Ibn al-JawziAl‑A'raf · 7:40–53

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:40–53

7:40Page 155

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠

Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: بِحُجَجِنا وأعْلامِنا الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وتَكَبَّرُوا عَنِ الإيمانِ بِها ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تُفَتَّحُ"؛ بِالتّاءِ، وشَدَّدُوا التّاءَ الثّانِيَةَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لا تَفْتَحُ" بِالتّاءِ خَفِيفَةً. ساكِنَةَ الفاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَفْتَحُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً خَفِيفَةً. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ عَنِ اخْتِيارِهِ: "لا تَفْتَحُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ﴿أبْوابُ السَّماءِ﴾ بِنَصْبِ الباءِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أفْعالِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، مَعَ نَصْبِ الأبْوابِ، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وفي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَفْتَحُ لِأرْواحِهِمْ أبْوابُ السَّماءِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، والسُّدِّيِّ في آَخَرِينَ، والأحادِيثُ تَشْهَدُ بِهِ.

والثّانِي: لا تَفْتَحُ لِأعْمالِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لا تَفْتَحُ لِأعْمالِهِمْ ولا لَدُعائِهِمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: لا تَفْتَحُ لِأرْواحِهِمْ ولا لِأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ. (p-١٩٧)وَفِي السَّماءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّماءُ المَعْرُوفَةُ، وهو المَشْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ لِمَعْنى: لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ الجَنَّةِ ولا يَدْخُلُونَها، لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ الجُمَلُ: هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ خَصَّ الجُمَلَ دُونَ سائِرِ الدَّوابِّ، وفِيها ما هو أعْظَمُ مِنهُ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ضَرْبَ المَثَلِ بِالجَمَلِ يَحْصُلُ المَقْصُودُ؛ والمَقْصُودُ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَما لا يَدْخُلُ الجُمَلُ في ثُقْبِ الإبْرَةِ، ولَوْ ذَكَرَ أكْبَرَ مِنهُ أوْ أصْغَرَ مِنهُ، جازَ، والنّاسُ يَقُولُونَ: فُلانٌ لا يُساوِي دِرْهَمًا، وهَذا لا يُغْنِي عَنْكَ فَتِيلًا، وإنْ كُنّا نَجِدُ أقَلَّ مِنَ الدِّرْهَمِ والفَتِيلِ.

والثّانِي: أنَّ الجَمَلَ أكْبَرُ شَأْنًا عِنْدَ العَرَبِ مِن سائِرِ الدَّوابِّ، فَإنَّهم يُقَدِّمُونَهُ في القُوَّةِ عَلى غَيْرِهِ، لِأنَّهُ يُوَقَّرُ بِحَمْلِهِ فَيَنْهَضُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الدَّوابِّ، ولِهَذا عَجَّبَهم مِن خَلْقِ الإبِلِ، فَقالَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشِيَةِ:١٧]، فَآَثَرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عَلى غَيْرِهِ لِهَذا المَعْنى. ذَكَرَ الجَوابَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ: وقَدْ رَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "حَتّى يَلِجَ الجُمَلُ" بِضَمِّ الجِيمِ وتَشْدِيدِ المِيمِ، وقالَ: هو القَلْسُ الغَلِيظُ.

قالَ المُصَنِّفُ: وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأبِي مِجْلَزٍ، وابْنِ يَعْمُرَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ. قالَ: ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "حَتّى يَلِجَ الجُمَلُ" بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِها. (p-١٩٨)قُلْتُ: وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأنَّهُ قَرَأ: "حَتّى يَلِجَ الجُمْلُ" بِضَمِّ الجِيمِ وتَسْكِينِ المِيمِ. قُلْتُ: وهي قِراءَةُ عِكْرِمَةَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فالجُمْلُ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الجُمَّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى جُمْلَةٍ مِنَ الجِمالِ، قِيلَ في جَمْعِها: جُمَلٌ، كَما يُقالُ حُجْرَةٌ، وحُجَرٌ، وظُلْمَةٌ، وظُلِمٌ. وكَذَلِكَ مَن قَرَأ: "الجُمْلَ" يَسُوغُ لَهُ أنْ يَقُولَ: الجُمَلُ، بِمَعْنى الجُمَّلِ، وأنْ يَقُولَ: الجُمْلُ، جَمْعُ جُمْلَةٍ، مِثْلُ بُسْرَةٍ، وبُسْرٌ. وأصْحابُ هَذِهِ القِراءاتِ يَقُولُونَ: الحَبْلُ والحِبالُ، أشْبَهُ بِالإبْرَةِ والخُيُوطِ مِنَ الجِمالِ. ورَوى عَطاءُ بْنُ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "الجُمُلُ" بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ، وبِالتَّخْفِيفِ، وهي قِراءَةُ الضَّحّاكِ، والجَحْدَرِيُّ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "الجُمَلُ" بِفَتْحِ الجِيمِ، وبِسُكُونِ المِيمِ خَفِيفَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَمِّ الخِياطِ﴾ السُّمُّ في اللُّغَةِ: الثُّقْبُ. وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ السِّينِ، وبِها قَرَأ الأكْثَرُونَ، وضَمَّها، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وكَسَرَها، وبِهِ قَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو نَهْيِكٍ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ. قالَ ابْنُ القاسِمِ: والخَيّاطُ: المِخْيَطُ، بِمَنزِلَةِ اللِّحافِ والمِلْحَفِ، والقِرامِ والمِقْرَمِ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: في "سَمِّ المَخِيطِ" وقالَ الزَّجّاجُ: الخِياطُ: الإبْرَةُ، وسُمُّها: ثُقْبُها. والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ. أبَدًا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا كَما يُقالُ: لا يَكُونُ ذَلِكَ حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ، ويَبْيَضَّ القارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ نَجْزِي الكافِرِينَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ.

7:41–42Page 155

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢

But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

(p-١٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ المِهادُ الفِراشُ.

وَفِي المُرادِ بِالغَواشِي ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اللُّحُفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: ما يَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ مِنَ الدُّخانِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: غاشِيَةٌ فَوْقَ غاشِيَةٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والظّالِمُونَ هاهُنا الكافِرُونَ.

7:43Page 155

وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣

And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ . فِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أهْلُ بَدْرٍ. رَوى الحَسَنُ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ ورَوى عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ عَنْ عَلَيٍّ أنَّهُ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الأحْقادِ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حِينَ أسْلَمُوا. رَوى كُثَيْرُ النِّوّاءِ عَنْ أبِي جَعْفَرَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في عَلَيٍّ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرَ: فَأيُّ غِلٍّ هُوَ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، كانَ بَيْنَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ في (p-٢٠٠)الجاهِلِيَّةِ شَيْءٌ، فَلَمّا أسْلَمَ هَؤُلاءِ، تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلَيٌّ يُسَخِّنُ يَدَهُ ويُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهم عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيُّ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والرّابِعُ: أنَّها في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها. رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، حَتّى إذا هُذِّبُوا ونُقَّوْا، أُذِنَ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ. فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأحَدُهم أهْدى بِمَنزِلَةٍ في الجَنَّةِ مِنهُ بِمَنزِلِهِ كانَ في الدُّنْيا" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ ما يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، تُعْرَضُ لَهم عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْدى العَيْنَيْنِ، فَيُذْهِبُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِن غِلٍّ وغَيْرِهِ مِمّا كانَ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَدْخُلُونَ إلى العَيْنِ الأُخْرى، فَيَغْتَسِلُونَ مِنها، فَتُشْرِقُ ألْوانُهم وتَصْفُوا، وُجُوهُهم، وتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ.

(p-٢٠١)فَأمّا النَّزْعُ، فَهو قَلْعُ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ. والغِلُّ: الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدْرِ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغِلُّ: الحَسَدُ والعَداوَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: هَدانا لَمّا صَيَّرَنا إلى هَذا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ ما وصَلُوا إلَيْهِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ. ورَوى عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ قالَ: تَسْتَقْبِلُهُمُ الوِلْدانُ كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَنثُورٌ، فَيَطُوفُونَ بِهِمْ كَإطافَتِهِمْ بِالحَمِيمِ جاءَ مِنَ الغَيْبَةِ، ويُبَشِّرُونَهم بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم، ويَذْهَبُونَ إلى أزْواجِهِمْ فَيُبَشِّرُونَهم، فَيَسْتَخِفُّهُنَّ الفَرَحُ، فَيَقُمْنَ عَلى أُسْكُفَّةِ البابِ، فَيَقُلْنَ: أنْتَ رَأيْتُهُ، أنْتَ رَأيْتُهُ؟ قالَ: فَيَجِيءُ إلى مَنزِلِهِ فَيَنْظُرُ في أساسِهِ، فَإذا صَخْرٌ مِن لُؤْلُؤٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ بَصَرَهُ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ ذَلَّلَهُ لَذَهَبَ بَصَرُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ، فَإذا هو بِالسُّرُرِ المَوْضُونَةِ، والفُرُشِ المَرْفُوعَةِ، والذَّرابِي المَبْثُوثَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ كُلُّهم قَرَأ "وَما كُنّا" بِإثْباتِ الواوِ، غَيْرَ ابْنَ عامِرٍ، فَإنْهُ قَرَأ "ما كُنّا لَنَهْتَدِيَ" بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الواوِ، أنَّ القِصَّةَ مُلْتَبِسَةٌ بِما قَبِلَها، فَأغْنى التِباسَها بِهِ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ، ومِثْلُهُ ﴿رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ:٢٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ هَذا قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ رَأوْا ما وعَدَهُمُ الرُّسُلُ عَيانًا. ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ "تِلْكُمْ" لِأنَّهم وعَدُوا بِها في الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ تِلْكُمُ الَّتِي وعَدْتُمْ بِها. وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ هَذا قِيلَ لَهم حِينَ عايَنُوها قَبْلَ دُخُولِهِمْ إلَيْها. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، "أُورِثْتُمُوها" غَيْرَ مُدْغَمَةٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "أُورِتَمُوها" مُدْغَمَةً، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في [الزُّخْرُفِ:٧٢] قالَ (p-٢٠٢)أبُو عَلِيٍّ: مَن تَرَكَ الإدْغامَ، فَلِتَبايُنِ مَخْرَجِ الحَرْفَيْنِ، ومَن أدْغَمَ فَلِأنَّ التّاءَ والثّاءَ مَهْمُوسَتانِ مُتَقارِبَتانِ. وفي مَعْنى أُورِثْتُمُوها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ ومَنزِلٌ في النّارِ، فَأمّا الكافِرُ فَإنَّهُ يَرِثُ المُؤْمِنُ مَنزِلَهُ مِنَ النّارِ، والمُؤْمِنُ يَرِثُ الكافِرَ مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .» وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمّا سُمِّيَ الكُفّارُ أمْواتًا بِقَوْلِهِ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ . [النَّحْلِ:٢١] . وسَمّى المُؤْمِنِينَ أحْياءً بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس:٧٠] أوْرَثَ الأحْياءَ المَوْتى.

والثّانِي: أنَّهم أوْرَثُوها عَنِ الأعْمالِ، لِأنَّها جُعِلَتْ جَزاءً لِأعْمالِها، وثَوابًا عَلَيْها، إذْ هي عَواقِبُها، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. .

والثّالِثُ: أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، واقْتِسامُ الدَّرَجاتِ بِالأعْمالِ. فَلَمّا كانَ يُفَسِّرُ نِيلَها لا عَنْ عِوَضٍ، سُمِّيَتْ مِيراثًا. والمِيراثُ: ما أخَذْتَهُ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى المِيراثِ هاهُنا: أنَّ أمْرَهم يُؤُولُ إلَيْها كَما يُؤُولُ المِيراثُ إلى الوارِثِ.

7:44–45Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."

(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ؟ وهَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ وتَعْيِيرٍ. ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ العَيْنِ في سائِرِ القُرْآَنِ، وكانَ الكِسائِيُّ يَكْسِرُها. قالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ. ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، "أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ" خَفِيفَةَ النُّونِ ساكِنَةً. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنْ" بِالتَّشْدِيدِ، "لَعْنَةَ اللَّهِ" بِالنَّصْبِ. قالَ الأخْفَشُ: "وَأنْ" في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعْرافِ: ٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ: أنْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يُونُسَ:١٠]، و: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾، هي أنَّ الثَّقِيلَةَ خُفِّفَتْ.

قالَ الشّاعِرُ:

فِي فِتْيَةٍ

؎ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

(p-٢٠٤)وَأنْشَدَ أيْضًا:

؎ أكاشِرَةٌ وأعْلَمُ أنَّ كِلانا ∗∗∗ عَلى ما ساءَ صاحِبُهُ حَرِيصُ

وَمَعْناهُ: أنَّهُ كِلانا؛ وتَكُونُ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ في مَعْنى: أيْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والظّالِمُونَ هاهُنا: الكافِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: أذَّنَ المُؤَذِّنُ أنْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وهو الإسْلامُ. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ مُفَسَّرٌ في [آَلِ عِمْرانَ:٩٩] . ﴿وَهم بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: وهم بِكَوْنِ الآَخِرَةِ كافِرُونَ.

7:46Page 156

وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦

And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ أيْ بَيْنِ الجَنَّةِ والنّارِ حاجِزٌ، وهو السُّورُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحَدِيدِ:١٣]، فَسُمِّيَ هَذا السُّورُ بِالأعْرافِ لارْتِفاعِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأعْرافِ: هو السُّورُ الَّذِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: الأعْرافِ: جِبالٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَهم عَلى أعْرافِها، يَعْنِي: عَلى ذُراها، خِلْقَتُها كَخِلْقَةِ عُرْفِ الدِّيكِ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الأعْرافُ عِنْدَ العَرَبِ: كُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ وعَلا؛ يُقالُ لَكُلِّ عالٍ: عُرْفٌ، وجَمْعُهُ: أعْرافٌ. (p-٢٠٥)قالَ الشّاعِرُ:

؎ كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافٌ كالعِلْمِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ

وَقالَ الآَخَرُ:

؎ ورِثْتُ بِناءَ آَباءٍ كِرامٍ ∗∗∗ عَلَوْا بِالمَجْدِ أعْرافَ البِناءِ

وَفِي "أصْحابِ الأعْرافِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مِن بَنِي آَدَمَ، قالَهُ الجُمْهُورُ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً. وفي أعْمالِهِمْ تِسْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ آَبائِهِمْ، فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ مَعْصِيَةُ آَبائِهِمْ، ومَنَعَهم مِن دُخُولِ النّارِ قَتْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنَ النَّبِيِّ ﷺ .

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم، فَلَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم دُخُولَ الجَنَّةِ، ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ،

والثّالِثُ: أنَّهم أوْلادُ الزِّنا، رَواهُ صالِحٌ مَوْلى التَّوْأمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ صالِحُونَ فُقَهاءُ عُلَماءُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ لُبْثُهم عَلى الأعْرافِ عَلى سَبِيلِ النُّزْهَةِ. (p-٢٠٦)والخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آَباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ أُمَّهاتُهم دُونَ آَبائِهِمْ، رَواهُ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ عَنْ إبْراهِيمَ.

والسّادِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ ماتُوا في الفَتْرَةِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.

والسّابِعُ: أنَّهم أنْبِياءُ حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّامِنُ: أنَّهم أوْلادُ المُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ المَنجُوفِي في تَفْسِيرِهِ.

والتّاسِعُ: أنَّهم قَوْمٌ عَمِلُوا لَلَّهِ لَكِنَّهم راؤُوا في عَمَلِهِمْ، ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم مَلائِكَةٌ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: إنَّهم رِجالٌ، فَكَيْفَ تَقُولُ: مَلائِكَةٌ؟ فَقالَ: إنَّهم ذُكُورٌ ولَيْسُوا بِإناثٍ. وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ أيْ: عَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن أهْلِ النّارِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ. وفِيهِ بُعْدٌ وخِلافٌ لَلْمُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: يَعْرِفُ أصْحابُ الأعْرافِ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ. وسِيما أهْلِ الجَنَّةِ: بَياضُ الوُجُوهِ، وسِيما أهْلِ النّارِ: سَوادُ الوُجُوهِ، وزُرْقَةُ العُيُونِ. والسِّيما: العَلامَةُ. وإنَّما عَرَّفُوا النّاسَ، لِأنَّهم عَلى مَكانٍ عالٍ يُشْرِفُونَ فِيهِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، ونادَوْا يَعْنِي: أصْحابُ الأعْرافِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ . وفي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَنا أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأهْلِ الأعْرافِ إذا رَأوْا زُمْرَةً يَذْهَبُ بِها إلى الجَنَّةِ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

7:47Page 156

۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."

﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (p-٢٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ يَعْنِي أصْحابَ الأعْرافِ. والتِّلْقاءُ: جِهَةُ اللِّقاءِ، وهي جِهَةُ المُقابَلَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ، أيْ: حِيالَهم.

7:48Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨

And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُنادُونَ: يا ولِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، يا أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، يا عاصِ بْنِ وائِلٍ، يا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، يا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، يا سائِرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ، ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم في الدُّنْيا المالُ والوَلَدُ. ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: تَتَعَظَّمُونَ عَنِ الإيمانِ.

7:49Page 156

أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩

[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ النّارِ أقْسَمُوا أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النّارَ مَعَنا، وأنَّ اللَّهَ لَنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِأهْلِ النّارِ: أهَؤُلاءِ يَعْنِي أهْلَ الأعْرافِ ﴿الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ رَواهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ حُذَيْفَةُ: بَيْنا أصْحابَ الأعْرافِ هُنالِكَ، اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم فَقالَ لَهُمُ: "ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"

والثّانِي: أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرَوْنَ في الجَنَّةِ الفُقَراءَ والمَساكِينَ الَّذِينَ كانَ الكَفّارُ يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِمْ، كَسَلْمانُ، وصُهَيْبٌ، وخَبّابٌ، فَيُنادُونَ الكُفّارَ: ﴿أهَؤُلاءِ (p-٢٠٨)الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ وأنْتُمْ في الدُّنْيا ﴿لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. فَعَلى هَذا يَنْقَطِعُ كَلامُ أهْلِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ﴾، ويَكُونُ الباقِي مِن خِطابِ اللَّهِ لِأهْلِ الجَنَّةِ. وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِأهْلِ الأعْرافِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ.

والثّانِي:[أنْ] يَكُونُ خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِأهْلِ الجَنَّةِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ خِطابًا مِن أهْلِ الأعْرافِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ. فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلِ أهْلِ الأعْرافِ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾: اعْلُوا إلى القُصُورِ المُشْرِفَةِ، وارْتَفِعُوا إلى المَنازِلِ المَنِيفَةِ، لِأنَّهم قَدْ رَأوْهم في الجَنَّةِ. ورَوى مُجاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارِثِ قالَ: يُؤْتى بِأصْحابِ الأعْرافِ إلى نَهْرٍ يُقالُ لَهُ: الحَياةُ، عَلَيْهِ قُضْبانُ الذَّهَبِ مُكَلَّلَةٌ بِاللُّؤْلُؤِ فَيُغْمَسُونَ فِيهِ، فَيُخْرَجُونَ، فَتَبْدُو في نُحُورِهِمْ شامَةٌ بَيْضاءُ يُعْرَفُونَ بِها، ويُقالُ لَهُمْ: تَمَنَّوْا ما شِئْتُمْ، ولَكم سَبْعُونَ ضِعْفًا، فَهم مَساكِينُ أهْلِ الجَنَّةِ.

7:50Page 156

وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠

And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ، طَمِعَ أهْلُ النّارِ في الفَرَجِ بَعْدَ اليَأْسِ، فَقالُوا: يا رَبِّ، إنَّ لَنا قُراباتٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فائْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم، فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم. ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَرابَتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم، قَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آَخَرَ. فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ، وأخْبَرُوهم بِقُراباتِهِمْ فَيُنادِي الرَّجُلُ أخاهُ: يا أخِي قَدِ احْتَرَقْتُ فَأغِثْنِي؛ (p-٢٠٩)فَيَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ . قالَ السُّدِّيُّ: عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الطَّعامَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ ابْنَ آَدَمَ غَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، وإنْ كانَ مُعَذَّبًا.

7:51Page 156

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُسْتَهْزِئُونَ. والمَعْنى: أنَّهم تَلاعَبُوا بِدِينِهِمُ الَّذِي شَرَعَ لَهم. وقالَ أبُو رَوْقَ: دِينُهُمْ: عِيدُهم. وقالَ قَتادَةُ: ﴿لَهْوًا ولَعِبًا﴾ أيْ: أكْلًا وشُرْبًا. وقالَ غَيْرُهُ: هو ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهم مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، والمُكاءِ، والتَّصْدِيَةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن خِصالِ الجاهِلِيَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَتْرُكُهم في العَذابِ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لَلِقاءِ يَوْمِهِمْ هَذا. و"ما" نَسَقَ عَلى "كَما" في مَوْضِعِ جَرٍّ. والمَعْنى: وكَجُحُدِهِمْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فاليَوْمَ نَتْرُكُهم في النّارِ عَلى عِلْمٍ مِنّا تَرْكَ ناسٍ غافِلٍ كَما اسْتَعْمَلُوا في الإعْراضِ عَنْ آَياتِنا وهم ذاكِرُونَ ما يَسْتَعْمِلُهُ مِن نَسِيَ وغَفَلَ.

7:52Page 157

وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ. فَصَلْناهُ أيْ: بَيَّنّاهُ (p-٢١٠)بَإيضاحِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ: فَصَّلْناهُ فُصُولًا مَرَّةً بِتَعْرِيفِ الحَلالِ، ومَرَّةً بِتَعْرِيفِ الحَرامِ، ومَرَّةً بِالوَعْدِ، ومَرَّةً بِالوَعِيدِ، ومَرَّةً بِحَدِيثِ الأُمَمِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلى عِلْمٍ مِنّا بِما فَصَّلْناهُ. والثّانِي: عَلى عِلْمٍ مِنّا بِما يُصْلِحُكم مِمّا أنْزَلْناهُ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: "فَضَّلْناهُ" بِضادٍ مُعْجَمَةٍ.

7:53Page 157

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣

Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَصْدِيقُ ما وعَدُوا في القُرْآَنِ. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ أيْ: تَرَكُوهُ "مِن قَبْلُ" في الدُّنْيا قَدْ ﴿جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أوْ هَلْ نُرَدُّ. وقَوْلُهُ: فَنَعْمَلُ مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ الفاءِ لَلِاسْتِفْهامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском