Ibn al-JawziAt‑Tawbah · 9:107–118

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:107–118

9:107Page 204

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "والَّذِينَ" بِواوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الَّذِينَ" بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالواوِ، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٥]، ﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ [التَّوْبَةِ:٥٨]، ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التَّوْبَةِ:٦١]، والمَعْنى: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا. ومَن حَذَفَ الواوَ، فَعَلى وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يُضْمِرَ - ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا كَقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، المَعْنى: فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ.

والثّانِي: أنْ يُضْمِرَ الخَبَرَ بَعْدُ، كَما أُضْمِرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحَجِّ:٢٥]، المَعْنى يَنْتَقِمُ مِنهم ويُعَذَّبُونَ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: لَمّا اتَّخَذَ بَنُو عَمْرٍو بْنُ عَوْفٍ مَسْجِدَ قِباءٍ، وبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتاهم، فَصَلّى فِيهِ؛ حَسَدَهم إخْوَتُهم بَنُو غُنْمِ بْنُ عَوْفٍ، وكانُوا مِن مُنافِقِي الأنْصارِ فَقالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا، ونُرْسِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَيُصَلِّي (p-٤٩٩)فِيهِ ويُصَلِّي فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ؛ وكانَ أبُو عامِرٍ قَدْ تُرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ وتَنْصَّرَ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، عاداهُ، فَخَرَجَ إلى الشّامِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنْ أعِدُّوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ، وابْنُوا لِي مَسْجِدًا، فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ فَآَتِي بِجُنْدِ الرُّومِ فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَبَنَوْا هَذا المَسْجِدَ إلى جَنْبِ مَسْجِدِ قَباءٍ؛ وكانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ ومِن دارِهِ أُخِرَجَ المَسْجِدُ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وجارِيَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ يَزِيدُ ومُجَمِّعٌ؛ وكانَ مُجَمِّعٌ إمامَهم فِيهِ، ثُمَّ صَلَحَتْ حالُهُ، وبَحْزَجُ جَدُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْفٍ، وهو الَّذِي قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما أرَدْتَ بِما أرى"؟ فَقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى، وهو كاذِبٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: الَّذِي حَلَفَ مُجَمِّعٌ. وقِيلَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ؛ فَلَمّا فَرَغُوا مِنهُ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا قَدِ ابْتَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ فِيهِ؛ فَدَعى بِقَمِيصِهِ لِيَلْبِسَهُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ وأخْبَرَهُ اللَّهُ خَبَرَهُمْ، فَدَعا مَعْنُ بْنُ عُدَيٍّ، ومالِكُ بْنُ الدَّخْشَمِ في آَخَرِينَ، وقالَ: "انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ، فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ"، وأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُتَّخَذَ كُناسَةً تُلْقى فِيها الجِيَفُ. وماتَ أبُو عامِرٍ بِالشّامِ وحِيدًا غَرِيبًا.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا. و"ضِرارًا" انْتَصَبَ مَفْعُولًا لَهُ المَعْنى: اتَّخَذُوهُ لِلضِّرارِ والكُفْرِ والتَّفْرِيقِ والإرْصادِ. فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ، أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ قالَ المُفَسِّرُونَ:

(p-٥٠٠)والضِّرارُ بِمَعْنى المُضارَّةِ لِمَسْجِدِ قِباءٍ، (وَكَفْرًا) بِاللَّهِ ورَسُولِهِ (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ) لِأنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ في مَسْجِدِ قَباءٍ جَمِيعًا، فَأرادُوا تَفْرِيقَ جَماعَتِهِمْ، والإرْصادُ: الِانْتِظارُ فانْتَظَرُوا بِهِ مَجِيءَ أبِي عامِرٍ، وهو الَّذِي حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ. ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا﴾ أيْ: ما أرَدْنا (إلّا الحُسْنى) أيْ: ما أرَدْنا بِابْتِنائِهِ إلّا الحُسْنى؛ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: طاعَةُ اللَّهِ. والثّانِي: الجَنَّةُ. والثّالِثُ: فِعْلُ الَّتِي هي أحْسَنُ مِن إقامَةِ الدِّينِ والِاجْتِماعِ لِلصَّلاةِ. وقَدْ ذَكَرْنا اسْمَ الحالِفِ.

9:108Page 204

لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ أيْ: لا تُصَلِّ فِيهِ أبَدًا. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ أيْ: بُنِيَ عَلى الطّاعَةِ، وبَناهُ المُتَّقُونَ (مِن أوَّلِ يَوْمٍ) أيْ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ. قالَ الزَّجّاجُ: "مِن" في الزَّمانِ، والأصْلُ: مُنْذُ ومُذْ، وهو الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ. وجائِزٌ دُخُولُ "مِن" لِأنَّها الأصْلُ في ابْتِداءِ الغايَةِ والتَّبْعِيضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٌ:

؎ لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحَجَرِ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن شَهْرِ

وَقِيلَ مَعْناهُ: مَن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ شَهْرٍ. وفي هَذا المَسْجِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ الَّذِي فِيهِ مِنبَرُهُ وقَبْرُهُ. رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى (p-٥٠١)التَّقْوى، فَقالَ أحَدُهُما: هو مَسْجِدُ الرَّسُولِ، وقالَ الآَخَرُ: هو مَسْجِدُ قِباءٍ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ "هُوَ مَسْجِدِي هَذا"» وبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَسْجِدُ قَباءٍ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعُرْوَةُ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ في المَدِينَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رِجُالًا مِن أهْلِ قَباءٍ كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، أتاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ "ما الَّذِي أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ" فَقالُوا: إنّا نَسْتَنْجِي بِالماءِ.» فَعَلى هَذا، المُرادُ بِهِ الطَّهارَةُ بِالماءِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: أنْ يَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ.

9:109Page 204

أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ (p-٥٠٢)والكِسائِيُّ "أسَّسَ" بِفَتْحِ الألِفِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا وفَتْحِ النُّونِ فِيهِما. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ "أُسِّسَ: بِضَمِّ الألِفِ "بُنْيانُهُ" بِرَفْعِ النُّونِ. والبُنْيانُ مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ المَبْنِيُّ. والتَّأْسِيسُ: إحْكامُ أُسِّ البِناءِ، وهو أصْلُهُ، والمَعْنى: المُؤَسِّسُ بُنْيانَهُ مُتَّقِيًا يَخافُ اللَّهَ ويَرْجُو رِضْوانَهُ خَيْرٌ، أمِ المُؤَسِّسُ بُنْيانَهُ غَيْرَ مُتَّقٍ؟ قالالزَّجّاجُ: وشَفا الشَّيْءَ: حَرَّفَهُ وحْدَّهُ. والشَّفا، مَقْصُورٌ، يُكْتَبُ بِالألْفِ، ويُثَنّى شَفَوانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جُرُفٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ "جُرُفٍ" مُثَقَّلًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "جُرْفٍ" ساكِنَةَ الرّاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالضَّمُّ الأصْلُ، والإسْكانُ تَخْفِيفٌ، ومِثْلُهُ: الشَّغْلُ والشُّغْلُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: عَلى حَرْفِ جُرْفٍ هائِرٍ. والجَرْفُ: ما يَتَجَرَّفُ بِالسُّيُولِ مِنَ الأوْدِيَةِ. والهائِرُ: السّاقِطُ. ومِنهُ: تَهَوَّرَ البَنّاءُ وانْهارَ: إذا سَقَطَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ "هارٍ" بِفَتْحِ الهاءِ. وأمالَ الهاءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو. وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْهارَ بِهِ﴾ أيْ: بِالبانِي في ﴿نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مَثَلٌ، والمَعْنى: أنَّ بِناءَ هَذا المَسْجِدِ كَبِناءٍ عَلى جُرْفِ جَهَنَّمَ يَتَهَوَّرُ بِأهْلِهِ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهم حَفَرُوا فِيهِ حُفْرَةً، فَرُؤُيَ فِيها الدُّخانُ. قالَ جابِرٌ: رَأيْتُ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ضِرارًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُّخانُ.

9:110Page 204

لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ الضِّرارِ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ (p-٥٠٣)أحَدُها: شَكًّا ونِفاقًا، لِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في بِنائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: حَسْرَةٌ ونَدامَةٌ، لِأنَّهم نَدِمُوا عَلى بِنائِهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا يَزالُ هَدْمُ بُنْيانِهِمْ حَزازَةً وغَيْظًا في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والمُبَرِّدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "إلّا" وهو حَرْفُ اسْتِثْناءٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ "إلى أنْ" فَجَعَلَهُ حَرْفَ جَرٍّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تُقَطَّعَ" بِضَمِّ التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "تَقْطَّعَ" بِفَتْحِ التّاءِ ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إلّا أنْ يَمُوتُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

9:111Page 204

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١

Indeed, Allāh has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allāh, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur’ān. And who is truer to his covenant than Allāh? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ الأنْصارَ لَمّا بايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ، فَقالَ "أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكُمْ"، قالُوا: فَإذا (p-٥٠٤)فَعَلْنا ذَلِكَ، فَما لَنا؟ قالَ: "الجَنَّةُ" قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ، لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى. . .﴾ الآَيَةُ،» قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. فَأمّا اشْتِراءُ النَّفْسِ فَبِالجِهادِ.

وَفِي اشْتِراءِ الأمْوالِ وجْهانِ. أحَدُهُما: بِالإنْفاقِ في الجِهادِ. والثّانِي: بِالصَّدَقاتِ. وذِكْرُ الشِّراءِ هاهُنا مَجازٌ، لِأنَّ المُشْتَرِيَ حَقِيقَةً هو الَّذِي لا يَمْلِكُ المُشْتَرى، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٤٥] . والمُرادُ مِنَ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالجِهادِ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لَيُجازِيهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِالجَنَّةِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشِّراءِ لِما تَضْمَّنَ مِن عِوَضٍ ومُعَوِّضٍ. وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: لا واللَّهِ، إنَّ في الدُّنْيا مُؤْمِنٌ إلّا وقَدْ أُخِذَتْ بَيْعَتُهُ. وقالَ قَتادَةُ: ثامَنَهم واللَّهِ فَأغْلى لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ "فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ" فاعِلٌ ومَفْعُولٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "فَيُقْتَلُونَ ويَقْتُلُونَ" مَفْعُولٌ وفاعِلٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: القِراءَةُ الأوْلى بِمَعْنى أنَّهم يَقْتُلُونَ أوَّلًا ويُقْتَلُونَ، والأُخْرى يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في المَعْنى كالأوْلى، لِأنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّقْدِيمُ؛ فَإنْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ التَّقْدِيمَ، فالمَعْنى: يَقْتُلُ مَن بَقِيَ مِنهم بَعْدَ قَتْلِ، مَن قُتِلَ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ﴾ [آَلِ عِمْرانَ:١٤٦] ما وهَنَ مَن بَقِيَ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ. ومَعْنى الكَلامِ: إنَّ الجَنَّةَ عِوَضٌ عَنْ جِهادِهِمْ، قَتَلُوا أوْ قُتِلُوا. "وَعَدًا عَلَيْهِ"، قالَ الزَّجّاجُ: نَصَبَ "وَعْدًا" بِالمَعْنى، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ كُلِّ مِلَّةٍ أمَرُوا بِالقِتالِ ووَعَدُوا عَلَيْهِ الجَنَّةَ.

(p-٥٠٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أوْفى﴾ أيْ: لا أحَدَ أوْفى بِما وعَدَ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا أيْ: فافْرَحُوا بِهَذا البَيْعِ.

9:112Page 205

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allāh], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allāh. And give good tidings to the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿التّائِبُونَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتِ الَّتِي قَبْلَها، قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنا وإنْ شَرِبَ الخَمْرَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ الرَّفْعُ هاهُنا عَلى وُجُوهٍ. أحَدُها: المَدْحُ، كَأنَّهُ قالَ: هَؤُلاءِ التّائِبُونَ، أوْ هُمُ التّائِبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى البَدَلِ، والمَعْنى: يُقاتِلُ التّائِبُونَ؛ فَهَذا مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، المَعْنى: التّائِبُونَ ومَن ذُكِرَ مَعَهم لَهُمُ الجَنَّةُ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا إذا لَمْ يَقْصِدُوا تَرْكَ الجِهادِ ولا العِنادَ، لِأنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ يُجْزِئُ عَنْ بَعْضٍ في الجِهادِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: "التّائِبُونَ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: الرّاجِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والمَعاصِي. والثّانِي: الرّاجِعُونَ إلى اللَّهِ في فِعْلِ ما أمَرَ واجْتِنابِ ما حَظَرَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿العابِدُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُطِيعُونَ لِلَّهِ بِالعِبادَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: المُقِيمُونَ الصَّلاةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: المُوَحِّدُونَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحامِدُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ.

وَفِي السّائِحِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. (p-٥٠٦)أحَدُها: الصّائِمُونَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: ويَرى أهْلُ النَّظَرِ أنَّ الصّائِمَ إنَّما سُمِّيَ سائِحًا تَشْبِيهًا بِالسّائِحِ، لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ لَلْفَرَسِ إذا كانَ قائِمًا لا عَلَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ: صائِمٌ وذَلِكَ أنَّ لَهُ قُوَّتَيْنِ، غَدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، فَشُبِّهَ بِهِ صِيامُ الآَدَمِيِّ لِتَسَحُّرِهِ وإفْطارِهِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الغُزاةُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: طُلّابُ العِلْمِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: المُهاجِرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ يَعْنِي في الصَّلاةِ. ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو طاعَةُ اللَّهِ. ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ وهو مَعْصِيَةُ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ دُخُولِ الواوِ في قَوْلِهِ: "والنّاهُونَ" فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الواوَ إنَّما دَخَلَتْ هاهُنا لِأنَّها الصِّفَةُ الثّامِنَةُ، والعَرَبُ تَعْطِفُ بِالواوِ عَلى السَّبْعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ:٢٢] وقَوْلُهُ في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزُّمَرِ:٧٣]، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّ الواوَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى النّاهِينَ لِأنَّ الآَمِرَ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ في حالِ أمْرِهِ، فَكانَ دُخُولُ الواوِ دَلالَةً عَلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ لا يَنْفَرِدُ دُونَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كَما يَنْفَرِدُ الحامِدُونَ بِالحَمْدِ دُونَ السّائِحِينَ، والسّائِحُونَ بِالسِّياحَةِ دُونَ الحامِدِينَ في بَعْضِ الأحْوالِ والأوْقاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قالَ الحَسَنُ: القائِمُونَ بِأمْرِ اللَّهِ.

9:113–114Page 205

مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤

And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to him [i.e., Abraham] that he [i.e., the father] was an enemy to Allāh, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.

(p-٥٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ أبا طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، فَقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ مَعِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أُحاجِّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ"، فَقالَ أبُو جَهْلٍ وابْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ، أتُرَغِّبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزالا يُكَلِّمانِهِ، حَتّى قالَ آَخِرُ شَيْءٍ كَلَّمَهم بِهِ: أنّا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فَنَزَلَتْ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا.﴾ الآَيَةُ، ونَزَلَتْ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القَصَصِ:٥٦]،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ. وقِيلَ: «إنَّهُ لَمّا ماتَ أبُو طالِبٍ، جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لَهُ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: ما يَمْنَعُنا أنْ نَسْتَغْفِرَ لِآَبائِنا ولِذَوِي قَراباتِنا، وقَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وهَذا مُحَمَّدٌ يَسْتَغْفِرُ لِعَمِّهِ؟ فاسْتَغْفِرُوا لَلْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قالَ أبُو الحُسَيْنِ بْنُ المُنادِي: هَذا لا يَصِحُّ، إنَّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لَعَمِّهِ « "لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"» قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، (p-٥٠٨)وَهُوَ في السِّياقِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَلا، فانْقَلَبَ ذَلِكَ عَلى الرُّواةِ، وبَقِيَ عَلى انْقِلابِهِ.

والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرِ أُمِّهِ آَمِنَةَ، فَتَوَضَّأ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَكى، فَبَكى النّاسُ لِبُكائِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما الَّذِي أبْكاكَ؟ فَقالَ: "مَرَرْتُ بِقَبْرِ أُمِّي فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها، فَنُهِيتُ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ عُدْتُ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، واسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها، فَزُجِرْتُ زَجْرًا، فَأبْكانِي"، ثُمَّ دَعا بِراحِلَتِهِ فَرَكِبَها؛ فَما سارَ إلّا هُنَيْأةً، حَتّى قامَتِ النّاقَةُ لِثِقَلِ الوَحْيِ؛ فَنَزَلَتْ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ والآَيَةُ الَّتِي بَعْدَها،» رَواهُ بُرَيْدَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

والثّالِثُ: «أنَّ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبَوَيْهِ، وكانا مُشْرِكَيْنِ، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أتَسْتَغْفِرُ لَهُما وهُما مُشْرِكانِ؟ فَقالَ: أوْلَمَ يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؟ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها،» رَواهُ أبُو الخَلِيلِ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والرّابِعُ: «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ مِن آَبائِنا مَن كانَ يُحْسِنُ الجِوارَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفُكُّ العانِيَ، ويُوفِي بِالذِّمَمِ، أفَلا (p-٥٠٩)نَسْتَغْفِرُ لَهُمْ؟ فَقالَ: "بَلى، واللَّهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لِأبِي كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، وبَيَّنَ عُذْرَ إبْراهِيمَ،» قالَهُ قَتادَةُ. ومَعْنى قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما بانَ أنَّهم ماتُوا كُفّارًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ إبْراهِيمَ وعَدَ أباهُ الِاسْتِغْفارَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مَرْيَمَ:٤٧]، وما كانَ يَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لَلْمُشْرِكِينَ مَحْظُورٌ حَتّى أُخْبَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ أباهُ وعَدَهُ أنَّهُ إنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ آَمَنَ؛ فَلَمّا تَبَيَّنَ لِإبْراهِيمَ عَداوَةَ أبِيهِ لَلَّهِ تَعالى: بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ، تَرَكَ الدُّعاءَ لَهُ. فَعَلى الأوَّلِ، تَكُونُ هاءُ الكِنايَةِ في "إيّاهُ" عائِدَةً عَلى آَزَرَ، وعَلى الثّانِي، تَعُودُ عَلى إبْراهِيمَ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهْيِكٍ: "وَعَدَها أباهُ" بِالباءِ

وَفِي الأوّاهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الخاشِعُ الدُّعاءَ المُتَضَرِّعُ، رَواهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

والثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، رَواهُ زِرٌّ عَنْ عَبْدِ اللهِ، وبِهِ قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: الرَّحِيمُ، رَواهُ أبُو العَبِيدِ بْنُ العامِرِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو مَيْسَرَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المُوقِنُ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ، رَواهُ العَوْفِيُّ، ومُجاهِدٌ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-٥١٠)والسّادِسُ: أنَّهُ المُسَبِّحُ، رَواهُ أبُو إسْحاقَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والسّابِعُ: أنَّهُ المُتَأوِّهُ لِذِكْرِ عَذابِ اللَّهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ أوّاهٍ مَجازُ فَعّالٍ مِنَ التَّأوُّهِ، ومَعْناهُ: مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وفَرَقًا ولُزُومًا لِطاعَةِ رَبِّهِ، قالَ المُثَّقَبُ:

؎ إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تَأوَّهَ آَهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ

والثّامِنُ: أنَّهُ الفَقِيهُ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ. فَأمّا الحَلِيمُ، فَهو الصَّفُوحُ عَنِ الذُّنُوبِ.

9:115–116Page 205

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥

And Allāh would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allāh is Knowing of all things.

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦

Indeed, to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allāh any protector or any helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآَيَةُ، سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آَيَةُ الفَرائِضِ، وجاءَ النَّسْخُ، وقَدْ غابَ قَوْمٌ وهم يَعْلَمُونَ بِالأمْرِ الأوَّلِ مِثْلُ أمْرِ القِبْلَةِ والخَمْرِ، وماتَ أقْوامٌ عَلى ذَلِكَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَيَأْخُذَهم بِالِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ، فَإذا حَرَّمَهُ ولَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْهُ، فَقَدْ ضَلُّوا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في الآَيَةِ حَذْفٌ، واخْتِصارٌ، والتَّأْوِيلُ: حَتّى (p-٥١١)يَتَبَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ، فَلا يَتَّقُونَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّونَ الضَّلالَ؛ فَحَذَفَ ما حَذَفَ لِبَيانِ مَعْناهُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: أمَرْتُكَ بِالتِّجارَةِ فَكَسَبَتَ الأمْوالَ؛ يُرِيدُونَ: فَتَجَرْتَ فَكَسَبْتَ.

9:117Page 205

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧

Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تابَ عَلَيْهِ مِن إذْنِهِ لَلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ. وقالَ أهْلُ المَعانِي: هو مِفْتاحُ كَلامِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبَ تَوْبَةِ التّائِبِينَ، ذُكِرَ مَعَهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ:٤١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُرادُ بِساعَةِ العُسْرَةِ: وقْتَ العُسْرَةِ، لِأنَّ السّاعَةَ تَقَعُ عَلى كُلِّ الزَّمانِ، وكانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَرٌّ شَدِيدٌ، والقَوْمُ في ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ، كانَ الجَمَلُ بَيْنَ جَماعَةٍ يَعْتَقِبُونَ عَلَيْهِ، وكانُوا في فَقْرٍ، فَرُبَّما اقْتَسَمَ التَّمْرَةَ اثْنانِ، ورُبَّما مَصَّ التَّمْرَةَ الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ، ورُبَّما نَحَرُوا الإبِلَ فَشَرِبُوا مِن ماءِ كُرُوشِها مِنَ الحَرِّ. «وَقِيلَ لِعُمَرَ بْنَ الخَطّابِ: حَدِّثْنا عَنْ ساعَةِ العُسْرَةِ، فَقالَ خَرَجْنا إلى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا أصابَنا فِيهِ عَطَشٌ حَتّى ظَنَنّا أنَّ رِقابَنا سَتَتَقَطَّعُ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الماءَ فَلا يَرْجِعُ حَتّى يَظُنَّ أنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ، وحَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرَ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ، ويَجْعَلُ ما بَقِيَ عَلى كَبِدِهِ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ في الدُّعاءِ خَيْرًا، فادْعُ لَنا. قالَ: "تُحِبُّ (p-٥١٢)ذَلِكَ"؟ قالَ: نَعَمْ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يُرْجِعْهُما حَتّى قالَتِ السَّماءُ، فَمَلَؤُوا ما مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنا نَنْظُرُ، فَلَمْ نَجِدْها جاوَزَتِ العَسْكَرَ.»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "كادَ يَزِيغُ" بِالياءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ. وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَمِيلُ إلى التَّخَلُّفِ عَنْهُ، وهم ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ هَمُّوا بِذَلِكَ، ثُمَّ لَحِقُوهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ القُلُوبَ مالَتْ إلى الرُّجُوعِ لِلشِّدَّةِ الَّتِي لَقَوْها، ولَمْ تَزِغْ عَنِ الإيمانِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ القُلُوبَ كادَتْ تَزِيغُ تَلَفًا بِالجَهْدِ والشِّدَّةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في ابْتِداءِ الآَيَةِ ذِكْرُ ذَنْبِهِمْ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ التَّوْبَةِ فَضْلًا مِنهُ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَنْبَهُ ثُمَّ أعادَ ذِكْرَ التَّوْبَةِ.

9:118Page 206

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨

And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: "خالَفُوا" بِألِفٍ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدُ: (p-٥١٣)"خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللّامِ المُخَفَّفَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو العالِيَةِ: "خَلَّفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللّامِ مَعَ تَشْدِيدِها. وهَؤُلاءِ هُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَتْ أسْماؤُهم [التَّوْبَةِ:١٠٦] . وفي مَعْنى "خُلِّفُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: خُلِّفُوا عَنَ التَّوْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. فَيَكُونُ المَعْنى: خُلِّفُوا عَنْ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ إذْ لَمْ يَخْضَعُوا كَما خَضَعَ أُولَئِكَ.

والثّانِي: خُلِّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ. وحَدِيثُهم مُنْدَرِجٌ في تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، وقَدْ رَوَيْتُها في كِتابِ "الحَدائِقِ"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: ضاقَتْ مَعَ سِعَتِها، وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ مَنَعُوا مِن مُعامَلَتِهِمْ وكَلامِهِمْ، وأمَرُوا بِاعْتِزالِ أزْواجِهِمْ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْرِضًا عَنْهم. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ بِالهَمِّ والغَمِّ. (وَظَنُّوا) أيْ: أيْقَنُوا ﴿أنْ لا مَلْجَأ﴾ أيْ: لا مُعْتَصِمَ مِنَ اللَّهِ ومِن عَذابِهِ إلّا هو. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أعادَ التَّوْبَةَ تَأْكِيدًا، ﴿لِيَتُوبُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَسْتَقِيمُوا. وقالَ غَيْرُهُ: وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ لِيَدُومُوا عَلَيْها ولا يَرْجِعُوا إلى ما يُبْطِلُها. وسُئِلَ بَعْضُهم عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقالَ: أنْ تَضِيقَ عَلى التّائِبِ الأرْضُ، وتَضِيقَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، كَتَوْبَةِ كَعْبٍ وصاحِبَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском