Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:50–51
18:50Page 299
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.
﴿وإذْ قُلْنا﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ كُلِّهِمْ كَما هو الظّاهِرُ، واسْتَثْنى بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ المَلائِكَةَ المُهَيِّمِينَ، وبَعْضٌ آخَرُ مَلائِكَةَ السَّماءِ مُطْلَقًا، وزَعَمَ أنَّ المَقُولَ لَهُ مَلائِكَةُ الأرْضِ.
﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ سُجُودَ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ أوِ اسْجُدُوا لِجِهَتِهِ عَلى مَعْنى اتَّخِذُوهُ قِبْلَةً لِسُجُودِكم لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿فَسَجَدُوا﴾ كُلُّهم أجْمَعُونَ امْتِثالًا لِلْأمْرِ ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ بَلْ أبى واسْتَكْبَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِما يُفِيدُهُ اسْتِثْناءُ اللَّعِينِ مِنَ السّاجِدِينَ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المُسْتَثْنى وقَدْ مَقْدَّرَةٌ، والرّابِطُ الضَّمِيرُ، وهو اخْتِيارُ أبِي البَقاءِ، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالقَلْبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ؟ فَقِيلَ: كانَ أصْلُهُ جِنِّيًّا، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، نَعَمْ كانَ مَعَهم ومَعْدُودًا في عِدادِهِمْ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُقاتِلُ الجِنَّ فَسُبِيَ إبْلِيسُ وكانَ صَغِيرًا فَكانَ مَعَ المَلائِكَةِ فَتَعَبَّدَ بِالسُّجُودِ مَعَهم. وأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَتّى قالَ الحَسَنُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ: قاتَلَ اللَّهُ تَعالى أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ أنَّهُ قالَ: ما كانَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وإنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة 293
أصْلُ الإنْسِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ جِنٌّ كَما لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْسٌ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِهِ ما فِيهِ، وأقْرَبُ مِنهُ إلى الصِّحَّةِ ما قالَهُ جَماعَةٌ مِن أنَّهُ كانَ قَبْلَهُ جِنٌّ إلّا أنَّهم هَلَكُوا ولَمْ يَكُنْ لَهم عَقِبٌ سِواهُ، فالجِنُّ والشَّياطِينُ اليَوْمَ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ فَهو في الجِنِّ كَنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في الإنْسِ عَلى ما هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، والجِنُّ قَبِيلَةٌ مِنهُمْ، وقَدْ أخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرافِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَّماءِ الدُّنْيا، وكانَ لَهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ بَحْرِ الرُّومِ وبَحْرِ فارِسَ وسُلْطانُ الأرْضِ فَرَأى أنَّ لَهُ بِذَلِكَ عَظَمَةً وشَرَفًا عَلى أهْلِ السَّماءِ فَوَقَعَ في نَفْسِهِ كِبْرٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلَمّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ ظَهَرَ كِبْرُهُ الَّذِي في نَفْسِهِ فَلَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكانَ عَلى ما رَواهُ عَنْهُ قَتادَةُ يَقُولُ:
لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا وبِغَيْرِهِ مِمّا لا يَخْفى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَدْ رَوى عَنْهُ جَماعَةٌ أنَّهُ قالَ: الجِنُّ في الآيَةِ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَزالُوا يَصُوغُونَ حُلِيَّ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ مَعْنى ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ كانَ مِن خَزَنَةِ الجِنانِ وهو تَأْوِيلٌ عَجِيبٌ، ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ أنَّهُ أجِنَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: سُتِرَ ومُنِعَ، ورِوايَةُ الكَثِيرِ عَنْهُ أنَّهُ قائِلٌ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: هو مِنَ المَلائِكَةِ، ومَعْنى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ صارَ مِنهم بِالمَسْخِ، وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ عُدَّ مِنهم لِمُوافَقَتِهِ إيّاهم في المَعْصِيَةِ حَيْثُ إنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ عاصِينَ فَبُعِثَتْ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِقِتالِهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَشُقُّ الجَوابُ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ دَعْواهُ عِصْمَتَهُمْ، ولا بُدَّ أنْ يَرْتَكِبَ خِلافَ الظّاهِرِ في هَذِهِ الآيَةِ، نَعَمْ مَسْألَةُ عِصْمَتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ خِلافِيَّةٌ ولا قاطِعَ في العِصْمَةِ كَما قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ. وقَدْ ذَكَرَ القاضِي عِياضٌ أنَّ طائِفَةً ذَهَبُوا إلى عِصْمَةِ الرُّسُلِ مِنهم والمُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَمْ يَقُولُوا بِعِصْمَةِ غَيْرِهِمْ، وإذا ذَهَبَ مُدَّعِي كَوْنِ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ إلى هَذا لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنَ الِاعْتِراضِ إلّا بِزَعْمِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُقَرَّبِينَ ولا تُساعِدُهُ الآثارُ عَلى ذَلِكَ، ويَبْقى عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الآيَةَ تَأْبى مُدَّعاهُ، وكَذا لَوْ ذَهَبَ إلى ما نُقِلَ عَنِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّ مَلائِكَةَ الأرْضِ لَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ وكانَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنهم ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ: فَخَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ الفَرّاءُ، وأصْلُهُ مِن فَسَقَ الرُّطَبُ إذا خَرَجَ عَنْ قِشْرِهِ، وسَمَّوُا الفَأْرَةَ فاسِقَةً لِخُرُوجِها مِن جُحْرِها مِنَ البابَيْنِ، ولِهَذا عُدِّيَ بِعَنْ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ:
يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائِرا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا
والظّاهِرُ أنَّ الفِسْقَ بِهَذا المَعْنى مِمّا تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ مِن قَبْلُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن أشْعارِ الجاهِلِيَّةِ ولا أحادِيثِها وإنَّما تَلَكَّمَ بِهِ العَرَبُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، ووافَقَهُ المُبَرِّدُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: الأمْرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهي كَلِمَةٌ فَصِيحَةٌ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ، وكَأنَّ ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى؛ إذْ لَيْسَ الأمْرُ بِمَعْنى الطّاعَةِ أصْلًا، بَلْ هو إمّا بِمَعْنى المَأْمُورِ بِهِ وهو السُّجُودُ وخُرُوجُهُ عَنْهُ بِمَعْنى عَدَمِ اتِّصافِهِ بِهِ، وإمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا﴾ وخُرُوجُهُ عَنْهُ مُخالَفَتُهُ لَهُ، وكَوْنُ حاصِلِ المَعْنى ذَلِكَ عَلى المَعْنَيَيْنِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: (عَنْ) لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: كُسْوَتُهُ عَنْ عُرْيٍ، وأطْعِمَتُهُ عَنْ جُوعٍ؛ أيْ: فَصارَ فاسِقًا كافِرًا بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المَلائِكَةَ المَعْدُودَ
صفحة 294
هُوَ في عِدادِهِمْ؛ إذْ لَوْلا ذَلِكَ الأمْرُ ما تَحَقَّقَ إباءٌ. وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُطْرُبٌ إلّا أنَّهُ قالَ: أيْ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّهِ أمْرَ رَبِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ مَعْنًى، وأنْ يَكُونَ تَقْدِيرَ إعْرابٍ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ السَّبَبِيَّةِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ المَشِيئَةُ؛ أيْ: فَفَسَقَ بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فِسْقَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأطاعَ. والأظْهَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، والفاءُ سَبَبِيَّةٌ عَطَفَتْ ما بَعْدَها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ وأفادَتْ تَسَبُّبَ فِسْقِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ؛ إذْ شَأْنُهم التَّمَرُّدُ لِكُدُورَةِ مادَّتِهِمْ وخَباثَةِ ذاتِهِمْ، والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا، وإنْ كانَ مِنهم مَن أطاعَ وآمَنَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى عَنِ السُّجُودِ فَفَسَقَ، وتُفِيدُ حِينَئِذٍ: تَسَبُّبَ فِسْقِهِ عَنْ إبائِهِ وتَرْكِهِ السُّجُودَ. وقِيلَ: إنَّها هُنا غَيْرُ عاطِفَةٍ؛ إذْ لا يَصِحُّ تَعْلِيلُ تَرْكِ السُّجُودِ وإبائِهِ عَنْهُ بِفِسْقِهِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ تَعالى.
قَوْلُ الرَّضِيِّ: والفاءُ الَّتِي لِغَيْرِ العَطْفِ وهي الَّتِي تُسَمّى فاءَ السَّبَبِيَّةِ لا تَخْلُو أيْضًا مِن مَعْنى التَّرْتِيبِ وتَخْتَصُّ بِالجُمَلِ وتَدْخُلُ عَلى ما هو جَزاءٌ مَعَ تَقَدُّمِ كَلِمَةِ الشَّرْطِ وبِدُونِها انْتَهى. ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ تَرَتُّبِ الثّانِي تَسَبُّبُهُ كَما في ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ وهُنا كَذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنافِيَةِ لِلْفِسْقِ لِبَيانِ قُبْحِ ما فَعَلَهُ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ وقْتِ القِصَّةِ ذِكْرُ القِصَّةِ نَفْسِها لِما فِيها مِن تَشْدِيدِ النَّكِيرِ عَلى المُتَكَبِّرِينَ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ وأمْوالِهِمُ المُسْتَنْكِفِينَ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ إبْلِيسَ، وأنَّهم في ذَلِكَ تابِعُونَ لِتَسْوِيلِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ الرَّبْطِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وجْهُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المَغْرُورِ بِالدُّنْيا والمُعْرِضِ عَنْها وكانَ سَبَبُ الِاغْتِرارِ بِها حُبَّ الشَّهَواتِ وتَسْوِيلَ الشَّيْطانِ زَهَّدَهم سُبْحانَهُ أوَّلًا بِزَخارِفِ الدُّنْيا بِأنَّها عُرْضَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِانْتِقالِ والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ ثَوابًا وأحْسَنُ أمَلًا مِن أنْفَسِها وأعْلاها ثُمَّ نَفَّرَهم عَنِ الشَّيْطانِ بِتَذْكِيرِ ما بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ القَدِيمَةِ.
واخْتارَ أبُو حَيّانَ في وجْهِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ والحَشْرَ وذَكَرَ خَوْفَ المُجْرِمِينَ مِمّا سُطِّرَ في كُتُبِهِمْ وكانَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى المَعاصِي واتِّخاذِ الشُّرَكاءِ ناسَبَ ذِكْرَ إبْلِيسَ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ تَبْعِيدًا عَنِ المَعاصِي وعَنِ امْتِثالِ ما يُوَسْوِسُ بِهِ ويَدْعُو إلَيْهِ. وأيًّا ما كانَ فَلا يُعَدُّ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ هُنا مَعَ ذِكْرِها قَبْلُ تَكْرارًا لِأنَّ ذِكْرَها هُنا لِفائِدَةٍ غَيْرِ الفائِدَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ لَها فِيما قَبْلُ، وهَكَذا ذِكْرُها في كُلِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فِيهِ مِنَ الكِتابِ الجَلِيلِ. ومِثْلُ هَذا يُقالُ في كُلِّ ما هو تَكْرارٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ فِيهِ.
ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ المُكَرَّراتِ ظاهِرًا مُخْتَلِفَةُ الأسالِيبِ مُتَفاوِتَةُ الألْفاظِ والعِباراتِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ ما فِيهِ، فَلا يَسْتَزِلَّنَّكَ الشَّيْطانُ.
﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والمُرادُ إمّا إنْكارُ أنْ يُعْقِبَ اتِّخاذَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ العِلْمُ بِصُدُورِ ما صَدَرَ مِنهُ مَعَ التَّعَجُّبِ مِن ذَلِكَ، وإمّا تَعْقِيبُ إنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ والتَّعْجِيبُ مِنهُ إعْلامُ اللَّهِ تَعالى بِقُبْحِ صَنِيعِ اللَّعِينِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الأوْلادُ فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ لَهُ أوْلادًا وبِذَلِكَ قالَ جَماعَةٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْلِيسَ: إنِّي لا أخْلُقُ لِآدَمَ ذَرِّيَّةً إلّا ذَرَأْتُ لَكَ مِثْلَها، فَلَيْسَ يُولَدُ لِآدَمَ ولَدٌ إلّا وُلِدَ مَعَهُ شَيْطانٌ يُقْرَنُ بِهِ.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ يَنْكِحُ ويَنْسِلُ كَما يَنْسِلُ بَنُو آدَمَ. وذَكَرَ في البَحْرِ أنَّ مِنَ القائِلِينَ بِذَلِكَ أيْضًا الضَّحّاكَ والأعْمَشَ والشَّعْبِيَّ.
ونُقِلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: لا تَكُونُ ذَرِّيَّةٌ إلّا مِن زَوْجَةٍ؛ فَيَكُونُ قائِلًا بِالزَّوْجَةِ، والَّذِي في الدُّرِّ المَنثُورِ بِرِوايَةِ
صفحة 295
ابْنِ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ إبْلِيسَ: هَلْ لَهُ زَوْجَةٌ؟ فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ لَعُرْسٌ ما سَمِعْتُ بِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في المَكائِدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ولَدُ إبْلِيسَ خَمْسَةٌ: ثَبْرُ وهو صاحِبُ المَصائِبِ، والأعْوَرُ، وداسِمُ لا أدْرِي ما يَعْمَلانِ، ومُسَوِّطُ وهو صاحِبُ الصَّخَبِ، وزَلَبْنُورُ وهو الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ النّاسِ ويُبَصِّرُ الرَّجُلَ عُيُوبَ أهْلِهِ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الأعْوَرَ صاحِبُ الزِّنا، ومُسَوِّطَ صاحِبُ أخْبارِ الكَذِبِ يُلْقِيها عَلى أفْواهِ النّاسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، وراسِمَ صاحِبُ البُيُوتِ إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ ولَمْ يُسَمِّ دَخَلَ مَعَهُ، وإذا أكَلَ ولَمْ يُسَمِّ أكَلَ مَعَهُ، وزَلَبْنُورَ صاحِبُ الأسْواقِ، وكانَ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ مِن خَمْسِ بَيْضاتٍ باضَها اللَّعِينُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ يُدْخِلُ ذَنَبَهُ في دُبُرِهِ فَيَبِيضُ فَتَنْفَلِقُ البَيْضَةُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الشَّياطِينِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ أنَّ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ مِن خَمْسِ بَيْضاتٍ باضَها قالَ: وبَلَغَنِي أنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلى مُؤْمِنٍ واحِدٍ أكْثَرُ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا ولَدَ لَهُ، والمُرادُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الأتْباعُ مِنَ الشَّياطِينِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَجازًا تَشْبِيهًا لَهم بِالأوْلادِ، وقِيلَ: ولَعَلَّهُ الحَقُّ أنَّ لَهُ أوْلادًا وأتْباعًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ مَجْمُوعُها مَعًا عَلى التَّغْلِيبِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ عِنْدَ مَن يَراهُ أوْ عُمُومُ المَجازِ.
وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالوِلادِ مَن آمَنَ بِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ونَبِيِّنا ﷺ وهو هامَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وسُبْحانَ مَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ولا يَلْزَمُنا أنْ نَعْلَمَ كَيْفِيَّةَ وِلادَتِهِ فَكَثِيرٌ مِنَ الأشْياءِ مَجْهُولُ الكَيْفِيَّةِ عِنْدَنا ونَقُولُ بِهِ فَلْيَكُنْ مِن هَذا القَبِيلِ إذا صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ.
واسْتُدِلَّ ما في مَلَكِيَّتِهِ بِظاهِرِ الآيَةِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ والمَلائِكَةُ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ. ولِمُدَّعِيها أنْ يَقُولَ: بَعْدَ تَسْلِيمِ حَمْلِ الذُّرِّيَّةِ عَلى الأوْلادِ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ عَصى مُسِخَ وخَرَجَ عَنِ المَلَكِيَّةِ فَصارَ لَهُ أوْلادٌ ولَمْ تُفِدِ الآيَةُ أنَّ لَهُ أوْلادًا قَبْلَ العِصْيانِ، والِاسْتِدْلالُ بِها لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: أفَتَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ مُجاوِزِينَ عَنِّي إلَيْهِمْ وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: أعْداءٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ وإنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمُصادَرِ نَحْوَ القَبُولِ والوَلُوعِ، وتَقْيِيدُ الِاتِّخاذِ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَشْدِيدِهِ؛ فَإنَّ مَضْمُونَها مانِعٌ مِن وُقُوعِ الِاتِّخاذِ ومُنافٍ لَهُ قَطْعًا:
ومِن نَكَدِ الدُّنْيا عَلى الحَرِّ أنْ يَرى ∗∗∗ عَدُوًّا لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ
﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ﴾ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿بَدَلا﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وفاعِلُ ( بِئْسَ ) ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يُفَسِّرُهُ هو والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلظّالِمِينَ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ وضْعِ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مِنَ الإيذانِ بِكَمالِ السُّخْطِ، والإشارَةُ إلى أنَّ ما فَعَلُوهُ ظُلْمٌ قَبِيحٌ ما لا يَخْفى.
18:51Page 299
۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١
I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.
﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ في أنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ الصَّوارِفِ عَنْ ذَلِكَ مِن خَباثَةِ الأصْلِ والفِسْقِ والعَداوَةِ؛ أيْ: ما أحْضَرْتُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ.
﴿خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حَيْثُ خَلَقْتُهُما قَبْلَ خَلْقِهِمْ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم
صفحة 296
خَلْقَ بَعْضٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ فَكِلا ضَمِيرَيِ الجَمْعِ المَنصُوبِ والمَجْرُورِ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ وهُمُ المُرادُ بِالمُضِلِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ وإنَّما وُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالإضْلالِ وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، والعَضُدُ في الأصْلِ ما بَيْنَ المِرْفَقِ إلى الكَتِفِ ويُسْتَعارُ لِلْمُعِينِ كاليَدِ وهو المُرادُ هُنا ولِكَوْنِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ عَمَّ، وفُسِّرَ بِالجَمْعِ والإفْرادِ لِرُءُوسِ الآيِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّ الجَمِيعَ في حُكْمِ الواحِدِ في عَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِلِاعْتِضادِ؛ أيْ: وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم أعْوانًا في شَأْنِ الخَلْقِ أوْ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِي حَتّى يُتَوَهَّمَ شَرِكَتُهم في التَّوَلِّي فَضْلًا عَنِ الِاسْتِبْدالِ الَّذِي لَزِمَ فِعْلَهم بِناءً عَلى الشَّرِكَةِ في بَعْضِ أحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( أنْفُسِهِمْ ) إلى إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ قَدْ قالَ بِهِ كُلُّ مَن ذَهَبَ إلى إرْجاعِ ضَمِيرِ ﴿أشْهَدْتُهُمْ﴾ إلَيْهِمْ، وعَلَّلَ ذَلِكَ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ حَذَرًا مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ ومُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأنْفُسِ ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُرْجِعَ الضَّمِيرَ الثّانِيَ إلى الظّالِمِينَ، ويُلْتَزَمُ التَّفْكِيكُ بِناءً عَلى عَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ؛ فَإنَّ نَفْيَ إشْهادِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهم هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ إنْكارُ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ بِناءً عَلى أنَّ أدْنى ما يُصَحِّحُ التَّوَلِّيَ حُضُورُ الوَلِيِّ خَلْقَ المُتَوَلِّي وحَيْثُ لا حُصُولَ لا مُصَحِّحَ لِلتَّوَلِّي قَطْعًا، وأمّا إشْهادُ بَعْضِ الشَّياطِينِ خَلْقَ بَعْضٍ مِنهم فَلَيْسَ مِن مَداراتِهِ الإنْكارُ المَذْكُورُ في شَيْءٍ عَلى أنَّ إشْهادَ بَعْضِهِمْ خَلْقَ بَعْضٍ إنْ كانَ مُصَحِّحًا لِتَوَلِّي الشّاهِدِ بِناءً عَلى دَلالَتِهِ عَلى كَمالِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ لَهُ مَدْخَلًا في خَلْقِ المَشْهُودِ في الجُمْلَةِ فَهو مُخِلٌّ بِتَوَلِّي المَشْهُودِ بِناءً عَلى قُصُورِهِ عَمَّنْ شَهِدَ خَلْقَهُ فَلا يَكُونُ نَفْيُ الإشْهادِ المَذْكُورِ مُتَمَحِّضًا في نَفْيِ الكَمالِ المُصَحَّحِ لِلتَّوَلِّي عَنِ الكُلِّ وهو المَناطُ لِلْإنْكارِ المَذْكُورِ.
وفِي الآيَةِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ وإيذانٌ بِكَمالِ رَكاكَةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ لا يَفْهَمُونَ هَذا الأمْرَ الجَلِيَّ الَّذِي لا يَكادُ يُشْتَبَهُ عَلى البُلْهِ والصِّبْيانِ فَيَحْتاجُونَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، وإيثارُ نَفْيِ الإشْهادِ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ ونَفْيِ اتِّخاذِهِمْ أعْوانًا عَلى نَفْيِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ تَعالى تابِعُونَ لِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الشُّهُودِ والمَعُونَةِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ إحْضارٍ واتِّخاذٍ، وإنَّما قُصارى ما يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ أنْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ المَبْلَغَ بِأمْرِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ ولَمْ يَكَدْ ذَلِكَ يَكُونُ اه.
وهُوَ كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَشْمَلُ أهْلَها وكَثِيرًا ما يُرادُ مِنهُما ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الكُفّارُ فَتُفِيدُ الآيَةُ نَفْيَ إشْهادِ الشَّياطِينِ خَلْقَهُمُ الَّذِي مِن مَداراتِهِ الإنْكارُ المَذْكُورُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التِزامِ التَّفْكِيكِ الَّذِي هو خِلافُ المُتَبادَرِ، وظاهِرُ كَلامِهِ وكَذا كَلامِ كَثِيرٍ حَمْلُ الإشْهادِ المَنفِيِّ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المُشاوَرَةُ مَجازًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ ما في البَحْرِ ولا مانِعَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَشْمَلُ أهْلَهُما فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما شاوَرْتُهم في خَلْقِ أحَدٍ لا الكُفّارَ ولا غَيْرَهُمْ، فَما بالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَتَوَلَّوْنَهم وأدْنى ما يُصَحِّحُ التَّوَلِّيَ كَوْنُ الوَلِيِّ مِمَّنْ يُشاوَرُ في أمْرِ المُتَوَلِّي أوْ أمْرِ غَيْرِهِ ويَكُونُ نَفْيُ اتِّخاذِهِمْ أعْوانًا مُطْلَقًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بَعْدَ نَفْيِ مُشاوَرَتِهِمْ في الخَلْقِ لِيُؤَدِّيَ الكَلامُ ظاهِرًا عُمُومَ نَفِي مَدْخَلِيَّتِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ رَأْيًا وإيجادًا وغَيْرَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولَعَلَّ الآيَةَ حِينَئِذٍ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ مِن وجْهٍ، وقِيلَ: قَدْ يُرادُ مِن نَفْيِ الإشْهادِ في جانِبِ المَعْطُوفِ نَفْيُ المُشاوَرَةِ ومِنهُ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا حَسْبَ مَشِيئَتِهِمْ، ومِنهُ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا كامِلِينَ فَإنَّهُ يُقالُ: خُلِقَ
صفحة 297
كَما شاءَ بِمَعْنى خُلِقَ كامِلًا قالَ الشّاعِرُ:
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيْبٍ كَأنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَما تَشاءُ
وعَلى هَذا يَكُونُ في الخَلْقِ مَن أُشْهِدَ خَلْقَ نَفْسِهِ، بِمَعْنى أنَّهُ خُلِقَ كامِلًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ يُكْتَفى بِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَفْيَ الكَمالِ بِأقَلَّ مِن هَذِهِ المَئُونَةِ فافْهَمْ. وزَعَمَ أنَّ الكامِلِينَ شَهِدُوا حَقِيقَةَ خَلْقِ أنْفُسِهِمْ بِمَعْنى أنَّهم رَأوْا وهم أعْيانٌ ثابِتَةٌ خَلْقَهُمْ؛ أيْ: إفاضَةَ الوُجُودِ الخارِجِيِّ الَّذِي لا يَتَّصِفُ بِهِ المَعْدُومُ عَلَيْهِمْ لا أرى أنَّ كامِلًا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أوْ يُصْغِي إلَيْهِ، وقالَ الإمامُ بَعْدَ حِكايَةِ القَوْلِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرَيْنِ إلى الشَّياطِينِ: الأقْرَبُ عِنْدِي عَوْدُهُما عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا لِلرَّسُولِ ﷺ: إنْ لَمْ تَطْرُدْ عَنْ مَجْلِسِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ لَمْ نُؤْمِن بِكَ؛ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ ما كانُوا شُرَكائِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ولا اعْتَضَدْتُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، فَلِمَ أقْدَمُوا عَلى هَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ؟ ونَظِيرُهُ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ عَلَيْكَ اقْتِراحاتٍ عَظِيمَةً فَإنَّكَ تَقُولُ لَهُ: لَسْتَ بِسُلْطانِ البَلَدِ حَتّى نَقْبَلَ مِنكَ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الهائِلَةَ فَلِمَ تُقْدِمُ عَلَيْها، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ عَلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو في الآيَةِ - أُولَئِكَ الكُفّارُ - لِأنَّهُمُ المُرادُ بِالظّالِمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ انْتَهى.
وقِيلَ: المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرَيْنِ عَلى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ مِن أحْوالِ السَّعادَةِ وضِدِّها لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا شاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِشَرَفِهِمْ ورَفْعَتِهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ وبِأضْدادِ هَذِهِ الأحْوالِ لِلْفُقَراءِ، وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ ذَلِكَ وما أطْلَعْتُهم عَلى أسْرارِ التَّكْوِينِ وما خَصَصْتُهم بِخَصائِصَ لا يَحْوِيها غَيْرُهم حَتّى يَكُونُوا قُدْوَةً لِلنّاسِ فَيُؤْمِنُوا بِإيمانِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ فَلا تَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ لِلدِّينِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْتَضِدَ لِدِينِي بِالمُضِلِّينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيِّ والحَسَنِ وشَيْبَةَ: «وما كُنْتَ» بِفَتْحِ التّاءِ خِطابًا لَهُ ﷺ، والمَعْنى: ما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، ولَعَلَّ وصْفَ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ بِالإضْلالِ لِما أنَّ قَصْدَهم بِطَرْدِ الفُقَراءِ تَنْفِيرُ النّاسِ عَنْهُ ﷺ وهو إضْلالٌ ظاهِرٌ وقِيلَ: كُلُّ ضالٍّ مُضِلٍّ لِأنَّ الإضْلالَ إمّا بِلِسانِ القالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، والثّانِي لا يَخْلُو عَنْهُ ضالٌّ، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلْمَلائِكَةِ، والمَعْنى: ما أشْهَدْتُهم ذَلِكَ ولا اسْتَعَنْتُ بِهِمْ في شَيْءٍ بَلْ خَلَقْتُهم لِيَعْبُدُونِي فَكَيْفَ يُعْبَدُونَ، ويَرُدُّهُ: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ إلّا أنْ يُقالَ: هو نَفْيٌ لِاتِّخاذِ الشَّياطِينِ أعْوانًا فَيُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ نَفْيُ صِحَّةِ عِبادَةِ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
الضَّمِيرانِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ وعَلى النّاسِ بِالجُمْلَةِ فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ الرَّدَّ عَلى طَوائِفَ مِنَ المُنَجِّمِينَ وأهْلِ الطَّبائِعِ والأطِبّاءِ ومَن سِواهم مِمَّنْ يَخُوضُ خَوْضَهُمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ عَبْدُ الحَقِّ الصَّقَلِّيُّ وذَكَرَهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ انْتَهى. ويُقالُ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ نَحْوُ ما قِيلَ فِيها آنِفًا.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاسْتِعانَةُ بِالكافِرِ وهو في أُمُورِ الدِّينِ كَجِهادِ الكُفّارِ وقِتالِ أهْلِ البَغْيِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ ولِبَعْضِهِمْ في ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِهِمْ في أُمُورِ الدُّنْيا فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِها سَواءٌ كانَتْ في أمْرٍ مُمْتَهَنٍ كَنَزْحِ الكَنائِفِ أوْ في غَيْرِهِ كَعَمَلِ المَنابِرِ والمَحارِيبِ والخِياطَةِ ونَحْوِها، ولَعَلَّ أفْرَضَ اليَهُودِيَّ
صفحة 298
أوِ الكَلْبَ قَدْ ماتَ في كَلامِ الفارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِعَدِّ ما اسْتُخْدِمَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِيارِ تَفْصِيلٍ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ أيْضًا.
وقَدْ حَكى الشِّيعَةُ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ حِينَ صَمَّمَ عَلى عَزْلِ مُعاوِيَةَ وأشارَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِإبْقائِهِ عَلى عَمَلِهِ إلى أنْ يَسْتَفْحِلَ أمْرُ الخِلافَةِ: يَمْنَعُنِي مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ فَلا أتَّخِذُ مُعاوِيَةَ عَضُدًا أبَدًا، وهو كَذِبٌ لا يَعْتَقِدُهُ إلّا ضالٌّ مُضِلٌّ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والسِّخْتِيانِيُّ وعَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ: «ما أشْهَدْناهُمْ» بِنُونِ العَظَمَةِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ»
عَلى إعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: «عُضْدًا» بِسُكُونِ الضّادِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، وقَرَأ عِيسى «عَضْدًا» بِسُكُونِ الضّادِ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا في رَجُلٍ وسَبُعٍ رَجْلٌ وسَبْعٌ بِالسُّكُونِ وهي لُغَةٌ عَنْ تَمِيمٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ والخِفافِ وأبِي زَيْدٍ: «عُضُدًا» بِضَمَّتَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، وكَذا رُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو عَلى هَذا إمّا لُغَةٌ في العَضُدِ كَما في البَحْرِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في القامُوسِ وإمّا جَمْعُ عاضِدٍ كَخَدَمٍ جَمْعِ خادِمٍ مِن عَضَّدَهُ بِمَعْنى قَوّاهُ وأعانَهُ فَحِينَئِذٍ لا اسْتِعارَةَ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ: «عِضَدًا» بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ مِن لُغاتِهِ، نَعَمْ في القامُوسِ عَدَّ عَضِدٌ كَكَتِفٍ مِنها وهو عَكْسُ هَذِهِ القِراءَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences