Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:67–75
8:67Page 185
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧
It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allāh's enemies] in the land. You [i.e., some Muslims] desire the commodities of this world,1 but Allāh desires [for you] the Hereafter. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ما كانَ لَنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ) رَوى مُسْلِمٌ في إفْرادِهِ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَتَلَ مِنهم سَبْعُونَ وأسَرَ مِنهم سَبْعُونَ، اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَؤُلاءِ بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ والإخْوانِ، وإنِّي أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهُمُ الفِدْيَةَ، فَيَكُونُ ما أخَذْنا مِنهم قُوَّةً لَنا عَلى الكُفّارِ، وعَسى أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ فَيَكُونُوا لَنا عَضُدًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ "ما تَرى يا ابْنَ الخَطّابِ"؟ قُلْتُ: واللَّهِ ما أرى ما رَأى أبُو بَكْرٍ، ولَكِنْ أرى أنْ تُمَكِّنَنِي مِن فُلانٍ، قَرِيبٍ لِعُمَرَ، فَأضْرِبُ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ حَمْزَةُ مِن أخِيهِ فَلانٍ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، حَتّى يَعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِنا هَوادَةٌ لَلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنادِيدُهم وأئِمَّتُهم وقادَتُهم. فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ، فَأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ. فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ، غَدَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو قاعِدٌ وأبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ وهُما يَبْكِيانِ. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي ماذا يُبْكِيكَ أنْتَ وصاحِبُكَ؟ فَإنْ وجَدْتَ بُكاءً بِكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ "أبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابَكَ مِنَ الفِداءِ. لَقَدْ عَرَضَ عَلَيَّ عَذابَكم (p-٣٨٠)أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ" لَشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ إلى قَوْلِهِ "عَظِيمٌ" .»
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا أشارَ عُمَرُ بِقَتْلِهِمْ، وفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى "ما كانَ لِنَبِيٍّ" إلى قَوْلِهِ "حَلالًا طَيِّبًا"، فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ، فَقالَ "كادَ يُصِيبُنا في خِلافِكَ بَلاءٌ" .» فَأمّا الأسْرى، فَهو جَمْعُ أسِيرٍ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (البَقَرَةِ:٨٥) والجُمْهُورُ قَرَؤُوا "أنْ يَكُونَ" بِالياءِ لِأنَّ الأسْرى مُذَكَّرٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "أنْ تَكُونَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُنِّثَ عَلى لَفْظِ الأسْرى، لِأنَّ الأسْرى وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّذْكِيرُ والرِّجالُ فَهو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ. والأكْثَرُونَ قَرَؤُوا "أسْرى" وكَذَلِكَ "لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى" . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والمُفَضَّلُ "أسارى" في المَوْضِعَيْنِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو، وأبانُ في الثّانِي. قالَ الزَّجّاجُ: والإثْخانُ في كُلِّ شَيْءٍ: قُوَّةُ الشَّيْءِ وشِدَّتُهُ. يُقالُ: قَدْ أثْخَنَهُ المَرَضُ: إذا اشْتَدَّتْ قُوَّتُهُ عَلَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ أعْدائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَتَمَكَّنَ في الأرْضِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الآَيَةِ: ما كانَ لَنَبِيٍّ أنْ يَحْبِسَ كافِرًا قَدَرَ عَلَيْهِ لَلْفِداءِ أوِ المَنِّ قَبْلَ الإثْخانِ في الأرْضِ. وكانَتْ غُزاةُ (p-٣٨١)بَدْرٍ أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ أثْخَنَ في الأرْضِ بَعْدُ.
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ وهو المالُ. وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، قَدْ فادُوا يَوْمَئِذٍ بِأرْبَعَةِ آَلافٍ أرْبَعَةَ آَلافٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يُرِيدُ لَكُمُ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُرِيدُ العَمَلَ بِما يُوجِبُ ثَوابَ الآَخِرَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
فَصْلٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ في آَ خَرِينِ: أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [مُحَمَّدٍ:٤]، ولَيْسَ لَلنَّسَخِ وجْهٌ، لِأنَّ غُزاةَ بَدْرٍ كانَتْ وفي المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ؛ فَلَمّا كَثُرُوا واشْتَدَّ سُلْطانُهم، نَزَلَتِ الآَيَةُ الأُخْرى، ويُبَيِّنُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾
8:68Page 185
لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨
If not for a decree from Allāh that preceded,1 you would have been touched for what you took by a great punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم فِيما تَعَجَّلْتُمْ مِنَ المَغانِمِ والفِداءِ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ تُؤْمَرُوا بِذَلِكَ عَذابٌ عَظِيمٌ، رَوى هَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: تَعَجَّلَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأصابُوا الغَنائِمَ، فَنَزَلَتِ الآَيَةُ.
والثّانِي: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ مَن أتى ذَنْبًا عَلى جَهالَةٍ (p-٣٨٢)لَعُوقِبْتُمْ، رَوى هَذا المَعْنى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: سَبَقَ أنْ لا أُعُذِّبَ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ، ولَمْ يَكُنْ نَهاهم.
والثّالِثُ: لَوْلا ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم، لَعُذِّبْتُمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ مِن أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَ الخَطايا ثُمَّ عَلِمَ ما عَلَيْهِ فَتابَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: لَوْلا القُرْآَنُ الَّذِي اقْتَضى غُفْرانَ الصَّغائِرِ، لَعُذِّبْتُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. فَيَخْرُجُ في الكِتابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كِتابٌ مَكْتُوبٌ حَقِيقَةً. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما أنَّهُ ما كَتَبَهُ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى القَضاءِ.
8:69–70Page 185
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩
So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠
O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allāh knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الفاءُ لَلْجَزاءِ. والمَعْنى: قَدْ أحْلَلْتُ لَكُمُ الفِداءَ فَكُلُوا. والحَلالُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِما أخَذْتُمْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ حِلِّها، رَحِيمٌ بِكم إذْ أحَلَّها لَكم. «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وخَبّابَ بْنَ الأرَتِّ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى القَبْضِ، وقَسَّمَها (p-٣٨٣)النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وانْطَلَقَ بِالأسارى، فِيهِمُ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المَطَّلِبِ. وكانَ مَعَ العَبّاسِ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، فَلَمْ تُحْسَبْ لَهُ مِن فِدائِهِ، وكُلِّفَ أنْ يَفْدِيَ ابْنَيْ أخِيهِ، فَأدّى عَنْهُما ثَمانِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أضْعِفُوا عَلى العَبّاسِ الفِداءَ" فَأخَذُوا مِنهُ ثَمانِينَ أُوقِيَّةً، وكانَ فِداءُ كُلِّ أسِيرٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَقالَ العَبّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ تَرَكْتَنِي ما حَيِيتُ أسْألُ قُرَيْشًا بِكَفِّي. فَقالَ لَهُ: "أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي تَرَكْتُهُ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ"؟ فَقالَ: أيِ الذَّهَبُ؟ فَقالَ: "إنَّكَ قُلْتَ لَها: إنِّي لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ، فَهو لَكَ ولِوَلَدِكَ" فَقالَ: ابْنُ أخِي، مَن أخْبَرَكَ؟ فَقالَ: "اللَّهُ أخْبَرَنِي" فَقالَ العَبّاسُ: أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ، وما عَلِمْتُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ اليَوْمِ؛ وأمَرَ ابْنَيْ أخِيهِ فَأسْلَما. وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ الآَيَةُ.» ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في جَمِيعِ مَن أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أتاهُ رِجالٌ، فَقالُوا: لَوْلا أنّا نَخافُ هَؤُلاءِ القَوْمِ لَأسْلَمْنا، ولَكِنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَلَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ المُشْرِكُونَ: لا يَتَخَلَّفُ عَنّا أحَدٌ إلّا هَدَمْنا دارَهُ واسْتَحْلَلْنا مالَهُ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ القَوْمُ فَقُتِلَتْ طائِفَةٌ مِنهم وأُسِرَتْ طائِفَةٌ فَأمّا الَّذِينَ قُتِلُوا، فَهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النَّحْلِ:٢٨] . وأمّا الَّذِينَ أُسِرُوا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ تَعْلَمُ أنّا كُنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. وإنَّما خَرَجْنا مَعَ هَؤُلاءِ خَوْفًا مِنهم. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾» . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ فَمَعْناهُ إسْلامًا وصِدْقًا ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ. وفِيهِ قَوْلانِ. (p-٣٨٤)أحَدُهُما: أكْثَرُ مِمّا أُخِذَ مِنكم. والثّانِي: أحَلُّ وأطْيَبُ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ" بِفَتْحِ الخاءِ؛ يُشِيرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَغْفِرُ لَكم كُفْرَكم وقِتالَكم رَسُولَ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: يَغْفِرُ لَكم خُرُوجَكم مَعَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في تَمامِ كَلامِهِ الأوَّلِ.
8:71Page 186
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١
But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allāh before, and He empowered [you] over them. And Allāh is Knowing and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ يَعْنِي: إنْ أرادَ الأُسَراءَ خِيانَتَكَ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ إذْ كَفَرُوا بِهِ قَبْلَ أسْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَقَدْ خانُوا بِخُرُوجِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى إنْ خانُوكَ أمْكَنْتُكَ مِنهم فَقَتَلْتَهم وأسَرْتَهم كَما أمْكَنْتُكَ بِبَدْرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: (واللَّهُ عَلِيمٌ) بِخِيانَةٍ إنْ خانُوها، حَكِيم في تَدْبِيرِهِ عَلَيْهِمْ ومُجازاتِهِ إيّاهم.
8:72Page 186
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢
Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي المُهاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا دِيارَهم وأمْوالَهم وقَوْمَهم في نُصْرَةِ الدِّينِ (p-٣٨٥)﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ يَعْنِي: الأنْصارَ، آَوَوْا رَسُولَ اللَّهِ، وأسْكَنُوا المُهاجِرِينَ، دِيارَهم ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ﴾ بَعْضٌ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في النُّصْرَةِ. والثّانِي: في المِيراثِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ، وكانَ المُؤْمِنُ الَّذِي لَمْ يُهاجِرْ لا يَرِثُ قَرِيبَهُ المُهاجِرَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ولايَتِهِمْ بِفَتْحِ الواوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ الواوِ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى:لَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيراثٌ حَتّى يُهاجِرُوا. ومَن كَسَرَ واوَ الوِلايَةِ، فَهي بِمَنزِلَةِ الإمارَةِ؛ وإذا فُتِحَتْ، فَهي مِنَ النُّصْرَةِ. وقالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: الوِلايَةُ، بِالفَتْحِ، لَلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والوِلايَةُ بِالكَسْرِ، مِن ولَيْتُ الأمْرَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِلايَةُ، بِالفَتْحِ، لَلْخالِقِ؛ والوِلايَةُ لَلْمَخْلُوقِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوِلايَةُ، بِالفَتْحِ، مَصْدَرُ الوَلِيِّ، والوِلايَةُ: مَصْدَرُ الوالِي، يُقالُ: ولِيٌّ بَيْنَ الوِلايَةِ، ووالٍ بَيْنَ الوِلايَةِ؛ فَهَذا هو الِاخْتِيارُ؛ ثُمَّ يَصْلُحُ في ذا. ما يَصْلُحُ في ذا. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الوِلايَةُ، بِالفَتْحِ: النُّصْرَةُ، وقَدْ تُكْسَرُ. والوِلايَةُ، بِالكَسْرِ: السُّلْطانُ.
فَصْلٌ
وَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الوِلايَةِ مُوالاةُ النَّصْرِ والمَوَدَّةِ. قالُوا: ونَسَخَ هَذا الحُكْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ:٧١] . فَأمّا القائِلُونَ بِأنَّها وِلايَةُ المِيراثِ، فَقالُوا: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ.﴾
[الأنْفالِ:٧٥] .
(p-٣٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ أيْ: إنِ اسْتَنْصَرَكُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فانْصُرُوهم، إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوكم عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهِدٌ، فَلا تَغْدِرُوا بِأرْبابِ العَهْدِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنْ عَلى المُهاجِرِ أنْ يَنْصُرَ مَن لَمْ يُهاجِرْ إلّا أنْ يَسْتَنْصِرَهُ.
8:73–74Page 186
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣
And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so [i.e., ally yourselves with other believers], there will be fitnah [i.e., disbelief and oppression] on earth and great corruption.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤
But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في المِيراثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي في النُّصْرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المِيراثِ، فالمَعْنى: إلّا تَأْخُذُوا في المِيراثِ بِما أمَرْتُكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى التَّناصُرِ. فالمَعْنى: إلّا تَتَعاوَنُوا وتَتَناصَرُوا في الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وبَيانُهُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَتَوَلَّ المُؤْمِنَ تُوَلِّيًا حَقًّا، ويَتَبَرَّأ مِنَ الكافِرِ جِدًّا، أدّى ذَلِكَ إلى الضَّلالِ والفَسادِ في الدِّينِ. فَإذا هَجَرَ المُسْلِمُ أقارِبَهُ الكُفّارَ، ونَصَرَ المُسْلِمِينَ، كانَ ذَلِكَ أدْعى لِأقارِبِهِ الكُفّارِ إلى الإسْلامِ وتَرَكَ الشِّرْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "كَثِيرٍ" بِالثّاءِ.
(p-٣٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيْ: هُمُ الَّذِينَ حَقَّقُوا إيمانَهم بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، بِخِلافِ مَن أقامَ بِدارِ الشِّرْكِ. والرِّزْقُ الكَرِيمُ: هو الحَسَنُ، وذَلِكَ في الجَنَّةِ.
8:75Page 186
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٧٥
And those who believed after [the initial emigration] and emigrated and fought with you - they are of you. But those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh.1 Indeed, Allāh is Knowing of all things.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ الحُدَيْبِيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ أيْ: في المَوارِيثِ بِالهِجْرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «آَخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ، وكانُوا يَتَوارَثُونَ بِذَلِكَ الإخاءِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَتَوارَثُوا بِالنَّسَبِ.»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ - وقَدْ بَيَّنَ لَهم قِسْمَةَ المِيراثِ في سُورَةِ [النِّساءِ:١١، ١٢] .
والثّالِثُ: أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences