Al-AlusiAl‑Baqarah · 2:246–248

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:246–248

2:246Page 40

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ المَلَأُ مِنَ القَوْمِ: وُجُوهُهم وأشْرافُهُمْ، وهو اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وأصْلُ البابِ الِاجْتِماعُ فِيما لا يَحْتَمِلُ المَزِيدَ، وإنَّما سُمِّيَ الأشْرافُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ هَيْبَتَهم تَمْلَأُ الصُّدُورَ، أوْ لِأنَّهم يَتَمالَئُونَ؛ أيْ: يَتَعاوَنُونَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، و( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وقَعَ حالًا مِنَ المَلَإ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ أيْ: مِن بَعْدِ وفاتِهِ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ و( مِن ) لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ما قَبْلَهُ، ولا يَضُرُّ اتِّحادُ الحَرْفَيْنِ لَفْظًا؛ لِاخْتِلافِهِما مَعْنًى ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو أشْمَوِيلُ بْنُ حَنَّةَ بْنِ العاقِرِ، وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُ شَمْعُونُ، وقالَ قَتادَةُ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ لِمَكانِ مَن بَعُدَ مِن قَبْلُ، وهي ظاهِرَةٌ في الِاتِّصالِ، ورَدَّ بِأنْ يُوشَعَ هَذا فَتى مُوسى _ عَلَيْهِما السَّلامُ _ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ داوُدَ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ، والِاتِّصالُ غَيْرُ لازِمٍ، و( إذْ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ( ألَمْ تَرَ ) قِصَّةَ المَلَإ أوْ حَدِيثَهم حِينَ قالُوا: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ: أقِمْ لَنا أمِيرًا، وأصْلُ البَعْثِ إرْسالُ المَبْعُوثِ مِنَ المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِهِ، يُقالُ: بُعِثَ البَعِيرُ مِن مَبْرَكِهِ: إذا أثارَهُ، وبَعَثْتَهُ في السَّيْرِ: إذا هَيَّجْتَهُ، وبَعَثَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ: إذا أحْياهُ، وضُرِبَ البَعْثُ عَلى الجُنْدِ: إذا أُمِرُوا بِالِارْتِحالِ

صفحة 165

﴿نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَجْذُومٌ بِالأمْرِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيِ: ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، أوْ مُسْتَأْنِفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا تَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ؟ فَأُجِيبَ: نُقاتِلُ، وقُرِئَ: يُقاتِلْ بِالياءِ مَجْزُومًا ومَرْفُوعًا عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ والوَصْفِ لِـ ( مَلِكًا )، وسَبَبُ طَلَبِهِمْ ذَلِكَ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ: أنَّهُ لَمّا ماتَ مُوسى خَلَفَهُ يُوشَعُ؛ لِيُقِيمَ فِيهِمْ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، ويَحْكُمَ بِالتَّوْراةِ، ثُمَّ خَلَفَهُ كالِبُ كَذَلِكَ، ثُمَّ حِزْقِيلُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إلْياسُ كَذَلِكَ، ثُمَّ اليَسَعُ كَذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهم عَدُوٌّ وهُمُ العَمالِقَةُ قَوْمُ جالُوتَ، وكانُوا سُكّانَ بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، وظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وغَلَبُوا عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ، وأسَرُوا مِن أبْناءِ مُلُوكِهِمْ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ، وضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ، وأخَذُوا تَوْراتَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ لَهم نَبِيٌّ إذْ ذاكَ يُدَبِّرُ أمْرَهُمْ، وكانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ قَدْ هَلَكُوا إلّا امْرَأةً حُبْلى، فَوَلَدَتْ غُلامًا فَسَمَّتْهُ أشْمَوِيلَ، ومَعْناهُ: إسْماعِيلُ، وقِيلَ: شَمْعُونُ، فَلَمّا كَبِرَ سَلَّمَتْهُ التَّوْراةَ وتَعَلَّمَها في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَلَهُ شَيْخٌ مِن عُلَمائِهِمْ، فَلَمّا كَبِرَ نَبَّأهُ اللَّهُ تَعالى، وأرْسَلَهُ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا؛ فابْعَثْ لَنا مَلِكًا الآيَةَ، وكانَ قِوامُ أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِالِاجْتِماعِ عَلى المُلُوكِ، وطاعَةِ أنْبِيائِهِمْ، وكانَ المَلِكُ هو الَّذِي يَسِيرُ بِالجُمُوعِ، والنَّبِيُّ هو الَّذِي يُقِيمُ أمْرَهُ، ويُرْشِدُهُ، ويُشِيرُ عَلَيْهِ ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾ عَسى مِنَ النَّواسِخِ، وخَبَرُها ( أنْ لا تُقاتِلُوا ) وفُصِلَ بِالشَّرْطِ اعْتِناءً بِهِ، والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا كَما أتَوَقَّعُهُ مِنكُمْ، والمُرادُ: تَقْرِيرُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ وتَثْبِيتُهُ عَلى ما قِيلَ، واعْتُرِضَ بِأنْ عَسَيْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا مَعْناهُ: تَوَقُّعُ عَدَمِ القِتالِ، و( هَلْ ) لا يُسْتَفْهَمُ بِها إلّا عَمّا دَخَلَتْهُ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ التَّوَقُّعِ لا المُتَوَقَّعِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَقْرِيرِ الِاسْتِفْهامِ أنَّ المُتَوَقَّعَ ثابِتٌ، بَلْ إنَّ التَّوَقُّعَ كائِنٌ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ؟! وأُجِيبُ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ دَخَلَ عَلى جُمْلَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى تَوَقُّعٍ ومُتَوَقَّعٍ، ولا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يُسْتَفْهَمُ عَنْ تَوَقُّعِهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عَنِ المُتَوَقَّعِ، ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ؛ كانَ المُرادُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ، وقِيلَ: لَمّا كانَتْ عَسى لِإنْشاءِ التَّوَقُّعِ، ولا تَخْرُجُ عَنْهُ؛ جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ مُتَوَجِّهًا إلى المُتَوَقَّعِ، وهو الخَبَرُ الَّذِي هو مَحَلُّ الفائِدَةِ، فَقَرَّرَهُ وثَبَّتَهُ، وكَوْنُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ يَلِي الهَمْزَةَ لَيْسَ أمْرًا كُلِّيًّا، وقِيلَ: إنَّ عَسى لَيْسَتْ مِنَ النَّواسِخِ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى قارَبَ، وأنَّ وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لَها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّها خَبَرٌ لا إنْشاءَ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِدُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها، ووُقُوعِها خَبَرًا في قَوْلِهِ:

لا تُكْثِرَنْ إنِّي عَسَيْتُ صائِمًا

ولا يَخْفى ما فِيهِ، وإنَّما ذُكِرَ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ كِتابَةُ القِتالِ دُونَ ما التَمَسُوهُ، مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ تَعَلُّقًا بِكَلامِهِمْ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ، فَإنَّهم إذا لَمْ يُقاتِلُوا عِنْدَ فَرْضِيَّةِ القِتالِ عَلَيْهِمْ، بِإيجابِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلَأنْ لا يُقاتِلُوا عِنْدَ عَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ أوْلى، ولِأنَّ ما ذَكَرُوهُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ سَبَبَ تَخَلُّفِهِمْ هو المَبْعُوثُ، لا نَفْسَ القِتالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أقامَ هَذا مَقامَ ذَلِكَ؛ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ البَعْثَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ القِتالُ إذا وقَعَ فَإنَّما يَقَعُ عَلى وجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لِلْفَرْضِيَّةِ، وقُرِئَ: عَسِيتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، ﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: ما الدّاعِي لَنا إلى أنْ لا نُقاتِلَ؟ أيْ: إلى تَرْكِ القِتالِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( لَنا )، أوْ بِهِ نَفْسِهِ، وهو خَبَرٌ عَنْ ( ما )، ودَخَلَتِ الواوُ لِتَدُلَّ عَلى رَبْطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ حُذِفَتْ لَجازَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: عَدَمُ القِتالِ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنّا، وما لَنا أنْ لا نُقاتِلَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ تَحاشِيًا عَنْ مُشافَهَةِ نَبِيِّهِمْ بِما هو ظاهِرٌ في رَدِّ كَلامِهِ، والشّائِعُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ: ما لَنا نَفْعَلُ أوْ لا نَفْعَلُ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ، ولَمّا مَنَعَ مِن ذَلِكَ هُنا أنَّ المَصْدَرِيَّةَ إذْ لا تُوافِقُهُ التُزِمَ فِيهِ ما التُزِمَ،والأخْفَشٌ ادَّعى

صفحة 166

زِيادَةَ ( أنْ ) وأنَّ العَمَلَ لا يُنافِيها، والجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِ، كَما في الشّائِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الواوِ، ويُؤَوَّلُ إلى: ما لَنا ولِأنْ لا نُقاتِلَ؛ كَقَوْلِكَ: إيّاكَ وأنْ تَتَكَلَّمَ، وقَدْ يُقالُ: إيّاكَ أنْ تَتَكَلَّمَ، والمَعْنى عَلى الواوِ، وقِيلَ: إنَّ ما هُنا نافِيَةٌ؛ أيْ: لَيْسَ لَنا تَرْكُ القِتالِ ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ ( نُقاتِلَ ) والغَرَضُ الإخْبارُ بِأنَّهم يُقاتِلُونَ لا مَحالَةَ، إذْ قَدْ عَرَضَ لَهم ما يُوجِبُ المُقاتَلَةَ إيجابًا قَوِيًّا، وهو الإخْراجُ عَنِ الأوْطانِ، والِاغْتِرابُ مِنَ الأهْلِ والأوْلادِ، وإفْرادُ الأبْناءِ بِالذِّكْرِ؛ لِمَزِيدِ تَقْوِيَةِ أسْبابِ القِتالِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الدِّيارِ، وفِيهِ حَذْفُ مُضافٍ عِنْدَ أبِي البَقاءِ؛ أيْ: ومِن بَيْنِ أبْنائِنا، وقِيلَ: لا حَذْفَ، والعَطْفُ عَلى حَدِّ

عَلَّقْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا

وفِي الكَلامِ إسْنادُ ما لِلْبَعْضِ لا لِلْكُلِّ، إذِ المُخْرَجُ بَعْضُهم لا كُلُّهُمْ

﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ بَعْدَ سُؤالِ النَّبِيِّ وبَعْثِ المَلِكِ؛ ﴿تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا وضَيَّعُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنْ لا في ابْتِداءِ الأمْرِ، بَلْ بَعْدَ مُشاهَدَةِ كَثْرَةِ العَدُوِّ وشَوْكَتِهِ، كَما سَيَجِيءُ، وإنَّما ذُكِرَ هَهُنا مَآلُ أمْرِهِمْ إجْمالًا؛ إظْهارًا لِما بَيْنَ قَوْلِهِمْ وفِعْلِهِمْ مِنَ التَّنافِي والتَّبايُنِ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ جاوَزُوا النَّهْرَ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشْرَةَ عِدَّةَ أهْلِ بَدْرٍ، عَلى ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنِ البَراءِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ والقِلَّةُ إضافِيَّةٌ، فَلا يَرِدُ وصْفُ هَذا العَدَدِ أحْيانًا بِأنَّهُ جَمٌّ غَفِيرٌ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ومِنهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالتَّوَلِّي عَنِ القِتالِ وتَرْكِ الجِهادَ، وتَنافَتْ أقْوالُهم وأفْعالُهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أُرِيدَ مِنها الوَعِيدُ عَلى ذَلِكَ.

2:247Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧

And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ؛ أيْ: قالَ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ لَهم ما أُوحِيَ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ يُدَبِّرُ أمْرَكُمْ، وتُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ في القِتالِ، و( طالُوتَ ) فِيهِ قَوْلانِ؛ أظْهَرُهُما: أنَّهُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ عِبْرِيٌّ كَداوُدَ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ الطُّولِ، وأصْلُهُ: طَوَلُوتٌ كَرَهَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ؛ فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ومُنِعَ صَرْفُهُ حِينَئِذٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ، وأمّا ادِّعاءُ العَدْلِ عَنْ طَوِيلٍ والقَوْلُ بِأنَّهُ عِبْرانِيٌّ وافَقَ العَرَبِيَّ؛ فَتَكَلُّفٌ، و( مَلِكًا ) حالٌ مِن ( طالُوتَ )، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ نَبِيَّهم لَمّا دَعا رَبَّهُ أنْ يُمَلِّكَهم أتى بِعَصا يُقاسُ بِها مَن يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ، وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أنَّهُ لَمّا دَعا اللَّهَ تَعالى؛ قالَ لَهُ: انْظُرِ القَرْنَ الَّذِي فِيهِ الدُّهْنُ في بَيْتِكَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي فِيهِ فَهو مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ، فادْهِنْ رَأْسَهُ مِنهُ، ومَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ، فَأقامَ يَنْتَظِرُ مَتى يَدْخُلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ، وكانَ طالُوتُ رَجُلًا دَبّاغًا يَعْمَلُ الأُدُمَ، وقِيلَ: كانَ سَقّاءً، وكانَ مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نُبُوَّةٌ ولا مُلْكٌ، فَخَرَجَ طالُوتُ في ابْتِغاءِ دابَّةٍ لَهُ ضَلَّتْ، ومَعَهُ غُلامٌ، فَمَرّا بِبَيْتِ النَّبِيِّ، فَقالَ غُلامُ طالُوتَ لَهُ: لَوْ دَخَلْتَ بِنا عَلى هَذا النَّبِيِّ فَسَألْناهُ عَنْ أمْرِ دابَّتِنا؛ فَيُرْشِدَنا ويَدْعُوَ لَنا فِيها بِخَيْرٍ، فَقالَ طالُوتُ: ما بِما قُلْتَ مِن بَأْسٍ، فَدَخَلا عَلَيْهِ، فَبَيْنَما هو عِنْدَهُ يَذْكُرُ لَهُ شَأْنَ دابَّتِهِ، ويَسْألُهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ إذْ نَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي في القَرْنِ، فَقامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ فَأخَذَهُ، ثُمَّ قالَ لِطالُوتَ: قَرِّبْ رَأْسَكَ، فَقَرَّبَهُ فَدَهَنَهُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: أنْتَ مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى أنْ أُمَلِّكَكَ عَلَيْهِمْ، فَجَلَسَ عِنْدَهُ وقالَ النّاسُ: مُلِّكَ طالُوتُ، فَأتَتْ عُظَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيَّهم مُسْتَغْرِبِينِ ذَلِكَ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ ولا المُلْكِ

﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ، أوْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؟ والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ أوْ لِلتَّعَجُّبِ،

صفحة 167

لا لِتَكْذِيبِ نَبِيِّهِمْ، والإنْكارِ عَلَيْهِ في رَأْيٍ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ المُلْكِ، و( يَكُونُ ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ، فَيَكُونَ الخَبَرُ ( لَهُ )، و( عَلَيْنا ) حالٌ مِنَ المُلْكِ، أوِ الخَبَرُ ( عَلَيْنا )، و( لَهُ ) حالٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التّامَّةَ، فَيَكُونَ ( لَهُ ) مُتَعَلِّقًا بِها، و(عَلَيْنا ) حالٌ ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ الواوُ الأُولى حالِيَّةٌ، والثّانِيَةُ عاطِفَةٌ جامِعَةٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ؛ أيْ: كَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْنا؟ والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَّمَلُّكَ؛ لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ مِنهُ، ولِعَدَمِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المُلْكُ مِنَ المالِ، أوْ لِعَدَمِ ما يَجْبُرُ نَقْصَهُ لَوْ كانَ، ويُلْحِقُهُ بِالأشْرافِ عُرْفًا مِن ذَلِكَ، وأصْلُ سَعَةٍ وُسْعَةٌ بِالواوِ، وحُذِفَتْ لِحَذْفِها مِن ( يَسَعُ )، وكانَ حَقُّ الفِعْلِ كَسْرَ السِّينِ فِيهِ؛ لِيَتَأتّى الحَذْفُ كَما في ( يَعِدُ )، وإنَّما ارْتُكِبَ الفَتْحُ لِحَرْفِ الحَلْقِ، فَهو عارِضٌ؛ ولِذا أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الكَسْرَةِ؛ ولِذَلِكَ الفَتْحِ فُتِحَتِ السِّينُ في المَصْدَرِ، ولَمْ تُكْسَرْ كَما كُسِرَتْ عَيْنُ عِدَةٍ

﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأبْلَغِ وجْهٍ وأكْمَلِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَبْعِدُوا تَمَلُّكَهُ عَلَيْكم لِفَقْرِهِ وانْحِطاطِ نَسَبِهِ عَنْكُمْ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ مَلاكَ الأمْرِ هو اصْطِفاءُ اللَّهِ تَعالى، وقَدِ اصْطَفاهُ واخْتارَهُ وهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِالمَصالِحِ لَكُمْ، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ العُمْدَةَ وُفُورُ العِلْمِ؛ لِيُتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ الأُمُورِ السِّياسِيَّةِ، وجَسامَةُ البَدَنِ؛ لِيَكُونَ أعْظَمَ خَطَرًا في القُلُوبِ، وأقْوى عَلى كِفاحِ الأعْداءِ، ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ، لا ما ذَكَرْتُمْ، وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِحَظٍّ وافِرٍ مِنهُما، وأما ثالِثًا: فَلِأنَّهُ تَعالى مالِكُ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، ولِلْمالِكِ أنْ يُمَكِّنَ مَن شاءَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ بِإذْنِهِ، وأما رابِعًا: فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ واسِعُ الفَضْلِ، يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ فَيُغْنِيَهِ، عَلِيمٌ بِما يَلِيقُ بِالمُلْكِ مِنَ النَّسِيبِ وغَيْرِهِ، وفي تَقْدِيمِ البَسْطَةِ في العِلْمِ عَلى البَسْطَةِ في الجِسْمِ إيماءٌ إلى أنَّ الفَضائِلَ النَّفْسانِيَّةَ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ الفَضائِلِ الجُسْمانِيَّةِ، بَلْ يَكادُ لا يَكُونُ بَيْنَهُما نِسْبَةٌ، لا سِيَّما ضَخامَةُ الجِسْمِ؛ ولِهَذا حَمَلَ بَعْضُهُمُ البَسْطَةَ فِيهِ هُنا عَلى الجَمالِ أوِ القُوَّةِ، لا عَلى المِقْدارِ كَطُولِ القامَةِ، كَما قِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ القائِمَ كانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتّى يَنالَ رَأْسَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَمالًا لَكانَ أحَقُّ الخَلْقِ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ _ ﷺ _، مَعَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجالِ،» ولَعَلَّ ذِكْرَ ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ تَزِيدُ المَلِكَ المَطْلُوبَ لِقِتالِ العَمالِقَةِ حُسْنًا؛ لِأنَّهم كانُوا ضِخامًا ذَوِي بَسْطَةٍ في الأجْسامِ، وكانَ ظِلُّ مَلِكِهِمْ جالُوتَ مِيلًا عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ، لا أنَّها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي عُمْدَةٌ في المُلُوكِ مِن حَيْثُ هُمْ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَحَقَّقَ أنَّ المَرْءَ بِأصْغَرَيْهِ لا بِكِبَرِ جِسْمِهِ وطُولِ بُرْدَيْهِ

وفِي اخْتِيارِ واسِعٌ وعَلِيمٌ في الإخْبارِ عَنْهُ تَعالى هُنا مَن حُسْنِ المُناسِبَةِ لِبَسْطَةِ الجِسْمِ، وكَثْرَةِ العِلْمِ ما تَهْتَشُّ لَهُ الخَواطِرُ، لا سِيَّما عَلى ما يَتَبادَرُ مِن بَسْطَةِ الجِسْمِ، وقِدَمِ الوَصْفِ الأوَّلِ، مَعَ أنَّ ما يُناسِبُهُ ظاهِرًا مُؤَخَّرٌ؛ لِأنَّ لَهُ مُناسَبَةَ مَعْنًى لِأوَّلِ الأخْبارِ؛ إذِ الِاصْطِفاءُ مِن سِعَةِ الفَضْلِ أيْضًا، ولِأنَّ ( عَلِيمٌ ) أوْفَقُ بِالفَواصِلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ

2:248Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨

And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."

﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مِثْلِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وكانَ تَوْسِيطُ ما تَقَدَّمَ بَيْنَهُما؛ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اتِّصالِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وتَخَلُّلِ كَلامٍ مِن جِهَةِ المُخاطَبِينَ، مُتَفَرِّعٍ عَلى السّابِقِ، مُسْتَتْبَعٍ لِلْأحَقِّ، ورِواياتُ القَصّاصِ مُتَظافِرَةٌ عَلى أنَّهم قالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ما آيَةُ مُلْكِهِ واصْطِفائِهِ عَلَيْنا؟ فَقالَ: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهم ذَلِكَ مَذْكُورًا لِيَقَعَ هَذا جَوابًا لَهُ صَراحَةً؛ أعادَ الفاعِلَ لِيُغايِرَ ما عُلِمَ صَراحَةً كَوْنُهُ جَوابًا، وإنَّما لَمْ يُجْرِ ذَلِكَ المَجْرى بِأنْ يَذْكُرَ مَقُولَهُمْ، ويَكُونَ هَذا جَوابًا لَهُ، ويَكْتَفِيَ بِالإضْمارِ كَما اكْتَفى بِهِ أوَّلًا؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ لِلنَّبِيِّ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ لَهُ، وبَيانِهِ لَهم ما اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ، مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَتّى يُجابَ؛ لِأنَّ لَهُ شَبَهًا تامًّا بِالتَّعَنُّتِ حِينَئِذٍ، وإنْ عُدَّ مِن بابِ

صفحة 168

السُّؤالِ لِتَقْوِيَةِ العِلْمِ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا مُؤْمِنِينَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِهِ حِينَئِذٍ، فَعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ هَذا النَّبِيَّ كانَ قَدْ كَفَلَهُ شَيْخٌ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْعَثَهُ نَبِيًّا؛ أتاهُ جِبْرِيلُ وهو غُلامٌ نائِمٌ إلى جَنْبِ الشَّيْخِ، وكانَ لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَدَعاهُ بِلَحْنِ الشَّيْخِ، فَقامَ فَزِعًا إلى الشَّيْخِ، فَقالَ: يا أبَتاهُ، دَعَوْتَنِي؟ فَكَرِهَ الشَّيْخُ أنْ يَقُولَ لا فَيَفْزَعَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ، ارْجِعْ فَنَمْ، فَرَجَعَ فَنامَ، فَدَعاهُ الثّانِيَةَ فَأتاهُ الغُلامُ أيْضًا، فَقالَ: دَعَوْتَنِي؟ فَقالَ: ارْجِعْ فَنَمْ، فَإنْ دَعَوْتُكَ الثّالِثَةَ فَلا تُجِبْنِي، فَلَمّا كانَتِ الثّالِثَةُ ظَهَرَ لَهُجِبْرِيلُ، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى قَوْمِكَ فَبَلِّغْهم رِسالَةَ رَبِّكَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا، فَلَمّا أتاهم كَذَّبُوهُ، وقالُوا: اسْتَعْجَلْتَ بِالنُّبُوَّةِ ولَمْ يَأْنِ لَكَ، وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فابْعَثْ لَنا مَلِكًا، ثُمَّ جَرى ما جَرى، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ فَقالُوا: ما كُنْتَ قَطُّ أكْذَبَ مِنكَ السّاعَةَ، واعْتَرَضُوا وأُجِيبُوا، ثُمَّ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِنا بِآيَةٍ أنَّ هَذا مَلِكٌ، فَقالَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ المُصَرَّحُ بِهِ في الآيَةِ، وكَذا الطَّلَبُ المَرْمُوزُ إلَيْهِ فِيها صادِرًا عَنْ إنْكارٍ، وعَدَمِ إيقانٍ، ووَجْهُ تَرْكِ ذِكْرِ سُؤالِهِمْ حِينَئِذٍ إنْ كانَ الإشارَةُ إلى أنَّ مِن شَأْنِ الأنْبِياءِ الإتْيانَ بِالآياتِ، وإنْ لَمْ تُطْلَبْ مِنهُمْ؛ جَلْيًا لِلشّارِدِ، وتَقْيِيدًا لِلْوارِدِ، ولِيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا هُدًى، والتّابُوتُ الصُّنْدُوقُ، وهو فَعْلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ لِما أنَّهُ لا يَزالُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما يَخْرُجُ مِنهُ، وصاحِبُهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِيما يَحْتاجُهُ مِن مُودِعاتِهِ، فَتاؤُهُ مَزِيدَةٌ كَتاءِ مَلَكُوتٍ، وأصْلُهُ تَوْبُوتٌ؛ فَقُلِبَتِ الواوُ ألْفًا ولَيْسَ بِفاعُولٍ، مِنَ التَّبْتِ؛ لِقِلَّةِ ما كانَ فاؤُهُ ولامُهُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كَسَلِسٍ وقَلِقٍ، وقُرِئَ: تابُوهٌ بِالهاءِ وهي لُغَةُ الأنْصارِ، والأوْلى لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي الَّتِي أمَرَ عُثْمانُ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ بِكِتابَتِها في الإمامِ، حِينَ تَرافَعَ لَدَيْهِ في ذَلِكَ زَيْدٌ وأبانُ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ ووَزْنُهُ حِينَئِذٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فاعُولٌ؛ لِأنَّ شُبْهَةَ الِاشْتِقاقِ لا تُعارِضُ زِيادَةَ الهاءِ وعَدَمِ النَّظِيرِ، وأمّا جَعْلُ الهاءِ بَدَلًا مِنَ التّاءِ لِاجْتِماعِهِما في الهَمْسِ، وأنَّهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإبْدالَ في غَيْرِ تاءِ التَّأْنِيثِ لَيْسَ بِثَبْتٍ، وذَهَب الجَوْهَرِيُّ إلى أنَّ التّاءَ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، وأصْلُهُ عِنْدَهُ تابُوَةٌ مِثْلَ تَرْقُوَةٍ، فَلَمّا سُكِّنَتِ الواوُ انْقَلَبَتْ هاءُ التَّأْنِيثِ تاءً، والمُرادُ بِهِ صُنْدُوقٌ كانَ يَتَبَرَّكُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، فَذَهَبَ مِنهم واخْتُلِفَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ؛ فَقالَ أرْبابُ الأخْبارِ: هو صُنْدُوقٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى آدَمَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فِيهِ تَماثِيلُ الأنْبِياءِ جَمِيعِهِمْ، وكانَ مِن عُودِ الشِّمْشاذِ، نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ، ولَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِن كِرِيمٍ إلى كِرِيمٍ حَتّى وصَلَ إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ إلى بَنِيهِ، ثُمَّ وثُمَّ إلى أنْ فَسَدَ بَنُو إسْرائِيلَ وعَصَوْا بَعْدَ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ العَمالِقَةَ، فَأخَذُوهُ مِنهم فَجَعَلُوهُ في مَوْضِعِ البَوْلِ والغائِطِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَلِّكَ طالُوتَ؛ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ البَلاءَ حَتّى أنَّ كُلَّ مَن أحْدَثَ عِنْدِهِ ابْتُلِيَ بِالبَواسِيرِ، وهَلَكَتْ مِن بِلادِهِمْ خَمْسُ مَدائِنَ، فَعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ اسْتِهانَتِهِمْ بِهِ، فَأخْرَجُوهُ وجَعَلُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ فَأقْبَلا يَسِيرانِ، وقَدْ وكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِما أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَسُوقُونَهُما، حَتّى أتَوْا مَنزِلَ طالُوتَ

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أنَّهُ صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، وكانَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ سُخْطًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَصَوْا بَعْدَ وفاةِ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ فَلَمّا طُلِبَتِ الآيَةُ أتى مِنَ السَّماءِ، والمَلائِكَةُ يَحْفَظُونَهُ، وبَنُو إسْرائِيلَ يُشاهِدُونَ ذَلِكَ حَتّى أنْزَلُوهُ في بَيْتِ طالُوتَ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ أنَّهُ التّابُوتُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى أُمِّ مُوسى، فَوَضَعَتْهُ فِيهِ وألْقَتْهُ في البَحْرِ، وكانَ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ إلى أنْ فَسَدُوا، فَجَعَلُوا يَسْتَخِفُّونَ بِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْ كانَ ما كانَ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ، وأقْرَبُ الأقْوالِ الَّتِي رَأيْتُها أنَّهُ صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، تَغَلَّبَتْ عَلَيْهِ العَمالِقَةُ حَتّى رَدَّهُ اللَّهُ تَعالى، وأبْعَدُها أنَّهُ صُنْدُوقٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ عَلى آدَمَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ وكانَ

صفحة 169

يَتَحاكَمُ النّاسُ إلَيْهِ بَعْدَ مُوسى _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ إذا اخْتَلَفُوا، فَيَحْكُمُ بَيْنَهم ويَتَكَلَّمُ مَعَهم إلى أنْ فَسَدُوا، فَأخَذَهُ العَمالِقَةُ، ولَمْ أرَ حَدِيثًا صَحِيحًا مَرْفُوعًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ يَفْتَحُ قُفْلَ هَذا الصُّنْدُوقِ، ولا فِكْرًا كَذَلِكَ ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ في إتْيانِهِ سُكُونٌ لَكم وطُمَأْنِينَةٌ، فالسَّكِينَةُ مَصْدَرٌ حِينَئِذٍ، أوْ فِيهِ نَفْسِهِ ما تَسْكُنُونَ إلَيْهِ، وهو التَّوْراةُ، وقِيلَ: _ ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ كَما قالَهُ الرّاغِبُ _ صُورَةٌ كانَتْ فِيهِ مِن زَبَرْجَدٍ أوْ ياقُوتٍ، لَها رَأْسٌ وذَنَبٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ وذَنَبِها، وجَناحانِ فَتَئِنُّ فَيُزَفُّ التّابُوتُ نَحْوَ العَدُوِّ وهم يَمْضُونَ مَعَهُ، فَإذا اسْتَقَرَّ ثَبَتُوا وسَكَنُوا ونَزَلَ النَّصْرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ: مِن سُكَيْناتِ رَبِّكُمْ

﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ هي رُضاضُ الألْواحِ، وثِيابُ مُوسى، وعِمامَةُ هارُونَ، وطَسْتٌ مِن ذَهَبٍ، كانَتْ تُغْسَلُ بِهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وكَلِمَةُ الفَرَجِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وآلُهُما أتْباعُهُما أوْ أنْفُسُهُما أوْ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم أبْناءُ عَمِّهِما ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ حالٌ مِنَ التّابُوتِ، والحَمْلُ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ عَلى حَدِّ

حَمَل زَيْدٌ مَتاعِي إلى مَكَّةَ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن إتْيانِ التّابُوتِ، فَهو مِن كَلامِ النَّبِيِّ لِقَوْمِهِ، أوْ إلى نَقْلِ القِصَّةِ وحِكايَتِها، فَهو ابْتِداءُ خِطابٍ مِنهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجِيءَ بِهِ قَبْل تَمامِ القِصَّةِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ، وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطِبِينَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ ونَحْوِهِ ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً كائِنَةً لَكُمْ، دالَّةً عَلى جَعْلِ طالُوتَ مَلِكًا عَلَيْكُمْ، أوْ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ حَيْثُ أخْبَرَ بِما أخْبَرَ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِنَ البَشَرِ، ولا أخْذٍ مِن كِتابٍ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مُصَدِّقِينَ بِتَمْلِيكِهِ عَلَيْكُمْ، أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ، و( إنْ ) شَرْطِيَّةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَةَ الشَّرْطِيَّةِ إذا كانَ المُخاطَبُ مَن تَحَقَّقَ إيمانُهُ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى إذْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском