Ibn al-JawziAt‑Tawbah · 9:56–70

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:56–70

9:56–57Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ، و(يُفَرِّقُونَ) بِمَعْنى يَخافُونَ. فَأمّا المَلْجَأُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: المَلْجَأُ واللَّجَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ، وهو المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ. والمَغاراتُ: جَمْعُ مَغارَةٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ فِيهِ الإنْسانُ، أيْ: يَسْتَتِرُ فِيهِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أوْ مَغاراتٍ" بِضَمِّ المِيمِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أغَرْتُ وغُرْتُ: إذا دَخَلَتَ الغَوْرَ. وأصْلُ مُدَّخَلٍ: مُدْتَخِلٌ، ولَكِنَّ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الدّالِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، والتّاءَ والدّالَ مِن مَكانٍ واحِدٍ، فَكانَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ أخَفُّ. وقَرَأ أُبِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: "أوْ مُتَدَخِّلًا" بِرَفْعِ المِيمِ، وبِتاءٍ ودالٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، مُشَدَّدَةَ الخاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ: "مُنْدَخَلًا" بِنُونٍ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، ويَعْقُوبُ: "مُدْخَلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وسُكُونِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن دَخَلَ يَدْخُلُ مَدْخَلًا؛ ومَن قالَ: "مَدْخَلًا" فَهو مِن أدْخَلْتُهُ مَدْخَلًا، قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٥٤)

؎ الحَمْدُ لَلَّهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا بِالخَيْرِ صَبَّحَنا رَبِّي ومَسّانا

وَمَعْنى مُدَّخَلٍ: أنَّهم لَوْ وجَدُوا قَوْمًا يَدْخُلُونَ في جُمْلَتِهِمْ (لَوَلَّوْا) إلَيْهِ، أيْ: إلى أحَدِ هَذِهِ الأشْياءَ ( وهم يَجْمَحُونَ) أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ فِيهِ وُجُوهَهم شَيْءٌ. يُقالُ: جَمَحَ وطَمَحَ: إذا أسْرَعَ ولَمْ يَرُدَّ وجْهَهُ شَيْءٌ؛ ومِنهُ قِيلَ: فَرَسٌ جَمُوحٌ لِلَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ.

9:58Page 196

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، قالَ لَلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» ويُقالُ: أبُو الخَواصِرِ. ويُقالُ: ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، كانَ يَقُولُ: إنَّما يُعْطِي مُحَمَّدٌ مَن يَشاءُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "يَلْمِزُكَ" يَعِيبُكَ ويَطْعَنُ عَلَيْكَ. يُقالُ: هَمَزْتُ فُلانًا ولَمَزْتُهُ: إذا اغْتَبْتُهُ وعِبْتُهُ؛ والأكْثَرُونَ عَلى كَسْرِ مِيمِ "يَلْمِزُكَ" . وقَرَأ يَعْقُوبُ، ونَظِيفٌ عَنْ قُنْبُلٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: "يَلْمِزُونَ"[التَّوْبَةِ:٧٩] "وَيَلْمِزُكَ" ولا "تَلْمِزُوا"[الحُجُراتِ:١١] بِضَمِّ المِيمِ فِيهِنَّ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: "يُلامِزُكَ" مِثْلُ: يُفاعِلُكَ. وقَدْ رَواها حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ فاعَلْتَ في هَذا مِن أحَدٍ، ونَحْوُ: طارَقْتُ النَّعْلَ، وعافاهُ اللَّهُ، لِأنَّ هَذا لا يَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وقَرَأ الأعْمَشُ: "يَلْمِزُكَ" بِتَشْدِيدِ المِيمِ مِن (p-٤٥٥)غَيْرِ ألِفٍ، مِثْلُ: يُفْعِلُكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لَمَزْتُ الرَّجُلَ ألْمِزُهُ وألْمُزُهُ، بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها: إذا عَبْتَهُ، وكَذَلِكَ: هَمَزْتُهُ أهْمِزُهُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ إذا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكاشَرَةً وإنْ تَغَيَّبْتَ كُنْتَ الهامِزَ اللِّمِزَهْ

9:59–60Page 196

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩

If only they had been satisfied with what Allāh and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allāh; Allāh will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allāh,"1 [it would have been better for them].

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦٠

Zakāh expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed for it1 and for bringing hearts together [for Islām] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allāh and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allāh. And Allāh is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: قَنِعُوا بِما أُعْطُوا. ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ في الزِّيادَةِ، أيْ: لَكانَ خَيْرًا لَهم. وهَذا جَوابُ "لَوْ" وهو مَحْذُوفٌ في اللَّفْظِ.

ثُمَّ بَيَّنَ المُسْتَحِقِّ لَلصَّدَقاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ اخْتَلَفُوا في صِفَةِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ: المُتَعَفِّفُ عَنِ السُّؤالِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْألُ وبِهِ رَمَقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والزُّهْرِيُّ، والحَكَمُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الفَقِيرَ: المُحْتاجُ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، والمِسْكِينُ: المُحْتاجُ الَّذِي لا زَمانَةَ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

(p-٤٥٦)والثّالِثُ: الفَقِيرُ: المُهاجِرُ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَمَّ يُهاجِرْ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، والنَّخَعِيُّ.

والرّابِعُ: الفَقِيرُ: فَقِيرُ المُسْلِمِينَ، والمِسْكِينُ: مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّ الفَقِيرَ: مَن لَهُ البُلْغَةُ مِنَ الشَّيْءِ، والمِسْكِينُ: الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ويَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الرّاعِي:

؎ أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ سَبَدُ

فَسَمّاهُ فَقِيرًا، ولَهُ حَلُوبَةٌ تَكْفِيهِ وعِيالُهُ. وقالَ يُونُسَ: قُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ؟ قالَ: لا واللَّهِ، بَلْ مِسْكِينٌ؛ يُرِيدُ: أنَّهُ أسْوَأُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ.

والسّادِسُ: أنَّ الفَقِيرَ أمْسُّ حاجَةً مِنَ المِسْكِينِ، وهَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ، لِأنَّ الفَقِيرَ مَأْخُوذٌ مِنِ انْكِسارِ الفَقارِ، والمَسْكَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ والخُشُوعِ، وذَلِكَ أبْلَغُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُرْوى عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، لِأنَّ الفَقِيرَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: المَفْقُورُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَهُ مِن فِقَرِ ظَهْرِهِ، فَكَأنَّهُ انْقَطَعَ ظَهْرُهُ مِن شِدَّةِ الفَقْرِ؛ فَصَرَّهُ عَنْ مَفْقُورٍ إلى فَقِيرٍ، كَما قِيلَ: مَجْرُوحٌ وجَرِيحٌ، ومَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، قالَ الشّاعِرُ:

(p-٤٥٧)لَمّا رَأى لُبَدَ

؎ النُّسُورِ تَطايَرَتْ ∗∗∗ رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ

قالَ: ومِنَ الحُجَّةِ لَهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ [الكَهْفِ:٧٩]، فَوُصِفَ بِالمَسْكَنَةِ مَن لَهُ سَفِينَةٌ تُساوِي مالًا؛ قالَ: وهو الصَّحِيحُ عِنْدَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ وهُمُ السُّعاةُ لَجِبايَةِ الصَّدَقَةِ، يُعْطُونَ مِنها بِقَدْرِ أُجُورِ أمْثالِهِمْ، ولَيْسَ ما يَأْخُذُونَهُ بِزَكاةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم قَوْمٌ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ بِما يُعْطِيهِمْ، وكانُوا ذَوِي شَرَفٍ، وهم صِنْفانِ: مُسْلِمُونَ وكافِرُونَ. فَأمّا المُسْلِمُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم في الإسْلامِ ضَعِيفَةً، فَتَأْلَفُهم تَقْوِيَةً لَنِيّاتِهِمْ، كَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعِ؛ وصِنْفٌ كانَتْ نِيّاتُهم حَسَنَةً، فَأُعْطَوْا تَألُّفًا لِعَشائِرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِثْلُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ. وأمّا المُشْرِكُونَ، فَصِنْفانِ؛ صِنْفٌ يَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ بِالأذى، فَتَأْلَفُهم دَفْعًا لِأذاهم، مِثْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ؛ وصِنْفٌ كانَ لَهم مَيْلٌ إلى الإسْلامِ، تَأْلَفُهم بِالعَطِيَّةِ لَيُؤْمِنُوا، كَصَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ. وقَدْ ذَكَرْتُ عَدَدَ المُؤَلَّفَةِ في كِتابِ "التَّلْقِيحِ" . وحُكْمُهم باقٍ عِنْدِ أحْمَدَ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: حُكْمُهم مَنسُوخٌ. قالَ الزُّهْرِيُّ: لا أعْلَمُ شَيْئًا نَسَخَ حُكْمَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) . (p-٤٥٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والغارِمِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَزِمَهُمُ الدِّينُ ولا يَجِدُونَ القَضاءَ. قالَ قَتادَةُ: هم ناسٌ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ مِن غَيْرِ فَسادٍ ولا إسْرافٍ ولا تَبْذِيرٍ، وإنَّما قالَ هَذا، لِأنَّهُ لا يُؤْمَنُ في حَقِّ المُفْسِدِ إذا قَضى دَيْنَهُ أنْ يَعُودَ إلى الِاسْتِدانَةِ لِذَلِكَ؛ ولا خِلافَ في جَوازِ قَضاءِ دَيْنِهِ ودَفْعِ الزَّكاةِ إلَيْهِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ قالَهُ عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الغُزاةَ والمُرابِطِينَ. ويَجُوزُ عِنْدَنا أنَّ نُعْطِيَ الأغْنِياءَ مِنهم والفُقَراءَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُعْطى إلّا الفَقِيرُ مِنهم. وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ مِنَ الزَّكاةِ إلى الحَجِّ، أمْ لا؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ، وإنْ كانَ لَهُ مالٌ في بَلَدِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ. فَأمّا إذا أرادَ أنْ يُنْشِئَ سَفَرًا، فَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُعْطى؟ قالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُهُ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٧٧) فِيهِ أقْوالًا عَنِ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ هَذا.

فَصْلٌ

وَحَدُّ الغَنِيِّ الَّذِي يَمْنَعُ أخْذَ الزَّكاةِ عِنْدَ أصْحابِنا بِأحَدِ شَيْئَيْنِ: أنْ يَكُونَ مالِكًا لِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أوْ عِدْلَها مِنَ الذَّهَبِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ يَقُومُ بِكِفايَتِهِ، أوْ لا يَقُومُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ لَهُ كِفايَةٌ إمّا مِن صِناعَةٍ، أوْ أُجْرَةِ عَقارٍ، أوْ عَرُوضٍ (p-٤٥٩)لِلتِّجارَةِ يَقُومُ رِبْحُها بِكِفايَتِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الِاعْتِبارُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مالِكًا لِنِصابٍ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكاةُ. فَأمّا ذَوُو القُرْبى الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، فَهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَحْرُمُ عَلى ولَدِ هاشِمٍ، ولا تَحْرُمُ عَلى ولَدِ المُطَّلِبِ. ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ عَلى الصَّدَقَةِ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ ويَأْخُذُ عِمالَتَهُ مِنها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ. فَأمّا مَوالِيَ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، خِلافًا لِمالِكٍ. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطِيَ صَدَقَتَهُ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ وبِهِ قالَ مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يُعْطِي والِدًا وإنْ عَلا، ولا ولَدًا وإنْ سَفَلَ، ولا زَوْجَهُ، ويُعْطِي مَن عَداهم. فَأمّا الذِّمِّيُّ؛ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إعْطاؤُهُ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: إذا لَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا، أُعْطِيَ الذِّمِّيُّ. ولا يَجِبُ اسْتِيعابُ الأصْنافِ، ولا اعْتِبارُ عَدَدٍ مِن كُلِّ صِنْفٍ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: يَجِبُ الِاسْتِيعابُ مِن كُلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةٌ.

فَأمّا إذا أرادَ نَقْلَ الصَّدَقَةِ مِن بَلَدِ المالِ إلى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَإنَّ نَقْلَها لَمْ يُجْزِئْهُ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ نَقْلُها، وتُجْزِئْهُ. قالَ أحْمَدُ: ولا يُعْطِي الفَقِيرَ أكْثَرَ مِن خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْرَهُ أنْ يُعْطِيَ رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ الزَّكاةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وإنْ أعْطَيْتَهُ أجْزَأكَ. فَأمّا الشّافِعِيُّ، فاعْتَبَرَ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ مِن غَيْرِ حَدٍّ. فَإنْ أُعْطِيَ مَن يَظُنُّهُ فَقِيرًا، فَبانَ أنَّهُ غَنِيٌّ، فَهَلْ يُجْزِئُ؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

9:61Page 196

وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear."1 Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allāh and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allāh - for them is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. (p-٤٦٠)أحَدُها: «أنَّ خِذامَ بْنَ خالِدٍ، والجُلّاسَ بْنَ سُوَيْدٍ، وعُبَيْدَ بْنَ هِلالٍ في آَخَرِينَ، كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَفْعَلُوا، فَإنّا نَخافُ أنْ يُبَلِّغَهُ فَيَقَعُ بِنا، فَقالَ الجُلّاسُ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا، فَإنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ «رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، كانَ يَنُمُّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُنافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ؛ فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنُ، مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا، صَدَّقَهُ؛ نَقُولُ ما شِئْنا، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛» قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: «أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم جُلّاسُ بْنُ سُوِيدٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، اجْتَمَعُوا، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ ﷺ، وعِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى عامِرَ بْنَ قَيْسٍ، فَحَقَّرُوهُ، فَتَكَلَّمُوا وقالُوا: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَغَضِبَ الغُلامُ، وقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وإنَّكم لَشَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَدَعاهم فَسَألَهم فَحَلَفُوا أنَّ عامِرًا كاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ أنَّهم كَذَبُوا، وقالَ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقْ بَيْنَنا حَتّى تُبَيِّنَ صِدْقَ الصّادِقِ، وكَذِبَ الكاذِبِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾، قالَهُ السُّدِّيُّ. فَأمّا الأذى، فَهو عَيْبُهُ ونَقْلُ حَدِيثِهِ. ومَعْنى (أُذُنٌ) يَقْبَلُ كُلَّ ما قِيلَ (p-٤٦١)لَهُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأصْلُ في هَذا أنَّ الأُذُنَ هي السّامِعَةُ، فَقِيلَ لَكُلِّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ خَبَرٍ يَسْمَعُهُ: أُذُنٌ. وجُمْهُورُ القُرّاءِ يَقْرَؤُونَ (هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ) بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ نافِعٌ "هُوَ أُذْنٌ قُلْ أذْنٌ خَيْرٌ" بِإسْكانِ الذّالِ فِيهِما. ومَعْنى "أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ" أيْ: أُذُنُ خَيْرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ؛ يَسْمَعُ الخَيْرَ فَيَعْمَلُ بِهِ، ولا يَعْمَلُ بِالشَّرِّ إذا سَمِعَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "أُذُنٌ" بِالتَّنْوِينِ "خَيْرٌ" بِالرَّفْعِ. والمَعْنى: إنْ كانَ كَما قُلْتُمْ، يَسْمَعُ مِنكم ويُصَدِّقُكم، خَيْرٌ لَكم مِن أنْ يُكَذِّبَكم. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ تُطْلِقَ الأُذُنَ عَلى الجُمْلَةِ كَما قالَ الخَلِيلُ: إنَّما سُمِّيَتِ النّابُ مِنَ الإبِلِ، لِمَكانِ النّابِ البازِلِ، فَسُمِّيَتِ الجُمْلَةُ كُلُّها بِهِ، فَأجْرَوْا عَلى الجُمْلَةِ اسْمَ الجارِحَةِ لِإرادَتِهِمْ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِهِ لَها في الإصْغاءِ بِها.

ثُمَّ بَيَّنَ مِمَّنْ يَقْبَلُ، فَقالَ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الباءُ واللّامُ زائِدَتانِ؛ والمَعْنى: يُصْدِّقُ اللَّهَ ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَسْمَعُ ما يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُصَدِّقُ بِهِ، ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُخْبِرُونَهُ بِهِ. ورَحْمَةٌ أيْ وهو رَحْمَةٌ، لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ "وَرَحْمَةٍ" بِالخَفْضِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ. والمَعْنى: مُسْتَمِعُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ.

9:62Page 197

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢

They swear by Allāh to you [Muslims] to satisfy you. But Allāh and His Messenger are more worthy for them to satisfy,1 if they were to be believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ. والثّانِي: بِتَرْكِ الطَّعْنِ والعَيْبِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: "يُرْضُوهُ" ولَمْ يَقُلْ: يُرْضَوْهُما؟ فَقَدْ شَرَحْنا هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ:٣٤] .

9:63Page 197

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣

Do they not know that whoever opposes Allāh and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ رَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ "ألَمْ تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ.

﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَن يُخالِفُ اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَن يُعادِي، اللَّهَ، كَقَوْلِكَ: مَن يُجانِبُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، أيْ: يَكُونُ في حَدٍّ، واللَّهُ ورَسُولُهُ في حَدٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِها. فَمَن كَسَرَ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ الفاءِ، كَما تَقُولُ: فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ. ودَخَلَتْ "إنَّ" مُؤَكِّدَةً. ومَن قالَ: (p-٤٦٣)"فَإنَّ لَهُ" فَإنَّما أعادَ "أنْ" الأُولى تَوْكِيدًا؛ لِأنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ، كانَ إعادَتُها أوْكَدُ.

9:64Page 197

يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤

The hypocrites are apprehensive lest a sūrah be revealed about them, informing them of1 what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allāh will expose that which you fear."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَعِيبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما بَيْنَهم، ويَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ لا يُفْشِي سِرَّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ: لَوَدِدْتُ أنِّي جُلِدْتُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، ولا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا لَلنَّبِيِّ ﷺ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ لَيَفْتِكُوا بِهِ، فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ حالِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ القاسِمِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهم بِالحَذَرِ، فَتَقْدِيرُهُ: لِيَحْذَرَ المُنافِقُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ رُبَّما أخْرَجَتِ الأمْرَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، فَيَقُولُونَ: يَرْحَمُ اللَّهُ المُؤْمِنَ، ويُعَذِّبُ الكافِرَ؛ يُرِيدُونَ: لَيَرْحَمَ ولِيُعَذِّبَ، فَيُسْقِطُونَ اللّامَ، ويُجْرُونَهُ مَجْرى الخَبَرِ في الرَّفْعِ، وهم لا يَنْوُونَ إلّا الدُّعاءَ؛ والدُّعاءُ مُضارِعٌ لِلْأمْرِ.

(p-٤٦٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ هَذا وعِيدٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ تَهْدِيدًا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: مُظْهِرٌ ما تُسِرُّونَ. والثّانِي: ناصِرٌ مَن تَخْذُلُونَ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

9:65–66Page 197

وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allāh and His verses and His Messenger that you were mocking?"

لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦

Make no excuse; you have disbelieved [i.e., rejected faith] after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ بْنَ خُذامٍ، والجَهِيرَ بْنَ خَمِيرٍ، كانُوا يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرْجِعُهُ مِن تَبُوكَ، فَجَعَلَ رَجُلانِ مِنهم يَسْتَهْزِآَنِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والثّالِثُ يَضْحَكُ مِمّا يَقُولانِ ولا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِما يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ؛ فَقالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ "اذْهَبْ" فَسَلْهم عَمّا كانُوا يَضْحَكُونَ مِنهُ، وقُلْ لَهُمْ: أحْرَقَكُمُ اللهُ" فَلَمّا سَألَهم، وقالَ: أحْرَقَكُمُ اللهُ؛ عَلِمُوا أنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآَنٌ فاقْبَلُوا يَعْتَذِرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ الجَهِيرُ: واللَّهِ ما تَكَلَّمَتُ بِشَيْءٍ، وإنَّما ضَحِكْتُ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ يَعْنِي جَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ووَدِيعَةَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي الجَهِيرَ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ يَعْنِي الجَدَّ ووَدِيعَةَ،» هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، ولا أرْغَبُ بُطُونًا، ولا أكْذِبُ، ولا أجْبُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، فَقالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: كَذَبْتَ، لَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرْنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ (p-٤٦٥)فَذَهَبَ لَيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآَنَ قَدْ سَبَقَهُ؛ فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، والقُرَظِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ هَذا حَقًّا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ؛ فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ما قالُوا، ونَزَلَتْ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: يُحَدِّثُنا مُحَمَّدُ أنَّ ناقَةَ فُلانٍ بِوادِي كَذا وكَذا؛ وما يَدْرِيهِ ما الغَيْبُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: يَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها، هَيْهاتَ؛ فَأطْلَعَ اللَّهَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ" فَأتاهم، "فَقالَ قُلْتُمْ كَذا وكَذا" فَقالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، ورَهْطًا مَعَهُ، كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ وأصْحابِهِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ لَهم ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ أيْ: نَلْهُو بِالحَدِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكم بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم ) قَرَأ الأكْثَرُونَ "إنْ يَعْفُ" (p-٤٦٦)بِالياءِ، "تُعَذَّبْ" بِالتّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ غَيْرَ أبانَ "إنْ نَعْفُ"، "نُعَذِّبْ" .

بِالنُّونِ فِيهِما ونُصْبِ "طائِفَةً"، والمَعْنى: إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم بِالتَّوْفِيقِ لَلتَّوْبَةِ، نُعَذِّبْ طائِفَةً بِتَرْكِ التَّوْبَةِ وقِيلَ: الطّائِفَتانِ هاهُنا ثَلاثَةٌ؛ فاسْتَهْزَأ اثْنانِ، وضَحِكَ واحِدٌ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ ما سَمِعَ. وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أسْماءَ الثَّلاثَةِ، وأنَّ الضّاحِكَ اسْمُهُ الجَهِيرُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَخْشِيُّ بْنُ خَمِيرٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الطّائِفَةُ: الواحِدُ فَما فَوْقَهُ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الطّائِفَةِ في اللُّغَةِ: الجَماعَةُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْواحِدِ: طائِفَةٌ، يُرادُ بِهِ: نَفْسَ طائِفَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا أُرِيدَ بِالطّائِفَةِ الواحِدَ، كانَ أصْلُها طائِفًا، عَلى مِثالِ: قائِمٍ وقاعِدٍ، فَتَدْخُلُ الهاءُ لَلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كَما يُقالُ: رِوايَةٌ، عَلامَةٌ، نَسّابَةٌ.

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما فَرَغَ مِن تَنْزِيلِ (بَراءَةَ) حَتّى ظَنَنّا أنْ لَنْ يَبْقى مِنّا أحَدٌ إلّا يَنْزِلُ فِيهِ شَيْءٌ.

9:67–70Page 197

ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands.1 They have forgotten Allāh, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨

Allāh has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allāh has cursed them, and for them is an enduring punishment.

كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعْضُهم عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، (يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ) وهو الكُفْرُ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ وهو الإيمانُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَقْبِضُونَها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والرّابِعُ: عَنْ رَفْعِها في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: هي كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: عَذَّبْتُكَ حَسْبَ فِعْلِكَ، وحَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ. ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَكُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: رَجَعَ عَنِ الخَبَرِ عَنْهم إلى مُخاطَبَتِهِمْ، وشَبَّهَهم في العُدُولِ عَنْ أمْرِهِ بِمَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآَخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّجّاجُ: بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ أيْ: في الطَّعْنِ عَلى الدِّينِ وتَكْذِيبِ نَبِيِّكم كَما خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ لِأنَّها لَمْ تُقْبَلْ مِنهم، وفي الآَخِرَةِ، لِأنَّهم لا يُثابُونَ عَلَيْها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ بِفَوْتِ الثَّوابِ وحُصُولِ العِقابِ.

(p-٤٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ نَمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ (وَأصْحابِ مَدْيَنَ) يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ. (والمُؤْتَفِكاتِ) قُرى لُوطٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيِ: انْقَلَبَتْ. قالَ: ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أهْلَكَ، [كَما] يُقالُ لِلْهالِكِ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهُمْ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأُمَمَ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَكَذَّبُوا بِها، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيُهْلِكَهم حَتّى يَبْعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُنْذِرُهم، والمَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِاسْتِحْقاقِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском