Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:13–28
9:13–15Page 188
أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣
Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.
قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤
Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people
وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥
And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا نَزَلَ في نَقْضِ قُرَيْشٍ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي عاهَدَهم بِالحُدَيْبِيَةَ حَيْثُ أعانُوا عَلى خُزاعَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم أبُو سُفْيانَ في جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كانُوا فِيمَن هَمَّ بِإخْراجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ، غَدَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونَقَضُوا عَهْدَهُ وهَمُّوا بِمُعاوَنَةِ المُنافِقِينَ عَلى إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بَدَؤُوكم بِإعانَتِهِمْ عَلى حُلَفائِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٤٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أتَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِن قِتالِهِمْ مَكْرُوهٌ؟! فَمَكْرُوهُ عَذابِ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُخْشى إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِعَذابِهِ وثَوابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: يَعْنِي خُزاعَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: كَرْبُها ووَجْدُها بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مُسْتَأْنَفٌ، ولَيْسَ بِجَوابٍ "قاتِلُوهُمْ" وفِيمَن عُنِيَ بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بَنُو خُزاعَةَ، والمَعْنى: ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن بَنِي خُزاعَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في المُشْرِكِينَ كَما تابَ عَلى أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ، وسُهَيْلٌ. والله عَلِيم بِنِيّاتِ المُؤْمِنِينَ، "حَكِيمٌ" فِيما قَضى.
9:16Page 189
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦
Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، خُوطِبُوا بِهَذا حِينَ شَقَّ عَلى بَعْضِهِمُ القِتالُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الخُرُوجَ مَعَهُ إلى الجِهادِ تَعْذِيرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وإنَّما دَخَلَتِ المِيمُ في الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ (p-٤٠٧)مُعْتَرِضٌ في وسَطِ الكَلامِ، فَدَخَلَتْ لَتُفَرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِفْهامِ المُبْتَدَإ. قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِداءُ، لَكانَ إمّا بِالألِفِ، أوْ بِـ "هَلْ"، ومَعْنى الكَلامِ: أنْ تُتْرَكُوا بِغَيْرِ امْتِحانٍ يَبِينُ بِهِ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أيْ: ولَمْ تُجاهِدُوا فَيَعْلَمُ اللَّهُ وُجُودَ ذَلِكَ مِنكُمْ؛ وقَدْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْبًا، فَأرادَ إظْهارَ ما عُلِمَ لَيُجازِيَ عَلى العَمَلِ.
فَأمّا الوَلِيجَةُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي البِطانَةُ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وهو أنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ مِنَ المُسْلِمِينَ دَخِيلًا مِنَ المُشْرِكِينَ وخَلِيطًا ووادًّا؛ وأصْلُهُ مِنَ الوُلُوجِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وكُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةُ، والرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم فَهو ولِيجَةٌ فِيهِمْ.
9:17–18Page 189
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨
The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.
قَوْلُهُ تَعالى: ( ما كانَ لَلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرَوا مَسْجِدَ اللَّهِ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "مَسْجِدُ اللَّهِ" عَلى التَّوْحِيدِ، "إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى الجَمْعِ فِيهِما. وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ جَماعَةً مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِيهِمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَيَّرُوهم بِالشِّرْكِ، وجَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يُوَبِّخُ العَبّاسَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقالَ العَبّاسُ: ما لَكم تَذْكُرُونَ مَساوِئَنا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا؟ فَقالُوا وهَلْ لَكَمَ مِن مَحاسِنَ؟ قالُوا:
(p-٤٠٨)نَعَمْ، لَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا؛ إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ، ونَسْقِيَ الحَجِيجَ، ونَفُكَّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ في جَماعَةٍ.
وَفِي المُرادِ بِالعِمارَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: دُخُولُهُ والجُلُوسُ فِيهِ. والثّانِي: البِناءُ لَهُ وإصْلاحُهُ؛ فَكِلاهُما مَحْظُورٌ عَلى الكافِرِ. والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ مَنعُهم مِن ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: شاهِدَيْنِ حالٌ. المَعْنى: ما كانَتْ لَهم عِمارَتُهُ في حالِ إقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ، ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ لِأنَّ كُفْرَهم أذْهَبَ ثَوابَها.
فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم عَلى الصَّوابِ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ اليَهُودِيِّ: أنا يَهُودِيٌّ: وقَوْلُ النَّصْرانِيِّ: أنا نَصْرانِيٌّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهم ثَبَتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الكُفْرَ بِعُدُولِهِمْ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو حَقٌّ لا يَخْفى عَلى مُمَيَّزٍ، فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهم آَمَنُوا بِأنْبِياءٍ شَهِدُوا لَمُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّصْدِيقِ، وحَرَّضُوا عَلى اتِّباعِهِ، فَلَمّا آَمَنُوا بِهِمْ وكَذَّبُوهُ، دَلُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ هي تَبْيِينٌ وإظْهارٌ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الرَّسُولَ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ؟ فالجَوابُ: أنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى الرَّسُولِ، لَقَوْلِهِ: ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾ أيِ: الصَّلاةُ الَّتِي جاءَ بِها الرَّسُولُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
فَإنْ قِيلَ: (فَعَسى) تَرَجٍّ، وفاعِلُ هَذِهِ الخِصال مُهْتَدٍ بِلا شَكٍّ. فالجَوابُ: أنْ "عَسى" (p-٤٠٩)مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ. فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، كانَ مَن أهْلِ عِمارَتِها؛ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن عَمَّرَها كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
9:19–22Page 189
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢
[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: رَواهُ مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ الآَخَرُ: ما أُبالِيَ أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بِعْدَ [الإسْلامِ إلّا] أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آَخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ، وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ، ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ الجُمْعَةَ، دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.»
(p-٤١٠)والثّانِي: أنَّ العَبّاسَ بْنَ عَبَدِ المَطَّلِبِ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، لَقَدْ كُنّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَسَقِيَ الحاجَّ ونَفُكُّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ، خَيْرٌ مِمَّنْ آَمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالحَرَمِ مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ عَلِيًّا والعَبّاسَ وطَلْحَةَ - يَعْنِي سادِنَ الكَعْبَةِ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ. وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ، والقائِمُ عَلَيْها، ولَوْ أشاءُ بِتُّ في المَسْجِدِ. وقالَ عَلَيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، والقُرَظِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ الكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ مُجاهِدٌ. هَكَذا ذَكَرَ مُجاهِدٌ، وإنَّما الصَّوابُ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ، لِأنَّ طَلْحَةَ هَذا لَمْ يُسْلِمْ.
والسّادِسُ: أنَّ عَلِيًّا قالَ لَلْعَبّاسِ: ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ؟ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ، ألَسْتُ أسْقِيَ حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ وأعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، قالَهُ المُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآَيَةِ: أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وأهْلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آَمَنَ بِاللَّهِ؟ فَحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ. قالَ الحَسَنُ: كانَ يُنْبِذُ زَبِيبٌ، فَيَسْقُونَ (p-٤١١)الحاجَّ في المَوْسِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِمارَةُ المَسْجِدِ: تَجْمِيرُهُ، وتَخْلِيقُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ أفْعالَهم تِلْكَ لا تَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وسَمّاهم ظالِمِينَ لَشِرْكِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. والمَعْنى: أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً. والفائِزُ: الَّذِي يَظْفَرُ بِأُمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ. فَأمّا النَّعِيمُ، فَهو لِينُ العَيْشِ، والمُقِيمُ: الدّائِمُ.
9:23Page 190
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، جَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِأهْلِهِ: إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالهِجْرَةِ، فَمِنهم مَن يُسْرِعُ إلى ذَلِكَ، ومِنهم مَن يَتَعَلَّقُ بِهِ عِيالُهُ وزَوْجَتُهُ فَيَقُولُونَ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أنْ تَدَعَنا إلى غَيْرِ شَيْءٍ، فَيَرِقُّ قَلْبُهُ فَيَجْلِسُ مَعَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالهِجْرَةِ، قالَ المُسْلِمُونَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن خالَفَنا في الدِّينِ، قَطَعْنا آَباءَنا وعَشائِرَنا، وذَهَبَتْ تِجارَتُنا، وخَرِبْتْ دِيارُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ: أنا أحْجُبُ الكَعْبَةَ فَلا نُهاجِرُ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي قَبْلَها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ نَفَرًا ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ وِلايَتِهِمْ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
(p-٤١٢)والخامِسُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أمَرَ النّاسَ بِالجِهادِ لِنُصْرَةِ خُزاعَةَ عَلى قُرَيْشٍ، قالَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُعاوِنُهم عَلى قَوْمِنا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
9:24Page 190
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم. . .﴾ الآَيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا مَعَ عِيالِهِمْ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقالَ لِقَوْمٍ: ألّا تُهاجِرُونَ؟ فَقالُوا: نُقِيمُ مَعَ إخْوانِنا وعَشائِرِنا ومَساكِنِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآَيَةُ الَّتِي قَبْلَها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ نَحْنُ اعْتَزَلْنا مَن خالَفَنا في الدِّينِ، قَطَعْنا آَباءَنا وعَشِيرَتَنا، وذَهَبَتْ تِجارَتُنا، وخَرِبَتْ دِيارُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآَيَةِ، وذَكَرَهُ بَعْضُهم في الآَيَةِ الأُولى كَما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَأمّا العَشِيرَةُ، فَهُمُ الأقارِبُ الأدْنَوْنَ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "وَعَشِيراتُكُمْ" عَلى الجَمْعِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لَهُ عَشِيرَةٌ، فَإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: عَشِيراتُكُمْ؛ وحُجَّةُ مَن أفْرَدَ: أنَّ العَشِيرَةَ واقِعَةٌ عَلى الجَمْعِ فاسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنْ جَمْعِها. وقالَ الأخْفَشُ: لا تَكادُ (p-٤١٣)العَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً: عَشِيراتٌ، إنَّما يَجْمَعُونَها عَلى عَشائِرَ. والِاقْتِرافُ بِمَعْنى الِاكْتِسابُ. والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ والأكْثَرُونَ، ومَعْنى الآَيَةِ: إنْ كانَ المَقامُ في أهالِيكم، وكانَتِ الأمْوالُ الَّتِي اكْتَسَبْتُمُوها ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ لَفِراقِكم بَلَدَكم ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ﴾ مِنَ الهِجْرَةِ، فَأقِيمُوا غَيْرَ مُثابِينَ حَتّى تُفْتَحَ مَكَّةُ، فَيَسْقُطَ فَرْضُ الهِجْرَةِ.
والثّانِي أنَّهُ العِقابُ، قالَهُ الحَسَنُ.
9:25Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أيْ: في أماكِنَ. قالَ الفَرّاءُ: وكُلُّ جَمْعٍ كانَتْ فِيهِ ألِفٌ قَبْلَها حَرْفانِ وبَعْدَها حَرْفانِ لَمْ يُجْرَ، مِثْلُ، صَوامِعَ، ومَساجِدَ. وجُرِيَ "حُنَيْنٌ" لِأنَّهُ اسْمٌ لَمُذَكِّرٍ، وهو وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، وإذا سَمَّيْتَ ماءً أوْ وادِيًا أوْ جَبَلًا بِاسْمٍ مُذَكَّرٍ لا عِلَّةَ فِيهِ، أجْرَيْتَهُ مِن ذَلِكَ: حَنِينَ، وبَدْرَ، وحِراءَ، وثَبِيرَ، ودابِقَ. ومَعْنى الآَيَةِ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمَهم أنَّهم إنَّما يَغْلِبُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لا بِكَثْرَتِهِمْ. وفي عَدَدِهِمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَشْرَةُ آَلافٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-٤١٤)والثّالِثُ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ، والواقِدَيُّ.
والرّابِعُ: أحَدَ عَشَرَ ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقالَ ذَلِكَ اليَوْمَ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ، وقَدْ عَجِبَ لَكَثْرَةِ النّاسِ: لَنْ تُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ فَساءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَلامُهُ، ووُكِلُوا إلى كَلِمَةِ الرَّجُلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: القائِلُ لِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ القائِلَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: بَلِ العَبّاسُ. وقِيلَ: رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرَحْبِها. قالَ الفَرّاءُ: والباءُ هاهُنا بِمَنزِلَةِ "فِي" كَما تَقُولُ: ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ في رَحْبِها وبِرَحْبِها.
الإشارَةُ إلى القِصَّةِ
قالَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيرَةِ: «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ تَآَمَرَ عَلَيْهِ أشْرافُ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، فَجاؤُوا حَتّى نَزَلُوا أوْطاسَ، وأجْمَعُوا المَسِيرَ إلَيْهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا التَقَوْا أعْجَبَتْهم كَثْرَتُهم فَهُزِمُوا.»
وَقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: «لَمّا حَمَلْنا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فَأكْبَبْنا عَلى الغَنائِمِ، فَأقْبَلُوا بِالسِّهامِ، فانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وبَعْضُهم يَقُولُ: (p-٤١٥)ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ جَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ مِنهم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، والعَبّاسُ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ.
وَبَعْضُهم يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوى العَبّاسُ وأبِي سُفْيانَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَقُولُ لِلْعَبّاسِ: "نادِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، يا أصْحابَ السُّمْرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ" فَنادى، وكانَ صَيِّتًا، فَأقْبَلُوا كَأنَّهُمُ الإبِلُ إذا حَنَّتْ إلى أوْلادِها، يَقُولُونَ: يا لَبَّيْكَ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِتالِهِمْ، فَقالَ: "الآَنَ حَمِيَ الوَطِيسُ" أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ" ثُمَّ قالَ لَلْعَبّاسِ: "ناوِلْنِي الحَصَياتِ" فَناوَلَهُ، فَقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" ورَمى بِها، وقالَ: "انْهَزِمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ"، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا. وقِيلَ: أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفّا مِن تُرابٍ، فَرَماهم بِهِ فانْهَزَمُوا. وكانُوا يَقُولُونَ: ما بَقِيَ مِنّا أحَدٌ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ بِالتُّرابِ.»
9:26–27Page 190
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أيْ: بَعْدَ الهَزِيمَةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، وأنْشَدَ:(p-٤١٦)
؎ لِلَّهِ قَبْرُ غالَها ماذا يُجِنُّ لَقَدْ أجَنَّ سَكِينَةً ووَقارًا
وَكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: الأمْنُ والطُّمَأْنِينَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي المَلائِكَةَ. وفي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: خَمْسَةُ آَلافٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، يَعْنِي ثَمانِيَةُ آَلافٍ. وهَلْ قاتَلَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ، أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِالقَتْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: بِالقَتْلِ والهَزِيمَةِ، قالَهُ ابْنُ أبْزى، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: بِالخَوْفِ والحَذَرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والرّابِعُ: بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وسَبْيِ الأوْلادِ، وأخْذِ الأمْوالِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ ناقِلِي التَّفْسِيرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مِن يَشاءُ﴾ أيْ: يُوَفِّقُهُ لَلتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.
9:28Page 191
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: قَذَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لَكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَقْذَرٍ: نَجِسٌ. وقالَ الفَرّاءُ: لا تَكادُ العَرَبُ تَقُولُ: نَجَسٌ، إلّا وقَبْلَها رِجْسٌ، فَإذا أفْرَدُوها قالُوا: نَجَسٌ.
(p-٤١٧)وَفِي المُرادِ بِكَوْنِهِمْ نَجِسًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أنْجاسُ الأبْدانِ، كالكَلْبِ والخِنْزِيرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مَن صافَحَهم فَلْيَتَوَضَّأْ.
والثّانِي: أنَّهم كالأنْجاسِ لَتَرْكِهِمْ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن غُسْلِ الجَنابَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ أبْدانُهم أنْجاسًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ عَلَيْنا اجْتِنابُهم، كَما تُجْتَنَبُ الأنْجاسُ، صارُوا بِحُكْمِ الِاجْتِنابِ كالأنْجاسِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّحِيحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: يُرِيدُ جَمِيعَ الحَرَمِ. (بَعْدَ عامِهِمْ هَذا) وهو سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وهي السَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيها أبُو بَكْرٍ وقُرِئَتْ (بَراءَةٌ) . وقَدْ أخَذَ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِظاهِرِ الآَيَةِ، وأنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ دُخُولُ الحَرَمِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيُّ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ في دُخُولِهِمْ غَيْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ المَساجِدِ، فَرُوِيَ عَنْهُ المَنعُ أيْضًا إلّا لَحاجَةٍ، كالحَرَمِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. ورُوِيَ عَنْهُ جَوازُ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لَهم دُخُولُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وسائِرِ المَساجِدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "عايِلَةً" . قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا؟ وكانُوا يَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالتِّجارَةِ فَنَزَلَتْ ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً. .﴾ الآَيَةُ. قالَ الأخْفَشُ: العَيْلَةُ الفَقْرُ. يُقالُ: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً: إذا افْتَقَرَ. وأعالَ إعالَةً فَهو (p-٤١٨)يُعِيلُ: إذا صارَ صاحِبَ عِيالٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَيْلَةُ هاهُنا مَصْدَرُ عالَ فَلانٌ: إذا افْتَقَرَ وأنْشَدَ:
؎ وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: "وَإنْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها لَلشَّرْطِ، وهو الأظْهَرُ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى "وَإذْ"، قالَهُ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ. قالُوا: وإنَّما خافَ المُسْلِمُونَ الفَقْرَ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْمِلُونَ التِّجاراتِ إلَيْهِمْ، ويَجِيئُونَ بِالطَّعامِ وغَيْرِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ عِنْدَ انْقِطاعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم، فَكَثُرَ خَيْرُهم، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ أغْناهم بِالجِزْيَةِ المَأْخُوذَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ نَجْدٍ، وجَرْشٍ، وأهْلَ صَنْعاءَ أسْلَمُوا، فَحَمَلُوا الطَّعامَ إلى مَكَّةَ عَلى الظَّهْرِ، فَأغْناهُمُ اللهُ بِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُكم، (حَكِيمٌ) فِيما حَكَمَ في المُشْرِكِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences