Ibn al-Jazari · Tafsir · in Arabic
Al-Fatihah 1:1–7, continued
وَهَذِهِ مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ الناسُ فِيها، وبُسِطَ القَوْلُ فِيها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولا تَعَلُّقَ لِلْقِراءَةِ بِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَرَتْ عادَةُ أكْثَرِ القُرّاءِ لِلتَّعَرُّضِ لِذَلِكَ لَمْ نُخْلِ كِتابَنا مِنهُ ؛ لِتَعْرِفَ مَذاهِبَ أئِمَّةِ القِراءَةِ فِيها، فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ (أحَدُها) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ فَقَطْ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ مَكَّةَ والكُوفَةِ، ومَن وافَقَهُمْ، ورُوِيَ قَوْلًا لِلشّافِعِيِّ (الثانِي) أنَّها آيَةٌ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، ومِن أوَّلِ سُورَةٍ، وهو الأصَحُّ مِن مَذْهَبِ الشافِعِيِّ، ومَن وافَقَهُ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، ونُسِبَ إلى أبِي حَنِيفَةَ. (الثالِثُ) أنَّها آيَةٌ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، بَعْضُ آيَةٍ مِن غَيْرِها، وهو القَوْلُ الثانِي لِلشّافِعِيِّ. (الرابِعُ) أنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لا مِنها، وهو المَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ، وقالَ داوُدُ وأصْحابُهُ، وحَكاهُ أبُو بَكْرٍ الرازِيُّ، عَنْ أبِي الحَسَنِ الكَرْخِيِّ، وهو مِن كِبارِ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ (الخامِسُ) أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ ولا بَعْضِ آيَةٍ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، ولا مِن أوَّلِ غَيْرِها، وإنَّما كُتِبَتْ لِلتَّيَمُّنِ والتَبَرُّكِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والثَوْرِيِّ، ومَن وافَقَهُمْ، وذَلِكَ مَعَ (p-٢٧١)إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِن سُورَةِ النَمْلِ، وأنَّ بَعْضَها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ.
(قُلْتُ): وهَذِهِ الأقْوالُ تَرْجِعُ إلى النَفْيِ والإثْباتِ، والَّذِي نَعْتَقِدُهُ أنَّ كِلَيْهُما صَحِيحٌ، وأنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَقٌّ، فَيَكُونُ الِاخْتِلافُ فِيهِما كاخْتِلافِ القِراءاتِ. قالَ السَخاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَهُ -: واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلَيْها في أوَّلِ الفاتِحَةِ، فَإنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وعاصِمًا، والكِسائِيَّ يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنها ومِن كُلِّ سُورَةٍ، ووافَقَهم حَمْزَةُ عَلى الفاتِحَةِ خاصَّةً. قالَ: وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ، ومَن تابَعَهُ مِن قُرّاءِ المَدِينَةِ لا يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ. انْتَهى. ويُحْتاجُ إلى تَعَقُّبٍ، فَلَوْ قالَ: يَعْتَقِدُونَها مِنَ القُرْآنِ أوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ لِيَعُمَّ كَوْنَها آيَةً مِنها أوْ فِيها، أوْ بَعْضَ آيَةٍ - لَكانَ أسَدَّ ; لِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنهم عَدَّها آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ سِوى الفاتِحَةِ نَصًّا، وقَوْلُهُ: إنَّ قالُونَ ومَن تابَعَهُ مِن قُرّاءِ المَدِينَةِ لا يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ قَدْ صَحَّ نَصًّا أنَّ إسْحاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ المُسَيَّبِيَّ أوْثَقَ أصْحابِ نافِعٍ وأجَلَّهُمْ، قالَ: سَألْتُ نافِعًا، عَنْ قِراءَةِ بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ فَأمَرَنِي بِها، وقالَ: أشْهَدُ أنَّها آيَةٌ مِنَ السَبْعِ المَثانِي، وأنَّ اللَهَ أنْزَلَها. رَوى ذَلِكَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وكَذَلِكَ رَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ مُجاهِدٍ، عَنْ شَيْخِهِ مُوسى بْنِ إسْحاقَ القاضِي عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المُسَيَّبِيِّ، عَنْ أبِيهِ، ورُوِّينا أيْضًا عَنِ المُسَيَّبِيِّ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ (بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ) أوَّلَ فاتِحَةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيْنَ السُورَتَيْنِ في العَرْضِ والصَلاةِ، هَكَذا كانَ مَذْهَبُ القُرّاءِ بِالمَدِينَةِ قالَ: وفُقَهاءُ المَدِينَةِ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
(قُلْتُ): وحَكى أبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ، عَنْ مالِكٍ أنَّهُ سَألَ نافِعًا عَنِ البَسْمَلَةِ فَقالَ: السُنَّةُ الجَهْرُ بِها، فَسَلَّمَ إلَيْهِ وقالَ: كُلُّ عِلْمٍ يُسْألُ عَنْهُ أهْلُهُ.
1:2Page 1
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[All] praise is [due] to Allāh, Lord1 of the worlds -
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
ذِكْرُ اخْتِلافِهِمْ في سُورَةِ أُمِّ القُرْآنِ
اخْتَلَفُوا في ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾ فَقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِالألِفِ مَدًّا، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ألْفٍ قَصْرًا.
No commentary for this ayah
واخْتَلَفُوا في ﴿الصِراطِ﴾، و﴿صِراط﴾. فَرَواهُ رُوَيْسٌ حَيْثُ وقَعَ وكَيْفَ أتى بِالسِينِ، واخْتُلِفَ، عَنْ قُنْبُلٍ، فَرَواهُ عَنْهُ بِالسِينِ كَذَلِكَ ابْنُ مُجاهِدٍ وهي رِوايَةُ أحْمَدَ بْنِ ثَوْبانَ، عَنْ قُنْبُلٍ، ورِوايَةُ (p-٢٧٢) الحُلْوانِيِّ عَنِ القَوّاسِ، ورَواهُ عَنْهُ ابْنُ شَنَبُوذَ، وكَذَلِكَ سائِرُ الرُواةِ، عَنْ قُنْبُلٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ الباقُونَ إلّا حَمْزَةَ فَرَوى عَنْهُ خَلَفٌ بِإشْمامِ الصادِ الزايَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، واخْتُلِفَ عَنْ خَلّادٍ في إشْمامِ الأوَّلِ فَقَطْ، أوْ حَرْفَيِ الفاتِحَةِ خاصَّةً، أوِ المَعْرُوفِ بِاللامِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، أوْ لا إشْمامَ في الحَرْفِ الأوَّلِ حَسَبَ ما في «التَيْسِيرِ» و«الشاطِبِيَّةِ»، وبِذَلِكَ قَرَأ الدانِيُّ عَلى أبِي الفَتْحِ فارِسٍ، وصاحِبُ «التَجْرِيدِ» عَلى عَبْدِ الباقِي، وهي رِوايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى الخُنَيْسِيِّ، عَنْ خَلّادٍ، وقَطَعَ لَهُ بِالإشْمامِ في حَرْفَيِ الفاتِحَةِ فَقَطْ صاحِبُ «العُنْوانِ» والطَرَسُوسِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ شاذانَ عَنْهُ، وصاحِبُ «المُسْتَنِيرِ» مِن طَرِيقِ ابْنِ البَخْتَرِيِّ، عَنِ الوَزّانِ عَنْهُ، وبِهِ قَطَعَ أبُو العِزِّ الأهْوازِيُّ عَنِ الوَزّانِ أيْضًا، وهي طَرِيقُ ابْنِ حامِدٍ، عَنِ الصَوّافِ، وقَطَعَ لَهُ بِالإشْمامِ في المَعْرُوفِ بِاللامِ خاصَّةً هُنا وفي جَمِيعِ القُرْآنِ جُمْهُورُ العِراقِيِّينَ، وهي طَرِيقُ بَكّارٍ عَنِ الوَزّانِ، وبِهِ قَرَأ صاحِبُ التَجْرِيدِ عَلى الفارِسِيِّ والمالِكِيِّ، وهو الَّذِي في رَوْضَةِ أبِي عَلِيٍّ البَغْدادِيِّ، وطَرِيقُ ابْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ أبِي عُمَرَ، عَنِ الصَوّافِ عَنِ الوَزّانِ، وهي رِوايَةُ الدُورِيِّ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وقَطَعَ لَهُ بِعَدَمِ الإشْمامِ في الجَمِيعِ صاحِبُ «التَبْصِرَةِ»، و«الكافِي»، و«التَلْخِيصِ»، و«الهِدايَةِ»، و«التَذْكِرَةِ»، وجُمْهُورُ المَغارِبَةِ، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى أبِي الحَسَنِ، وهي طَرِيقُ ابْنِ الهَيْثَمِ والطَلْحِيِّ، ورِوايَةُ الحُلْوانِيِّ، عَنْ خَلّادٍ، وانْفَرَدَ ابْنُ عُبَيْدٍ عَلى أبِي عَلِيٍّ الصَوّافِ عَلى الوَزّانِ عَنْهُ بِالإشْمامِ في المُعَرَّفِ والمُنَكَّرِ كَرِوايَةِ خَلَفٍ، عَنْ حَمْزَةَ في كُلِّ القُرْآنِ، وهو ظاهِرُ «المُبْهِجِ» عَنِ ابْنِ الهَيْثَمِ.
1:7Page 1
صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧
The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have earned [Your] anger or of those who are astray.
واخْتَلَفُوا في ضَمِّ الهاءِ وكَسْرِها مِن ضَمِيرِ التَثْنِيَةِ والجَمْعِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ ياءٍ ساكِنَةٍ نَحْوُ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] و﴿لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]، و﴿عَلَيْهِما﴾ [البقرة: ٢٢٩] و(إلَيْهِما) و﴿فِيهِما﴾ [البقرة: ٢١٩]، و﴿عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] و﴿إلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١] و﴿فِيهِنَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، و﴿أبِيهِمْ﴾ [يوسف: ٦٣] و﴿صَياصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] و﴿بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ [سبإ: ١٦] و﴿تَرْمِيهِمْ﴾ [الفيل: ٤] و﴿وَما نُرِيهِمْ﴾ [الزخرف: ٤٨] و﴿بَيْنَ أيْدِيهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وشِبْهُ ذَلِكَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِضَمِّ الهاءِ، وافَقَهُ حَمْزَةُ فِي: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] و﴿لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] فَقَطْ، فَإنْ سَقَطَتْ مِنهُ الياءُ لِعِلَّةٍ جَزَمَ، أوْ بِناءً نَحْوُ: ﴿وَإنْ يَأْتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]، ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات: ١١]، ﴿فَآتِهِمْ﴾ [الأعراف: ٣٨]، فَإنَّ رُوَيْسًا يَضُمُّ الهاءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [الأنفال: ١٦] في الأنْفالِ، فَإنَّ كَسْرَها (p-٢٧٣)بِلا خِلافٍ، واخْتُلِفَ عَنْهُ في ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ [الحجر: ٣] في الحِجْرِ، و﴿يُغْنِهِمُ اللَهُ﴾ [النور: ٣٢] في النُورِ، ﴿وَقِهِمُ السَيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩]، ﴿وَقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] وكِلاهُما في غافِرٍ، فَكَسَرَ الهاءَ في الأرْبَعَةِ القاضِي أبُو العَلاءِ عَنِ النُحاسِ.
وَكَذَلِكَ رَوى الهُذَلِيُّ عَنِ الحَمّامِيِّ في الثَلاثَةِ الأُوَلِ، وكَذا نَصَّ الأهْوازِيُّ، وقالَ الهُذَلِيُّ: هَكَذا أُخِذَ عَلَيْنا في التِلاوَةِ ولَمْ نَجِدْهُ في الأصْلِ مَكْتُوبًا، زادَ ابْنُ خَيْرُونَ عَنْهُ كَسْرَ الرابِعَةِ وهي ﴿وَقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] وضَمَّ الهاءَ في الأرْبَعَةِ الجُمْهُورُ، عَنْ رُوَيْسٍ، وانْفَرَدَ فارِسُ بْنُ أحْمَدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهاءِ في (﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]) في الأنْعامِ، و(حُلِيِّهُمْ) في الأعْرافِ، ولَمْ يَرْوِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وانْفَرَدَ ابْنُ مِهْرانَ، عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الهاءِ مِن ﴿أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وبِذَلِكَ، قَرَأ الباقُونَ في جَمِيعِ البابِ
واخْتَلَفُوا في صِلَةِ مِيمِ الجَمْعِ بِواوٍ وإسْكانِها، وإذا وقَعَتْ قَبْلَ مُحَرَّكٍ نَحْوُ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، ﴿عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ﴾ [البقرة: ٧] فَضَمَّ المِيمَ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ، ووَصَلَها بِواوٍ في اللَفْظِ وصْلًا ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ، واخْتُلِفَ، عَنْ قالُونَ، فَقَطَعَ لَهُ بِالإسْكانِ صاحِبُ «الكافِي»، وهو الَّذِي في «العُنْوانِ»، وكَذا قَطَعَ في «الهِدايَةِ» مِن طَرِيقِ أبِي نَشِيطٍ، وهو الِاخْتِيارُ لَهُ في «التَبْصِرَةِ»، ولَمْ يَذْكُرْ في «الإرْشادِ» غَيْرَهُ، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى أبِي الحَسَنِ مِن طَرِيقِ أبِي نَشِيطٍ، وعَلى أبِي الفَتْحِ، عَنْ قِراءَتِهِ عَلى عَبْدِ اللَهِ بْنِ الحُسَيْنِ مِن طَرِيقِ الحُلْوانِيِّ وصاحِبِ «التَجْرِيدِ» عَنِ ابْنِ نَفِيسٍ مِن طَرِيقِ أبِي نَشِيطٍ وعَلَيْهِ، وعَلى الفارِسِيِّ والمالِكِيِّ مِن طَرِيقِ الحُلْوانِيِّ، وقَرَأ الهُذَلِيُّ أيْضًا مِن طَرِيقِ أبِي نَشِيطٍ، وبِالصِلَةِ قَطَعَ صاحِبُ «الهِدايَةِ» لِلْحُلْوانِيِّ، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى أبِي الفَتْحِ مِنَ الطَرِيقَيْنِ، عَنْ قِراءَتِهِ عَلى عَبْدِ الباقِي بْنِ الحَسَنِ، وعَنْ قِراءَتِهِ عَلى عَبْدِ اللَهِ بْنِ الحُسَيْنِ، وطَرِيقِ الجَمّالِ عَنِ الحُلْوانِيِّ، وبِهِ قَرَأ الهُذَلِيُّ، وأطْلَقَ الوَجْهَيْنِ عَنْ قالُونَ بْنِ بَلِّيمَةَ صاحِبِ «التَلْخِيصِ» مِنَ الطَرِيقَيْنِ، ونَصَّ عَلى الخِلافِ صاحِبُ التَيْسِيرِ مِن طَرِيقِ أبِي نَشِيطٍ وأطْلَقَ التَخْيِيرَ لَهُ في «الشاطِبِيَّةِ»، وكَذا جُمْهُورُ الأئِمَّةِ العِراقِيِّينَ مِنَ الطَرِيقَيْنِ (p-٢٧٤)وانْفَرَدَ الهُذَلِيُّ عَنِ الهاشِمِيِّ عَنِ ابْنِ جَمّازٍ بِعَدَمِ الصِلَةِ مُطْلَقًا كَيْفَ وقَعَتْ، إلّا أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِما لَمْ يَكُنْ قَبْلَ هَمْزِ قَطْعٍ، كَما سَيَأْتِي في بابِ النَقْلِ، ووافَقَ ورْشًا عَلى الصِلَةِ إذا وقَعَ بَعْدَ مِيمِ الجَمْعِ هَمْزَةُ قَطْعٍ نَحْوُ (﴿عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ﴾ [البقرة: ٦]) (﴿مَعَكم إنَّما﴾ [البقرة: ١٤]) (﴿وَأنَّهم إلَيْهِ﴾ [البقرة: ٤٦]) والباقُونَ بِإسْكانِ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وأجْمَعُوا عَلى إسْكانِها وقْفًا، واخْتَلَفُوا في كَسْرِ مِيمِ الجَمْعِ وضَمِّها وضَمِّ ما قَبْلَها وكَسْرِهِ إذا كانَ بَعْدَ المِيمِ ساكِنٌ، وكانَ قَبْلَها هاءٌ وقَبْلَها كَسْرَةٌ، أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ نَحْوُ: ﴿قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، و﴿بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، و﴿يُغْنِيَهُمُ اللَهُ﴾ [النور: ٣٣]، و﴿يُرِيهِمُ اللَهُ﴾ [البقرة: ١٦٧]، و﴿عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، و﴿مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي﴾ [الذاريات: ٦٠]، فَكَسَرَ المِيمَ والهاءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ أبُو عَمْرٍو وضَمَّ المِيمَ وكَسَرَ الهاءِ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ، وضَمَّ المِيمَ والهاءَ جَمِيعًا حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأتْبَعَ يَعْقُوبُ المِيمَ الهاءَ عَلى أصْلِهِ المُتَقَدِّمِ، فَضَمَّها حَيْثُ ضَمَّ الهاءَ وكَسَرَها حَيْثُ كَسَرَها، فَيَضُمُّ نَحْوَ (﴿يُرِيهِمُ اللَهُ﴾ [البقرة: ١٦٧])، (﴿عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦]) ؛ لِوُجُودِ ضَمَّةِ الهاءِ، وبِكَسْرِ نَحْوِ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] ؛ لِوُجُودِ الكَسْرَةِ، ورُوَيْسٌ عَلى الخِلافِ في نَحْوِ ﴿يُغْنِهِمُ اللَهُ﴾ [النور: ٣٢].
هَذا حُكْمُ الوَصْلِ، وأمّا حُكْمُ الوَقْفِ فَكُلُّهم عَلى إسْكانِ المِيمِ، وهي في الهاءِ عَلى أُصُولِهِمْ، فَحَمْزَةُ يَضُمُّ نَحْوَ: ﴿عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] و﴿إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] ويَعْقُوبُ يَضُمُّ ذَلِكَ، ويَضُمُّ في نَحْوِ ﴿يُرِيهِمُ اللَهُ﴾ [البقرة: ١٦٧] و﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَهُ﴾ [النحل: ١٠٤] ورُوَيْسٌ في نَحْوِ: ﴿يُغْنِهِمُ اللَهُ﴾ [النور: ٣٢] عَلى أصْلِهِ بِالوَجْهَيْنِ، وأجْمَعُوا عَلى ضَمِّ المِيمِ إذا كانَ قَبْلَها ضَمٌّ، سَواءٌ كانَ هاءً أمْ كافًا أمْ تاءً نَحْوَ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ﴾ [التوبة: ٦١]، و﴿عَنْهُمُ ابْتِغاءَ﴾ [الإسراء: ٢٨]، و﴿عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإذا وقَفُوا سَكَّنُوا المِيمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences