Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:29–37
9:29Page 191
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩
Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.
(p-٤١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانَ المُوَحِّدِينَ، لِأنَّهم أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُهم وأنَّهُ لَهُ ولَدٌ، وكَذَلِكَ إيمانُهم بِالبَعْثِ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: إقْرارُهم بِاليَوْمِ الآَخِرِ يُوجِبُ الإقْرارَ بِحُقُوقِهِ، وهم لا يُقِرُّونَ بِها، فَكانُوا كَمَن لا يُقِرُّ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي الخَمْرَ والخِنْزِيرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ في الحَقِّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ، فالمَعْنى: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ صِفَةٌ لَلدِّينِ: والمَعْنى ولا يَدِينُونَ الدِّينَ الحَقَّ؛ فَأضافَ الِاسْمَ إلى الصِّفَةِ. وفي مَعْنى "يَدِينُونَ" قَوْلانِ.
(p-٤٢٠)أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الطّاعَةِ، والمَعْنى: لا يُطِيعُونَ اللَّهَ طاعَةَ حَقٍّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّهُ مِن دانَ: الرَّجُلُ يَدِينُ كَذا: إذا التَزَمَهُ. ثُمَّ في جُمْلَةِ الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يَدْخُلُونَ في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ ناسِخٌ لِما قَبْلَهُ.
والثّانِي: لا يَعْمَلُونَ بِما في التَّوْراةِ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجِزْيَةُ الخَراجُ المَجْعُولُ عَلَيْهِمْ؛ سُمِّيَتْ جِزْيَةً، لِأنَّها قَضاءٌ لِما عَلَيْهِمْ: أُخِذَ مِن قَوْلِهِمْ: جَزى يَجْزِي: إذا قَضى؛ ومِنهُ؛ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ:٤٨]، وقَوْلُهُ "وَلا تَجْزِي عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ" . وفي قَوْلِهِ: (عَنْ يَدٍ) سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَنْ قَهْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَنْ قَهْرٍ وذُلٍّ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّقْدُ العاجِلُ، قالَهُ شَرِيكٌ، وعُثْمانُ بْنُ مُقْسِمٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إعْطاءُ المُبْتَدِئِ بِالعَطاءِ، لا إعْطاءُ المُكافِئِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: عَنِ اعْتِرافٍ لَلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ أيْدِيَهم فَوْقَ أيْدِيهِمْ.
والخامِسُ: عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهم إنْعامٌ عَلَيْهِمْ، حَكاهُما الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: يُؤَدُّونَها بِأيْدِيهِمْ، ولا يُنَفِّذُونَها مَعَ رُسُلِهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
(p-٤٢١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ الصّاغِرُ: الذَّلِيلُ الحَقِيرُ.
وَفِي ما يُكَلَّفُونَهُ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يُوجِبُ صِغارَهم خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَمْشُوا بِها مُلَبِّبِينَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنْ لا يُحْمَدُوا عَلى إعْطائِهِمْ، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونُوا قِيامًا والآَخِذُ جالِسًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: أنَّ دَفْعَ الجِزْيَةِ هو الصَّغارُ. والخامِسُ: أنَّ إجْراءَ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ هو الصَّغارُ.
فَصْلٌ
واخْتَلَفَ في الَّذِينَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ مِنَ الكُفّارِ، فالمَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ: أنَّها لا تُقْبَلُ إلّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. ونَقَلَ الحَسَنُ بْنُ ثَوابٍ عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ مِن سُبِيَ مِن أهْلِ الأدْيانِ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، فالعَرَبُ إنْ أسْلَمُوا، وإلّا السَّيْفُ، وأُولَئِكَ إنْ أسْلَمُوا، وإلّا الجِزْيَةُ؛ فَظاهِرُ هَذا أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الكُلِّ، إلّا مِن عابِدِي الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ فَقَطْ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.
فَصْلٌ
فَأمّا صِفَةُ الَّذِينَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، فَهم أهْلُ القِتالِ. فَأمّا الزَّمِنُ، والأعْمى، والمَفْلُوجُ، والشَّيْخُ الفانِي، والنِّساءُ، والصِّبْيانُ، والرّاهِبُ الَّذِي لا يُخالِطُ، النّاسَ فَلا تُؤْخَذُ مِنهم.
(p-٤٢٢)* فَصْلٌ
فَأمّا مِقْدارُها، فَقالَ أصْحابُنا: عَلى المُوسِرِ: ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وعَلى المُتَوَسِّطِ: أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، وعَلى الفَقِيرِ المُعْتَمِلِ: اثْنا عَشَرَ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وقَوْلُ مالِكٍ: عَلى أهْلِ الذَّهَبِ أرْبَعَةُ دَنانِيرَ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وسَواءٌ في ذَلِكَ الغَنِيُّ والفَقِيرُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ دِينارٌ. وهَلْ تَجُوزُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ مِمّا يُؤْخَذُ؟ مِنهم نَقَلَ الأثْرَمُ عَنْ أحْمَدَ: أنَّها تُزادُ وتُنْقَصُ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِمْ، فَظاهِرُ هَذا: أنَّها عَلى اجْتِهادِ الإمامِ ورَأْيِهِ. ونَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بِخِتانَ: أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإمِامِ أنْ يُنْقِصَ مِن ذَلِكَ، ولَهُ أنْ يَزِيدَ.
فَصْلٌ
وَوَقْتُ وُجُوبِ الجِزْيَةِ: آَخِرُ الحَوْلِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ في أوَّلِ الحَوْلِ. فَأمّا إذا دَخَلَتْ سَنَةً، في سَنَةٍ فَهَلْ تَسْقُطُ جِزْيَةُ السَّنَةِ الماضِيَةِ؟ عِنْدَنا لا تَسْقُطُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ. فَأمّا إذا أسْلَمَ، فَإنَّها تَسْقُطُ بِالإسْلامِ. فَأمّا إنْ ماتَ؛ فَكانَ ابْنُ حامِدٍ يَقُولُ: لا تَسْقُطُ. وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: يُحْتَمَلُ أنْ تَسْقُطَ.
9:30–31Page 191
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠
The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?
ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١
They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.
٤٢٣ (p-٤٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: مُنَوَّنًا. قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مِن نَوَّنَ عُزَيْرًا رَفَعَهُ عَلى الِابْتِداءِ، "وابْنُ" خَبَرُهُ. ولا يَحْسُنُ حَذْفُ التَّنْوِينِ عَلى هَذا مِن "عُزَيْرٍ" لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ولا تُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، ويُكْسَرُ التَّنْوِينُ لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ومَن لَمْ يُنَوِّنْ "عُزَيْرًا" جَعَلَهُ أيْضًا مُبْتَدَأ، و"ابْنُ" صِفَةٌ لَهُ؛ فَيُحْذَفُ التَّنْوِينُ عَلى هَذا اسْتِخْفافًا لالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولِأنَّ الصِّفَةَ مَعَ المَوْصُوفِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وتُحْذَفُ ألِفُ "ابْنُ" مِنَ الخَطِّ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ نَبِيُّنا وصاحِبُنا. وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ سَلامَ بْنَ مُشْكِمٍ، ونُعْمانَ بْنَ أوْفى، وشاسَ بْنَ قَيْسٍ، ومالِكَ بْنَ الصَّيْفِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، وأنْتَ لا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَ القائِلَ لِذَلِكَ فِنْحاصُ. فَأمّا العُزَيْرُ، فَقالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وإنْ وافَقَ لَفْظَ العَرَبِيَّةِ، فَهو عِبْرانِيٌّ؛ كَذا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العُزَيْرُ عِنْدَ كُلِّ النَّحْوِيِّينَ: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِ: يُعَزِّرُوهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، أنْساهُمُ اللهُ التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، فَدَعا عُزَيْرٌ اللَّهَ تَعالى؛ فَعادَ إلَيْهِ الَّذِي نُسِخَ مِن صُدُورِهِمْ، ونَزَلَ نُورٌ مِنَ السَّماءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ، فَأذِنَ في قَوْمِهِ فَقالَ: قَدْ آَتانِيَ اللَّهُ التَّوْراةَ؛ فَقالُوا: ما أُوتِيَها إلّا لِأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بُخْتِنْصَّرَ (p-٤٢٤)لَمّا ظَهَرَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقَتَلَ مَن قَرَأ التَّوْراةَ، كانَ عُزَيْرٌ غُلامًا، فَتَرَكَهُ. فَلَمّا تُوُفِّيَ عُزَيْرٌ بِبابِلَ، ومَكَثَ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ: أنا عُزَيْرٌ؛ فَكَذَّبُوهُ وقالُوا: قَدْ حَدَّثَنا آَباؤُنا أنَّ عُزَيْرًا ماتَ بِبابِلَ، فَإنْ كُنْتَ عُزَيْرًا فَأمْلِلْ عَلَيْنا التَّوْراةَ؛ فَكَتَبَها لَهُمْ؛ فَقالُوا: هَذا ابْنُ اللَّهِ.
وَفِي الَّذِينَ قالُوا هَذا عَنْ عُزَيْرٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: طائِفَةٌ مِن سَلَفِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: جَماعَةٌ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فِنْحاصُ وحْدَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: الَّذِينَ ذَكَرْناهم في أوَّلِ الآَيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ، فَلِمَ أُضِيفَ إلى جَمِيعِهِمْ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ إيقاعَ اسْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: جِئْتُ مِنَ البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنْ كانَ لَمْ يَرْكَبْ إلّا بَغْلًا واحِدًا.
والثّانِي: أنَّ مَن لَمْ يَقُلْهُ، لَمْ يُنْكِرْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ هَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ.
والثّانِي: لِأنَّهُ أحْيى المَوْتى، وأبْرَأ الكُمْهَ والبُرْصَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (المائِدَةِ:١١٠) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ إنَّ قالَ قائِلٌ: هَذا مَعْلُومٌ، فَما فائِدَتُهُ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: أنَّهُ قَوْلٌ بِالفَمِ، لا بَيانَ فِيهِ، ولا بُرْهانَ، ولا تَحْتَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: " يُضاهُونَ " قَرَأ الجُمْهُورُ: مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ عاصِمٌ: (p-٤٢٥)"يُضاهِئُونَ" . قالَ ثَعْلَبٌ: لَمْ يُتابِعْ عاصِمًا أحَدٌ عَلى الهَمْزِ. قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: "يُضاهُونَ" يُشابِهُونَ قَوْلَ مَن تَقَدَّمَهم مِن كَفَرَتِهِمْ، فَإنَّما قالُوهُ اتِّباعًا لِمُتَقَدِّمِيهِمْ. وأصْلُ المُضاهاةِ في اللُّغَةِ: المُشابِهَةُ؛ والأكْثَرُ تَرْكُ الهَمْزِ؛ واشْتِقاقُهُ مِن قَوْلِهِمُ: امْرَأةٌ ضَهْياءُ، وهي الَّتِي لا يَنْبُتُ لَها ثَدْيٌ. وقِيلَ: هي الَّتِي لا تَحِيضُ، والمَعْنى: أنَّها قَدْ أشْبَهَتِ الرِّجالَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: ضاهَيْتُ، وضاهَأْتُ: إذا شَبَّهْتَ. وفي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، والمَعْنى: أنَّ أُولَئِكَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فالمَعْنى أنَّ النَّصارى في قَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، شابَهُوا اليَهُودَ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم أسْلافُهم، تابَعُوهم في أقْوالِهِمْ تَقْلِيدًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لَعَنَهُمُ اللهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: قَتَلَهُمُ اللهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: عاداهُمُ اللهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: مِن أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ في (المائِدَةِ:٤٤) مَعْنى الأحْبارِ والرُّهْبانِ. وقَدْ «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ "أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" .» فَعَلى هَذا المَعْنى: أنَّهم جَعَلُوهم كالأرْبابِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهم أرْبابٌ. (p-٤٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اتَّخَذُوهُ رَبًّا.
9:32Page 192
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُخْمِدُوا دِينَ اللَّهِ بِتَكْذِيبِهِمْ، يَعْنِي: أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ يُرِيدُونَ إبْطالَهُ بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: نُورُ اللَّهِ: القُرْآَنُ والإسْلامُ. فَأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالأفْواهِ، فَلَمّا ذَكَرْناهُ في الآَيَةِ قَبْلَها. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِالأفْواهِ والألْسُنِ إلّا وهو زُورٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما دَخَلَتْ "إلّا" هاهُنا، لِأنَّ في الإباءِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ، ألا تَرى أنْ "أبَيْتَ" كَقَوْلِكَ: "لَمْ أفْعَلْ"، "وَلا أفْعَلْ"، فَكَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ما ذَهَبَ إلّا زَيْدٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَهَلْ لِي أُمٌّ غَيْرُها إنْ تَرَكْتُها أبى اللَّهُ إلّا أنْ أكُونَ لَها ابْنَما
وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ويَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا إتْمامَ نُورِهِ. قالَ مُقاتِلٌ: "يَتِمُّ نُورَهُ" أيْ: يُظْهِرُ دِينَهُ.
9:33Page 192
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣
It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.
(p-٤٢٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ (بِالهُدى) وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ التَّوْحِيدُ. والثّانِي: القُرْآَنُ. والثّالِثُ: تِبْيانُ الفَرائِضِ. فَأمّا دِينُ الحَقِّ، فَهو الإسْلامُ. وفي قَوْلِهِ: (لِيُظْهِرَهُ) قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الهاءَ عائِدَةٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالمَعْنى: لَيُعَلِّمَهُ شَرائِعَ الدِّينِ كُلِّها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى الدِّينِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَيُظْهِرَ هَذا الدِّينَ عَلى سائِرِ المِلَلِ. ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ؟ (p-٤٢٨)فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُ أهْلُ كُلِّ دِينٍ، وتَصِيرُ المِلَلُ واحِدَةً، فَلا يَبْقى أهْلُ دِينٍ إلّا دَخَلُوا في الإسْلامِ أوْ أدُّوا الجِزْيَةَ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ خُرُوجِ المَهْدِيِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ إظْهارَ الدِّينِ إنَّما هو بِالحُجَجِ الواضِحَةِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلِ النّاسُ فِيهِ.
9:34Page 192
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤
O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ﴾ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانُ مِنَ النَّصارى. وفي الباطِلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الرِّشا في الحُكْمِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: الكَذِبُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. والرّابِعُ: أخَذَهُ مِنَ الجِهَةِ المَحْظُورَةِ، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى. والمُرادُ: أخْذُ الأمْوالِ، وإنَّما ذَكَرَ الأكْلُ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ مِنَ المالِ. وفي المُرادِ بِسَبِيلِ اللَّهِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ والحُكْمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً في أهْلِ الكِتابِ والمُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والضَّحّاكُ.
(p-٤٢٩)والثّانِي أنَّها خاصَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ.
والثّالِثُ: أنَّها في المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.
وَفِي الكَنْزِ المُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلُّ مالٍ أُدِّيَتْ زَكاتُهُ وإنْ كانَ تَحْتَ سَبْعِ أرْضِينَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وكُلُّ مالٍ لا تُؤَدّى زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ وإنْ كانَ ظاهِرًا عَلى وجْهِ الأرْضِ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الجُمْهُورُ. فَعَلى هَذا، مَعْنى الإنْفاقِ: إخْراجُ الزَّكاةِ.
والثّانِي: أنَّهُ ما زادَ عَلى أرْبَعَةِ آَلافٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: أرْبَعَةُ آَلافِ نَفَقَةً، وما فَوْقَها كَنْزٌ.
والثّالِثُ: ما فَضُلَ عَنِ الحاجَةِ، وكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إخْراجُ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالزَّكاةِ.
فَإنَّ قِيلَ كَيْفَ قالَ: "يُنْفِقُونَها" وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: يَرْجِعُ إلى الكُنُوزِ والأمْوالِ.
والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الفِضَّةِ، وحَذْفِ الذَّهَبِ، لِأنَّهُ داخِلٌ في الفِضَّةِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ
يُرِيدُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا راضُونَ، وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
(p-٤٣٠)وَقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ اكْتَفَيْتَ بِأحَدِ المَذْكُورَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النِّساءِ:١١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وأنْشَدَ:
؎ إنِّي ضَمِنتُ لِمَن أتانِيَ ما جَنى ∗∗∗ وأبى وكانَ وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ
وَلَمْ يَقُلْ: غَدُورِينَ، وإنَّما اكْتَفى بِالواحِدِ لاتِّفاقِ المَعْنى. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَرَبُ إذا أشْرَكُوا بَيْنَ اثْنَيْنِ قَصَرُوا، فَخَبَّرُوا عَنْ أحَدِهِما اسْتِغْناءً بِذَلِكَ، وتَحْقِيقًا؛ لِمَعْرِفَةِ السّامِعِ بِأنَّ الآَخَرَ قَدْ شارَكَهُ، ودَخَلَ مَعَهُ في ذَلِكَ الخَبَرِ، وأنْشَدَ:
؎ فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
والنُّصْبُ في "قَيّارُ" أجْوَدُ، وقَدْ يَكُونُ الرَّفْعُ. وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ:
إنَّ
؎ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسْ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنُونا
وَلَمْ يَقُلْ يُعاصِيا
9:35Page 192
يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥
The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: عَلى الأمْوالِ. قالَ ابْنُ (p-٤٣١)مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما مِن رَجُلٍ يُكْوى بِكَنْزٍ، فَيُوضَعُ دِينارٌ عَلى دِينارٍ ولا دِرْهَمٌ عَلى دِرْهَمٍ ولَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدَهُ، فَيُوضَعُ كُلُّ دِينارٍ ودِرْهَمٍ عَلى حِدَتِهِ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي حَيَّةٌ تَنْطَوِي عَلى جَنْبَيْهِ وجَبْهَتِهِ، فَتَقُولُ: أنا مالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ويُقالُ لَهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ: عَذابُ ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ الجِباهَ والجُنُوبَ والظُّهُورَ مِن بَقِيَّةِ البَدَنِ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ مُجَوَّفَةٌ، فَيَصِلُ الحَرُّ إلى أجْوافِها، بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ. وكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: بَشِّرِ الكَنّازِينَ بِكَيٍّ في الجِباهِ وكَيٍّ في الجُنُوبِ وكَيٍّ في الظُّهُورِ، حَتّى يَلْتَقِيَ الحَرُّ في أجْوافِهِمْ. وجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّ الغَنِيَّ إذا رَأى الفَقِيرَ، انْقَبَضَ؛ وإذا ضَمَّهُ وإيّاهُ مَجْلِسٌ، ازْوَرَّ عَنْهُ ووَلّاهُ ظَهْرَهُ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
9:36Page 192
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦
Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].
(p-٤٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ مِن أجْلِ النَّسِيءِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، فَرُبَّما وقَعَ حَجَّهم في رَمَضانَ، ورُبَّما وقَعَ في شَوّالَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وكانُوا يَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ عامًا، ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ صَفَرُ، وتارَةً يُحَرِّمُونَ المُحَرَّمَ ويَسْتَحِلُّونَ صَفَرَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ عَدَدَ شُهُورِ المُسْلِمِينَ الَّتِي تُعُبِّدُوا بِأنْ يَجْعَلُوهُ لِسَنَتِهِمُ: اثْنا عَشَرَ شَهْرًا عَلى مَنازِلِ القَمَرِ؛ فَجُعِلَ حَجُّهم وأعْيادُهم عَلى هَذا العَدَدِ، فَتارَةً يَكُونُ الحَجُّ والصَّوْمُ في الشِّتاءِ، وتارَةً في الصَّيْفِ، بِخِلافِ ما يَعْتَمِدُهُ أهْلُ الكِتابِ، فَإنَّهم يَعْمَلُونَ عَلى أنَّ السَّنَةَ ثَلاثُمِائَةِ يَوْمٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا وبَعْضُ يَوْمٍ. وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ "عَيْنِ اثْنا عَشَرَ" . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: اثْنا عَشَرَ، وأحَدَ عَشَرَ، وتِسْعَةَ عَشَرَ، بِسُكُونِ العَيْنِ فِيهِنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الإمامِ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ كُتُبُهُ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: إنَّما سَمّاها حَرَمًا لِمَعْنَيَيْنِ.
أحَدُهُما: تَحْرِيمُ القِتالِ فِيها، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ أيْضًا. والثّانِي: لَتَعْظِيمُ انْتِهاكِ المَحارِمِ فِيها أشَدُّ مِن تَعْظِيمِهِ في غَيْرِها، وكَذَلِكَ تَعْظِيمُ الطّاعاتِ فِيها.
(p-٤٣٣)والثّانِي: أنَّها الأشْهُرُ الَّتِي أُجِّلَ المُشْرِكُونَ فِيها لَلسِّياحَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ذَلِكَ القَضاءُ المُسْتَقِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ذَلِكَ الحَسابُ الصَّحِيحُ والعَدَدُ المُسْتَوِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في كِنايَةِ "فِيهِنَّ" عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الِاثْنى عَشَرَ، شَهْرًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا حَرامَها حَلالًا، ولا حَلالَها حَرامًا، كَفِعْلِ أهْلِ النَّسِيءِ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والفَرّاءِ؛ واحْتَجَّ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ: لَثَلاثُ لَيالٍ خَلَوْنَ، وأيّامٌ خَلَوْنَ؛ فَإذا جُزْتَ العَشْرَةَ قالُوا: خَلَتْ ومَضَتْ؛ ويَقُولُونَ لِما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ: هُنَّ، وهَؤُلاءِ، فَإذا جُزَّتِ العَشْرَةُ، قالُوا: هي، وهَذِهِ؛ إرادَةَ أنْ تَعْرِفَ سِمَةَ القَلِيلِ مِنَ الكَثِيرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُعِيدُ الهاءَ والنُّونَ عَلى القَلِيلِ مِنَ العَدَدِ، والهاءَ والألِفَ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ؛ والقِلَّةُ: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، والكَثْرَةُ: ما جاوَزَ العَشْرَةَ. يَقُولُونَ: وجَّهْتُ إلَيْكَ أكْبُشًا فاذْبَحْهُنَّ، وكِباشًا فاذْبَحْها؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وقالَ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ لِأنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ "فِيهِنَّ" الأرْبَعَةَ.
وَمَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: "فِيهِنَّ" الِاثْنَيْ عَشَرَ، فَإنَّهُ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما جَعَلَتْ عَلامَةَ القَلِيلِ لِلْكَثِيرِ، وعَلامَةَ الكَثِيرِ لِلْقَلِيلِ. وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: تَرْجِعُ "فِيهِنَّ" إلى الأرْبَعَةِ؛ يَخْرُجُ في مَعْنى الظُّلْمِ فِيهِنَّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
(p-٤٣٤)أحَدُها: أنَّهُ المَعاصِي؛ فَتَكُونُ فائِدَةَ تَخْصِيصِ النَّهْيِ عَنْهُ بِهَذِهِ الأشْهُرِ، أنَّ شَأْنَ المَعاصِي يُعَظَّمُ فِيها أشَدُّ مِن تَعْظِيمِهِ في غَيْرِها، وذَلِكَ لِفَضْلِها عَلى ما سِواها، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ:٩٨] وإنْ كانا قَدْ دَخَلا في جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرَّحْمَنُ:٦٨] وإنْ كانا قَدْ دَخَلا في جُمْلَةِ الفاكِهَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ:١٩٧] وإنْ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ في غَيْرِ الحَجِّ، وكَما أمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ الوُسْطى وإنْ كانَ مَأْمُورًا بِالمُحافَظَةِ عَلى غَيْرِها، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ فِيهِنَّ فِعْلُ النَّسِيءِ، وهو تَحْلِيلُ شَهْرِ مُحَرَّمٍ وتَحْرِيمُ شَهْرِ حَلالٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ البِدايَةُ بِالقِتالِ فِيهِنَّ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم بِالقِتالِ فِيهِنَّ إلّا أنْ تَبْدَؤُوا بِالقِتالِ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَرْكُ القِتالِ فِيهِنَّ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم بِتَرْكِ المُحارِبَةِ لِعَدُوِّكم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، وهو عَكْسُ قَوْلِ مُقاتِلٍ. والسِّرُّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى عَظَّمَ بَعْضَ الشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ، لِيَكُونَ الكَفُّ عَنِ الهَوى فِيها ذَرِيعَةً إلى اسْتِدامَةِ الكَفِّ في غَيْرِها تَدْرِيجًا لِلنَّفْسِ إلى فِراقِ مَأْلُوفِها المَكْرُوهِ شَرْعًا.
9:37Page 193
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧
Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى هَمْزِ النَّسِيءِ ومَدِّهِ وكَسْرِ سِينِهِ.
وَرَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "النَّسْءُ" عَلى وزْنِ النَّسْعِ. وُفي (p-٤٣٥)رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ شِبْلٍ: "النَّسْيُ" مُشَدَّدَةَ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ؛ والمُرادُ بِالكَلِمَةِ التَّأْخِيرُ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: النَّسِيءُ: تَأْخِيرُ الشَّيْءِ. وكانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُ الأشْهُرَ الأرْبَعَةَ، وكانَ هَذا مِمّا تَمَسَّكَتْ بِهِ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ فَرُبَّما احْتاجُوا إلى تَحْلِيلِ المُحَرَّمِ لَلْحَرْبِ تَكُونُ بَيْنَهم، فَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ المُحَرَّمِ إلى صَفَرٍ، ثُمَّ يَحْتاجُونَ إلى تَأْخِيرِ صَفَرٍ أيْضًا إلى الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ ثُمَّ تَتَدافَعُ الشُّهُورُ شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ حَتّى يَسْتَدِيرَ التَّحْرِيمُ عَلى السَّنَةِ كُلِّها، فَكَأنَّهم يَسْتَنْسِؤُونَ الشَّهْرَ الحَرامَ ويَسْتَقْرِضُونَهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في كُفْرِهِمْ، لِأنَّهم أحَلُّوا الحَرامَ، وحَرَّمُوا الحَلالَ (لِيُواطِؤُوا) أيْ: لِيُوافِقُوا (عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) فَلا يَخْرُجُونَ مِن تَحْرِيمِ أرْبَعَةٍ، ويَقُولُونَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، ولا يُبالُونَ بِتَحْلِيلِ الحَرامِ، وتَحْرِيمِ الحَلالِ. وكانَ القَوْمُ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلّا في ذِي الحِجَّةِ إذا اجْتَمَعَتِ العَرَبُ لَلْمَوْسِمِ، قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ إذا أرادُوا الصَّدْرَ عَنْ مِنى، قامَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُقالُ لَهُ: نَعِيمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وكانَ رَئِيسُ المَوْسِمِ، فَيَقُولُ: أنا الَّذِي لا أُعابُ ولا أُجابُ ولا يُرَدُّ لِي قَضاءٌ؛ فَيَقُولُونَ: أنْسِئْنا شَهْرًا؛ يُرِيدُونَ: أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ، واجْعَلْها في صَفَرٍ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ. وإنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ تَوالِي ثَلاثَةِ أشْهُرٍ حُرُمٍ لا يُغَيِّرُونَ فِيها، وإنَّما كانَ مَعاشُهم مِنَ الإغارَةِ، فَتَسْتَدِيرُ الشُّهُورُ كَما بَيَّنّا. وقِيلَ: إنَّما كانُوا يَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ عامًا، فَإذا كانَ مِن قابِلٍ رَدُّوهُ إلى تَحْرِيمِهِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أحَبُّ إلَيَّ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِدارَةٌ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ أوَّلُ مَن أظْهَرَ النَّسِيءَ جَنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ، فَوافَقَتْ حُجَّةٌ أبِي بَكْرٍ ذا القِعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ في العامِ القابِلِ في ذِي الحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ قالَ: « "ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ (p-٤٣٦)والأرْضِ" .» وقالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ، والمَعْنى: أنَّهم يَكْتَسِبُونَ الضَّلالَ بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ويَعْقُوبُ إلّا الوَلِيدُ: "يَضِلُّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ؛ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ. والثّانِي: يُضِلُّ الشَّيْطانُ بِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ القاسِمِ. والثّالِثُ: يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا النّاسَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَنُّوهُ لَهم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ: يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا تابِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: الهاءُ في "بِهِ" راجِعَةٌ إلى النَّسِيءِ، وأصْلُ النَّسِيءِ: المَنسُوءُ، أيِ: المُؤَخَّرُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ "مَفْعُولٍ" إلى "فَعِيلٍ" كَما قِيلَ: مَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، ومَقْدُورٌ وقَدِيرٌ، قالَ: وقِيلَ: الهاءُ راجِعَةٌ إلى الظُّلْمِ، لِأنَّ النَّسِيءَ كَشَفَ تَأْوِيلَ الظُّلْمِ، فَجَرى مَجْرى المُظْهَرِ؛ والأوَّلُ اخْتِيارُنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences