Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:79–85
19:79Page 311
كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا ٧٩
No! We will record what he says and extend [i.e., increase] for him from the punishment extensively.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ
صفحة 131
عَلى خَطَئِهِ. وهَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ والمُبَرِّدِ وعامَّةِ البَصْرِيِّينَ في هَذا الحَرْفِ، وفِيهِ مَذاهِبُ لَعَلَّنا نُشِيرُ إلَيْها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا أوَّلُ مَوْضِعٍ وقَعَ فِيهِ مِنَ القُرْآنِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في النِّصْفِ الأخِيرِ فَوَقَعَ في ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو العَبّاسِ الوَقْفَ عَلَيْهِ في مَوْضِعٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، أحَدُها ما يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْهِ ويَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِهِ. والثّانِي: ما يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْهِ ولا يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِهِ، والثّالِثُ ما يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِهِ ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْهِ، والرّابِعُ ما لا يَحْسُنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأمْرَيْنِ، أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَفي عَشَرَةِ مَواضِعَ ما نَحْنُ فِيهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلا﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلا﴾ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ﴿كَلا﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا ﴿أنْ أزِيدَ﴾ ﴿كَلا﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ ﴿كَلا﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿رَبِّي أهانَنِ﴾ ﴿كَلا﴾ وقَوْلُهُ تَبارَكَ اسْمُهُ ﴿أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ﴿كَلا﴾ فَمَن جَعَلَهُ في هَذِهِ المَواضِعِ رَدًّا لِما قَبْلَهُ وقَفَ عَلَيْهِ ومَن جَعَلَهُ بِمَعْنى ألا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ أوْ بِمَعْنى حَقًّا ابْتَدَأ بِهِ وهو يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فِيها، وأمّا القِسْمُ الثّانِي فَفي مَوْضِعَيْنِ: قَوْلُهُ جَلَّ جَلالُهُ حِكايَةً ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿قالَ كَلا﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلا﴾، وأمّا الثّالِثُ فَفي تِسْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا: قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾، ﴿كَلا والقَمَرِ﴾، ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾، ﴿كَلا لا وزَرَ﴾، ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾، ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾، ﴿كَلا لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾، ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، ﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾، ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾، ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ﴾، ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ﴾، ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ﴾، ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾، ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، ﴿كَلا لا تُطِعْهُ﴾، ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلرَّدِّ في ذَلِكَ، وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ فَفي مَوْضِعَيْنِ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ثُمَّ لِأنَّهُ حَرْفُ عَطْفٍ، ولا عَلى كَلّا لِأنَّ الفائِدَةَ فِيما بَعْدُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى كَلّا في جَمِيعِ القُرْآنِ لِأنَّهُ بِمَعْنى انْتَهِ إلى في مَوْضِعٍ واحِدٍ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلا والقَمَرِ﴾ لِأنَّهُ مَوْصُولٌ بِاليَمِينِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ أيْ ورَبِّي ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أيْ سَنُظْهِرُ أنّا كَتَبْنا قَوْلَهُ كَقَوْلِهِ:
إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ولَمْ تَجِدِي مِن أنْ تَقَرِّي بِهِ بُدّا
أيْ إذا انْتَسَبْنا عَلِمْتَ وتَبَيَّنَ أنِّي لَسْتُ بِابْنِ لَئِيمَةٍ أوْ سَنَنْتَقِمُ مِنهُ انْتِقامَ مَن كَتَبَ جَرِيمَةَ الجانِي وحَفِظَها عَلَيْهِ فَإنَّ نَفْسَ كَتَبَةِ ذَلِكَ لا تَكادُ تَتَأخَّرُ عَنِ القَوْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ جَلَّ وعَلا ﴿ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ فَمَبْنى الأوَّلِ تَنْزِيلُ إظْهارِ الشَّيْءِ الخَفِيِّ مَنزِلَةَ إحْداثِ الأمْرِ المَعْدُومِ بِجامِعِ أنَّ كُلًّا مِنهُما إخْراجٌ مِنَ الكَمُّونِ إلى البُرُوزِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلى تَشْبِيهِ إظْهارِ الكِتابَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِأحْداثِها، ومَدارُ الثّانِي تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ فَإنَّ كَتَبَةَ جَرِيمَةِ المُجْرِمِ سَبَبٌ لِعُقُوبَتِهِ قَطْعًا قالَهُ أبُو السُّعُودِ، وقِيلَ: إنَّ الكِتابَةَ في المَعْنى الثّانِي اسْتِعارَةٌ لِلْوَعِيدِ بِالِانْتِقامِ وفِيهِ خَفاءٌ، وقالَ بَعْضُهم: لا مَجازَ في الآيَةِ بَيْدَ أنَّ السِّينَ لِلتَّأْكِيدِ، والمُرادُ نَكْتُبُ في الحالِ ورُدَّ بِأنَّ السِّينَ إذا أكَّدَتْ فَإنَّما تُؤَكِّدُ الوَعْدَ أوِ الوَعِيدَ وتُفِيدُ أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ في المُسْتَقْبَلِ. وأمّا إنَّها تُؤَكِّدُ ما يُرادُ بِهِ الحالُ فَلا كَذا قِيلَ: فَلْيُراجَعْ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( سَيُكْتَبُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ وذُكِرَتْ عَنْ عاصِمٍ ﴿ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ مَكانَ ما يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ مِنَ الإمْدادِ بِالمالِ والوَلَدِ أيْ نُطَوِّلُ لَهُ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّهُ أوْ نَزِيدُ عَذابَهُ ونُضاعِفُهُ
صفحة 132
لَهُ مِنَ المَدَدِ يُقالُ: مَدَّهُ وأمَدَّهُ بِمَعْنًى، وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( ونُمِدُّ ) بِالضَّمِّ وهو بِهَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ بِاللّامِ وبِدُونِها ومَعْناهُ عَلى الأوَّلِ نَفْعَلُ المَدَّ لَهُ، وهو أبْلَغُ مِن نَمُدُّهُ وأُكِّدَ بِالمَصْدَرِ إيذانًا بِفَرْطِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لِكُفْرِهِ وافْتِرائِهِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ واسْتِهْزائِهِ بِآياتِهِ العِظامِ نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَسْتَوْجِبُ الغَضَبَ.
19:80Page 311
وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا ٨٠
And We will inherit him [in] what he mentions,1 and he will come to Us alone.
﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أيْ نَسْلُبُ ذَلِكَ ونَأْخُذُهُ بِمَوْتِهِ أخْذَ الوارِثِ ما يَرِثُهُ، والمُرادُ بِما يَقُولُ مُسَمّاهُ ومِصْداقُهُ وهو ما أُوتِيَهُ في الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ يَقُولُ الرَّجُلُ: أنا أمْلِكُ كَذا، فَتَقُولُ: ولِي فَوْقُ ما تَقُولُ، والمَعْنى عَلى المُضِيِّ وكَذا في يَقُولُ السّابِقِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ لَيْسَ لِما قالَ مِصْداقٌ مَوْجُودٌ سِوى ما ذُكِرَ، وما إمّا بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ اشْتِمالٍ وإمّا مَفْعُولٌ بِهِ أيْ نَرِثُ مِنهُ ما آتَيْناهُ في الدُّنْيا ﴿ويَأْتِينا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَرْدًا﴾ لا يَصْحَبُهُ مالٌ ولا ولَدٌ كانَ لَهُ فَضْلًا أيْ يُؤْتى ثَمَّةَ زائِدًا، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ونَرِثُهُ ما عِنْدَهُ ويَأْتِينا فَرْدًا لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ» وهو ظاهِرٌ في المَعْنى المَذْكُورِ، وقِيلَ: المَعْنى نَحْرِمُهُ ما زَعَمَ أنَّهُ يَنالُهُ في الآخِرَةِ مِنَ المالِ والوَلَدِ ونُعْطِيهِ لِغَيْرِهِ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ، ورُوِيَ هَذا عَنْ أبِي سَهْلٍ، وتَفْسِيرُ الإرْثِ بِذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ و﴿ما يَقُولُ﴾ مُرادٌ مِنهُ مُسَمّاهُ أيْضًا والوَلَدُ الَّذِي يُعْطى لِلْغَيْرِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ولَدَ ذَلِكَ الغَيْرِ الَّذِي كانَ لَهُ في الدُّنْيا وإعْطاؤُهُ إيّاهُ بِأنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حَسْبَما يَشْتَهِيهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ لا تَوالُدَ في الجَنَّةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ فَقالَ جَمْعٌ: مِنهم مُجاهِدٌ وطاوُسٌ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: بِعَدَمِ التَّوالُدِ احْتِجاجًا بِما في حَدِيثِ لَقِيطٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الطَّوِيلِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الجَلالَةِ والمَهابَةِ ونُورِ النُّبُوَّةِ ما يُنادِي عَلى صِحَّتِهِ، وقالَ فِيهِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَندَهْ: لا يُنْكِرُهُ إلّا جاحِدٌ أوْ جاهِلٌ، وقَدْ خَرَّجَهُ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ السُّنَّةِ مِن قَوْلِهِ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أوَلَنا فِيها أزْواجٌ أوْ مِنهُنَّ مُصْلِحاتٌ؟ قالَ ﷺ: «المُصْلِحاتُ لِلْمُصْلِحِينَ تُلَذِّذُونَهُنَّ ويُلَذِّذْنَكم مِثْلَ لَذّاتِكم في الدُّنْيا غَيْرَ أنْ لا تَتَوالَدَ»»، وبِما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ العُقَيْلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَكُونُ لَهم ولَدٌ»»
وقالَتْ فِرْقَةٌ بِالتَّوالُدِ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««المُؤْمِنُ إذا اشْتَهى الوَلَدَ في الجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ ووَضْعُهُ وسِنُّهُ في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما يَشْتَهِي»» . وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وبِما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أيْضًا «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُولَدُ لِأهْلِ الجَنَّةِ فَإنَّ الوَلَدَ مِن تَمامِ السُّرُورِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وما هو إلّا كَقَدْرِ ما يَتَمَنّى أحَدُكم فَيَكُونُ حَمْلُهُ ورِضاعُهُ وشَبابُهُ»»
وأجابَتْ عَمّا تَقَدَّمَ بِأنَّ المُرادَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ تَوالُدٌ أوْ ولَدٌ عَلى الوَجْهِ المَعْهُودِ في الدُّنْيا. وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ الحَدِيثَ الأخِيرَ ضَعِيفٌ كَما قالَ البَيْهَقِيُّ.
والحَدِيثُ الأوَّلُ قالَ فِيهِ السَّفارِينِيُّ: أجْوَدُ أسانِيدِهِ إسْنادُ التِّرْمِذِيِّ وقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالغَرابَةِ وأنَّهُ لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ أبِي الصِّدِّيقِ التّاجِيِّ، وقَدِ اضْطَرَبَ لَفْظُهُ فَتارَةً يُرْوى عَنْهُ إذا اشْتَهى الوَلَدُ وتارَةً أنَّهُ يَشْتَهِي الوَلَدَ وتارَةً أنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لَيُولَدُ لَهُ وإذا قُلْنا بِأنَّ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ السّابِقَةِ سَنَدًا حَسَنًا كَما أشارَ إلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ فِيهِ تَعْلِيقًا بِالشَّرْطِ، وجازَ أنْ لا يَقَعَ، وإذا وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في المُحَقَّقِ لَكِنَّها قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ الأعَمِّ. وأمّا الجَوابُ عَنِ الحَدِيثَيْنِ السّابِقَيْنِ بِما مَرَّ فَأوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما لا يَخْفى، وبِالجُمْلَةِ المُرَجَّحُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ عَدَمُ التَّوالُدِ، ورَجَّحَ ذَلِكَ السَّفارِينِيُّ بِعَشَرَةِ أوْجُهٍ لَكِنْ لِلْبَحْثِ في أكْثَرِها
صفحة 133
مَجالٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقِيلَ: المُرادُ بِما يَقُولُ نَفْسُ القَوْلِ المَذْكُورِ لا مُسَمّاهُ، والمَعْنى إنَّما يَقُولُ هَذا القَوْلَ ما دامَ حَيًّا فَإذا قَبَضْناهُ حُلْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَقُولَهُ، ويَأْتِينا رافِضًا لَهُ مُفْرَدًا عَنْهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِقادِ وأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلَّ التَّفَوُّهَ بِهِ راجٍ لِوُقُوعِ مَضْمُونِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِالبَعْثِ وإنَّما قالَ ما قالَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ.
وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ البِناءَ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنَّما يَقُولُ ذَلِكَ ويَسْتَهْزِئُ ما دامَ حَيًّا فَإذا قَبَضْناهُ حُلْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ بِما يَنْكَشِفُ لَهُ ويَحِلُّ بِهِ أوْ يُقالُ: إنَّ مَبْنى ما ذُكِرَ عَلى المُجاراةِ مَعَ اللَّعِينِ كَما تَقَدَّمَ.
وقِيلَ: المَعْنى نَحْفَظُ قَوْلَهُ لِنَضْرِبَ بِهِ وجْهَهُ في المَوْقِفِ ونُعَيِّرَهُ بِهِ ويَأْتِينا عَلى فَقْرِهِ ومَسْكَنَتِهِ فَرْدًا مِنَ المالِ والوَلَدِ لَمْ نُولِهِ سُؤْلَهُ ولَمْ نُؤْتِهِ مُتَمَنّاهُ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أمْرانِ: تَبِعَةُ قَوْلِهِ ووَبالُهُ وفَقْدُ المَطْمُوعِ فِيهِ، وإلى تَفْسِيرِ الإرْثِ بِالحِفْظِ ذَهَبَ النَّحّاسُ وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ««العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»» أيْ حَفَظَةُ ما قالُوهُ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ حِفْظَ قَوْلِهِ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ .
وفِي الكَشّافِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَدْ تَمَنّى وطَمِعَ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ تَعالى مالًا ووَلَدًا في الدُّنْيا وبَلَغَتْ بِهِ أشْعَبِيَّتُهُ أنْ تَأْلّى عَلى ذَلِكَ فَقالَ سُبْحانَهُ هَبْ أنّا أعْطَيْناهُ ما اشْتَهاهُ أما نَرِثُهُ مِنهُ في العاقِبَةِ ويَأْتِينا غَدًا فَرْدًا بِلا مالٍ ولا ولَدٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ فَما يُجْدِي عَلَيْهِ تَمَنِّيهِ وتَألِّيهِ. انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ احْتِمالٌ بَعِيدٌ جِدًّا في نَفْسِهِ ومِن جِهَةِ سَبَبِ النُّزُولِ، والتَّكَلُّفُ لِتَطْبِيقِهِ عَلَيْهِ لا يُقَرِّبُهُ كَما لا يَخْفى و﴿فَرْدًا﴾ حالٌ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ حَيْثُ أُرِيدُ حِرْمانُهُ عَنِ المالِ والوَلَدِ وإعْطاءُ ذَلِكَ لِمُسْتَحَقِّهِ لِأنَّ الِانْفِرادَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي التَّفاوُتَ بَيْنَ الضّالِّ والمُهْتَدِي وهو إنَّما يَكُونُ بَعُدَ بِالمَوْقِفِ بِخِلافِ ما إذا أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ الأقْوالُ لِعَدَمِ اقْتِضائِهِ التَّفاوُتَ بَيْنَهُما وكِفايَةِ فَرْدِيَّةِ المَوْقِفِ في الصِّحَّةِ وإنْ كانَتْ مُشْتَرِكَةً. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ عَلى سائِرِ الأقْوالِ لِأنَّ المُرادَ دَوامُ الِانْفِرادِ عَنِ المالِ والوَلَدِ أوْ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، والدَّوامُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ عِنْدَ الإتْيانِ بَلْ مُقَدَّرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ.
19:81Page 311
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١
And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ عامَّةٍ لِلْكُلِّ مُسْتَتْبَعَةٍ لِضَدِّ ما يَرْجُونَ تَرَتُّبَهُ عَلَيْها إثْرَ حِكايَةِ مَقالَةِ الكافِرِ المَعْهُودِ واسْتِتْباعِها لِنَقِيضِ مَضْمُونِها، أيِ اتَّخَذَ الكَفَرَةُ الظّالِمُونَ الأصْنامَ أوْ ما يَعُمُّهم وسائِرَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ آلِهَةً مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ أيْ لِيَتَعَزَّزُوا بِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا لَهم وصْلَةً إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وشُفَعاءَ عِنْدَهُ
19:82Page 311
كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢
No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم وزَجْرٌ عَنْ ذَلِكَ، وفِيهِ إنْكارٌ لِوُقُوعِ ما عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أيْ سَتَجْحَدُ الآلِهَةُ عِبادَةَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إيّاها ويُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى مَن لَمْ يَكُنْ ناطِقًا مِنها، فَتَقُولُ جَمِيعًا ما عَبَدْتُمُونا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ أوْ سَتُنْكِرُ الكَفَرَةُ حِينَ يُشاهِدُونَ عاقِبَةَ سُوءِ كُفْرِهِمْ عِبادَتَهم إيّاها كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ .
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ عَلى الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ تَكُونُ الآلِهَةُ الَّتِي كانُوا يَرْجُونَ أنْ تَكُونَ لَهم عِزًّا ضِدًّا لِلْعِزِّ أيْ ذُلًّا وهَوانًا أوْ أعْوانًا عَلَيْهِمْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو
صفحة 134
أظْهَرُ مِنَ التَّفْسِيرِ السّابِقِ، وكَوْنُهم أعْوانًا عَلَيْهِمْ لِأنَّهم يَلْعَنُونَهم، وقِيلَ: لِأنَّ عِبادَتَهم كانَتْ سَبَبًا لِلْعَذابِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لَمْ يَحْدُثْ يَوْمَ القِيامَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ الحُدُوثُ ذَلِكَ اليَوْمَ والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وقِيلَ: لِأنَّهم يَكُونُونَ آلَةَ لِعَذابِهِمْ حَيْثُ يُجْعَلُونَ وقُودَ النّارِ وحَصَبَ جَهَنَّمَ، وهَذا لا يَتَسَنّى إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالآلِهَةِ الأصْنامُ، وإطْلاقُ الضِّدِّ عَلى العَوْنِ لِما أنَّ عَوْنَ الرَّجُلِ يُضادُّ عَدُوَّهُ ويُنافِيهِ بِإعانَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الكَفَرَةُ عَلى الآلِهَةِ أيْ أعْداءً لَها مِن قَوْلِهِمْ: النّاسُ عَلَيْكم أيْ أعْداؤُكم، ومِنهُ: اللَّهُمَّ كُنْ لَنا ولا تَكُنْ عَلَيْنا ضِدًّا أيْ مَنافِينَ ما كانُوا عَلَيْهِ كافِرِينَ بِها بَعْدَ ما كانُوا يَعْبُدُونَها، فَعَلَيْهِمْ عَلى ما قِيلَ خَبَرُ يَكُونُ، ( وضِدًّا ) حالٌ مُؤَكٌّدَةٌ والعَداوَةُ مُرادَةٌ مِمّا قَبْلَهُ، وقِيلَ: إنَّها مُرادَةٌ مِنهُ وهو الخَبَرُ (وعَلَيْهِمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ فَسَّرَهُ بِأعْداءٍ الضَّحّاكُ وهو عَلى ما نُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ كالعَدُوِّ يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا وجَمْعًا.
وبِذَلِكَ قالَ صاحِبُ القامُوسِ وجَعَلَ ما هُنا جَمْعًا، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَهُ مِمّا يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقالَ: هو لِلْواحِدِ فَقَطْ وإنَّما وُحِّدَ هُنا لِوَحْدَةِ المَعْنى الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ مُضادَّتُهم فَإنَّهم بِذَلِكَ كالشَّيْءِ الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ «وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم»، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: إنَّما وُحِّدَ لِأنَّهُ ذُكِرَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى (عِزًّا) وهو مَصْدَرٌ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ جَمْعًا، فَهَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ مَصْدَرًا لَكِنْ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ جَمْعًا نَظَرًا إلى ما يُرادُ مِنهُ وهو الذُّلُّ.
وهَذا إذا تَمَّ فَإنَّما يَتِمُّ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، وقَدْ صَرَّحَ في البَحْرِ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ فَلْيُراجَعْ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ كَلًّا بِفَتْحِ الكافِ والتَّنْوِينِ، فَقِيلَ إنَّها الحَرْفُ الَّذِي لِلرَّدْعِ إلّا أنَّهُ نَوى الوَقْفَ عَلَيْها فَصارَ ألِفُها كَألِفِ الإطْلاقِ ثُمَّ أُبْدِلَتْ تَنْوِينًا، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ نَوى الوَقْفَ بَلْ أُجْرِيَتِ الألِفُ مَجْرى ألِفِ الإطْلاقِ لِما أنَّ ألِفَ المَبْنى لَمْ يَكُنْ لَها أصْلٌ ولَمْ يَجُزْ أنْ تَقَعَ رَوِيًّا ويُسَمّى هَذا تَنْوِينُ الغالِي وهو يَلْحَقُ الحُرُوفَ وغَيْرَها ويُجامِعُ الألِفَ واللّامَ كَقَوْلِكَ:
أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَنْ وقَوْلِي إنْ أصَبْتُ لَقَدْ أصابَنْ
ولَيْسَ هَذا مِثْلَ (قَوارِيرًا) كَما لا يَخْفى خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ. وفي مُحْتَسَبِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ (كَلًّا) مَصْدَرٌ مِن كَلَّ السَّيْفُ إذا نَبا وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، والتَّقْدِيرُ هُنا كُلُّ هَذا الرَّأْيِ والِاعْتِقادِ كَلّا، والمُرادُ ضَعُفَ ضَعْفًا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ حَمَلُوا (كَلًّا) ويُقالُ نَظِيرُ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِآلِهَةٍ، والمُرادُ بِهِ الثَّقِيلُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، والإفْرادُ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصْدَرِ وهو كَما تَرى، والأوْفَقُ بِالمَعْنى ما تَقَدَّمَ وإنْ قِيلَ فِيهِ تَعَسُّفٌ لَفْظِيٌّ وإنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إثْباتُ التَّنْوِينِ خَطَأٌ كَما في أمْثالِ ذَلِكَ.
وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ أبِي نَهِيكٍ أنَّهُ قَرَأ ( كُلًّا ) بِضَمِّ الكافِ والتَّنْوِينِ وهي عَلى هَذا مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (سَيَكْفُرُونَ) عَلى أنَّهُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ نَحْوَ: زَيْدًا مَرَرْتُ بِهِ أيْ يَجْحَدُونَ كُلًّا أيْ عِبادَةَ كُلٍّ مِنَ الآلِهَةِ فَفِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقَدْ لا يُقَدَّرُ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (كُلٌّ) بِضَمِّ الكافِ والرَّفْعِ وهو عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ.
والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ.
19:83–84Page 311
أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣
Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?
فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤
So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1
﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ قَيْضَناهم وجَعَلْناهم قُرَناءَ لَهم مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ أوْ سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ ومَكَّنّاهم مِن إضْلالِهِمْ ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ تُغْرِيهِمْ وتُهَيِّجُهم عَلى المَعاصِي تَهْيِيجًا شَدِيدًا بِأنْواعِ التَّسْوِيلاتِ والوَساوِسِ فَإنَّ الأزَّ والهَزَّ والِاسْتِفْزازَ أخَواتٌ مَعْناها شِدَّةُ الإزْعاجِ، وجُمْلَةُ ( تَؤُزُّهم ) إمّا حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الشَّياطِينِ أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا تَفْعَلُ الشَّياطِينُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ تَؤُزُّهم إلَخْ. والمُرادُ مِنَ الآيَةِ تَعْجِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ السّابِقَةُ الكَرِيمَةُ
صفحة 135
مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ إلى هُنا وحَكَتْهُ عَنْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الغُواةِ والمَرَدَةِ العُتاةِ مِن فُنُونِ القَبائِحِ مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ والتَّمادِي في الغَيِّ والِانْهِماكِ في الضَّلالِ والإفْراطِ في العِنادِ والتَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يُلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ والإجْماعُ عَلى مُدافَعَةِ الحَقِّ بَعْدَ إيضاحِهِ وانْتِفاءِ الشِّرْكِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ وتَنْبِيهٍ عَلى أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِإضْلالِ الشَّياطِينِ وإغْوائِهِمْ لا لِأنَّ هُناكَ قُصُورًا في التَّبْلِيغِ أوْ مُسَوِّغًا في الجُمْلَةِ، وفِيها تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهي تَذْيِيلٌ لِتِلْكَ الآياتِ لِما ذُكِرَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنها تَعْجِيبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إرْسالِ الشَّياطِينِ عَلَيْهِمْ كَما يُوهِمُهُ تَعْلِيقُ الرُّؤْيَةِ بِهِ بَلْ مِمّا ذُكِرَ مِن أحْوالِهِمْ مِن حَيْثُ كَوْنُها مِن آثارِ إغْواءِ الشَّياطِينِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ بِأنْ يَهْلَكُوا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِناياتُهم ويَبِيدَ عَنْ آخِرِهِمْ وتَطْهُرَ الأرْضُ مِن خَباثاتِهِمْ، والفاءُ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ ما قَبْلَها مَظِنَّةَ الوُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ مُحَوِّجَةً إلى النَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ النَّهْيِ بِبَيانِ اقْتِرابِ هَلاكِهِمْ فَإنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا أيّامٌ وأنْفاسٌ نَعُدُّها عَدًّا أيْ قَلِيلَةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ ولا يُنافِي هَذا ما مَرَّ مِن أنَّهُ يُمَدُّ لِمَن كانَ في الضَّلالَةِ أيْ يَطُولُ لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِظاهِرِ الحالِ عِنْدَهم وهو قَلِيلٌ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ وعِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ التَّعْلِيلَ بِما ذُكِرَ دَلَّ أنَّ أنْفاسَهم وأيّامَهم تَنْتَهِي بِانْتِهاءِ العَدِّ ولا شَكَّ أنَّها عَلى كَثْرَتِها يَسْتَوْفِي إحْصاؤُها في سُرْعَةٍ، فَعَبَّرَ بِهَذا المَعْنى عَنِ القَلِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَ هَلاكِهِمْ إلّا أيّامٌ مَحْصُورَةٌ وأنْفاسٌ مَعْدُودَةٌ كَأنَّها في سُرْعَةٍ تَقْضِيها السّاعَةُ الَّتِي تُعَدُّ فِيها لَوْ عُدَّتْ، وهَذا لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى أنَّ كُلَّ ما يُعَدُّ فَهو قَلِيلٌ انْتَهى، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وهَذا أبْعَدُ مَغْزًى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ بَكى وقالَ: آخِرُ العَدَدِ خُرُوجُ نَفَسِكَ آخِرُ العَدَدِ فِراقُ أهْلِكَ آخِرُ العَدَدِ دُخُولُ قَبْرِكَ، وعَنِ ابْنِ السَّمّاكِ أنَّهُ كانَ عِنْدَ المَأْمُونِ فَقَرَأها فَقالَ: إذا كانَتِ الأنْفاسُ بِالعَدَدِ ولَمْ يَكُنْ لَها مَدَدٌ فَما أسْرَعَ ما تَنْفَدُ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
إنَّ الحَبِيبَ مِنَ الأحْبابِ مُخْتَلِسٌ لا يَمْنَعُ المَوْتَ بَوّابٌ ولا حَرَسُ
وكَيْفَ يَفْرَحُ بِالدُّنْيا ولَذَّتِها ∗∗∗ فَتًى يُعَدُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ والنَّفْسُ
وقِيلَ: المُرادُ إنَّما نَعُدُّ أعْمالَهم لِنُجازِيَهم عَلَيْها
19:85Page 311
يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥
On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ أيْ رُكْبانًا كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في صِفَةِ الجَنَّةِ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طُرُقٍ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلِ الوَفْدُ إلّا الرَّكْبُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ( والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمُ اسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ وعَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ شُرُكُ نِعالِهِمْ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنها مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ ويَنْتَهُونَ إلى بابِ الجَنَّةِ» ) الحَدِيثَ، وهَذِهِ النُّوقُ مِنَ الجَنَّةِ كَما صُرِّحَ بِهِ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الإمامِ أحْمَدَ، وغَيْرُهُ مَوْقُوفًا عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
ورُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ.
ويُرْوى أنَّهُ يَرْكَبُ كُلٌّ مِنهم ما أحَبَّ مِن إبِلٍ أوْ خَيْلٍ أوْ سُفُنٍ تَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وأصْلُ الوَفْدِ جَمْعُ وافِدٍ كالوُفُودِ والأوْفادِ، والوَفْدُ مِن وفَدَ إلَيْهِ وعَلَيْهِ يَفِدُ وفْدًا ووُفُودًا ووِفادَةً وإفادَةً قَدِمَ ووَرَدَ.
صفحة 136
وفِي النِّهايَةِ الوَفْدُ هُمُ القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ ويَرِدُونَ البِلادَ واحِدُهم وافْدٌ وكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الأُمَراءَ لِزِيارَةٍ واسْتِرْفادٍ وانْتِجاعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ الرّاغِبُ: الوَفْدُ والوُفُودُ هُمُ الَّذِينَ يَقْدِمُونَ عَلى المُلُوكِ مُسْتَنْجِزِينَ الحَوائِجَ، ومِنهُ الوَفْدُ مِنَ الإبِلِ وهو السّابِقُ لِغَيْرِها، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هو المَشْهُورُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ لَفْظَةَ الوَفْدِ مُشْعِرَةٌ بِالإكْرامِ والتَّبْجِيلِ حَيْثُ آذَنَتْ بِتَشْبِيهِ حالَةِ المُتَّقِينَ بِحالَةِ وُفُودِ المُلُوكِ، ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الوِفادَةِ مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ الِانْصِرافَ مِنَ المَوْفُودِ عَلَيْهِ والمُتَّقُونَ مُقِيمُونَ أبَدًا في ثَوابِ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ. والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إلى كَرامَةِ الرَّحْمَنِ أوْ ثَوابِهِ وهو الجَنَّةُ أوْ إلى دارِ كَرامَتِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الحَشْرُ إلى الرَّحْمَنِ إيذانًا بِأنَّهم يُجْمَعُونَ مِن أماكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ وأقْطارٍ شاسِعَةٍ إلى مَن يَرْحَمُهم. قالَ القاضِي: ولِاخْتِيارِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ السُّورَةِ شَأْنٌ، ولَعَلَّهُ أنَّ مَساقَ الكَلامِ فِيها لِتَعْدادِ النِّعَمِ الجِسامِ وشَرْحِ حالِ الشّاكِرِينَ لَها والكافِرِينَ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى رَبِّهِمُ الَّذِي غَمَرَهم مِن قَبْلُ بِرَحْمَتِهِ وشَمَلَهم بِرَأْفَتِهِ وحاصِلِهِ يَوْمَ نَحْشُرُهم إلى مَن عَوَّدَهُمُ الرَّحْمَةَ، وفي ذَلِكَ مِن عَظِيمِ البِشارَةِ ما فِيهِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences