Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:32–35
17:32Page 285
وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢
And do not approach unlawful sexual intercourse.1 Indeed, it is ever an immorality and is evil as a way.
﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ بِمُباشَرَةِ مَبادِيهِ القَرِيبَةِ أوِ البَعِيدَةِ فَضْلًا عَنْ مُباشَرَتِهِ، والنَّهْيُ عَنْ قُرْبانِهِ عَلى خِلافِ ما سَبَقَ ولَحِقَ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ نَفْسِهِ، ولِأنَّ قُرْبانَهُ داعٍ إلى مُباشَرَتِهِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِوَطْءِ المَرْأةِ مِن غَيْرِ عَقْدٍ شَرْعِيٍّ، وجاءَ فِيهِ المَدُّ والقَصْرُ، وإذا مُدَّ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ المُفاعَلَةِ، وتَوْسِيطُ النَّهْيِ عَنْهُ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ مُطْلَقًا كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ قَتْلٌ لِلْأوْلادِ لِما أنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْأنْسابِ فَإنَّ مَن لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مَيِّتٌ حُكْمًا.
﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ فِعْلَةٌ ظاهِرَةُ القُبْحِ زائِدَتُهُ ﴿وساءَ سَبِيلا﴾ أيْ: وبِئْسَ السَّبِيلُ سَبِيلًا لِما فِيهِ مِنَ اخْتِلالِ أمْرِ الأنْسابِ وهَيَجانِ الفِتَنِ.
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ»».
وجاءَ في غَيْرِ رِوايَةٍ «أنَّهُ إذا زَنى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنهُ الإيمانُ فَكانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كالظُّلَّةِ، فَإنْ تابَ ونَزَعَ رَجَعَ إلَيْهِ وهو مِنَ الكَبائِرِ، وفاحِشَةٌ مُطْلَقًا» عَلى ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ بَلْ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ بِحَلِيلَةِ الجارِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وزَعَمَ الحَلِيمِيُّ أنَّهُ فاحِشَةٌ إنْ كانَ بِحَلِيلَةِ الجارِ أوْ بِذاتِ الرَّحِمِ أوْ بِأجْنَبِيَّةٍ في شَهْرِ رَمَضانَ أوْ في البَلَدِ الحَرامِ وكَبِيرَةٌ وإنْ كانَ مَعَ امْرَأةِ الأبِ أوْ حَلِيلَةِ الِابْنِ أوْ مَعَ أجْنَبِيَّةٍ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإكْراهِ، وإذا لَمْ يُوجِبْ حَدًّا يَكُونُ صَغِيرَةً، ولا يَخْفى رَدُّهُ وضَعْفُ مَبْناهُ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ فاحِشَةٌ مُطْلَقًا، نَعَمْ أفْحَشُ أنْواعِهِ الزِّنا بِحَلِيلَةِ الجارِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أعْظَمُ الزِّنا عَلى الإطْلاقِ الزِّنا بِالمَحارِمِ.
فَقَدْ صَحَّحَ الحاكِمُ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««مَن وقَعَ عَلى ذاتِ مَحْرَمٍ فاقْتُلُوهُ»».
وزِنا الثَّيِّبِ أقْبَحُ مِن زِنا البِكْرَ بِدَلِيلِ اخْتِلافِ حَدَّيْهِما، وزِنا الشَّيْخِ لِكَمالِ عَقْلِهِ أقْبَحُ مِن زِنا الشّابِّ، وزِنا الحُرِّ والعالِمِ لِكَمالِهِما أقْبَحُ مِن زِنا القِنِّ والجاهِلِ، وهَلْ هو أكْبَرُ مِنَ اللِّواطِ أمْ لا؟ فِيهِ خِلافٌ وفي الإحْياءِ أنَّهُ أكْبَرُ مِنهُ لِأنَّ الشَّهْوَةَ داعِيَةٌ إلَيْهِ مِنَ
صفحة 68
الجانِبَيْنِ فَيَكْثُرُ وُقُوعُهُ ويَعْظُمُ الضَّرَرُ، ومِنهُ اخْتِلاطُ الأنْسابِ بِكَثْرَتِهِ، وقَدْ يُعارَضُ بِأنَّ حَدَّهُ أغْلَظُ بِدَلِيلِ قَوْلِ مالِكٍ وآخَرِينَ بِرَجْمِ اللُّوطِيِّ ولَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ بِخِلافِ الزّانِي. وقَدْ يُجابُ بِأنَّ المَفْضُولَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَزِيَّةٌ، وفِيهِ ما فِيهِ. وبالَغَ بَعْضُهم فَقالَ: إنَّهُ مُطْلَقًا يَلِي الشِّرْكَ في الكِبَرِ، والأصَحُّ أنَّ الَّذِي يَلِي الشِّرْكَ هو القَتْلُ ثُمَّ الزِّنا، وخَبَرُ الغِيبَةِ أشَدُّ مِن ثَلاثِينَ زَنْيَةً في الإسْلامِ الظّاهِرُ كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ أنَّهُ لا أصْلَ لَهُ.
نَعَمْ رَوى الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما: الغِيبَةُ أشَدُّ مِنَ الزِّنا.
إلّا أنَّ لَهُ ما يُبَيِّنُ مَعْناهُ وهو ما رَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ جابِرٍ وأبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إيّاكم والغِيبَةَ؛ فَإنَّ الغِيبَةَ أشَدُّ مِنَ الزِّنا، إنَّ الرَّجُلَ لِيَزْنِيَ فَيَتُوبُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وإنَّ صاحِبَ الغِيبَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ حَتّى يَغْفِرَ لَهُ صاحِبُهُ.
فَعُلِمَ مِنهُ أنْ أشَدِّيَّةَ الغِيبَةِ مِنَ الزِّنا لَيْسَتْ عَلى الإطْلاقِ بَلْ مِن جِهَةِ أنَّ التَّوْبَةَ الباطِنَةَ المُسْتَوْفِيَةَ لِجَمِيعِ شُرُوطِها مِنَ النَّدَمِ مِن حَيْثُ المَعْصِيَةُ والإقْلاعُ وعَزْمُ أنْ لا يَعُودَ مَعَ عَدَمِ الغَرْغَرَةِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها مُكَفِّرَةٌ لِإثْمِ الزِّنا بِمَجْرَدِها بِخِلافِ الغِيبَةِ فَإنَّ التَّوْبَةَ وإنْ وُجِدَتْ فِيها هَذِهِ الشُّرُوطُ لا تُكَفِّرُها بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَنْضَمَّ إلَيْها اسْتِحْلالُ صاحِبِها مَعَ عَفْوِهِ فَكانَتِ الغِيبَةُ أشَدَّ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا مُطْلَقًا، فَلا يُعَكِّرُ الحَدِيثَ عَلى الأصَحِّ، وعُلِمَ مِنهُ أيْضًا أنَّ الزِّنا لا يَحْتاجُ في التَّوْبَةِ مِنهُ إلى اسْتِحْلالٍ وهو ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وهو مَعَ ذَلِكَ مِنَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِالآدَمِيِّ كَيْفَ لا وهو مِنَ الجِنايَةِ عَلى الأعْراضِ والأنْسابِ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ الزِّنا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ أيْ مِنَ المالِ ونَحْوِهِ وعَدَمِ اشْتِراطِ الِاسْتِحْلالِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِالآدَمِيِّ مُطْلَقًا، وإنَّما لَمْ يُشْتَرَطِ الِاسْتِحْلالُ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذِكْرِهِ مِن زِيادَةِ العارِ والظَّنِّ الغالِبِ بِأنَّ نَحْوَ الزَّوْجِ أوِ القَرِيبِ إذا ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ يُبادِرُ إلى قَتْلِ الزّانِي أوِ المُزْنى بِها أوْ إلى قَتْلِهِما مَعًا، ومَعَ ما ذُكِرَ كَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِاشْتِراطِهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِنَحْوِ ذَلِكَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في مِنهاجِ العابِدِينَ فَقالَ في ضِمْنِ تَفْصِيلٍ قالَ الأذْرُعِيُّ: إنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ والتَّحْقِيقِ، أمّا الذَّنْبُ في الحَرَمِ فَإنْ خُنْتَهُ في أهْلِهِ ووَلَدِهِ فَلا وجْهَ لِلِاسْتِحْلالِ، والإظْهارُ لِأنَّهُ يُوَلِّدُ فِتْنَةً وغَيْظًا بَلْ تَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لِيُرْضِيَهُ عَنْكَ ويَجْعَلَ لَهُ خَيْرًا كَثِيرًا في مُقابَلَتِهِ، فَإنْ أُمِنَتِ الفِتْنَةُ والهَيْجُ وهو نادِرٌ فَتَسْتَحِلُّ مِنهُ، وقَدْ قالَ الأذْرُعِيُّ في مَواضِعَ في الحَسَدِ والتَّوْبَةِ مِنهُ:
ويُشْبِهُ أنْ يَحْرُمَ الإخْبارُ بِهِ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنْ لا يُحَلِّلَهُ وأنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنهُ عَداوَةٌ وحِقْدٌ وأذًى لِلْمُخْبَرِ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلى المَحْسُودِ، فَإنْ كانَ حَسَنَ الخُلُقِ بِحَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يُحَلِّلُهُ تَعَيَّنَ إخْبارُهُ لِيَخْرُجَ مِن ظُلامَتِهِ بِيَقِينٍ، وإنْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ إخْبارَهُ يَجُرُّ شَرًّا وعَداوَةً حَرُمَ إخْبارُهُ قَطْعًا، وإنْ تَرَدَّدَ فالظّاهِرُ ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِن عَدَمِ الوُجُوبِ والِاسْتِحْبابِ؛ فَإنَّ النَّفْسَ الزَّكِيَّةَ نادِرَةٌ، ورُبَّما جَرَّ ذَلِكَ شَرًّا وعَداوَةً، وإنْ حَلَّلَهُ بِلِسانِهِ اه، فَإذا كانَ هَذا في الحَسَدِ مَعَ سُهُولَتِهِ عِنْدَ أكْثَرِ النّاسِ وعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِهِ ومِن ثَمَّ أطْلَقَ النَّوَوِيُّ عَدَمَ الإخْبارِ فَقالَ: المُخْتارُ بَلِ الصَّوابُ أنَّهُ لا يَجِبُ إخْبارُ المَحْسُودِ بَلْ لا يُسْتَحَبُّ ولَوْ قِيلَ يُكْرَهُ لَمْ يَبْعُدْ فَما بالُكَ في الزِّنا المُسْتَلْزِمِ أنَّ الزَّوْجَ والقَرِيبَ يُقْتَلُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ فَكَيْفَ مَعَ التَّحَقُّقِ ويُعْلَمُ مِنَ الأخْبارِ أنَّ ثَمَراتِ الزِّنا قَبِيحَةٌ؛ مِنها أنَّهُ يُورِدُ النّارَ والعَذابَ الشَّدِيدَ، وأنَّهُ يُورِثُ الفَقْرَ وذَهابَ البَهاءِ وقِصَرَ العُمْرِ، وأنَّهُ يُؤْخَذُ بِمِثْلِهِ مِن ذُرِّيَّةِ الزّانِي، ولَمّا قِيلَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ذَلِكَ أرادَ تَجْرِبَتَهُ بِابْنَةٍ لَهُ وكانَتْ غايَةً في الحُسْنِ فَأنْزَلَها مَعَ امْرَأةٍ وأمَرَها أنْ لا تَمْنَعَ أحَدًا أرادَ التَّعَرُّضَ لَها بِأيِّ شَيْءٍ شاءَ، وأمَرَها بِكَشْفِ وجْهِها فَطافَتْ بِها في الأسْواقِ فَما مَرَّتْ عَلى أحَدٍ إلّا وأطْرَقَ حَياءً وخَجَلًا مِنها، فَلَمّا طافَتْ بِها المَدِينَةَ كُلَّها ولَمْ يَمُدَّ أحَدٌ نَظَرَهُ إلَيْها رَجَعَتْ بِها إلى دارِ المَلِكِ فَلَمّا أرادَتِ الدُّخُولَ أمْسَكَها إنْسانٌ وقَبَّلَها ثُمَّ ذَهَبَ عَنْها فَأدْخَلَتْها عَلى المَلِكِ وذَكَرَتْ لَهُ القِصَّةَ
صفحة 69
فَسَجَدَ شُكْرًا وقالَ:
الحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى ما وقَعَ مِنِّي في عُمْرِي قَطُّ إلّا قُبْلَةٌ وقَدْ قُوصِصْتُ بِها، نَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَعْصِمَنا وذَرّارِيَنا ومَن يُنْسَبُ إلَيْنا مِنَ الفَواحِشِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
«وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: «ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا إلّا مَن تابَ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» فَذُكِرَ لَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأتاهُ فَسَألَهُ فَقالَ: أخَذْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ لَكَ عَمَلٌ إلّا الصَّفْقُ بِالنَّقِيعِ» وهَذا إنْ صَحَّ كانَ قَبْلَ العَرْضَةِ الأخِيرَةِ
17:33Page 285
وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣
And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].
﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلا تَقْتُلُوا والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوا إلّا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ أوْ لا تَقْتُلُوها إلّا مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها قَتْلًا ما إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والأوَّلُ أظْهَرُ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِحَرَّمَ فَبَعِيدٌ وإنْ صَحَّ، وفُسِّرَ الحَقُّ بِما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ والثَّيِّبُ الزّانِي والتّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ».
ونَقْضُ الحَصْرِ بِدَفْعِ الصّائِلِ فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما أدّى إلى القَتْلِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ ما يَكُونُ بِنَفْسِهِ مَقْصُودًا بِهِ القَتْلُ وما ذُكِرَ المَقْصُودُ بِهِ الدَّفْعُ، وقَدْ يُفْضِي إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، والحَقُّ عَدَمُ انْحِصارِ الحَقِّ فِيما ذُكِرَ وهو في الخَبَرِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وقَدْ ذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ إلى أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ كَسَلًا مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وكَذا اللُّواطَةُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الأجِلَّةِ.
﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ أوْ يُبِيحُهُ لِلْقاتِلِ حَتّى أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إباحَتُهُ لِغَيْرِ القاتِلِ فَقَدْ نَصَّ عُلَماؤُنا أنَّ مَن عَلَيْهِ القِصاصُ إذا قَتَلَهُ غَيْرُ مَن لَهُ القِصاصُ يَقْتَصُّ لَهُ ولا يُفِيدُهُ قَوْلُ الوَلِيِّ: أنا أمَرْتُهُ بِذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ الأمْرُ ظاهِرًا ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ لِمَن يَلِي أمْرَهُ مِنَ الوارِثِ أوِ السُّلْطانِ عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ، واقْتِصارُ البَعْضِ عَلى الأوَّلِ رِعايَةً لِلْأغْلَبِ ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: تَسَلُّطًا واسْتِيلاءً عَلى القاتِلِ بِمُؤاخَذَتِهِ بِأحَدِ أمْرَيْنِ القِصاصِ أوِ الدِّيَةِ، وقَدْ تَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ كَما في القَتْلِ الخَطَأِ، والمَقْتُولُ خَطَأً مَقْتُولٌ ظُلْمًا بِالمَعْنى الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ، وإنْ قُلْنا: لا إثْمَ في الخَطَأِ لِحَدِيثِ: ««رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ»».
وشَرَعَ الكَفّارَةَ فِيهِ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ واجْتِنابِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ فَلْيُتَأمَّلْ.
واسْتُدِلَّ بِتَفْسِيرِ الوَلِيِّ بِالوارِثِ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ دَخْلًا في القِصاصِ. وقالَ القاضِي إسْماعِيلُ: لا تَدْخُلُ لِأنَّ لَفْظَهُ مُذَكَّرٌ ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ أيِ الوَلِيُّ ﴿فِي القَتْلِ﴾ أيْ: فَلا يَتَجاوَزِ الحَدَّ المَشْرُوعَ فِيهِ بِأنْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ مَثَلًا والقاتِلُ واحِدٌ كَعادَةِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنَّهم كانُوًا إذا قُتِلَ مِنهم واحِدٌ قَتَلُوا قاتِلَهُ وقَتَلُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، ومِن هُنا قالَ مُهَلْهِلٌ:
كُلُّ قَتِيلِ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتّى يَنالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ
وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ وأخْرَجَهُ المُنْذِرُ مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِأنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ ويَتْرُكَ القاتِلَ. ورُوِيَ هَذا عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أنَّ النّاسَ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَ مَن لَيْسَ شَرِيفًا شَرِيفًا لَمْ يَقْتُلُوهُ بِهِ وقَتَلُوا شَرِيفًا مِن قَوْمِهِ فَنَهى عَنْ ذَلِكَ أوْ بِأنْ يَزِيدَ عَلى القَتْلِ المُثْلَةَ كَما قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قالَ: لا يَقْتُلُ غَيْرَ قاتِلِهِ ولا يُمَثِّلُ بِهِ، وقِيلَ بِأنْ يُقْتَلَ القاتِلُ
صفحة 70
والمَشْرُوعُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ، ومَن قَتَلَ بِخَشَبَةٍ قُتِلَ بِخَشَبَةٍ، ومَن قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِحَجَرٍ، ولا يُقْتَلُ غَيْرُ القاتِلِ. وفِيهِ القَوْلُ بِأنَّ القَتْلَ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القِصاصَ وهو خِلافُ مَذْهَبِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «فَلا تُسْرِفْ» بِالخِطابِ لِلْوَلِيِّ التِفاتًا، وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ: «فَلا يُسْرِفُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في الأمْرِ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، والضَّمِيرُ لِلْوَلِيِّ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِأنْ أوْجَبَ القِصاصَ أوِ الدِّيَةَ وأمَرَ الحُكّامَ بِمَعُونَتِهِ في اسْتِيفاءِ حَقِّهِ فَلا يَبْغِ ما وراءَ حَقِّهِ ولا يَخْرُجْ مِن دائِرَةِ إمْرَةِ النّاصِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَقْتُولِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ في الدُّنْيا بِأخْذِ القِصاصِ أوِ الدِّيَةِ وفي الأُخْرى بِالثَّوابِ فَلا يُسْرِفْ ولِيُّهُ في شَأْنِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي أسْرَفَ بِهِ الوَلِيُّ؛ أيْ إنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِإيجابِ القِصاصِ والتَّعْزِيزِ والوِزْرُ عَلى مَن أسْرَفَ في شَأْنِهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ يُسْرِفْ لِلْقاتِلِ؛ أيْ: مُرِيدِ القَتْلِ ومُباشِرِهِ ابْتِداءً، ونَسَبَهُ في الكَشّافِ إلى مُجاهِدٍ، والضَّمِيرانِ في التَّعْلِيلِ عائِدانِ عَلى الوَلِيِّ أوِ المَقْتُولِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ: «فَلا تُسْرِفُوا» لِأنَّ القاتِلَ مُتَعَدِّدٌ في النَّظْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا﴾ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، ولَمْ تُعَيِّنْهُ لِأنَّ الوَلِيَّ عامٌّ في الآيَةِ فَهو في مَعْنى الأوْلِياءِ فَيَجُوزُ جَمْعُ ضَمِيرِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ ويَكُونُ التِفاتًا، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ لَيْسَ بِلازِمٍ، والمَعْنى فَلا يُسْرِفْ عَلى نَفْسِهِ في شَأْنِ القَتْلِ بِتَعْرِيضِها لِلْهَلاكِ العاجِلِ والآجِلِ. وفي الكَشْفِ أنَّهُ رَدْعٌ لِلْقاتِلِ عَلى أُسْلُوبِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ لِتَصْوِيرِ أنَّ القَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ كَيْفَ ما قُدِّرَ إسْرافٌ، ومَعْناهُ: فَلا يَقْتُلْ بِغَيْرِ حَقٍّ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الوَجْهَ غَيْرُ وجِيهٍ فَلا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ القَتْلِ وقَدْ عَلِمَتْ أنَّ الأصَحَّ أنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وكَوْنُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ مِنَ الكَبائِرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وعُدَّ شِبْهُ العَمْدِ مِنها هو ما صَرَّحَ بِهِ الهَرَوِيُّ وشُرَيْحٌ الرُّويانِيُّ، وأمّا الخَطَأُ فالصَّوابُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلْيُحْفَظْ.
17:34Page 285
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤
And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ نَهى عَنْ قُرْبانِهِ لِما ذُكِرَ سابِقًا مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ ولِلتَّوَسُّلِ إلى الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: إلّا بِالخَصْلَةِ والطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ والطَّرائِقِ وهي حِفْظُهُ واسْتِثْمارُهُ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةٌ لِجَوازِ التَّصَرُّفِ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِثْناءِ لا لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ فَقَطْ، والأشُدُّ قِيلَ جَمْعُ شَدٍّ كالأضُرِّ جَمْعُ ضَرٍّ، والشَّدُّ القُوَّةُ وهو اسْتِحْكامُ قُوَّةِ الشَّبابِ والسِّنِّ كَما أنَّ شُدَّ النَّهارِ ارْتِفاعُهُ، قالَ عَنْتَرَةُ:
عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما خُضِبَ البَنانُ ورَأْسُهُ بِالعِظْلَمِ
وقِيلَ: هو جَمْعُ شِدَّةٍ مِثْلَ نِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ. هو واحِدٌ مِثْلُ الآنُكِ، والمُرادُ بِبُلُوغِهِ الأشُدَّ بُلُوغُهُ إلى حَيْثُ يُمْكِنُهُ بِسَبَبِ عَقْلِهِ ورُشْدِهِ القِيامُ بِمَصالِحِ مالِهِ ثُمَّ التَّصَرُّفُ بِمالِ اليَتِيمِ بِنَحْوِ الأكْلِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المَأْذُونِ فِيهِ مِنَ الكَبائِرِ، وتَرَدَّدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ بِتَقْيِيدِهِ بِنِصابِ السَّرِقَةِ فَقالَ في القَواعِدِ: قَدْ نَصَّ الشَّرْعُ عَلى أنَّ شَهادَةَ الزُّورِ وأكْلَ مالِ اليَتِيمِ مِنَ الكَبائِرِ، فَإنْ وقَعا في مالٍ خَطِيرٍ فَهو ظاهِرٌ، وإنْ وقَعا في مالٍ حَقِيرٍ
صفحة 71
كَزَبِيبَةٍ وتَمْرَةٍ فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلا مِنَ الكَبائِرِ فِطامًا عَنْ جِنْسِ هَذِهِ المَفْسَدَةِ كالقَطْرَةِ مِنَ الخَمْرِ وإنْ لَمْ تَتَحَقَّقِ المُفْسِدَةُ ويَجُوزُ أنْ يُضْبَطَ ذَلِكَ بِنِصابِ السَّرِقَةِ اه.
وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ في شَهادَةِ الزُّورِ مَعَ الجَراءَةِ عَلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ المالِ المَعْصُومِ جَراءَةً عَلى الكَذِبِ في الشَّهادَةِ بِخِلافِ القَلِيلِ مِن مالِ اليَتِيمِ فَلا يُسْتَبْعَدُ التَّقْيِيدُ بِهِ بِخِلافِها كَذا قِيلَ.
والحَقُّ أنَّ الآياتِ والأخْبارَ الوارِدَةَ في وعِيدِ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ مُطْلَقَةٌ فَتَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ فَلا يَجُوزُ تَخْصِيصُها إلّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ وحَيْثُ لا دَلِيلَ كَذَلِكَ فالتَّخْصِيصُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فالوَجْهُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أكْلِ القَلِيلِ وأكْلِ الكَثِيرِ في كَوْنِهِ كَبِيرَةً يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، نَعَمْ الشَّيْءُ التّافِهُ الَّذِي تَقْتَضِي العادَةُ بِالمُسامَحَةِ بِهِ لا يَبْعُدُ كَوْنُ أكْلِهِ لَيْسَ مِنَ الكَبائِرِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ تَوَصَّلَ القُضاةُ اليَوْمَ إلى أكْلِ مالِ اليَتِيمِ في صُورَةِ حِفْظِهِ عامَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ وأذاقَ خائِنَهم في الدّارَيْنِ جَزاءَ فِعْلِهِ.
﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ التِزامِ تَكالِيفِهِ وما عاهَدْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَكم مِنَ العِبادِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ العُقُودُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما عاهَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وكَلَّفَكم بِهِ، والإيفاءُ بِالعَهْدِ والوَفاءُ بِهِ هو القِيامُ بِمُقْتَضاهُ والمُحافَظَةُ عَلَيْهِ وعَدَمُ نَقْضِهِ واشْتِقاقُ ضِدِّهِ وهو الغَدْرُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وهو التَّرْكُ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالباءِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيفاءِ الحِسِّيِّ كَإيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ.
﴿إنَّ العَهْدَ﴾ أُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ وقِيلَ: دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الإيفاءِ المَفْهُومِ مِن ( أوْفُوا ﴿كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَسْؤُولًا عَنْهُ عَلى حَذْفِ الجارِّ وجَعْلِ الضَّمِيرِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا مُسْتَكِنًّا في اسْمِ المَفْعُولِ ويُسَمّى الحَذْفَ والإيصالَ وهو شائِعٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ إنَّ صاحِبَ العَهْدِ كانَ مَسْؤُولًا، وقِيلَ: لا حَذْفَ أصْلًا والكَلامُ عَلى التَّخْيِيلِ كَأنَّهُ يُقالُ لِلْعَهْدِ: لِمَ نَكَثْتَ وهَلّا وفّى بِكَ تَبْكِيتًا لِلنّاكِثِ كَما يُقالُ لِلْمَوْؤُدَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ وقَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الِاسْتِعارَةُ المَكْنِيَّةُ والتَّخْيِيلِيَّةُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ العَهْدُ مُتَمَثَّلًا عَلى هَيْئَةِ مَن يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ كَما تُجَسَّمُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ لِتُوزَنَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مَسْؤُولا﴾ بِمَعْنى مَطْلُوبًا مِن سَألْتُ كَذا إذا طَلَبْتَ، وإسْنادُ المَطْلُوبِيَّةِ إلَيْهِ مَجازٌ، والمُرادُ مَطْلُوبٌ عَدَمُ إضاعَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ ارْتَفَعَ الضَّمِيرُ واسْتَتَرَ بَعْدَ حَذْفِهِ، والأصْلُ ما أشَرْنا إلَيْهِ وقَدْ سَمِعْتَ آنِفًا أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ شائِعٌ، ولَيْسَ في ذَلِكَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ فَإنَّ المَآلَ إلى أنْ يُقالَ: أوْفُوا بِالعَهْدِ فَإنَّ عَدَمَ إضاعَتِهِ لَمْ تَزَلْ مَطْلُوبَةً مِن كُلِّ أحَدٍ فَتُطْلَبُ مِنكم أيْضًا، ثُمَّ إنَّ الإخْلالَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ قِيلَ: كَبِيرَةٌ.
وقَدْ جاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ عَدَّ مِنَ الكَبائِرِ نُكْثَ الصَّفْقَةِ؛ أيِ الغَدْرِ بِالمَعاهِدِ بَلْ صَرَّحَ شَيْخُ الإسْلامِ العَلائِيُّ بِأنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سَمّاهُ كَبِيرَةً، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ في إطْلاقِ كَوْنِ الإخْلالِ المَذْكُورِ كَبِيرَةً نَظَرًا بِناءً عَلى أنَّ العَهْدَ هو التَّكْلِيفاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَإنَّ مِنَ الإخْلالِ ما يَكُونُ كَبِيرَةً ومِنهُ ما يَكُونُ صَغِيرَةً ويُنْظَرُ في ذَلِكَ إلى حالِ المُكَلَّفِ بِهِ، ولَعَلَّ مَن قالَ: إنَّ الإخْلالَ بِالعَهْدِ كَبِيرَةٌ أرادَ بِالعَهْدِ مُبايَعَةَ الإمامِ وبِالإخْلالِ بِذَلِكَ نَقْضَ بَيْعَتِهِ والخُرُوجَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ ولا تَأْوِيلَ ولا شُبْهَةَ في أنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ فَلْيُتَأمَّلْ.
17:35Page 285
وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥
And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.
﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ أتِمُّوهُ ولا تُخْسِرُوهُ ﴿إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم لِلْمُشْتَرِينَ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِهِ لِما أنَّ التَّطْفِيفَ يَكُونُ هُناكَ، وأمّا وقْتَ الِاكْتِيالِ عَلى النّاسِ فَلا حاجَةَ إلى الأمْرِ بِالتَّعْدِيلِ قالَ تَعالى:
صفحة 72
﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ الآيَةَ.
﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ هو القَبّانُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ ويُقالُ لَهُ القَرَسْطُونُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا مِن مَوازِينِ الدَّراهِمِ وغَيْرِها، وقالَ اللَّيْثُ: هو أقْوَمُ المَوازِينِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ العَدْلُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الحَدِيدُ وهو رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ كَما قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ لِفَقْدِ مادَّتِهِ في العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ ورُوِيَ القَوْلُ بِتَعْرِيبِهِ وأنَّهُ المِيزانُ في اللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وجَماعَةٍ، وقِيلَ: هو مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ: القِسْطُ وهو العَدْلُ، وطاسَ وهو كِفَّةُ المِيزانِ لَكِنَّهُ حُذِفَ أحَدُ الطّاءَيْنِ لِأنَّ التَّرْكِيبَ مَحَلُّ تَخْفِيفٍ، وهو كَما تَرى، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ وهو الصَّحِيحُ لا يَقْدَحُ اسْتِعْمالُهُ في القُرْآنِ في عَرَبِيَّتِهِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيبِ والسَّماعِ في فَصِيحِ الكَلامِ يَصِيرُ عَرَبِيًّا فَلا حاجَةَ إلى إنْكارِ تَعْرِيبِهِ أوِ ادِّعاءِ التَّغْلِيبِ أوْ أنَّ المُرادَ عَرَبِيُّ الأُسْلُوبِ.
وقَدْ قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِضَمِّها، وقَدْ تُبْدَلُ السِّينُ الأُولى صادًا كَما أُبْدِلَتِ الصّادُ سِينًا في الصِّراطِ ﴿المُسْتَقِيمِ﴾ أيِ العَدْلَ السَّوِيَّ، وهو يَبْعُدُ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِاسْتِقامَتِهِ عَنِ الأمْرِ بِإيفاءِ الوَزْنِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِما أنَّ عِنْدَ اسْتِقامَتِهِ لا يُتَصَوَّرُ الجَوْرُ غالِبًا بِخِلافِ الكَيْلِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ التَّطْفِيفُ مَعَ اسْتِقامَةِ الآلَةِ كَما أنَّ الِاكْتِفاءَ بِإيفاءِ الكَيْلِ عَنِ الأمْرِ بِتَعْدِيلِهِ لِما أنَّ إيفاءَهُ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ تَعْدِيلِ المِكْيالِ وقَدْ أمَرَ بِتَقْوِيمِهِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إيفاءُ الكَيْلِ والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴿خَيْرٌ﴾ في الدُّنْيا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِرَغْبَةِ النّاسِ في مُعامَلَةِ فاعِلِهِ وجَلْبِ الثَّناءِ الجَمِيلِ عَلَيْهِ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أيْ عاقِبَةً لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، والتَّأْوِيلُ تَفْعِيلٌ مِن آلَ إذا رَجَعَ وأصْلُهُ رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ أوْ فِعْلًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ:
ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلُ
وقِيلَ: المُرادُ ذَلِكَ خَيْرٌ في نَفْسِهِ لِأنَّهُ أمانَةٌ وهي صِفَةُ كَمالٍ وأحْسَنُ عاقِبَةً في الدُّنْيا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِمَيْلِ القُلُوبِ والرَّغْبَةِ في المُعامَلَةِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ بَيْنَ النّاسِ ويُفْضِي ذَلِكَ إلى الغِنى وفي الآخِرَةِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَلاصِ مِنَ العَذابِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ، وقِيلَ: أحْسَنُ تَأْوِيلًا أيْ أحْسَنُ مَعْنًى وتَرْجَمَةً، ثُمَّ إنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والوَزْنِ واجِبٌ إجْماعًا ونَقْصُ ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ مُطْلَقًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِفاعِلِهِ الوارِدُ في الآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ولا فَرْقَ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ التَّطْفِيفَ بِالشَّيْءِ التّافِهِ الَّذِي يُسامِحُ بِهِ أكْثَرُ النّاسِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ صَغِيرَةً، فَإنْ قُلْتَ: ذَكَرُوا في الغَصْبِ أنَّ غَصْبَ ما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ لا يَكُونُ كَبِيرَةً وقَضِيَّتُهُ أنْ يَكُونَ التَّطْفِيفُ كَذَلِكَ قُلْتُ: قِيلَ ذَلِكَ مُشْكِلٌ فَلا يُقاسُ عَلَيْهِ بَلْ حُكِيَ الإجْماعُ عَلى خِلافِهِ.
وقالَ الأذْرُعِيُّ: إنَّهُ تَحْدِيدٌ لا مُسْتَنَدَ لَهُ. انْتَهى، وعَلى التَّنْزِيلِ فَقَدْ يُفَرَّقُ بِأنَّ الغَصْبَ لَيْسَ مِمّا يَدْعُو قَلِيلُهُ إلى كَثِيرِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ بِخِلافِ التَّطْفِيفِ فَتَعَيَّنَ التَّنْفِيرُ عَنْهُ بِأنَّ كُلًّا مِن قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ كَبِيرَةٌ؛ أخْذًا مِمّا قالُوهُ في شُرْبِ القَطْرَةِ مِنَ الخَمْرِ مِن أنَّهُ كَبِيرَةٌ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فِيها مَفْسَدَةُ الخَمْرِ؛ لِأنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلى كَثِيرِهِ، ومِثْلُ التَّطْفِيفِ في الكَيْلِ والوَزْنِ النَّقْصُ في الذَّرْعِ ولا يَكادُ يَسْلَمُ كَيّالٌ أوْ وزّانٌ أوْ ذَرّاعٌ في هَذِهِ الأعْصارِ مِن نَقْصٍ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences