Ibn al-JawziAl‑A'raf · 7:187–205

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:187–205

7:187Page 174

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧

They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."

(p-٢٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: يا مُحَمَّدُ، بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةٌ، فَبَيِّنْ لَنا مَتى السّاعَةُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ عُرْوَةُ: الَّذِي سَألَهُ عَنَ السّاعَةِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. والمُرادُ بِالسّاعَةِ هاهُنا الَّتِي يَمُوتُ فِيها الخَلْقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مَتى مَرْساها؟ أيْ: مُنْتَهاها. ومَرَسا السَّفِينَةِ: حَيْثُ تَنْتَهِي. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "أيّانَ" بِمَعْنى: مَتى؛ و"مَتى" بِمَعْنى: أيْ حِينَ، ونَرى أنَّ أصْلَها: أيْ أوانُ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ [والواوُ]، وجُعِلَ الحَرْفانِ واحِدًا، ومَعْنى الآَيَةِ: مَتى ثُبُوتُها؟ يُقالُ: رَسا في الأرْضِ، أيْ: ثَبَتَ، ومِنهُ قِيلَ لَلْجِبالِ: رَواسِيَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: مَتى وُقُوعُها؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ: قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها ﴿لا يُجَلِّيها﴾ أيْ: لا يُظْهِرُها في وقْتِها إلّا هو.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٢٩٨)أحَدُها: ثَقُلَ وُقُوعُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَجْهُهُ أنَّ الكُلَّ يَخافُونَها، مُحْسِنُهم ومُسِيئُهم.

والثّانِي: عَظُمَ شَأْنُها في السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: خَفِيَ أمَرُها، فَلَمْ يَعْلَمْ مَتى كَوْنُها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ "فِي" بِمَعْنى "عَلى" فالمَعْنى: ثَقُلَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ أيْ. فَجْأةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، فَتَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ، أيْ: بَرٌّ بِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ:٤٧] . قالَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأسْباطُ عَنِ السُّدِّيُّ: كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم.

والثّانِي: كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِسُؤالِهِمْ، مُجِيبٌ لَهم. قالَ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَأنَّكَ يُعْجِبُكَ سُؤالُهم. وقالَ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ: كَأنَّكَ تُحِبُّ أنْ يَسْألُوكَ عَنْها. وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّكَ فَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ.

والثّالِثُ: كَأنَّكَ عالِمٌ بِها، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ. (p-٢٩٩)والرّابِعُ: كَأنَّكَ اسْتَحْفَيْتَ السُّؤالَ عَنْها حَتّى عَلِمْتَها، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كَأنَّكَ سَؤُولٌ عَنْها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّكَ مَعْنِيٌّ بِطَلَبِ عِلْمِها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها، والحَفِيُّ في كَلامِ العَرَبِ: المَعْنِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُها إلّا هو ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ: المُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا أهْلُ مَكَّةَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ أنَّها كائِنَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

7:188Page 175

قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allāh has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ، فَتَشْتَرِيَ فَتَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تُرِيدُ أنْ تَجْدُبَ، فَتَرْتَحِلَ عَنْها إلى ما قَدْ أُخْصِبَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي المُرادِ بِالنَّفْعِ والضَّرِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ ما يَنْفَعُ ويَضُرُّ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ النَّفْعَ: الهُدى، والضُّرُّ: الضَّلالَةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا ما أرادَ أنْ أُمَلِّكَهُ بِتَمْلِيكِهِ إيّايَ؛ ومَن هو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَكَيْفَ يَعْلَمُ عِلْمَ السّاعَةِ. !

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٣٠٠)أحَدُها: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ بِجَدْبِ الأرْضِ وقَحْطِ المَطَرِ قَبْلَ كَوْنِ ذَلِكَ لَهَيَّأْتُ لِسَنَةِ الجَدْبِ ما يَكْفِيها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ما أرْبَحُ فِيهِ إذا اشْتَرَيْتُهُ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَتى أمُوتُ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمَ ما أسْألُ عَنْهُ مِنَ الغَيْبِ لِأجَبْتُ عَنْهُ. ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيْ: لَمْ يَلْحَقْنِي تَكْذِيبٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَأمّا الغَيْبُ، فَهو كُلُّ ما غابَ عَنْكَ. ويَخْرُجُ في المُرادِ بِالخَيْرِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ. والثّانِي: المالُ. والثّالِثُ: الرِّزْقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ ما يَسُوءُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: الجُنُونُ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: التَّكْذِيبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَعَلى قَوْلِ الحَسَنِ، يَكُونُ هَذا الكَلامُ مُبْتَدَأ، والمَعْنى: وما بِي مِن جُنُونٍ إنَّما أنا نَذِيرٌ، وعَلى باقِي الأقْوالِ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ.

7:189–190Page 175

۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠

But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: آَدَمَ، (p-٣٠١)وَبِزَوْجِها: حَوّاءُ. ومَعْنى ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾: لَيَأْنَسَ بِها ويَأْوِي إلَيْها. ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ: جامَعَها. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أحْسَنُ كِنايَةٍ عَنِ الجِماعِ. والحَمْلُ، بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ، أوْ أخْرَجَتْهُ شَجَرَةٌ. والحَمْلُ، بِكَسْرِ الحاءِ: ما يُحْمَلُ. والمُرادُ بِالحَمْلِ الخَفِيفِ: الماءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ: اسْتَمَرَّتْ بِهِ، قَعَدَتْ وقامَتْ ولَمْ يُثْقِلْها. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وقَرَأ أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، والجَوْنَيُّ " اسْتَمارَّتْ بِهِ " بِزِيادَةِ ألِفٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، والجَحْدَرِيُّ: فَمارَتْ بِهِ بِألِفٍ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأيُّوبُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: فَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةَ الرّاءِ، أيْ: شَكَتْ وتَمارَتْ أحَمَلَتْ، أمْ لا؟ ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَ حَمْلُها ثَقِيلًا. وقالَ الأخْفَشُ: صارَتْ ذا ثِقَلٍ. يُقالُ: أثْمَرْنا، أيْ: صِرْنا ذَوِي ثَمَرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ يَعْنِي آَدَمَ وحَوّاءَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ وفي المُرادِ بِالصّالِحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْسانُ المُشابِهُ لَهُما، وخافا أنْ يَكُونَ بَهِيمَةً، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الغُلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

شَرْحُ السَّبَبِ في دُعائِهِما

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ جاءَ حَوّاءَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ ما في بَطْنِكِ، لَعَلَّهُ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ حِمارٌ؛ وما يُدْرِيكَ مِن أيْنَ يَخْرُجُ، أيَشُقُّ بَطْنَكِ، أمْ يَخْرُجُ مِن فِيكِ، أوْ مِن مِنخَرَيْكِ؟ فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَدَعَوا اللَّهَ حِينَئِذٍ، فَجاءَ إبْلِيسُ (p-٣٠٢)فَقالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قالَتْ: ما أسْتَطِيعُ القِيامَ إذا قَعَدْتُ، قالَ: أفَرَأيْتِ إنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلَهُ إنْسانًا مِثْلَكِ ومِثْلَ آَدَمَ، أتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَلَمّا ولَدَتْهُ سَوِيًّا، جاءَها إبْلِيسُ فَقالَ: لِمَ لا تُسَمِّينَهُ بِي كَما وعَدْتِنِي؟ فَقالَتْ: وما اسْمُكَ؟ قالَ: الحارِثُ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثُ، فَسَمَّتْهُ: عُبِدَ الحارِثِ، وقِيلَ: عَبَدُ شَمْسٍ بِرِضى آَدَمَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " شُرَكاءُ " بِضَمِّ الشِّينِ والمَدِّ، جَمْعُ شَرِيكٍ. وقَرَأ نافِعٌ. وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " شِرْكًا " مَكْسُورَةَ الشِّينِ عَلى المَصْدَرِ، لا عَلى الجَمْعِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ " شِرْكًا " حَذَفَ المُضافَ، كَأنَّهُ أرادَ: جَعَلا لَهُ ذا شِرْكٍ، وذَوِي شَرِيكٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا، لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلا لَهُ ذَوِي شِرْكٍ، فالمَعْنى: جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا؛ وهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ "شُرَكاءَ" وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى "شُرَكاءَ": شَرِيكًا، فَأوْقَعَ الجَمْعَ مَوْقِعَ الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٧٣] . والمُرادُ بِالشَّرِيكِ: إبْلِيسُ، لِأنَّهُما أطاعاهُ في الِاسْمِ، فَكانَ الشِّرْكُ في الطّاعَةِ، لا في العِبادَةِ؛ ولَمْ (p-٣٠٣)يَقْصِدا أنَّ الحارِثَ رَبَّهُما، لَكِنْ قَصَدا أنَّهُ سَبَبُ نَجاةِ ولَدِهِما؛ وقَدْ يُطْلَقُ العَبْدُ عَلى مَن لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا وما فِيَّ إلّا تِلْكَ مِن شِيمَةِ العَبْدِ

وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ لا يَعِيشُ لِآَدَمَ ولَدٌ، فَقالَ الشَّيْطانُ: إذا وُلِدَ لَكُما ولَدٌ فَسَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ، فَأطاعاهُ في الِاسْمِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أشْرَكَ آَدَمُ، إنَّ أوَّلَ الآَيَةِ لَشُكْرٌ، وآَخِرُها مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن يَعْبُدُهُ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ . ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، رَزَقَهُمُ اللهُ أوْلادًا فَهَوَّدُوهم ونَصَّرُوهم. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ قالا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ عائِدٌ إلى النَّفْسِ وزَوْجِهِ مِن ولَدِ آَدَمَ، لا إلى آَدَمَ وحَوّاءَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الوَلَدِ الصّالِحِ، وهو السَّلِيمُ الخَلْقِ؛ فالمَعْنى: جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ الوَلَدُ شُرَكاءَ. وإنَّما قِيلَ: "جَعَلا" لِأنَّ حَوّاءَ كانْتْ تَلِدُ في كُلِّ (p-٣٠٤)بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أوْلادُ آَدَمَ وحَوّاءَ. فَتَأْوِيلُ الآَيَةِ: فَلَمّا آَتاهُما صالِحًا، جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ، فَحَذَفَ الأوْلادَ وأقامَهُما مَقامَهم كَما قالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ:٨٢] . وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في مُشْرِكِي العَرَبِ خاصَّةً، وأنَّها مَفْصُولَةً عَنْ قِصَّةِ آَدَمَ وحَوّاءَ.

7:191Page 175

أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ لِآَدَمَ وحَوّاءَ حَيْثُ سَمَّيا ولَدَهُما عَبْدَ شَمْسٍ، والشَّمْسُ لا تَخْلُقُ شَيْئًا. وقالَ غَيْرُهُ: هَذا راجَعٌ إلى الكَفّارِ حَيْثُ أشْرَكُوا بِاللَّهِ الأصْنامَ، وهي لا تَخْلُقُ شَيْئًا. وقَوْلُهُ: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ أيْ: وهي مَخْلُوقَةٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: "ما" ثُمَّ قالَ: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ لِأنَّ "ما" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ؛ وإنَّما قالَ: وهَمّ وهو يَعْنِي الأصْنامَ، لِأنَّ عابِدِيها ادَّعَوْا أنَّها تَعْقِلُ وتُمَيِّزُ، فَأُجْرِيتْ مَجْرى النّاسِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ:١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، قالَ الشّاعِرُ:

؎ تَمَزَّزْتُها والدِّيكُ يَدْعُو صَباحَهُ إذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا

وَأنْشَدَ ثَعْلَبٌ لِعَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:

؎ إذْ أشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعُو بَعْضَ أُسْرَتِهِ ∗∗∗ لَدى الصَّباحِ وهم قَوْمٌ مَعازِيلُ

(p-٣٠٥)لَمّا جَعَلَهُ يَدْعُو، جَعَلَ الدِّيَكَةَ قَوْمًا، وجَعَلَهم مَعازِيلَ، وهُمُ الَّذِينَ لا سِلاحَ مَعَهم، وجَعَلَهم أُسْرَةً؛ وأُسْرَةُ الرَّجُلِ: رَهْطُهُ وقَوْمُهُ.

7:192Page 175

وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢

And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يَقُولُ: إنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ نَصْرَ مَن عَبَدَها، ولا تَمْنَعَ مِن نَفْسِها.

7:193Page 175

وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأصْنامِ، فالمَعْنى: وإنْ دَعَوْتُمْ أيُّها المُشْرِكُونَ أصْنامَكم إلى سَبِيلِ رَشادٍ لا يَتَّبِعُوكم، لِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى: وإنْ تَدَعْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إلى الهُدى، لا يَتَّبِعُوكم، فَدُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سَواءٌ، لِأنَّهم لا يَنْقادُونَ إلى الحَقِّ. وقَرَأ نافِعٌ ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ.

7:194–196Page 175

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦

Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: فَلْيُجِيبُوكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّ لَكِنَّ عِنْدَهم نَفْعًا وثَوابًا. ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في المَصالِحِ ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ في دَفْعٍ ما يُؤْذِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَبْطِشُونَ" بِضَمِّ الطّاءِ هاهُنا وفي [القَصَصِ:١٩] و[الدُّخانِ:١٦] . ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ المَنافِعُ مِنَ المَضارِّ ﴿أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ تَضَرُّعَكم ودُعاءَكُمْ؟ وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى تَفْضِيلِ العابِدِينَ عَلى المَعْبُودِينَ، وتَوْبِيخٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هم أفْضَلُ مِنهُ. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُخَوِّفُونَهُ بِآَلِهَتِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنْتُمْ وهم ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ: لا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يَقْرَؤُونَ " ثُمَّ كيدون " بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ في رِوايَةِ ابْنُ حَمّادٍ بِالياءِ في الوَصْلِ. ورَوى ورْشٌ، وقالُونُ، والمُسَيِّبِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ، ولا وقْفٍ. فَأمّا "تَنْظُرُونَ" فَأثْبَتَ فِيها الياءَ يَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ: ناصِرِيَّ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ وهو القُرْآَنُ، أيْ: كَما أيَّدَنِي بِإنْزالِ الكِتابِ يَنْصُرُنِي.

7:197Page 176

وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧

And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِكم مِمَّنْ أرادَكم بِسُوءٍ ولا يَمْنَعُونَ أنْفُسَهم مِن سُوءٍ أُرِيدَ بِهِمْ.

7:198Page 176

وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨

And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.

(p-٣٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ في المُرادِ بِهَؤُلاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأصْنامُ. ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما يُواجِهُونَكَ، تَقُولُ العَرَبُ: دارِي تَنْظُرُ إلى دارِكَ، ﴿وَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ أرْواحٌ. والثّانِي: وتَراهم كَأنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، لِأنَّ لَهم أعْيُنًا مَصْنُوعَةً، فَأسْقَطَ كافَ التَّشْبِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى﴾ [الحَجِّ:٢] أيْ: كَأنَّهم سُكارى، ﴿وَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ في الحَقِيقَةِ. وإنَّما أخْبَرَ عَنْهم بِالهاءِ والمِيمِ، لِأنَّهم عَلى هَيْئَةِ بَنِي آَدَمَ،

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فالمَعْنى: وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ بِأعْيُنِهِمْ ولا يُبْصِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ.

7:199Page 176

خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩

Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ العَفْوُ: المَيْسُورُ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في سُورَةِ [البَقَرَةِ:٢١٩] . وفي الَّذِي أمَرَ بِأخْذِ العَفْوِ مِنهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أخْلاقُ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، فَيَكُونُ (p-٣٠٨)المَعْنى: أقْبَلُ المَيْسُورَ مِن أخْلاقِ النّاسِ، ولا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَتَظْهَرُ مِنهُمُ البَغْضاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ المالُ، وفِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِعَفْوِ المالِ: الزَّكاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ. والثّانِي: أنَّها صَدَقَةٌ كانَتْ تُؤْخَذُ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِ: مُساهَلَةُ المُشْرِكِينَ والعَفْوُ عَنْهم، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ: بِالمَعْرُوفِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ فِيمَن جَهِلَ، أمَرَ بِصِيانَةِ النَّفْسِ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ عَلى سَفَهِهِمْ، وإنْ وجَبَ عَلَيْهِ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ. وهَذِهِ الآَيَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ كُلِّها مُحْكَمَةٌ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّ وسَطَها مُحْكَمٌ، وطَرَفَيْها مَنسُوخانِ عَلى ما بَيَّنّا.

7:200–201Page 176

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠

And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١

Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.

قَوْلُهُ تَعالى: ( إذا مَسَّهم طَيْف ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "طَيْفٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "طائِفٌ" بِألِفٍ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ: "طَيَّفٌ" بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وهَلِ الطّائِفُ والطَّيْفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ يَخْتَلِفانِ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما ما كانَ كالخَيالِ والشَّيْءِ يُلِمُّ بِكَ، حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: الطَّيْفُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ الطّائِفِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ألا بِالقَوْمِ لَطَيْفُ الخَيالِ أرَقُّ مِن نازِحٍ ذِي دَلالِ

والثّانِي: أنَّ الطّائِفَ: ما يَطُوفُ حَوْلَ الشَّيْءِ، والطَّيْفُ اللَّمَّةُ والوَسْوَسَةُ (p-٣١٠)والخَطِرَةُ، حُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الطّائِفُ: اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطانِ، والطَّيْفُ: الغَضَبُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطّائِفُ: الفاعِلُ مِنَ الطَّيْفِ؛ والطَّيْفِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: اللَّمَمُ مِنَ الشَّيْطانِ؛ وزَعَمَ مُجاهِدٌ أنَّهُ الغَضَبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَذَكَّرُوا اللَّهَ إذا هَمُّوا بِالمَعاصِي فَتَرَكُوها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: تُفَكِّرُوا فِيما أوْضَحَ اللَّهُ لَهم مِنَ الحُجَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ؛ والمَعْنى: إذا جَرَّأهُمُ الشَّيْطانُ عَلى ما لا يَحِلُّ، تَذَكَّرُوا غَضَبَ اللَّهِ، أمْسَكُوا، فَإذا هم مُبْصِرُونَ لَمَواضِعِ الخَطَإ بِالتَّفَكُّرِ.

7:202Page 176

وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢

But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإخْوانُهُمْ﴾ في هَذِهِ الهاءِ والمِيمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها عائِدَةٌ عَلى المُشْرِكِينَ؛ فَتَكُونُ هَذِهِ الآَيَةُ مُقَدَّمَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ، وإخْوانُ الجاهِلِينَ، وهُمُ الشَّياطِينُ ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ قَرَأ نافِعٌ: "يَمُدُّونَهُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ. والباقُونَ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: عامَّةٌ ما جاءَ في التَّنْزِيلِ فِيما يُحْمَدُ ويُسْتَحَبُّ: أُمْدِدْتُ، عَلى أُفْعِلْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ [النَّمْلِ:٣٦] ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ:٥٥] ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ [الطُّورِ:٢٢]، وما كانَ عَلى خِلافٍ يَجِيءُ عَلى: مَدَدْتُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥]؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَجْهَ فَتْحُ الياءِ، إلّا أنَّ وجْهَ قِراءَةِ نافِعٍ بِمَنزِلَةِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "يَمُدُّونَهم في الغَيِّ" أيْ: يُزَيِّنُونَهُ لَهم، (p-٣١١)وَيُرِيدُونَ مِنهم لُزُومَهُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: أنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا جَرَّهُمُ الشَّيْطانُ إلى خَطِيئَةٍ، تابُوا مِنها، وإخْوانُ الجاهِلِينَ، وهُمُ الشَّياطِينُ، يَمُدُّونَهم في الغَيِّ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِنَ العُلَماءِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الهاءُ والمِيمُ تَرْجِعُ إلى الشَّياطِينِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهم لَقَوْلِهِ: "مِنَ الشَّيْطانِ "فالمَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهم.

والثّانِي: أنَّ الهاءَ والمِيمَ تَرْجِعُ إلى المُتَّقِينَ؛ فالمَعْنى: وإخْوانُ المُتَّقِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: مِنَ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَهم في الغَيِّ، أيْ: يُرِيدُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَدْخُلُوا مَعَهم في الكُفْرِ، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: "وَإخْوانُهُمْ" ولَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ؟ فالجَوابُ: أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونُوا إخْوانَهم في النَّسَبِ، أوْ في كَوْنِهِمْ مِن بَنِي آَدَمَ، أوْ لَكَوْنِهِمْ يُظْهِرُونَ النُّصْحَ كالإخْوانِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ الشَّياطِينُ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونُوا لِكَوْنِهِمْ مُصاحِبِينَ لَهم، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَقْصُرُونَ" بِالتَّشْدِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أقْصَرَ يُقَصِّرُ، وقَصَرَ يُقَصِّرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا الإنْسُ يُقْصِرُونَ عَمّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولا الشَّياطِينُ تُقَصِّرُ عَنْهُمْ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: "يُقْصِرُونَ" مِن فِعْلِ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ؛ ويَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الثّانِي أنْ يَكُونَ هَذا وصْفًا لِلْإخْوانِ فَقَطْ.

7:203Page 176

وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣

And when you, [O Muḥammad], do not bring them a sign [i.e., miracle], they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur’ān] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ يَعْنِي بِهِ المُشْرِكِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ، سَألُوها تَعَنُّتًا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. (p-٣١٢)والثّانِي: إذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ لَإبْطاءِ الوَحْيِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: هَلّا افْتَعَلْتَها مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: العَرَبُ تَقُولُ: اجْتَبَيْتُ الكَلامَ، واخْتَلَقْتُهُ، وارْتَجَلْتُهُ: إذا افْتَعَلْتُهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ.

والثّانِي: هَلّا طَلَبْتَها لَنا قَبْلَ مَسْألَتِكَ؟ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ لِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَصائِرُ بِمَعْنى الحُجَجِ والبُرْهانِ والبَيانِ، واحِدَتُها: بَصِيرَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى البَصائِرِ: ظُهُورُ الشَّيْءِ وبَيانُهُ.

7:204Page 176

وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤

So when the Qur’ān is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، فَقَرَأ أصْحابُهُ وراءَهُ رافِعِينَ أصْواتَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ إذا صَلّى، فَيَقُولُ بَعْضُهم لَبَعْضٍ: لا تَسْمَعُوا لَهَذا القُرْآَنِ والغُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ. (p-٣١٣)والثّالِثُ: «أنَّ فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ كُلَّما قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، قَرَأ هو، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في صَلاتِهِمْ أوَّلَ ما فُرِضَتْ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لَصاحِبِهِ: كَمْ صَلَّيْتُمْ؟ فَيَقُولُ: كَذا وكَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ تَأْمُرُ بِالإنْصاتِ لِلْإمامِ في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمْعَةَ، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ في آَخَرِينَ.

7:205Page 176

وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥

And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ في هَذا الذِّكْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القِراءَةُ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا، أمَرَ أنْ يَقْرَأ في نَفْسِهِ في صَلاةِ الإسْرارِ.

والثّانِي: أنَّهُ القِراءَةُ خَلْفَ الإمامِ سِرًّا في نَفْسِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسانِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِاسْتِدامَةِ الفِكْرِ، لا يَغْفُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ. وفي المُخاطَبِ بِهَذا الذَّكَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُسْتَمِعُ لَلْقُرْآَنِ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا مِنَ الخَطِيبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابُ النَّبِيِّ ﷺ، ومَعْناهُ عامٌّ في جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. (p-٣١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ التَّضَرُّعُ: الخُشُوعُ في تَواضُعٍ؛ والخِيفَةُ الحَذَرُ مِن عِقابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ الجَهْرُ: الإعْلانُ بِالشَّيْءِ؛ ورَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ: إذا كانَ صَوْتُهُ عالِيًا. وفي هَذا نَصَّ عَلى أنَّهُ الذِّكْرُ بِاللِّسانِ؛ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: قِراءَةُ القُرْآَنِ. والثّانِي: الدُّعاءُ، وكَلاهُما مَندُوبٌ إلى إخْفائِهِ، إلّا أنَّ صَلاةَ الجَهْرِ قَدْ بَيَّنَ أدَبُها في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ﴾ [الإسْراءُ: ١١٠] . بِها فَأمّا الغُدُوُّ فَهو جَمْعُ غُدْوَةٍ؛ والآَصالُ جَمْعُ أصْلٍ، والأصْلُ جَمْعُ أصِيلٍ؛ فالآَصالُ جَمْعُ الجَمْعِ، والآَصالُ: العَشِيّاتُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي ما بَيْنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ؛ وأنْشَدَ:

؎ لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أهْلَهُ وأقْعُدُ في أفْيائِهِ بِالأصائِلِ

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي بِالغُدُوِّ: صَلاةَ الفَجْرِ؛ والآَصالِ: صَلاةَ العَصْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском