Ibn al-JawziAl‑A'raf · 7:21–39

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:21–39

7:21–25Page 152

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١

And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤

[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."

قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاسَمَهُما﴾ قالَ الزَّجّاجُ: حَلَفَ لَهُما، ﴿فَدَلاهُما﴾ في المَعْصِيَةِ بِأنْ غَرَّهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آَدَمُ لا يَظُنُّ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ أيْ: فَلَمّا ذاقا ثَمَرَ الشَّجَرَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما ذاقاها ذَواقًا، ولَمْ يُبالِغا في الأكْلِ. والسَّوْأةُ كِنايَةٌ عَنِ الفَرَجِ، لا أصِلَ لَهُ في تَسْمِيَتِهِ. ومَعْنى (طَفِقا) أخَذا في الفِعْلِ؛ والأكْثَرُ: طَفِقَ يَطْفُقُ؛ وقَدْ رُوِيَتْ: طَفِقَ يَطْفِقُ، بِكَسْرِ الفاءِ، ومَعْنى (يَخْصِفانِ) يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ، ومِنهُ قِيلٌ لَلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خِصافٌ.

وَفِي الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إظْهارَ السَّوْأةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آَدَمَ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ فَإنَّهُما بادَرا يَسْتَتِرانِ لَقُبْحِ التَّكَشُّفِ. وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ السَّوْأةُ سَوْأةً، لِأنَّ كَشْفَها يَسُوءُ صاحِبَها. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ لِباسَهُما نُورًا عَلى فُرُوجِهِما، لا يَرى أحَدُهُما عَوْرَةَ الآَخَرِ؛ فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ، بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما. وقَرَأ الحَسَنُ: "سَوْأتُهُما" عَلى التَّوْحِيدِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ: "يَخْصِفانِ" بِكَسْرِ الياءِ والخاءِ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ. وفي الوَرَقِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ورَقُ التِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-١٨١)والثّانِي: ورَقُ المَوْزِ، ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ يَعْنِي الأرْضَ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في تاءِ "تَخْرُجُونَ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ هاهُنا؛ وفي الرُّومِ: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الرُّومِ:١٩] . وفي الزُّخْرُفِ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ:١١] . وفي الجاثِيَةِ: ﴿لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ [الجاثِيَةِ:٣٥] . وقَرَأهُنَّ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ. وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التّاءَ في (الأعْرافِ) فَقَطْ فَأمّا الَّتِي في (الرُّومِ) ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ:٢٥]، وفي ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٤٣] فَمَفْتُوحَتانِ مِن غَيْرِ خِلافٍ.

7:26Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.

أحَدُها: خَلَقْنا لَكم. والثّانِي: ألْهَمْناكم كَيْفِيَّةَ صُنْعِهِ. والثّالِثُ: أنْزَلْنا المَطَرَ الَّذِي هو سَبَبُ نَباتِ ما يُتَّخَذُ لِباسًا. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا: "وَرِيشًا" . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وقَتادَةُ، والمُفَضَّلُ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "وَرِياشًا" بِألِفٍ. قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرِّياشُ جَمِيعَ الرِّيشِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الرِّيشِ كَما قالُوا: لُبْسٌ، ولِباسٌ. (p-١٨٢)قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَلَمّا كَشَفْنَ اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ بِأطْرافِ طِفْلٍ زانَ غَيْلًا مُوَشَّمًا

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: "الرِّياشُ": المالُ؛ وقالَ عَطاءٌ: المالُ والنَّعِيمُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرِّيشُ: الجَمالُ؛ وقالَ مَعْبَدُ الجُهَنِيُّ: الرِّيشُ: الرِّزْقُ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرِّيشُ والرِّياشُ: ما ظَهَرَ مِنَ اللِّباسِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الرِّيشُ: اللِّباسُ وكُلُّ ما سَتَرَ الإنْسانَ في جِسْمِهِ ومَعِيشَتِهِ. يُقالُ: تَرَيَّشَ فَلانٌ، أيْ: صارَ لَهُ ما يَعِيشُ بِهِ. أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

؎ رِياشَيْ مِنكم وهَوايَ مَعَكم ∗∗∗ وإنْ كانَتْ زِيارَتُكم لِمامًا

وَعَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ: الرِّيشُ والرِّياشُ بِمَعْنًى. قالَ قُطْرُبٌ: الرِّيشُ والرِّياشُ واحِدٌ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الرِّيشُ: المالُ، والرِّياشُ: الثِّيابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "وَلِباسُ التَّقْوى" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: بِنَصْبِ اللِّباسِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَّبَ اللِّباسَ، عَطَفَ بِهِ عَلى الرِّيشِ؛ ومَن رَفَعَهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِإضْمارِ: هُوَ؛ المَعْنى: وهو لِباسُ التَّقْوى، أيْ: وسَتْرُ العَوْرَةِ لِباسُ المُتَّقِينَ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في لِباسِ التَّقْوى عَشْرَةُ أقْوالٍ. (p-١٨٣)أحَدُها: أنَّهُ السَّمْتُ الحَسَنُ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ؛ ورَواهُ الذَّيّالُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: العَمَلُ الصّالِحُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الإيمانُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ؛ فَعَلى هَذا، سُمِّيَ لِباسُ التَّقْوى، لِأنَّهُ يَقِي العَذابَ. والرّابِعُ: خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ. والخامِسُ: الحَياءُ، قالَهُ مَعْبَدُ الجُهَنِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ. والسّادِسُ: سَتْرُ العَوْرَةِ لَلصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والسّابِعُ: أنَّهُ الدِّرْعُ، وسائِرُ آَلاتِ الحَرْبِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. والثّامِنُ: العَفافُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والتّاسِعُ: أنَّهُ ما يُتَّقى بِهِ الحَرُّ والبَرْدُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. والعاشِرُ: أنَّ المَعْنى: ما يَلْبَسُهُ المُتَّقُونَ في الآَخِرَةِ، خَيْرٌ مِمّا يَلْبَسُهُ أهْلُ الدُّنْيا، رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ مِنَ الثِّيابِ، لِأنَّ الفاجِرَ، وإنْ كانَ حَسَنَ الثَّوْبِ، فَهو بادِيَ العَوْرَةِ؛ "وَذَلِكَ" زائِدَةٌ. قالَ الشّاعِرُ في هَذا المَعْنى:

؎ إنِّي كَأنِّي أرى مَن لا حَياءَ لَهُ ∗∗∗ ولا أمانَةَ وسْطَ القَوْمِ عُرْيانًا

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: لِباسُ التَّقْوى، هو اللِّباسُ الأوَّلُ، وإنَّما أعادَهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ التَّعَرِّي، إذْ كانُوا يَتَعَبَّدُونَ في الجاهِلِيَّةِ بِالتَّعَرِّي في الطَّوافِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: الثِّيابَ والمالَ مِن آَياتِ اللَّهِ وصُنْعِهِ، لَكَيْ يَذْكُرُوا، فَيُعْتَبَرُوا في صُنْعِهِ.

7:27Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

أحَدُها: أنَّهُ النُّورُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ كالظُّفْرِ؛ فَلَمّا أكَلا، لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما مِنهُ إلّا الظُّفْرُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّقْوى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ مِن ثِيابِ الجَنَّةِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ أيْ: لَيُرِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْأةَ صاحِبِهِ. ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: قَبِيلَهُ: الجِنُّ والشَّياطِينُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَهُمُ اللهُ يَجْرُونَ مِن بَنِي آَدَمَ مَجْرى الدَّمِ، وصُدُورُ بَنِي آَدَمَ مَساكِنُ لَهم، فَهم يَرَوْنَ بَنِي آَدَمَ، وبَنُو آَدَمَ لا يَرَوْنَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، يَزِيدُونَ في غَيِّهِمْ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: جَعَلْناهم مُوالِينَ لَهم.

7:28Page 153

وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ فِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً. والفاحِشَةُ: كَشْفُ العَوْرَةِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والسُّدِّيُّ. (p-١٨٥)والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا السّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ وتِلْكَ الفاحِشَةَ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ؛ والفاحِشَةُ: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ. قالَ الزَّجّاجُ: فَأعْلَمَهم عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، لِأنَّ حِكْمَتَهُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا المُسْتَحْسِنَ. والقِسْطُ: العَدْلُ. والعَدْلُ: ما اسْتَقَرَّ في النُّفُوسِ قُبْحُهُ؟!

7:29Page 153

قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩

Say, [O Muḥammad], "My Lord has ordered justice and that you direct yourselves [to the Qiblah] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدُ مَسْجِدٍ، فَصَلُّوا فِيهِ، ولا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: أُصَلِّي في مَسْجِدِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: تَوَجَّهُوا حَيْثُ كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: اجْعَلُوا سُجُودَكم خالِصًا لَلَّهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والرّابِعُ: اقْصِدُوا المَسْجِدَ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، أمْرًا بِالجَماعَةِ لَها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وفي قَوْلِهِ: (وادْعُوهُ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العِبادَةُ. والثّانِي: الدُّعاءُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُفْرِدِينَ لَهُ العِبادَةَ. والثّانِي: مُوَحِّدِينَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كَما بَدَأكم سُعَداءَ وأشْقِياءَ، كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ، رَوى هَذا المَعْنى (p-١٨٦)عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: كَما خُلِقْتُمْ بِقُدْرَتِهِ، كَذَلِكَ يُعِيدُكم، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ، وقالَ: هَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٥] .

والثّالِثُ: كَما بَدَأكم لا تَمْلِكُونَ شَيْئًا، كَذَلِكَ تَعُودُونَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

7:30Page 153

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they [i.e., the latter] had taken the devils as allies instead of Allāh while they thought that they were guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ الفَرِيقَ بِ "تَعُودُونَ" وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَصَبَ "فَرِيقًا" "وَفَرِيقًا" عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في "تَعُودُونَ"، يُرِيدُ: تَعُودُونَ كَما ابْتَدَأ خَلْقَكم مُخْتَلِفِينَ، بَعْضُكم سُعَداءُ، وبَعْضُكم أشْقِياءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أيْ: بِالكَلِمَةِ القَدِيمَةِ، والإرادَةِ السّابِقَةِ.

7:31Page 154

۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

O children of Adam, take your adornment [i.e., wear your clothing] at every masjid,1 and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ ناسًا مِنَ الأعْرابِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانَتِ المَرْأةُ تُعَلِّقُ عَلى فَرْجِها سُيُورًا، وتَقُولُ:

؎ اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ

(p-١٨٧)فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كانُوا إذا حَجُّوا، فَأفاضُوا مِن مِنى، لا يَصْلُحُ لِأحَدٍ مِنهم في دِينِهِ الَّذِي اشْتَرَعُوا أنْ يَطُوفَ في ثَوْبَيْهِ، فَيُلْقِيهِما حَتّى يَقْضِيَ طَوافَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُراةً، إلّا الحَمْسَ، قُرَيْشٌ وأحْلافُها، فَمَن جاءَ مِن غَيْرِهِمْ، وضَعَ ثِيابَهُ وطافَ في ثَوْبَيْ أحْمَسُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُعِيرُهُ مِنَ الحَمْسِ، ألْقى ثِيابَهُ وطافَ عُرْيانًا، فَإنْ طافَ في ثِيابِ نَفْسِهِ، جَعَلَها حَرامًا عَلَيْهِ إذا قَضى الطَّوافَ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وفي هَذِهِ الزِّينَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الثِّيابُ. ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ورَدَ في سَتْرِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في جَماعَةٍ. والثّانِي: أنَّهُ ورَدَ في سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: أنَّهُ ورَدَ في التَّزَيُّنِ بِأجْمَلِ الثِّيابِ في الجَمْعِ والأعْيادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ: المُشْطُ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ في أيّامِ حَجِّهِمْ دَسَمًا، ولا يَنالُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، تَعْظِيمًا لَحُجَّتِهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾ . وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تُسْرِفُوا بِتَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا تَأْكُلُوا حَرامًا، فَذَلِكَ الإسْرافُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-١٨٨)والثّالِثُ: لا تُشْرِكُوا، فَمَعْنى الإسْرافِ هاهُنا: الإشْراكُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لا تَأْكُلُوا مِنَ الحَلالِ فَوْقَ الحاجَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَنُقِلَ أنَّ الرَّشِيدَ كانَ لَهُ طَبِيبٌ نَصْرانِيٌّ حاذِقٌ، فَقالَ لَعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقَدٍ: لَيْسَ في كِتابِكم مِن عِلْمِ الطِّبِّ شَيْءٌ، فَقالَ عَلَيُّ: قَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى الطِّبَّ في نِصْفِ آَيَةٍ مِن كِتابِنا. قالَ: ما هِيَ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ قالَ النَّصْرانِيُّ: ولا يُؤْثَرُ عَنْ نَبِيِّكم شَيْءٌ مِنَ الطِّبِّ، فَقالَ: قَدْ جَمَعَ رَسُولُنا عِلْمَ الطِّبِّ في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ. قالَ: وما هِيَ؟ قالَ: "المَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ" والحَمِيَّةُ رَأْسُ الدَّواءِ، وعَوِّدُوا كُلَّ بَدَنٍ ما اعْتادَ" . فَقالَ النَّصْرانِيُّ: ما تَرَكَ كِتابُكم ولا نَبِيُّكم لِجالِينُوسَ طِبًّا.

قالَ المُصَنِّفُ: هَكَذا نُقِلَتْ هَذِهِ الحِكايَةُ، إلّا أنَّ هَذا الحَدِيثَ المَذْكُورَ فِيها عَنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُثْبَتُ. وقَدْ جاءَتْ عَنْهُ في الطِّبِّ أحادِيثٌ قَدْ ذَكَرْتُها في كِتابِ "لَقْطِ المَنافِعِ في الطِّبِّ"

7:32Page 154

قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢

Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-١٨٩)أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ، إذْ لَبِسُوا الثِّيابَ في الطَّوافِ، وأكَلُوا الطَّيِّباتِ، فَنَزَلَتْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءً أحَلَّها اللَّهُ، مِنَ الزُّرُوعِ وغَيْرِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، قالَهُ طاوُسُ، وعَطاءٌ. وفي زِينَةِ اللَّهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها سَتْرُ العَوْرَةِ؛ فالمَعْنى: مَن حَرَّمَ أنْ تَلْبَسُوا في طَوافِكم ما يَسْتُرُكُمْ؟ .

والثّانِي: أنَّها زِينَةُ اللِّباسِ. وفي الطَّيِّباتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الحَلالُ. والثّانِي: المُسْتَلَذُّ. ثُمَّ في ما عُنِيَ بِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها البَحائِرُ، والسَّوائِبُ، والوَصائِلُ، والحَوّامِي الَّتِي حَرَّمُوها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها السَّمْنُ، والألْبانُ، واللَّحْمُ، وكانُوا حَرَّمُوهُ في الإحْرامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: الحَرْثُ، والأنْعامُ، والألْبانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: "خالِصَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ مِن لامٍ مُضْمَرَةٍ، تَقْدِيرُها: هي لَلَّذِينِ آَمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا مُشْتَرَكَةٌ، وهي لَهم في الآَخِرَةِ خالِصَةٌ، فَحُذِفَتِ اللّامُ لِوُضُوحِ مَعْناها، كَما تَحْذِفُ العَرَبُ أشْياءَ لا يَلْبَسُ سُقُوطُها.

قالَ الشّاعِرُ:

؎ تَقُولُ ابْنَتِي لَمّا رَأتْنِي شاحِبًا كَأنَّكَ يَحْمِيكَ الطَّعامَ طَبِيبُ ∗∗∗ تَتابُعُ أحْداثٍ تَخِرُّ مِن إخْوَتِي ∗∗∗ فَشَيَّبْنَ رَأْسِي والخُطُوبُ تَشِيبُ

(p-١٩٠)أرادَ: فَقُلْتُ لَها: الَّذِي اكْسَبْنِي ما تَرَيْنَ، تُتابُعُ أحْداثٍ، فَحَذَفَ لانْكِشافِ المَعْنى. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَ المُشْرِكِينَ شارَكُوا المُؤْمِنِينَ في الطَّيِّباتِ، فَأكَلُوا ولَبِسُوا ونَكَحُوا، ثُمَّ يُخْلِصُ اللَّهُ الطَّيِّباتِ في الآَخِرَةِ لَلْمُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ لَلْمُشْرِكِينَ فِيها شَيْءٌ. وقِيلَ: خالِصَةٌ لَهم مِن ضَرَرٍ أوْ إثْمٍ. وقَرَأ نافِعٌ: "خالِصَةٌ" بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّجّاجُ: ورَفَعَها عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عاقِلٌ لَبِيبٌ؛ والمَعْنى: قُلْ هي ثابِتَةٌ لَلَّذِينِ آَمَنُوا في الدُّنْيا، خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: هَكَذا نُبَيِّنُها.

7:33Page 154

قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: (رَبِّي الفَواحِشَ) بِإسْكانِ الياءِ. ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِها الزِّنا، ما ظَهَرَ مِنهُ: عَلانِيَتُهُ، وما بَطَنَ سِرُّهُ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّ ما ظَهَرَ، نِكاحُ الأُمَّهاتِ، وما بَطَنَ: الزِّنا، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ ما ظَهَرَ: نِكاحُ الأبْناءِ نِساءُ الآَباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها أوْ خالَتِها، وما بَطَنَ: الزِّنا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّ ما ظَهَرَ: الزِّنا، وما بَطَنَ: العَزْلُ قالَهُ شُرَيْحٌ.

والخامِسُ: أنَّ ما ظَهَرَ: طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةٌ، وما بَطَنَ: الزِّنا، قالَهُ مُجاهِدٌ، (p-١٩١)والسّادِسُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي. ثُمَّ في "ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الظّاهِرَ: العَلانِيَةُ، والباطِنُ: السِّرُّ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّانِي: أنَّ ما ظَهَرَ: أفْعالٌ الجَوارِحِ، والباطِنُ: اعْتِقادُ القُلُوبِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. وفي الإثْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الذَّنْبُ الَّذِي لا يُوجِبُ الحَدَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ،

والثّانِي: المَعاصِي كُلُّها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنْشَدَنا رَجُلٌ في مَجْلِسِ ثَعْلَبٍ بِحَضْرَتِهِ، وزَعَمَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ أنْشَدَهُ:

؎ نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ونَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارًا

فَقالَ أبُو العَبّاسِ: لا أعْرِفُهُ، ولا أعْرِفُ الإثْمَ: الخَمْرُ في كَلامِ العَرَبِ. وأنْشَدَنا رَجُلٌ آَخَرُ:

؎ شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي ∗∗∗ كَذاكَ الإثْمُ تُذْهِبُ بِالعُقُولِ

قالَ أبُو بَكْرٍ: وما هَذا البَيْتُ مَعْرُوفًا أيْضًا في شِعْرِ مَن يَحْتَجُّ بِشِعْرِهِ، وما رَأيْتُ أحَدًا مِن أصْحابِ الغَرِيبِ أدْخَلَ الإثْمَ في أسْماءِ الخَمْرِ، ولا سَمَّتْها العَرَبُ بِذَلِكَ في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ الخَمْرَ تَدْخُلُ تَحْتَ الإثْمِ، فَصَوابٌ، لا لِأنَّهُ اسْمٌ لَها.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَصِلَ الإثْمَ عَنِ الفَواحِشِ، وفي كُلِّ الفَواحِشِ إثْمٌ؟ فالجَوابُ: أنَّ كُلَّ فاحِشَةٍ إثْمٌ، ولَيْسَ كُلُّ إثْمٍ فاحِشَةً، فَكانَ لَإثْمِ كُلِّ فِعْلٍ مَذْمُومٍ؛ والفاحِشَةُ: العَظِيمَةُ. فَأمّا البَغْيُ، فَقالَ الفَرّاءُ: هو الِاسْتِطالَةُ عَلى النّاسِ. (p-١٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تُشْرِكُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ "أنْ" نَصْبٍ؛ فالمَعْنى: حَرَّمَ الفَواحِشَ، وحَرَّمَ الشِّرْكَ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عامٌّ في تَحْرِيمِ القَوْلِ في الدِّينِ مِن غَيْرِ يَقِينٍ.

7:34Page 154

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ العَذابَ، فَأُنْزِلَتْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وفي الأجَلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أجْلُ العَذابِ. والثّانِي: أجْلُ الحَياةِ. قالَ الزَّجّاجُ: الأجَلُ: الوَقْتُ المُؤَقَّتُ. ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ المَعْنى: ولا أقَلَّ مِن ساعَةٍ. وإنَّما ذَكَرَ السّاعَةَ، لِأنَّها أقَلُّ أسْماءِ الأوْقاتِ.

7:35–37Page 154

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أُضْمِرَ: "فَأطِيعُوهُمْ" وقَدْ سَبَقَ مَعْنى "إمّا" في سُورَةِ البَقَرَةِ (البَقَرَةِ:٣٨)؛ والباقِي ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ فَفي مَعْناهُ سَبْعَةُ أقْوالٍ. (p-١٩٣)أحَدُها: ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نُصِيبُهم مِنَ الأعْمالِ، فَيُجْزَوْنَ عَلَيْها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ما كَتَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ.

والرّابِعُ: ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والأعْمالِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: ما كَتَبَ لَهم مِنَ العَذابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في الكُتُبِ كُلِّها: أنَّهُ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، اسْوَدَّ وجْهُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والسّابِعُ: ما أخْبَرَ في الكِتابِ مِن جَزائِهِمْ، نَحْوُ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [اللَّيْلِ:١٤]، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَإذَنْ في الكِتابِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. والثّانِي: كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها. والثّالِثُ: القُرْآَنُ. والرّابِعُ: كِتابُ أعْمالِهِمْ. والخامِسُ: القَضاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. /٠ أحَدُها: أنَّهم أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. والثّانِي: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: "يَتَوَفَّوْنَهُمْ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَتَوَفَّوْنَهم بِالمَوْتِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: يَتَوَفَّوْنَهم بِالحَشْرِ (p-١٩٤)إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: يَتَوَفَّوْنَهم عَذابًا، كَما تَقُولُ: قَتَلْتُ فُلانًا بِالعَذابِ، وإنْ لَمْ يَمُتْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وهَذا سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيعٍ. قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: فَلْيَمْنَعُوكم مِنَ النّارِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ بَطِلُوا وذَهَبُوا، فَيَعْتَرِفُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ. وقالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ الِاعْتِرافُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.

7:38Page 155

قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨

[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا﴾ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّمُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: و"فِي" بِمَعْنى: "مَعَ"

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مِن قَبْلِكم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَضَتْ إلى العَذابِ.

والثّانِي: مَضَتْ في الزَّمانِ، يَعْنِي كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ وهَذِهِ أُخُوَّةُ الدِّينِ والمِلَّةِ، لا أُخُوَّةَ النَّسَبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَلْعَنُونَ مَن كانَ قَبْلَهم. قالَ مُقاتِلٌ: كُلَّما دَخَلَ أهْلُ مِلَّةٍ، لَعَنُوا أهْلَ مِلَّتِهِمْ، فَيَلْعَنُ اليَهُودُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، والمُشْرِكُونَ المُشْرِكِينَ، والأتْباعُ القادَةَ، ويَقُولُونَ: أنْتُمُ القَيْتُمُونا هَذا المُلْقى حِينَ أطَعْناكم. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما تَلاعَنُوا، لِأنَّ بَعْضَهم ضَلَّ بِاتِّباعِ بَعْضٍ. (p-١٩٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: تَدارَكُوا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وأُدْخِلَتِ الألِفُ لِيُسَلِّمَ السُّكُونَ لِما بَعْدَها، يُرِيدُ: تَتابَعُوا فِيها واجْتَمَعُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: آَخِرُ أُمَّةٍ لِأوَّلِ أُمَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: آَخِرُ أهْلِ الزَّمانِ لِأُوَّلِّيهِمُ الَّذِينَ شَرَعُوا لَهُ ذَلِكَ الدِّينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: آَخِرُهم دُخُولًا إلى النّارِ، وهُمُ الأتْباعُ، لِأوَّلِهِمْ دُخُولًا، وهُمُ القادَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَرَّعُوا لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ إلَهًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ عَذابًا مُضاعَفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أيْ: عَذابٌ مُضاعَفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ.

قَرَأ أبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَعْلَمُونَ" . بِالياءِ قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ مِقْدارَ عَذابِ الفَرِيقِ الآَخَرِ. وقَرَأ الباقُونَ: "تَعْلَمُونَ"، بِالتّاءِ، وفِيها وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: لا تَعْلَمُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ ما لَكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ.

والثّانِي: لا تَعْلَمُونَ يا أهْلَ الدُّنْيا مِقْدارَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّما طَلَبَ الأتْباعُ مُضاعَفَةَ عَذابِ القادَةِ، لَيَكُونَ أحَدُ العَذابَيْنِ عَلى الكُفْرِ، والثّانِي: عَلى إغْرائِهِمْ بِهِ، فَأجِيبُوا ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أيْ: كَما كانَ لَلْقادَةِ ذَلِكَ، فَلَكم عَذابٌ بِالكُفْرِ، وعَذابٌ بِالِاتِّباعِ. قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الكُفْرِ، نَحْنُ وأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في تَخْفِيفِ العَذابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

7:39Page 155

وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩

And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."

(p-١٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском