Ibn al-JawziAl‑A'raf · 7:54–78

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:54–78

7:54Page 157

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤

Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.

أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ السَّبْتَ. رَوى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقالَ: «خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتَ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءَ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وخَلَقَ آَدَمَ بَعْدَ العَصْرِ [مِن] يَوْمِ الجُمْعَةِ [فِي] آَخِرِ الخَلْقِ، في آَخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمْعَةِ فِيما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ» وهَذا اخْتِيارُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا إجْماعُ أهْلِ العِلْمِ.

والثّانِي: يَوْمَ الأحَدِ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وكَعْبٌ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وبِهِ يَقُولُ أهْلُ التَّوْراةِ.

والثّالِثُ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وبِهَذا يَقُولُ أهْلُ الإنْجِيلِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في مِقْدارِ ذَلِكَ، لِأنَّ اليَوْمَ يُعْرَفُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، ولَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ حِينَئِذٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ مِن تِلْكَ الأيّامِ ألْفُ سَنَةٍ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ. ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّها كَأيّامِ الدُّنْيا، كانَ قَوْلُهُ بَعِيدًا مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: خِلافُ الآَثارِ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي يَتَوَهَّمُهُ المُتَوَهِّمُ مِنَ الإبْطاءِ في (p-٢١٢)سِتَّةِ آَلافِ سَنَةٍ، يَتَوَهَّمُهُ في سِتَّةِ أيّامٍ عِنْدَ تَصَفُّحِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] . فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا خَلَقَها في لَحْظَةٍ، فَإنَّهُ قادِرٌ؟ فَعَنْهُ خَمْسَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أرادَ أنْ يُوَقَّعَ في كُلِّ يَوْمٍ أمْرًا تَسْتَعْظِمُهُ المَلائِكَةُ ومَن يُشاهِدُهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنَّ التَّثَبُّتَ في تَمْهِيدِ ما خَلَقَ لِآَدَمَ وذُرِّيَّتِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ، أبْلَغُ في تَعْظِيمِهِ عِنْدَ المَلائِكَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّعْجِيلَ أبْلَغُ في القُدْرَةِ، والتَّثْبِيتُ أبْلَغُ في الحِكْمَةِ، فَأرادَ إظْهارَ حِكْمَتِهِ في ذَلِكَ، كَما يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ في قَوْلِهِ: " كُنْ فَيَكُونُ "

والرّابِعُ: أنَّهُ عَلَّمَ عِبادَهُ التَّثَبُّتَ، فَإذا تَثَبَّتَ مَن لا يَزَلُّ كانَ ذُو الزَّلَلِ أوَّلُ بِالتَّثَبُّتِ.

والخامِسُ: أنَّ ذَلِكَ الإمْهالَ في خَلْقِ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، أبْعَدُ مِن أنْ يَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ بِالطَّبْعِ أوْ بِالِاتِّفاقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: العَرْشُ: السَّرِيرُ؛ وكُلُّ سَرِيرٍ لَمَلِكٍ يُسَمّى عَرْشًا؛ وقَلَّما يُجْمَعُ العَرْشُ إلّا في اضْطِرارٍ؛ واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ العَرْشِ مَشْهُورٌ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ. قالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:

؎ مَجِّدُوا اللَّهِ فَهو لَلْمَجْدِ أهْلٌ رَبُّنا في السَّماءِ أمْسى كَبِيرًا ∗∗∗ بِالبِناءِ الأعْلى الَّذِي سَبَقَ النّاسَ ∗∗∗ وسَوّى فَوْقَ السَّماءِ سَرِيرًا ∗∗∗ شَرْجَعًا لا يَنالُهُ ناظِرُ العَيْ ∗∗∗ نِ تَرى دُونَهُ المَلائِكَ صُورا

وَقالَ كَعْبٌ: إنَّ السَّماواتِ في العَرْشِ كالقِنْدِيلِ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. (p-٢١٣)وَرَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ سَعْدٍ الطّائِيِّ قالَ: العَرْشُ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ. وإجْماعُ السَّلَفِ مُنْعَقِدٌ عَلى أنْ لا يَزِيدُوا عَلى قِراءَةِ الآَيَةِ. وقَدْ شَذَّ قَوْمٌ فَقالُوا: العَرْشُ بِمَعْنى المَلِكِ. وهَذا عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى التَّجَوُّزِ، مَعَ مُخالَفَةِ الأثَرِ؛ ألَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُ تَعالى: وكانَ عُرُوشه عَلى الماءِ [هُودَ:٧] أتَراهٍ كانَ المُلْكُ عَلى الماءِ؟ وكَيْفَ يَكُونُ المُلْكُ ياقُوتَةً حَمْراءَ؟ وبَعْضُهم يَقُولُ: اسْتَوى بِمَعْنى أسْتَوْلى؛ ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ حَتّى اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقٍ

وَيَقُولُ الشّاعِرُ أيْضًا:

؎ هُما اسْتَوَيا بِفَضْلِهِما جَمِيعًا ∗∗∗ عَلى عَرْشِ المُلُوكِ بِغَيْرِ زُورِ

وَهَذا مُنْكَرٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى، ومَن قالَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْظَمَ. قالُوا: وإنَّما يُقالُ: اسْتَوْلى فَلانٌ عَلى كَذا، إذا كانَ بَعِيدًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ، ثُمَّ تَمَكَّنَ مِنهُ؛ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوْلِيًا عَلى الأشْياءِ؛ والبَيْتانِ لا يُعْرَفُ قائِلُهُما، كَذا قالَ ابْنُ فارِسِ اللُّغَوِيُّ. ولَوْ صَحّا، فَلا حُجَّةَ فِيهِما لِما بَيَّنّا مِنِ اسْتِيلاءِ مَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْلِيًا. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن تَعْطِيلِ المُلْحِدَةِ وتَشْبِيهِ المُجَسِّمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "يُغْشِي" ساكِنَةَ الغَيْنِ خَفِيفَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يُغْشِي" مَفْتُوحَةَ الغَيْنِ مُشَدَّدَةً؛ وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في (الرَّعْدِ:٣) قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ اللَّيْلَ يَأْتِي عَلى النَّهارِ فَيُغَطِّيهِ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ويُغْشِي النَّهارَ اللَّيْلَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ وقَدْ قالَ فى مَوْضِعٍ آَخَرَ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ﴾ [الزُّمَرِ:٥] وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: يُغْشِي (p-٢١٤)النَّهارَ اللَّيْلَ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن فَحْوى الكَلامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١]، وانْتَصَبَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَفْعُولٌ بِهِ. فَأمّا الحَثِيثُ، فَهو السَّرِيعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: بِالنَّصْبِ فِيهِنَّ، وهو عَلى مَعْنى: خَلَقَ السَّماواتِ والشَّمْسَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٍ" بِالرَّفْعِ فِيهِنَّ هاهُنا وفي [النَّحْلِ:١٢] تابَعَهُ حَفْصٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ﴾ في [النَّحْلِ: ١٢] فَحَسْبُ. والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ. والمُسَخَّراتُ: المُذَلَّلاتُ لِما يُرادُ مِنهُنَّ مِن طُلُوعٍ وأُفُولٍ وسَيْرٍ عَلى حَسْبِ إرادَةِ المُدَبِّرِ لَهُنَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ﴾ لِأنَّهُ خَلْقُهم (والأمْرُ) فَلَهُ أنْ يَأْمُرَ بِما يَشاءُ. وقِيلَ: الأمْرُ: القَضاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ القُتَيْبِيُّ، والزَّجّاجُ. وقالَ أبُو مالِكٍ: أفْتَعِلُ مِنَ البَرَكَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ: تَجِيءُ البَرَكَةُ مِن قِبَلِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: تَبارَكَ: مِنَ البَرَكَةِ؛ وهو في العَرَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ: تَقَدَّسَ رَبُّنا.

والثّانِي: أنْ تَبارَكَ بِمَعْنى تَعالى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وكَذَلِكَ قالَ أبُو العَبّاسِ: تَبارَكَ: ارْتَفَعَ؛ والمُتَبارِكُ: المُرْتَفِعُ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: بِاسْمِهِ يُتَبَرَّكُ في كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى "تَبارَكَ" تَقَدَّسَ، أيْ: تَطَهَّرَ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ أيْضًا.

7:55Page 157

ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1

(p-٢١٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا﴾ التَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ. والخِفْيَةُ: خِلافُ العَلانِيَةِ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ، ولا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا. ومِن هَذا حَدِيثُ أبِي مُوسى: « "أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم، إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا" .» وفي الِاعْتِداءِ المَذْكُورِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الِاعْتِداءُ في الدُّعاءِ. ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنْ يَدْعُوَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالشَّرِّ، كالخِزْيِ واللَّعْنَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنْ يَسْألَ ما لا يَسْتَحِقُّهُ مِن مَنازِلِ الأنْبِياءِ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الجَهْرُ في الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهُ مُجاوَزَةُ المَأْمُورِ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

7:56Page 157

وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تُفْسِدُوها بِالكُفْرِ بَعْدَ إصْلاحِها بِالإيمانِ. والثّانِي: لا تُفْسِدُوها بِالظُّلْمِ بَعْدَ إصْلاحِها بِالعَدْلِ. والثّالِثُ: لا تُفْسِدُوها بِالمَعْصِيَةِ بَعْدَ إصْلاحِها بِالطّاعَةِ. والرّابِعُ: لا تَعْصُوا فَيُمْسِكُ اللَّهُ المَطَرَ، ويُهْلِكُ الحَرْثَ بِمَعاصِيكم بَعْدَ أنْ أصْلَحَها (p-٢١٦)بِالمَطَرِ والخَصْبِ. والخامِسُ: لا تُفْسِدُوها بِقَتْلِ المُؤْمِنِ بَعْدَ إصْلاحِها بِبَقائِهِ. والسّادِسُ: لا تُفْسِدُوها بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ بَعْدَ إصْلاحِها بِالوَحْيِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: خَوْفًا مِن عِقابِهِ، وطَمَعًا في ثَوابِهِ. والثّانِي: خَوْفًا مِنَ الرَّدِّ وطَمَعًا في الإجابَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: رَأيْتُ العَرَبَ تُؤَنِّثُ القَرِيبَةَ في النَّسَبِ، لا يَخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ، فَإذا قالُوا: دارُكَ مِنّا قَرِيبٌ، أوْ فُلانَةٌ مِنّا قَرِيبٌ، مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ، ذَكَرُوا وأنَّثُوا، وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوا القَرِيبَ خَلَفًا مِنَ المَكانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هُودَ:٨٣]، و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحْزابِ: ٦٣]، ولَوْ أنَّثَ ذَلِكَ لَكانَ صَوابًا. قالَ عُرْوَةُ:

؎ عَشِيَّةَ لا عَفْراءُ مِنكَ قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو ولا عَفْراءُ مِنكَ بَعِيدُ

وَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قِيلَ: "قَرِيبٌ" لِأنَّ الرَّحْمَةَ والغُفْرانَ والعَفْوَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَذَلِكَ كَلُّ تَأْنِيثٍ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ. وقالَ الأخْفَشُ: جائِزٌ أنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ هاهُنا في مَعْنى المَطَرِ.

7:57Page 157

وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ:" الرِّياحُ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ:" الرِّيحُ" عَلى التَّوْحِيدِ. وقَدْ يَأْتِي لَفْظُ التَّوْحِيدِ، ويُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِمْ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ:٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: نَشْرًا قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ:" نُشُرًا" بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ؛ أرادُوا جَمْعَ نُشُورٍ، وهي الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الهُبُوبُ، تَهِبُّ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ وجانِبٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّشْرُ: المُتَفَرِّقَةُ مِن كُلِّ جانِبٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النُّشُورُ بِمَعْنى المُنْشَرِ، وبِمَعْنى المُنْتَشِرِ، وبِمَعْنى النّاشِرِ؛ يُقالُ: أنْشَرَ اللَّهُ الرِّيحَ، مِثْلُ أحْياها، فَنُشِرَتْ، أيْ: حُيِيَتْ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ إنْشارَ الرِّيحِ إحْياؤُها قَوْلُ الفَقْعَسِيِّ:

؎ وهَبْتُ لَهُ رِيحَ الجَنُوبِ وأُحْيِيَتْ لَهُ رَيْدَةٌ يُحْيِي المِياهَ نَسِيمُها

وَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ الرِّيحَ قَدْ وُصِفَتْ بِالمَوْتِ.

قالَ الشّاعِرُ:

؎ إنِّي لِأرْجُو أنْ تَمُوتَ الرِّيحُ ∗∗∗ فَأقْعُدُ اليَوْمَ وأسْتَرِيحُ

والرَّيْدَةُ والرَّيْدانَةُ: الرِّيحُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ:" نُشْرًا" بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ الشِّينِ، وهي في مَعْنى" نَشْرًا" . يُقالُ: كُتْبٌ وكُتُبٌ، ورُسْلٌ ورُسُلٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ، والمُفَضَّلُ (p-٢١٨)عَنْ عاصِمٍ:" نَشْرًا" بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ. قالَ الفَرّاءُ: النَّشْرُ: الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ اللَّيِّنَةُ الَّتِي تُنْشِئُ السَّحابَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: النَّشْرُ: المُنْتَشِرَةُ الواسِعَةُ الهُبُوبُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَحْتَمِلُ النَّشْرُ أنْ يَكُونَ خِلافَ الطَّيِّ، كَأنَّها كانَتْ بِانْقِطاعِها كالمَطْوِيَّةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناها ما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ في النَّشْرِ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ في الوُجُوهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناها: النَّشْرُ الَّذِي هو الحَياةُ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ [حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا] ∗∗∗ يا عَجَبًا لَلْمَيِّتِ النّاشِرِ

قالَ: وهَذا هو الوَجْهُ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ:" نَشَرًا" بِفَتْحِ النُّونِ والشِّينِ. قالَ ابْنُ القاسِمِ: وفي النَّشْرِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ جَمْعًا لَلنُّشُورِ، كَما قالُوا: عَمُودٌ وعُمْدٌ، وإهابٌ وأُهْبٌ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَمْعًا، واحِدُهُ ناشِرٌ، يَجْرِي مَجْرى قَوْلُهُ: غائِبٌ وغَيَبٌ، وحافِدٌ وحَفَدٌ؛ وكُلُّ القُرّاءِ نُونُ الكَلِمَةِ. وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في (الفَرْقانِ:٤٨) و(النَّمْلِ:٦٣) هَذِهِ قِراءاتُ مَن قَرَأ بِالنُّونِ. وقَدْ قَرَأ آَخَرُونَ بِالباءِ؛ فَقَرَأ عاصِمٌ إلّا المُفَضَّلِ:" بُشْرى" بِالباءِ المَضْمُومَةِ وسُكُونِ الشِّينِ مِثْلُ فَعْلى. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهي جَمْعُ بَشِيرَةٍ، وهي الَّتِي تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ. والأصْلُ ضَمُّ الشِّينِ، إلّا أنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الضَّمَّتَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ خَثِيمَ، وابْنُ جَذْلَمَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما نَوَّنا الرّاءَ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الباءِ والشِّينِ، وهَذا عَلى أنَّها جَمْعُ بَشِيرَةٍ. والرَّحْمَةُ هاهُنا: المَطَرُ؛ سَمّاهُ رَحْمَةً لِأنَّهُ كانَ بِالرَّحْمَةِ. و"أقَلَّتْ" بِمَعْنى حَمَلَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: السَّحابُ: جَمْعُ سَحابَةٍ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: سُمِّيَ السَّحابَ لانْسِحابِهِ في الهَواءِ. (p-٢١٩)قَوْلُهُ تَعالى: "ثِقالًا" أيِ: الماءُ. و قَوْلُهُ تَعالى: سُقْناهُ رَدَّ الكِنايَةِ إلى لَفْظِ السَّحابِ، ولَفْظُهُ لَفْظٌ واحِدٌ. وفي قَوْلِهِ:" لِبَلَدٍ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إلى بَلَدٍ. والثّانِي: لَإحْياءِ بَلَدٍ. والمَيِّتُ: الَّذِي لا يَنْبُتُ فِيهِ، فَهو مُحْتاجٌ إلى المَطَرِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلْنا بِهِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الكِنايَةَ تَرْجِعُ إلى السَّحابِ. والثّانِي: إلى المَطَرِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: إلى البَلَدِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. فَأمّا هاءُ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ فَتَحْتَمِلُ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ أيْ: كَما أحْيَيْنا هَذا البَلَدَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نُحْيِي المَوْتى بِالمَطَرِ كَما أحْيَيْنا البَلَدَ المَيِّتَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ مَطَرًا كَمَنِيِّ الرِّجالِ، فَيَنْبُتُ النّاسُ بِهِ في قُبُورِهِمْ كَما نَبَتُوا في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَعَلَّ: تَرَجٍّ. وإنَّما خُوطِبَ العِبادُ عَلى ما يَرْجُوهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ والمَعْنى: لَعَلَّكم بِما بَيَّنّاهُ لَكم تَسْتَدِلُّونَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وأنَّهُ يَبْعَثُ المَوْتى.

7:58Page 158

وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ يَعْنِي الأرْضَ الطَّيِّبَةَ التُّرْبَةَ، ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ:" يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ، " نَباتَهُ" بِنَصْبِ التّاءِ، ﴿والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ﴾ كَذَلِكَ أيْضًا. وقَدْ رَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ:" لا يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. والمُرادُ بِالَّذِي خَبُثَ: الأرْضُ السَّبْخَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا نَكِدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ. وقَرَأ (p-٢٢٠)أبُو جَعْفَرَ:" نَكَدًا" بِفَتْحِ الكافِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "نَكَدًا" بِإسْكانِ الكافِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَلِيلًا عَسِيرًا في شِدَّةٍ، وأنْشَدَ؛

؎ لا تُنْجِزِ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا

قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا مِثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَلْمُؤْمِنِ والكافِرِ؛ فالمُؤْمِنُ إذا سَمِعَ القُرْآَنَ وعَقَلَهُ انْتَفَعَ بِهِ وبانَ أثَرُهُ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ بِالبَلَدِ الطَّيِّبِ الَّذِي يُمْرَعُ ويُخْصَبُ ويَحْسُنُ أثَرُ المَطَرِ عَلَيْهِ؛ وعَكْسُهُ الكافِرُ.

7:59–62Page 158

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day."

قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١

[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.

أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢

I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وحِّدُوهُ؛ وكَذَلِكَ في سائِرِ القَصَصِ بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: "غَيْرُهُ" بِالخَفْضِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَ غَيْرَ صِفَةً ل "إلَهٍ" عَلى اللَّفْظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "أُبَلِّغُكُمْ" قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أُبْلِغُكُمْ" ساكِنَةَ الباءِ خَفِيفَةَ اللّامِ. وقَرَأ الباقُونَ: "أبَلَّغَكُمْ" مَفْتُوحَةَ الباءِ مُشَدَّدَةَ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْصَحُ لَكُمْ﴾ يُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ، وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِن مَغْفِرَتِهِ لِمَن تابَ، وعُقُوبَتِهِ (p-٢٢١)لِمَن أصَرَّ. وقالَ مُقاتِلٌ: أعْلَمُ مِن نُزُولِ العَذابِ ما لا تَعْلَمُونَهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمْ يَسْمَعُوا بِقَوْمٍ عُذِّبُوا قَبْلَهم.

7:63–64Page 158

أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤

But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَعَجِبْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ واوُ العَطْفِ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، فَبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً. وفي الذِّكْرِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: المَوْعِظَةُ. والثّانِي: البَيانُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ "عَلى" بِمَعْنى: "مَعَ"، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: عَلى لَسانِ رَجُلٍ مِنكم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَمِيَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وشِدَّةِ بَطْشِهِ.

7:65–70Page 158

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥

And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"

قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."

قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧

[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.

أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨

I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.

أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٦٩

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allāh that you might succeed."

قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧٠

They said, "Have you come to us that we should worship Allāh alone and leave what our fathers have worshipped? Then bring us what you promise us,1 if you should be of the truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السَّفاهَةُ: الجَهْلُ. وقالَ الزَّجّاجُ: السَّفاهَةُ خِفَّةُ الحُلْمِ والرَّأْيِ؛ يُقالُ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ إذا كانَ خَفِيفًا. ﴿وَإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَكَفَرُوا بِهِ، ظانِّينَ، لا مُسْتَيْقِنِينَ. ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ هَذا مَوْضِعُ أدَبٍ لِلْخَلْقِ في حُسْنِ المُخاطَبَةِ، فَإنَّهُ دَفَعَ ما سَبَوْهُ بِهِ مِنَ السَّفاهَةِ بِنَفْيِهِ فَقَطْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: أمِينٌ عَلى الرِّسالَةِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كُنْتُ فِيكم أمِينًا قَبْلَ اليَوْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ ذِكْرُهُمُ النِّعْمَةَ حَيْثُ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأسْكَنَهم مَساكِنَهم. ﴿وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أيْ: طُولًا وقُوَّةً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أطْوَلَهم مِائَةَ ذِراعٍ، وأقْصَرَهم سِتِّينَ ذِراعًا. قالَ الزَّجّاجُ: وآَلاءُ اللَّهِ: نِعَمُهُ؛ واحِدُها: إلَيْ قالَ الشّاعِرُ:

؎ أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا يَقْطَعُ رَحِمًا ولا يَخُونُ إلَيْ

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُها "إلْيا"، "وَإلَيْ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ أيْ: مِن نُزُولِ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا. وقالَ عَطاءٌ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ إلَيْنا.

7:71–72Page 159

قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٧١

[Hūd] said, "Already have defilement and anger fallen upon you from your Lord. Do you dispute with me concerning [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has not sent down any authority? Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٧٢

So We saved him and those with him by mercy from Us. And We eliminated those who denied Our signs, and they were not [at all] believers.

(p-٢٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قَدْ وقَعَ﴾ أيْ: وجَبَ ﴿عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَذابٌ وسُخْطٌ. وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرِّجْزُ؛ بِالزّايِ، والرِّجْسِ؛ بِالسِّينِ: بِمَعْنًى واحِدٍ، قَلَبْنَ السِّينَ زايًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ.

وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ لَها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم سَمَّوْها آَلِهَةً. والثّانِي: أنَّهم سَمَّوْها بِأسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ ﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ العَذابِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ الَّذِي يَأْتِيكم مِنَ العَذابِ في تَكْذِيبِكم إيّايَ.

7:73–74Page 159

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٣

And to the Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allāh [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allāh's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٧٤

And remember when He made you successors after the ʿAad and settled you in the land, [and] you take for yourselves palaces from its plains and carve from the mountains, homes. Then remember the favors of Allāh and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى ثَمُودَ﴾ قالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: سُمِّيَتْ ثَمُودُ لَقِلَّةِ مائِها. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الثَّمْدُ: الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ. (p-٢٢٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ في إضافَتِها إلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنْ ذَلِكَ لَلتَّخْصِيصِ والتَّفْضِيلِ، كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ. والثّانِي: لِأنَّها كانَتْ بِتَكْوِينِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ؛ اللَّهِ وإنَّما قالَ "لَكُمْ" لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوها، وإنْ كانَتْ آَيَةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ.

وَفِي وجْهِ كَوْنِها آَيَةً قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها خَرَجَتْ مِن صَخْرَةٍ مَلْساءَ، فَتَمَخَّضَتْ بِها تَمَخُّضَ الحامِلِ، ثُمَّ انْفَلَقَتْ عَنْها عَلى الصِّفَةِ الَّتِي طَلَبُوها.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ تَشْرَبُ ماءَ الوادِي كُلَّهُ في يَوْمٍ، وتَسْقِيهِمُ الَّلبَنَ مَكانَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكم مُؤْنَتُها وعَلَفُها. " وتَأْكُلُ" مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ، أيْ: إنْ تَذْرُوها تَأْكُلْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ﴾، أيْ: لا تُصِيبُوها بِعُقْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أيْ: أنْزَلَكُمْ؛ يُقالُ: تَبَوَّأ فَلانٌ مَنزِلًا: إذا نَزَلَهُ. وبَوَّأتْهُ: أنْزَلَتْهُ. قالَ الشّاعِرُ:

وَبُوِّئْتُ في صَمِيمِ مَعْشَرِها. . . فَتَمَّ في قَوْمِها مُبَوَّؤُوها

أيْ: أُنْزِلَتْ مِنَ الكَرِيمِ في صَمِيمِ النَّسَبِ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ السَّهْلُ: ضِدُّ الحُزْنِ. والقَصْرُ: (p-٢٢٥)ما شُيِّدَ وعَلا مِنَ المَنازِلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اتَّخِذُوا القُصُورَ في سُهُولِ الأرْضِ لَلصَّيْفِ، وثَقَبُوا في الجِبالِ لَلشِّتاءِ. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم يَبْنِي البُنْيانَ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ، فَيَخْرُبُ ثُمَّ يُجَدِّدُهُ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ، فَيَخْرُبُ ثُمَّ يُجَدِّدُهُ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ، فَيَخْرُبُ؛ فَأضْجَرَهم ذَلِكَ، فَأخَذُوا مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا.

7:75–76Page 160

قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٧٥

Said the eminent ones who were arrogant among his people to those who were oppressed - to those who believed among them, "Do you [actually] know that Ṣāliḥ is sent from his Lord?" They said, "Indeed we, in that with which he was sent, are believers."

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٧٦

Said those who were arrogant, "Indeed we, in that which you have believed, are disbelievers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وَقالَ المَلَأُ) بِزِيادَةِ واوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ. ومَعْنى الآَيَةِ: تَكَّبَرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ يُرِيدُ: المَساكِينَ. ﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ لِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ

7:77–78Page 160

فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧٧

So they hamstrung the she-camel and were insolent toward the command of their Lord and said, "O Ṣāliḥ, bring us what you promise us, if you should be of the messengers."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٧٨

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ أيْ: قَتَلُوها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والعَقْرُ يَكُونُ بِمَعْنى: القَتْلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ ذِكْرِ الشُّهَداءِ:" «مَن عَقَرَ جَوادَهُ"» وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كَمَنَ لَها قاتِلُها في أصْلِ شَجَرَةٍ فَرَماها بِسَهْمٍ، فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ (p-٢٢٦)ساقِها، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْها بِالسَّيْفِ فَكَسَرَ عُرْقُوبَها، ثُمَّ نَحَرَها. قالَ الأزْهَرِيُّ: العُقْرُ عِنْدَ العَرَبِ: قَطَعُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ، ثُمَّ جَعَلَ العُقْرَ نَحْرًا، لِأنَّ ناحِرَ البَعِيرِ يَعْقِرُهُ ثُمَّ يَنْحَرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: وعُتُوًّا قالَ الزَّجّاجُ: جاوَزُوا المِقْدارَ في الكُفْرِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: عَتَوا عَنِ اتِّباعِ أمْرِ رَبِّهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما تَعِدُنا﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الرَّجْفَةُ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ: في مَدِينَتِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ الدّارَ هاهُنا وجَمَعَها في مَوْضِعٍ آَخَرَ، فَقالَ ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾ [هُودَ:٦٧]؟فَعَنْهُ جَوابانِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِالدّارِ: المُعَسْكَرُ، أيْ: فَأصْبَحُوا في مُعَسْكَرِهِمْ. وأرادَ بِقَوْلِهِ: في دِيارِهِمُ: المَنازِلُ الَّتِي يَنْفَرِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِمَنزِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالدّارِ: الدِّيارُ، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِنَ الجَمِيعِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا وشَواهِدُ هَذا كَثِيرَةٌ في هَذا الكِتابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاثِمِينَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أصْبَحُوا رَمادًا جاثِمًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: بَعْضُهم عَلى بَعْضِ جُثُومٌ. والجُثُومُ لَلنّاسِ والطَّيْرِ بِمَنزِلَةِ البُرُوكَ لَلْإبِلِ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الجُثُومُ: البُرُوكُ عَلى الرَّكْبِ. وقالَ غَيْرُهُ: كَأنَّهم أصْبَحُوا مَوْتى عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أصْبَحُوا أجْسامًا مُلْقاةً في الأرْضِ كالرَّمادِ الجاثِمِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى" جاثِمَيْنِ" بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، أيْ: إنَّهم سَقَطَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ عِنْدِ نُزُولِ العَذابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском