ "نَعِسٍ" . وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعِكْرِمَةُ: "بَيِّسٍ" بِتَشْدِيدِ الياءِ مِثْلَ "قَيِّمٍ" . وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ: "بَئِسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِّينِ وبِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ عَلى وزْنِ "فِعْلٍ" وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" بِألِفٍ ومُدَّةٍ بَعْدَ الباءِ وبِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِوَزْنِ "فاعِلٍ" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَئِيسُ: الشَّدِيدُ، وأنْشَدَ:

؎ حَنَقًا عَلَيَّ وما تُرى لِي فِيهِمُ أثَرًا بَئِيسًا

وَقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَئِسَ يَبْأسُ بَأْسًا، والعاتِي: الشَّدِيدُ الدُّخُولِ في الفَسادِ، المُتَمَرِّدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ مَوْعِظَةً. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ أيْ: تَمَرَّدُوا فِيما نَهَوْا عَنْهُ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [البَقَرَةِ:٦٥] قِصَّةَ مَسْخِهِمْ. وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ يَقُولُ: واللَّهِ ما لُحُومُ هَذِهِ الحِيتانِ بِأعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن دِماءِ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ﴾ رَبُّكَ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

(p-٢٧٩)أحَدُها: أعْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقالَ: هو مِن آَذَنْتُكَ بِالأمْرِ.

وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَأْذَنُ بِمَعْنى آَذَنُ؛ كَما يُقالُ: تَعْلَمُ أنَّ فُلانًا قائِمٌ، أيِ: اعْلَمْ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أيْ: أعْلَمُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ. والثّانِي: حَتَّمَ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: وعْدٌ، قالَهُ قُطْرُبٌ. والرّابِعُ: تَأْلّى، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى اليَهُودِ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِمَعاصِيهِمْ. ﴿مَن يَسُومُهُمْ﴾ أيْ: يُوَلِّيهِمْ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ . وفي المَبْعُوثِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وأُمَّتُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: العَرَبُ، كانُوا يَجِبُّونَهُمُ الخَراجَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَ: ولَمْ يَجْبِ الخَراجَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا مُوسى، جَباهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أمْسَكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ . وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَرَبَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ ويَقْتُلُونَهم. وفي سُوءِ العَذابِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أخْذُ الجِزْيَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: المَسْكَنَةُ والجِزْيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الخَراجُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ القِتالُ حَتّى يُسْلِمُوا، أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.

7:168Page 172

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَرَّقْناهم فِرَقًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ، لَيْسَ مِن بَلَدٍ إلّا وفِيهِ مِنهم طائِفَةٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: مَعْناهُ شَتاتُ أمْرِهِمْ وافْتِراقُ كَلِمَتِهِمْ. ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿وَمِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ وهُمُ الكُفّارُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ عِيسى، وقَبْلَ ارْتِدادِهِمْ.

(p-٢٨٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ أيِ: اخْتَبَرْناهم بِالحَسَناتِ وهي الخَيْرُ، والخَصْبُ، والعافِيَةُ، والسَّيِّئاتُ وهي الجَدْبُ، والشَّرُّ، والشَّدائِدُ؛ فالحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تَحُثُّ عَلى الطّاعَةِ، أمّا النِّعَمُ فَطَلَبُ الِازْدِيادِ مِنها، وخَوْفُ زَوالِها، والنِّقَمُ فَلِكَشْفِها، والسَّلامَةِ مِنها، ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتُوبُوا.

7:169Page 172

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الَّذِينَ وصَفْناهم. "خَلْفٌ" وقَرَأ الجَوْنِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: "خَلَفٌ" بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخَلْفُ والخَلَفُ واحِدٌ؛ وقَوْمٌ يَجْعَلُونَ المُحَرِّكَ اللّامَ، لَلصّالِحِ، والمُسَكَّنِ لَغَيْرِ الصّالِحِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَلْفُ: الرَّدِيءُ مِنَ النّاسِ ومِنَ الكَلامِ، يُقالُ: هَذا خَلْفٌ مِنَ القَوْلِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أكْثَرُ ما تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ الخَلْفُ، بِإسْكانِ اللّامِ، في الرَّدِيءِ المَذْمُومِ، وتُفْتَحُ اللّامُ في الفاضِلِ المَمْدُوحِ. وقَدْ يُوَقَّعُ الخَلْفُ عَلى المَمْدُوحِ، والخَلَفُ عَلى المَذْمُومِ؛ غَيْرَ أنَّ المُخْتارَ ما ذَكَرْناهُ. وفي المُرادِ بِهَذا الخَلْفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: النَّصارى. والثّالِثُ: أنَّ الخَلْفَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والقَوْلانِ عَنْ مُجاهِدٍ.

فَإنْ قِيلَ الخَلْفُ واحِدٌ، فَكَيْفَ قالَ: يَأْخُذُونَ وكَذَلِكَ قالَ في [مَرْيَمَ:٥٩] أضاعُوا فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ جَوابَيْنِ.

(p-٢٨١)أحَدُهُما: أنَّ الخَلْفَ: جَمْعُ خالِفٍ، كَما أنَّ الرَّكْبَ: جَمْعُ راكِبٍ، والشُّرْبُ: جَمْعُ شارِبٍ.

والثّانِي: أنَّ الخَلْفَ مَصْدَرٌ يَكُونُ لَلِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ، والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ: انْتَقَلَ إلَيْهِمُ انْتِقالَ المِيراثِ مِن سَلَفٍ إلى خَلَفٍ، فَيَخْرُجُ في الكِتابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ التَّوْراةُ. والثّانِي: الإنْجِيلُ. والثّالِثُ: القُرْآَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ: هَذِهِ الدُّنْيا، وهو ما يَعْرِضُ لَهم مِنها. وقِيلَ: سَمّاهُ عَرَضًا، لَقِلَّةِ بَقائِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذُونَ ما أحَبُّوا مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ. وقِيلَ: هو الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ. وفي وصْفِهِ بِالأدْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الدُّنُوِّ. والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الدَّناءَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: سَيَغْفِرُ لَنا فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: إنّا لا نُؤاخَذُ، تَمَنِّيًا عَلى اللَّهِ الباطِلَ.

والثّانِي: أنَّهُ ذَنْبٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَنا، تَأْمِيلًا لَرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يُشْبِعُهم شَيْءٌ، فَهم يَأْخُذُونَ لَغَيْرِ حاجَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ إصْرارٍ عَلى الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، فَقالُوا الباطِلَ، وهو ما أوْجَبُوا عَلى اللَّهِ مِن مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَتُوبُونَ مِنها، ولَيْسَ في التَّوْراةِ مِيعادُ المَغْفِرَةِ مَعَ الإصْرارِ.

(p-٢٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ورِثُوا ومَعْنى " دَرَسُوا ما فِيهِ " قَرَؤُوهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: خالَفُوا عَلى عِلْمٍ. ﴿والدّارُ الآخِرَةُ﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الثَّوابِ ( خَيْر لَلَّذِينِ يَتَّقُونَ أفَلا يَعْقِلُونَ ) أنَّ الباقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفانِي. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالتّاءِ، والباقُونَ: بِالياءِ.

7:170Page 172

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "يُمَسِّكُونَ" مُشَدَّدَةً، وقَرَؤُوا ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ مُخَفَّفَةَ[المُمْتَحِنَةِ:١٠] وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ خَفَّفَهُما. ويُقالُ: مَسَكْتُ بِالشَّيْءِ، وتَمَسَّكْتُ بِهِ، واسْتَمْسَكْتُ بِهِ، وامْتَسَكْتُ بِهِ. وهَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ حَفِظُوا حُدُودَهُ ولَمْ يُحَرِّفُوهُ مِنهم [عَبْدُ اللهِ] بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وخَبَرُ "الَّذِينَ": "إنّا" وما بَعْدَهُ، ولَهُ ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ "المُصْلِحِينَ" تَأْوِيلُهُ: والَّذِينَ يُمْسِّكُونَ بِالكِتابِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهم، ولِهَذِهِ العِلَّةِ وعَدَهم حِفْظَ الأجْرِ بِشَرْطٍ، إذْ كانَ مِنهم مَن لَمْ يَصْلُحْ. قالَ: وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: المُصْلِحُونَ يَرْجِعُونَ عَلى الَّذِينَ وتَلْخِيصُ المَعْنى عِنْدَهُ: والَّذِينَ يُمْسِّكُونَ بِالكِتابِ، وأقامُوا الصَّلاةَ، إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم، فَأظْهَرَتْ كِنايَتُهم بِالمُصْلِحِينَ، كَما يُقالُ: عَلَيٌّ لَقِيتُ الكِسائِيَّ، وأبُو سَعِيدٍ رَوَيْتُ عَنِ الخُدْرِيِّ، يُرادُ: لَقِيتُهُ ورَوَيْتُ عَنْهُ قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٨٣)

؎ فَيارَبِّ لَيْلى أنْتَ في كُلِّ مَوْطِنٍ وأنْتَ الَّذِي في رَحْمَةِ اللَّهِ أطْمَعُ

أرادَ في رَحْمَتِهِ، فَأظْهَرَ ضَمِيرَ الهاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском