Al-AlusiAn‑Nahl · 16:73–76

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:73–76

16:73Page 275

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣

And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: هو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ وفِيهِ تَبْيِينٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ: لَعَلَّهُ عَطْفٌ عَلى ( يَكْفُرُونَ ) داخِلٌ تَحْتِ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ أيْ أيَكْفُرُونَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ أيْ ما لا يَقْدِرُ أنْ يَرْزُقَهم شَيْئًا لا مِنَ السَّماواتِ مَطَرًا ولا مِنَ

صفحة 193

الأرْضِ نَباتًا- فَرِزْقًا- مَصْدَرٌ، (وشَيْئًا) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ. وغَيْرُهُ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الطَّراوَةِ بِأنَّ الرِّزْقَ هو المَرْزُوقُ كالرَّعْيِ والطَّحْنِ والمَصْدَرُ إنَّما هو الرِّزْقُ بِفَتْحِ الرّاءِ كالرَّعْيِ والطَّحْنِ. ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ مَكْسُورَ الرّاءِ مَصْدَرٌ أيْضًا كالعِلْمِ وسُمِعَ ذَلِكَ فِيهِ فَصَحَّ أنْ يَعْمَلَ في المَفْعُولِ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ والكُوفِيُّ يُجَوِّزُ عَمَلَهُ في المَفْعُولِ- فَشَيْئًا- مَفْعُولُهُ عَلى رَأْيِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ (وشَيْئًا) بَدَلٌ مِنهُ أيْ لا يَمْلِكُ لَهم شَيْئًا. وأوْرَدَ عَلَيْهِ السَّمِينُ وأبُو حَيّانَ أنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الرِّزْقَ مِنَ الأشْياءِ والبَدَلَ يَأْتِي لِأحَدِ شَيْئَيْنِ البَيانُ والتَّأْكِيدُ ولَيْسا بِمَوْجُودَيْنِ هُنا. وأُجِيبُ بِأنَّ تَنْوِينَ ( شَيْئًا ) لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ فَإنْ كانَ تَنْوِينُ ( رِزْقًا ) كَذَلِكَ فَهو مُؤَكِّدٌ وإلّا فَمُبَيِّنٌ وحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ فِيهِ أنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ ولا إشْكالَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( شَيْئًا ) مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ يَمْلِكُ أيْ لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ المُلْكِ (ومِنَ السَّماواتِ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَمْلِكُ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً- لَرِزْقًا- أيْ رِزْقًا كائِنًا مِنهُما، وإطْلاقُ الرِّزْقِ عَلى المَطَرِ لِأنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ.

﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِلَةِ (ما) وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا لِلْإخْبارِ عَنْ حالِ الآلِهَةِ، واسْتَطاعَ مُتَعَدٍّ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُ المِلْكِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ ولا يُمْكِنُهُمْ، فالكَلامُ تَتْمِيمٌ لِسابِقِهِ وفِيهِ مِنَ التَّرَقِّي ما فِيهِ فَلا يَكُونُ نَفْيُ اسْتِطاعَةِ المِلْكِ بَعْدَ نَفْيِ مِلْكِ الرِّزْقِ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وإنْ جُعِلَ المَفْعُولُ ضَمِيرُ الرِّزْقِ كَما جَوَّزَهُ في الكَشّافِ يَكُونُ هَذا النَّفْيُ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ قَرَّرَ في المَعانِي أنَّ حَرْفَ العَطْفِ لا يَدْخُلُ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ لِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِاتِّصالِ. ودُفِعَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ النُّحاةِ ولَيْسَ مُطْلَقًا عِنْدَ أهْلِ المَعانِي، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النَّبَأِ: 4، 5] نَعَمْ يَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ ولَعَلَّهُ الأوْلى أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَيَكُونَ المُرادُ نَفْيَ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهم مُطْلَقًا عَلى حَدٍّ يُعْطِي ويَمْنَعُ فالمَعْنى أنَّهم أمْواتٌ لا قُدْرَةَ لَهم أصْلًا فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِلْكَلامِ السّابِقِ، وفِيهِ ما فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وزِيادَةٌ.

وجَمْعُ الضَّمِيرِ فِيهِ وتَوْحِيدُهُ في لا ( لا يَمْلِكُ ) لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ أوَّلًا والمَعْنى ثانِيًا فَإنَّ «ما» مُفْرَدٌ بِمَعْنى الآلِهَةِ ومِثْلُ هَذِهِ الرِّعايَةِ وارِدٌ في الفَصِيحِ وإنْ أنْكَرَهُ بَعْضُهم لِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإجْمالِ بَعْدَ البَيانِ المُخالِفِ لِلْبَلاغَةِ فَإنَّهُ مَرْدُودٌ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، وقَدْ رُوعِيَ أيْضًا في التَّعْبِيرِ حالُ مَعْبُوداتِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ فَإنَّها أحْجارٌ وجَماداتٌ فَعَبَّرَ عَنْها- بِما- المَوْضُوعَةِ في المَشْهُورِ لِغَيْرِ العالِمِ وحالُها بِاعْتِبارِ اعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها آلِهَةٌ فَعَبَّرَ عَنْها بِضَمِيرِ الجَمْعِ المَوْضُوعِ لِذَوِي العِلْمِ، هَذا إذا كانَ المُرادُ بِما الأصْنامَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ الحالُ إذا كانَ المُرادُ بِها المَعْبُوداتِ الباطِلَةَ مُطْلَقًا مَلَكًا كانَتْ أوْ بَشَرًا أوْ حَجَرًا أوْ غَيْرَها.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدًا عَلى الكُفّارِ كَضَمِيرِ ( يَعْبُدُونَ ) و(ما) عَلى المَعْنى المَشْهُورِ فِيها عَلى مَعْنى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ في الأُمُورِ لا يَسْتَطِيعُونَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَكَيْفَ بِالجَمادِ الَّذِي لا حِسَّ لَهُ، فَجُمْلَةُ لا ( يَسْتَطِيعُونَ ) مُعْتَرِضَةٌ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المِلْكِ عَنِ الآلِهَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ سالِمٌ عَنْ مُخالَفَةِ المَشْهُورِ في العَوْدِ عَلى المَعْنى بَعْدَ مُراعاةِ اللَّفْظِ

16:74Page 275

فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤

So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.

﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِالِاهْتِمامِ بِشَأْنِ النَّهْيِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما عَدَّدَ مِنَ النِّعَمِ

صفحة 194

الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنِ آلِهَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَمْلِكُوا لَهم رِزْقًا فَضْلًا عَمّا فَضَلَ، والأمْثالُ جَمْعُ مَثَلٍ كَعَلَمٍ، والمُرادُ مِنَ الضَّرْبِ الجَعْلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ والأكْفاءَ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ وهَذا ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَقُولُ سُبْحانَهُ لا تَجْعَلُوا مَعِي إلَهًا غَيْرِي فَإنَّهُ لا إلَهَ غَيْرِي.

وجَعَلَ كَثِيرَ الأمْثالِ جَمْعَ مَثَلٍ بِالتَّحْرِيكِ، والمُرادُ مِن ضَرْبِ المَثَلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الإشْراكُ والتَّشْبِيهُ بِهِ جَلَّ وعَلا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، فَفي الكَشْفِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُشْرِكَ بِهِ الَّذِي يُشَبِّهُهُ تَعالى بِخَلْقِهِ بِمَنزِلَةِ ضارِبِ المَثَلِ فَإنَّ المُشَبِّهَ المَخْذُولَ يُشَبِّهُ صِفَةً بِصِفَةٍ وذاتًا بِذاتٍ كَما أنَّ ضارِبَ المَثَلِ كَذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَدَلَ عَنْهُ إلى المُنَزَّلِ دَلالَةً عَلى التَّعْمِيمِ في النَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ وصْفًا وذاتًا، وفي لَفْظِ ( الأمْثالَ ) لِمَن لا مِثالَ لَهُ أصْلًا نَعْيٌ عَظِيمٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ فِعْلِهِمْ، وفِيهِ إدْماجٌ أنَّ الأسْماءَ تَوْقِيفِيَّةٌ وهَذا هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ الفاءِ وعَدَمِ ذِكْرِ ضَرْبِ مَثَلٍ مِنهم سابِقًا، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وكَلامُ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَأْباهُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كُنْهَ ما تَفْعَلُونَ وعِظَمَهُ وهو سُبْحانَهُ مُعاقِبُكم عَلَيْهِ أعْظَمَ العِقابِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ كُنْهَهُ وكُنْهَ عِقابِهِ فَلِذا صَدَرَ مِنكم وتَجاسَرْتُمْ عَلَيْهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ قِياسِ اللَّهِ تَعالى عَلى غَيْرِهِ بِجَعْلِ ضَرْبِ المَثَلِ اسْتِعارَةً لِلْقِياسِ، فَإنَّ القِياسَ إلْحاقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وهو عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَشْبِيهُ مُرَكَّبٍ بِمُرَكَّبٍ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَجْهِ السّابِقِ قَلِيلٌ، وأمْرُ التَّعْلِيلِ عَلى حالِهِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ حَقِيقَةً والمَعْنى فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ الَّتِي يَضْرِبُها بَعْضُكم لِبَعْضٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، ووَجْهُ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ، واللّامُ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ مُتَعَلِّقَةٌ- بِـ تَضْرِبُوا- وزَعَمَ ابْنُ المُنِيرِ تَعَلُّقَها- بِالأمْثالِ- فِيما إذا كانَ المُرادُ التَّمْثِيلَ لِلْإشْراكِ والتَّشْبِيهِ ثُمَّ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ فَلا تُمَثِّلُوا اللَّهَ تَعالى ولا تُشَبِّهُوهُ، وتَعَلُّقُها- بِـ تَضْرِبُوا- عَلى هَذا الوَجْهِ ثُمَّ قالَ كَأنَّهُ قِيلَ فَلا تُمَثِّلُوا لِلَّهِ تَعالى الأمْثالَ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ مِنَ العالِمِ لِغَيْرِ العالِمِ لِيُبَيِّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَنْهُ واللَّهُ تَعالى هو العالِمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فَتَمْثِيلُ غَيْرِ العالِمِ لِلْعالِمِ عَكْسٌ لِلْحَقِيقَةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ والمَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِالفِعْلِ خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ وإنْ كانَ التَّعْلِيلُ عَلَيْهِ أظْهَرَ، ومِن هُنا قالَ العَلّامَةُ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ في ذَلِكَ بَعْدَ أنْ قالَ إنَّهُ نَهى عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ حَقِيقَةً: كَأنَّهُ أُرِيدَ المُبالَغَةُ في أنْ لا يُلْحِدُوا في أسْمائِهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَإنَّهُ إذا لَمْ يَجُزْ ضَرْبُ المَثَلِ والِاسْتِعاراتِ يَكْفِي فِيها شَبَهٌ ما والإطْلاقُ لِتِلْكَ العَلاقَةِ كافٍ فَعَدَمُ جَوازِ إطْلاقِ الأسْماءِ مِن غَيْرِ سَبْقِ تَعْلِيمٍ مِنهُ وإثْباتِ الصِّفاتِ أوْلى وأوْلى،

16:75Page 275

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥

Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.

ووَجْهُ رَبْطِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ إلَخْ عَلى هَذا عِنْدَ المُدَقِّقِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ لَهُ سُبْحانَهُ ضَرَبَ مَثَلًا دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ وأنَّهم إذا كانُوا عَلى هَذا الحَدِّ مِنَ المَعْرِفَةِ والتَّقْلِيدِ أوِ المُكابَرَةِ فَلَيْسَ لَهم إلى ضَرْبِ الأمْثالِ المُطابِقَةِ المُسْتَدْعى ذَكاءٌ وهِدايَةُ سَبِيلٍ، وقالَ غَيْرُهُ في ذَلِكَ ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِنهُ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالَ وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ عِلْمَهم كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالَ في هَذا البابِ فَقالَ تَعالى: ( ضَرَبَ ) إلَخْ.

ووَجْهُ الرَّبْطِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَهاهم عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الفِعْلِيِّ وهو الإشْراكُ عَقَّبَهُ بِالكَشْفِ لِذِي البَصِيرَةِ عَنْ فَسادِ ما ارْتَكَبُوهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ضَرَبَ ) إلَخْ أيْ أوْرَدَ وذَكَرَ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى

صفحة 195

تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ جَنابِهِ تَعالى شَأْنُهُ وبَيْنَ ما أشْرَكُوهُ بِهِ سُبْحانَهُ ويُنادِي بِفَسادِ ما هم عَلَيْهِ نِداءً جَلِيًّا ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِن مَثَلًا وتَفْسِيرٌ لَهُ والمَثَلُ في الحَقِيقَةِ حالَتُهُ العارِضَةُ لَهُ مِنَ المَمْلُوكِيَّةِ والعَجْزِ التّامِّ وبِحَسْبِها ضَرْبُ نَفْسِهِ مَثَلًا ووَصَفَ العَبْدَ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحُرِّ لِاشْتِراكِهِما في كَوْنِهِما عَبْدًا لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ أدْمَجَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ إنَّ الكُلَّ عَبِيدٌ لَهُ تَعالى وبِعَدَمِ القُدْرَةِ لِتَمْيِيزِهِ عَنِ المُكاتَبِ والمَأْذُونِ اللَّذَيْنِ لَهُما تَصَرُّفٌ في الجُمْلَةِ، وفي إبْهامِ المَثَلِ أوَّلًا ثُمَّ بَيانِهِ بِما ذُكِرَ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ ﴿ومَن رَزَقْناهُ﴾ مَن نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُطابِقَ ( عَبْدًا ) فَإنَّهُ أيْضًا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: هي مَوْصُولَةٌ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ اسْتِعْمالِها مَوْصُولَةً أكْثَرَ مِنِ اسْتِعْمالِها مَوْصُوفَةً، والأوَّلُ مُخْتارُ الأكْثَرِينَ أيْ حُرًّا رَزَقْناهُ بِطَرِيقِ المِلْكِ والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ حالِ ضَرْبِ المَثَلِ والرِّزْقِ، وفي اخْتِيارِ ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنّا﴾ أيْ مِن جَنابِنا الكَبِيرِ المُتَعالِي ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ حَلالًا طَيِّبًا أوْ مُسْتَحْسَنًا عِنْدَ النّاسِ مَرْضِيًّا ويُؤْخَذُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ كَوْنُهُ كَثِيرًا بِنا عَلى أنَّ القِلَّةَ الَّتِي هي أُخْتُ العَدَمِ لا حُسْنَ في ذاتِها ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾ تَفَضُّلًا وإحْسانًا، والفاءُ لِتَرَتُّبِ الإنْفاقِ عَلى الرِّزْقِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَأنْفَقَ وإيثارُ المُنَزَّلِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الإنْفاقِ واسْتِمْرارِهِ التَّجَدُّدِيِّ ﴿سِرًّا وجَهْرًا﴾ أيْ حالَ السِّرِّ وحالَ الجَهْرِ أوِ إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ جَهْرٍ والمُرادُ بَيانُ عُمُومِ إنْفاقِهِ لِلْأوْقاتِ وشُمُولِهِ إنْعامَهُ لِمَن يَجْتَنِبُ عَنْ قَبُولِهِ جَهْرًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفُهُ بِالكَثْرَةِ مَأْخُوذًا مِن هَذا بِناءً أنَّ المُرادَ مِنهُ كَيْفَ يَشاءُ وهو يَدُلُّ عَلى أنْحاءِ التَّصَرُّفِ وسَعَةِ المُتَصَرَّفِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِ القَرِينَتَيْنِ بِأنْ يُقالَ: وحُرًّا مالِكًا لِلْأمْوالِ مَعَ كَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَبايُنِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَسِيمِهِ لِما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ مِن تَوَخِّي تَحْقِيقِ الحَقِّ بِأنَّ الأحْرارَ أيْضًا تَحْتَ رِبْقَةِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى وأنَّ مالِكِيَّتَهم لِما يَمْلِكُونَهُ لَيْسَتْ إلّا بِأنْ يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مَدْخَلٌ في ذَلِكَ مَعَ مُحاوَلَةِ المُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بِالمَثَلِ مِن تَبايُنِ الحالِ بَيْنَ المُمَثِّلِينَ فَإنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ العَبْدِ المالِكِ فَما ظَنُّكَ بِالجَمادِ ومالِكِ المُلْكِ خَلّاقِ العالَمِينَ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جُمِعَ الضَّمِيرُ وإنْ تَقَدَّمَهُ اثْنانِ وكانَ الظّاهِرُ- يَسْتَوِيانِ- لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ مَنِ اتَّصَفَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ مِنَ الجِنْسَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لا فَرْدانِ مُعَيَّنانِ مِنهُما وإنْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في هِشامِ بْنِ عَمْرٍو وهو الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ سِرًّا وجَهْرًا وفي عَبْدِهِ أبِي الجَوْزاءِ الَّذِي كانَ يَنْهاهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَبْدٍ لَهُ ولا يَصِحُّ إسْنادُهُ كَما في البَحْرِ، وفِيهِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ- بِمَن- الجَمْعُ وأنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى العَبِيدِ والأحْرارِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُما ذِكْرٌ لِدَلالَةِ «عَبْدٌ مَمْلُوكٌ» ﴿ومَن رَزَقْناهُ﴾ عَلَيْهِما، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ أوَّلًا، والمَعْنى هَلْ يَسْتَوِي العَبِيدُ والأحْرارُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ مَعَ أنَّ الفَرِيقَيْنِ سِيّانِ في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وأنَّ ما يُنْفِقُهُ الأحْرارُ لَيْسَ مِمّا لَهم دَخْلٌ في إيجادِهِ ولا تَمَلُّكِهِ بَلْ هو مِمّا أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهم فَحَيْثُ لَمْ يَسْتَوِ الفَرِيقانِ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ حَيْثُ تُشْرِكُونَ بِهِ ما لا ذَلِيلَ

صفحة 196

أذَلَّ مِنهُ وهو الأصْنامُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ المَخْذُولِ والمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ شَبَّهَ الأوَّلَ بِمَمْلُوكٍ لا تَصَرُّفَ لَهُ لِأنَّهُ لِإحْباطِ عَمَلِهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِأفْعالِهِ واتِّباعِهِ لِهَواهُ كالعَبْدِ المُنْقادِ المُلْحَقِ بِالبَهائِمِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، وجَعْلُهُ تَمْثِيلًا لِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَتادَةَ ولا تَعْيِينَ أيْضًا وإنْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ، عَلى أنَّ أبا حَيّانَ قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ إسْنادُ ذَلِكَ، هَذا ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في العَبْدِ هَلْ يَصِحُّ لَهُ مُلْكٌ أمْ لا قالَ في الكَشّافِ: المَذْهَبُ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ عَلى ما لَخَّصَهُ في الكَشْفِ مِن كَلامٍ طَوِيلٍ إنَّهُ يَصِحُّ لَهُ المُلْكُ عِنْدَ مالِكٍ: وظاهِرُ الآيَةِ تَشْهَدُ لَهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ لَهُ العَجْزَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَمْلُوكًا﴾ ثُمَّ نَفى القُدْرَةَ العارِضَةَ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: لا ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ المَعْنى القُدْرَةَ عَلى التَّصَرُّفِ لِأنَّ مُقابِلَهُ ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ والحَمْلُ عَلى إخْراجِ المُكاتِبِ مَعَ شُذُوذِهِ إيجازٌ مَعَ إخْلالٍ كَما قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فِي: ««أيُّما امْرَأةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها»» الحَمْلُ عَلى المُكاتَبَةِ بَعِيدٌ لا يَجُوزُ والمَأْذُونُ لَمْ يَخْرُجْ لِما مَرَّ مِن أنَّ المُرادَ بِالقُدْرَةِ ما هُوَ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ صِفَةٌ لازِمَةٌ مُوَضَّحَةٌ فالأصْلُ في الصِّفاتِ التَّقْيِيدُ اهـ.

وتَعَقَّبَهُ المُدَقِّقُ بِقَوْلِهِ: والجَوابُ أنَّ المَعْنى عَلى نَفْيِ القُدْرَةِ عَنِ التَّصَرُّفِ فالآيَةُ وارِدَةٌ في تَمْثِيلِ حالِ الأصْنامِ بِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وكُلَّما بُولِغَ في حالِ عَجْزِ المُشَبَّهِ بِهِ وكَمالِ المُقابِلِ دَلَّ في المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا عَلى ذَلِكَ فالَّذِي يُطابِقُ المَقامَ القُدْرَةُ عَلى التَّصَرُّفِ وهو في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا﴾ وما ذَكَرَهُ لا حاصِلَ لَهُ ولا إخْلالَ في إخْراجِ المُكاتَبِ لِشُمُولِ اللَّفْظِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ مُبالَغَةٍ فَما يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُ بِوَجْهِهِ يَنْبَغِي أنْ يُنْفى وأيْنَ هَذا مِمّا نَقَلَهُ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ اهـ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ الطَّلاقَ أيْضًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ طَلاقٌ إلّا بِإذْنِ سَيِّدِهِ وقَرَأ الآيَةَ وقَدْ فُصِّلَتْ أحْكامُ العَبِيدِ في حُكْمِ الفِقْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ كُلُّهُ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَسْتَحِقُّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ تَعالى لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ المُولِي لِلنِّعَمِ وإنْ ظَهَرَتْ عَلى أيْدِي بَعْضِ الوَسائِطِ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ.

وفِيهِ إرْشادٌ إلى ما هو الحَقُّ مِن أنَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ مَن يُنْفِقُ فِيما ذَكَرَ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى كَما لَوَّحَ بِهِ ﴿رَزَقْناهُ﴾ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ هَذا حَمْدٌ عَلى ظُهُورِ المَحَجَّةِ وقُوَّةِ هَذِهِ الحُجَّةِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾

ما ذُكِرَ فَيُضِيفُونَ نِعَمَهُ تَعالى إلى غَيْرِهِ ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها أوْ لا يَعْلَمُونَ ظُهُورَ ذَلِكَ وقُوَّةَ ما هُنالِكَ فَيَبْقُونَ عَلى شِرْكِهِمْ وضَلالِهِمْ، ونَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وإنَّما لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ عِنادًا وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هم لا يَعْلَمُونَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ هم لِلْخَلْقِ والأكْثَرُ هُمُ المُشْرِكُونَ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ.

16:76Page 275

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦

And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَثَلُ السّابِقُ عَلى وجْهٍ أظْهَرَ وأوْضَحَ، وأبْهَمَ ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ لِما تَقَدَّمَ والبُكْمُ الخَرَسُ المُقارِنُ لِلْخِلْقَةِ ويَلْزَمُهُ الصَّمَمُ فَصاحِبُهُ لا يَفْهَمُ لِعَدَمِ السَّمْعِ ولا يَفْهَمُ غَيْرُهُ لِعَدَمِ النُّطْقِ، والإشارَةُ لا يُعْتَدُّ بِها لِعَدَمِ تَفْهِيمِها حَقَّ التَّفْهِيمِ لِكُلِّ أحَدٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أحَدُهُما أخْرَسُ أصَمُّ لا يَفْهَمُ ولا يَفْهَمُ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ المُتَعَلِّقَةِ بِنَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ بِحَدْسٍ أوْ فِراسَةٍ لَسُوءِ فَهْمِهِ وإدْراكِهِ ﴿وهُوَ كَلٌّ﴾ ثَقِيلٌ وعِيالٌ ﴿عَلى مَوْلاهُ﴾ عَلى مَن يَعُولُهُ ويَلِي أمْرَهُ، وهَذا بَيانٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى إقامَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ بَعْدَ ذِكْرِ عَدَمِ قُدْرَتِهِ مُطْلَقًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:

صفحة 197

﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أيْ حَيْثُما يُرْسِلْهُ مَوْلاهُ في أمْرٍ لا يَأْتِ بِنَجْحٍ وكِفايَةِ مُهِمٍّ، بَيانٌ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى مَصالِحِ مَوْلاهُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ «تُوَجِّهْهُ» عَلى الخِطابِ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ وابْنُ رِئابٍ ومُجاهِدٌ وطَلْحَةُ وهي رِوايَةٌ أُخْرى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «يُوَجِّهْ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ والجَزْمِ، وخَرَجَ عَلى أنَّ الفاعِلَ يَعُودُ عَلى المَوْلى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الأبْكَمِ أيْ يُوَجِّهُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الأبْكَمِ ويَكُونُ الفِعْلُ لازِمَ وجَّهَ بِمَعْنى تَوَجَّهَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الأضْبَطِ بْنِ قَرِيعٍ السَّعْدِيِّ:

أيْنَما أُوَجِّهْ ألْقَ سَعْدًا وعَنْ عَلْقَمَةَ وعائِشَةَ وابْنِ وثّابٍ أيْضًا «يُوَجَّهْ» بِالجَزْمِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عَلْقَمَةَ وطَلْحَةَ أنَّهُما قَرَءا «يُوَجِّهُ» بِكَسْرِ الجِيمِ وضَمِّ الهاءِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فالهاءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ مَحْذُوفَةٌ فِرارًا مِنَ التَّضْعِيفِ أوْ لَمْ يُرِدْ- بِأيْنَما- الشَّرْطَ، والمُرادُ أيْنَما هو يُوَجَّهُ وقَدْ حُذِفَ مِنهُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ بِهِ فَيَكُونُ حَذْفُ الياءِ مِن آخِرِ «يَأْتِ» لِلتَّخْفِيفِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أيْنَ لا تَخْرُجُ عَنِ الشَّرْطِ أوِ الِاسْتِفْهامِ. ونُقِلَ عَنْ أبِي حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ ضَعِيفَةٌ لِأنَّ الجَزْمَ لازِمٌ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي تُوَجَّهُ بِهِ هَذِهِ القِراءَةُ أنَّ (أيْنَما) شَرْطٌ حُمِلَتْ عَلى إذا بِجامِعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِ ثُمَّ حُذِفَتْ ياءُ (يَأْتِ) تَخْفِيفًا أوْ جُزِمَ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ جِيءَ بِأيْنَما جازِمَةً كَقِراءَةِ مَن قَرَأ- إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ- في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَكُونُ مَعْنى يُوَجِّهُ يَتَوَجَّهُ كَما مَرَّ آنِفًا ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ أيْ ذَلِكَ الأبْكَمُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ ﴿ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ ومَن هو مِنطِيقٌ فَهم ذُو رَأْيٍ ورُشْدٍ يَكْفِي النّاسَ في مُهِمّاتِهِمْ ويَنْفَعُهم بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الجامِعِ لِمَجامِعِ الفَضائِلِ ﴿وهُوَ﴾ في نَفْسِهِ مَعَ ما ذَكَرَ مِن نَفْعِهِ الخاصِّ والعامِّ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يَتَوَجَّهُ إلى مَطْلَبٍ إلّا ويَبْلُغُهُ بِأقْرَبِ سَعْيٍ، فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ لِكَمالِهِ في نَفْسِهِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلى تَكْمِيلِ الغَيْرِ أتى بِها اسْمِيَّةً فَإنَّها تُشْعِرُ بِذَلِكَ مَعَ الثُّبُوتِ إلى مُقارَنَةِ ذِي الحالِ. فَلا يُقالُ: الأنْسَبُ تَقْدِيمُها في النَّظْمِ الكَرِيمِ، ومُقابَلَةُ تِلْكَ الصِّفاتِ الأرْبَعِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما كَمالُ ما يُقابِلُها ونِهايَتُهُ فاخْتِيرَ آخِرُ صِفاتِ الكامِلِ المُسْتَدْعِيَةِ لِما ذَكَرَ وأزْيَدُ حَيْثُ جُعِلَ هادِيًا مَهْدِيًّا، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: والآخَرُ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ الآيَةَ لِمُراعاةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِن بَيانِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ويُقالُ هُنا كَما قِيلَ في المَثَلِ السّابِقِ: إنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَسْتَوِ الفَرِيقانِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ مَعَ اسْتِوائِهِما في الماهِيَّةِ والصُّورَةِ فَلَأنْ يَحْكُمَ بِأنَّ الصَّنَمَ الَّذِي لا يَنْطِقُ ولا يَسْمَعُ وهو عاجِزٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ كَلٌّ عَلى عابِدِهِ يَحْتاجُ إلى أنْ يَحْمِلَهُ ويَضَعَهُ ويَمْسَحَ عَنْهُ الأذى إذا وقَعَ عَلَيْهِ ويَخْدُمَهُ وإنَّ وجَّهَهُ إلى أيِّ مُهِمٍّ مِن مُهِمّاتِهِ لا يَنْفَعُهُ ولا يَأْتِ لَهُ بِهِ لا يُساوِي رَبَّ العالَمِينَ وهُوَ- هُوَ- في اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ أحْرى وأوْلى، وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ فالأبْكَمُ هو الكافِرُ ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو المُؤْمِنُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ- بِرَجُلَيْنِ- رَجُلانِ مُعَيَّنانِ بَلْ رَجُلانِ مُتَّصِفانِ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ مُطْلَقًا، وما رُوِيَ مِن أنَّ الأبْكَمَ أبُو جَهْلٍ والآمِرَ بِالعَدْلِ عَمّارٌ أوِ الأبْكَمَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ والآمِرَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَصِحُّ إسْنادُهُ، وما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ إلَخْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ومَوْلًى لَهُ كافِرٍ وهو أُسَيْدُ بْنُ أبِي العِيصِ كانَ يَكْرَهُ الإسْلامَ وكانَ عُثْمانُ يَنْفِي عَلَيْهِ ويَكْفُلُهُ ويَكْفِيهِ المُؤْنَةَ وكانَ الآخَرُ يَنْهاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ فَنَزَلَتْ فِيهِما فَبَعْدَ تَحَقُّقِ

صفحة 198

صِحَّتِهِ لا يَضُرُّنا في إرادَةِ المَوْصُوفَيْنِ مُطْلَقًا بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِما مَن ذَكَرَ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يُنافِي العُمُومَ.

هَذا وقَدِ اقْتَصَرَ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى كَوْنِ الغَرَضِ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ نَفْيَ المُساواةِ بَيْنَهُ جَلَّ جَلالُهُ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مُخْتارُهُ ثُمَّ قالَ: اعْلَمْ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ لَيْسَ المُرادُ بِهِما حِكايَةَ الضَّرْبِ الماضِي بَلِ المُرادُ إنْشاؤُهُ بِما ذَكَرَ عَقِيبَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ مَثَلًا بِخَلْقِ الفَرِيقَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ فَكانَ خَلْقُهُما كَذَلِكَ لِلِاسْتِدْلالِ بِعَدَمِ تَساوِيهِما عَلى امْتِنانِ التَّساوِي بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الفِعْلَيْنِ حِكايَةً لِلضَّرْبِ الماضِي اهـ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا كَلامَ في حُسْنِ اخْتِيارِهِ لَكِنْ في النَّفْسِ مِن قَوْلِهِ لا يَبْعُدُ شَيْءٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском