Al-AlusiAsh‑Shu'ara · 26:131–166

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:131–166

26:131–133Page 372

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١

So fear Allāh and obey me.

وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ ١٣٢

And fear He who provided you with that which you know,

أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ ١٣٣

Provided you with grazing livestock and children

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتْرُكُوا هَذِهِ الأفْعالَ ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أنْفَعُ لَكم ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي تَعْرِفُونَهُ مِنَ النِّعَمِ، فَـ(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ بَدَلَ البَعْضِ - كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ المَعانِي - ووَجْهُهُ عِنْدَهم أنَّ المُرادَ التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، والمَقامُ يَقْتَضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ أوْ ذَرِيعَةً إلى غَيْرِهِ مِنَ الشُّكْرِ بِالتَّقْوى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ﴾ إلَخْ، أوْفى بِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ المُرادِ لِدَلالَتِهِ عَلى النِّعَمِ بِالتَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ إحالَةٍ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ المُعانِدِينَ، فَوِزانُهُ وِزانُ (وجْهُهُ) فِي: (أعْجَبَنِي زَيْدٌ وجْهُهُ) لِدُخُولِ الثّانِي في الأوَّلِ؛ لِأنَّ ( ما تَعْلَمُونَ ) يَشْمَلُ الأنْعامَ وما بَعْدَها مِنَ المَعْطُوفاتِ، ولا يَخْفى ما في التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ مِنَ المُبالَغَةِ، وفي البَحْرِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِأنْعامٍ﴾ - عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ - بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِما تَعْلَمُونَ﴾ وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا أبْدالًا، وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ - وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا - ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ العامِلُ عِنْدَهم إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، انْتَهى.

ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ السَّفاقِسِيِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها ولا مَوْضِعَ لَها، وبَدَأ بِذِكْرِ الأنْعامِ؛ لِأنَّها تَحْصُلُ بِها الرِّياسَةُ والقُوَّةُ عَلى العَدُوِّ، والغِنى الَّذِي لا تَكْمُلُ اللَّذَّةُ بِالبَنِينَ وغَيْرِهِمْ - في الأغْلَبِ - إلّا بِهِ، وهي أحَبُّ الأمْوالِ إلى العَرَبِ، ثُمَّ بِالبَنِينَ؛ لِأنَّهم مُعْيِنُوهم عَلى الحِفْظِ والقِيامِ عَلَيْها، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ وجْهُ قَرْنِهِما،

26:134–135Page 372

وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٣٤

And gardens and springs.

إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣٥

Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."

ووَجْهُ قَرْنِ الجَنّاتِ والعُيُونِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ظاهِرٌ، وكَذا وجْهُ قَرْنِهِما مَعَ الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ، في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ، أيْ: إنِّي أخافُ عَلَيْكم إنْ لَمْ تَتَّقُوا وتَقُومُوا بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَإنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِلْعَذابِ، كَما أنَّ شُكْرَها مُسْتَلْزِمٌ لِزِيادَتِها قالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وعُلِّلَ بِما ذُكِرَ دُونَ اسْتِلْزامِ التَّقْوى لِلزِّيادَةِ؛ لِأنَّ زَوالَ النِّعْمَةِ يُحْزِنُ فَوْقَ ما تَسُرُّ زِيادَتُها، ودَرْءُ المَضارِّ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَنافِعِ.

26:136Page 372

قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ ٱلۡوَٰعِظِينَ ١٣٦

They said, "It is all the same to us whether you advise or are not of the advisors.

﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ فَإنّا لا نَرْعَوِي عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ، قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَلُوا عَنْ (أمْ لَمْ تَعِظِ) الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما في كَلامِهِمْ - عَلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ - مِنِ اسْتِواءِ وعْظِهِ وعَدَمِهِ، والعَدَمُ الصَّرْفُ البَلِيغُ وهو عَدَمُ كَوْنِهِ مِن عِدادِ الواعِظِينَ وجِنْسِهِمْ، وقِيلَ: في وجْهِ المُبالَغَةِ إفادَةُ كانَ الِاسْتِمْرارَ والواعِظِينَ الكُمّالُ واعْتِبارُهُما بِقَرِينَةِ المَقامِ بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ: سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمِ اسْتَمَرَّ انْتِفاءُ كَوْنِكَ مِن زُمْرَةِ مَن يَعِظُ انْتِفاءً كامِلًا بِحَيْثُ لا يُرْجى مِنكَ نَقِيضُهُ، وقالَ في البَحْرِ: إنَّ المُقابَلَةَ بِما ذُكِرَ لِأجْلِ الفاصِلَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ في «وعَظْتَ» وبِالإدْغامِ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ «أوَعَظْتَنا» ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً؛ لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبَقَةٌ والتّاءَ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنها، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ أوْ في المُتَقارِبَيْنِ إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي.

صفحة 112

وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ فَلا يَحْسُنُ، وإذا جاءَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ وجَبَ قَبُولُهُ وإنْ كانَ غَيْرُهُ أفْصَحَ وأقَيْسَ.

26:137–138Page 373

إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣٧

This is not but the custom of the former peoples,

وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨

And we are not to be punished."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما ادَّعَوْهُ مِنَ المُساواةِ، أيْ: ما هَذا الَّذِي جِئْتَنا بِهِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ، يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَدْعُونَ إلَيْهِ، أوْ: ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَمْ يَزَلِ النّاسُ عَلَيْها، أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا مِنَ الآباءِ وغَيْرِهِمْ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ، وقَرَأ أبُو قِلابَةَ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ «خُلْقُ» بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ «خَلْقُ» بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، أيْ: ما هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ وكَذِبُهُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما رَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ «إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ» ويَكُونُ هَذا كَقَوْلِ سائِرِ الكَفَرَةِ: ( أساطِيرُ الأوَّلِينَ ) أوْ: ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ الأوَّلِينَ نَحْيى كَما حَيَّوْا ونَمُوتُ كَما ماتُوا، ومُرادُهم إنْكارُ البَعْثِ والحِسابِ المَفْهُومِ مِن تَهْدِيدِهِمْ بِالعَذابِ، ولَعَلَّ قَوْلَهُمْ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ: عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ أصْرَحُ في ذَلِكَ

26:139–141Page 373

فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

And they denied him, so We destroyed them. Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٤٠

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٤١

Thamūd denied the messengers

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ بِسَبَبِهِ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ هو اسْمٌ عَجَمِيٌّ عِنْدَ بَعْضٍ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ وتُرِكَ صَرْفُهُ؛ لِأنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وهو فَعُولٌ مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ، ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ مَثْمُودٌ ثَمَدَتْهُ النِّساءُ، أيْ قَطَعْنَ مادَّةَ مِائَةِ لِكَثْرَةِ غِشْيانِهِ لَهُنَّ، ومَثْمُودٌ إذا كَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤالُ حَتّى نَفِدَ مادَّةُ مالِهِ، أوْ ما يَبْقى في الجِلْدِ، أوْ ما يَظْهَرُ في الشِّتاءِ ويَذْهَبُ في الصَّيْفِ.

وفِي القامُوسِ: ثَمُودُ قَبِيلَةٌ، ويُصْرَفُ وتُضَمُّ الثّاءُ، وقُرِئَ بِهِ أيْضًا.

وفِي سَبائِكِ الذَّهَبِ أنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ لِأبِي القَبِيلَةِ، ثُمَّ نُقِلَ وجُعِلَ اسْمًا لَها، ووَجْهُ تَأْنِيثِ الفِعْلِ هَنا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: «كَذَّبَتْ عادٌ»وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

26:142–145Page 373

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٤٢

When their brother Ṣāliḥ said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٤٣

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٤

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٥

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ.

26:146Page 373

أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦

Will you be left in what is here, secure [from death],

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يُتْرَكُوا فِيما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ آمِنِينَ عَنْ عَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، فالِاسْتِفْهامُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى السّابِقِ: ﴿أتَبْنُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى اللّاحِقِ: ﴿أتَأْتُونَ﴾ وكَأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ فَأنْكَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ؛ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ في تَخْلِيَتِهِ تَعالى إيّاهم وأسْبابَ نَفْعِهِمْ آمَنِينَ مِنَ العَدُوِّ ونَحْوِهِ، واسْتِدْعاءً لِشُكْرِ ذَلِكَ بِالإيمانِ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا أوْفَقُ في هَذا المَقامِ، وما مَوْصُولَةٌ وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ: أتُتْرَكُونَ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النِّعْمَةِ؟!

26:147–148Page 373

فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ١٤٧

Within gardens and springs

وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ ١٤٨

And fields of crops and palm trees with softened fruit?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ بَدَلٌ مِن (ما هاهُنا) بِإعادَةِ الجارِّ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ إجْمالٌ وتَفْصِيلٌ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ عادٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ(آمِنِينَ) الواقِعِ حالًا ولَيْسَ بِذاكَ، والهَضِيمُ الدّاخِلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ كَأنَّهُ هُضِمَ، أيْ: شُدِخَ.

وسَألَ عَنْهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فَقالَ لَهُ: المُنْضَمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:

دارٌ لِبَيْضاءِ العَوارِضِ طِفْلَةٍ مَهْضُومَةِ الكَشْحَيْنِ رَيّا المِعْصَمِ

صفحة 113

وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

وقِيلَ: هو المُتَدَلِّي لِكَثْرَةِ ثَمَرِهِ، وقِيلَ: هو النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ، ورُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ، فَوَصْفُ الطَّلْعِ بِالهَضِيمِ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، وهو حَقِيقَةُ وصْفٍ لِثَمَرِهِ.

وجَعَلَ بَعْضُهم - عَلى بَعْضِ الأقْوالِ - الطَّلْعَ مَجازًا عَنِ الثَّمَرِ لِأوَّلِهِ إلَيْهِ، والنَّخْلُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ يُذَّكَّرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ويُؤَنَّثُ كَما هُنا، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الإناثُ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ ولَوْ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ.

وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ - مَعَ دُخُولِهِ في الجَنّاتِ - لِفَضْلِهِ عَلى سائِرِ أشْجارِها، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِها غَيْرُهُ مِنَ الأشْجارِ.

26:149Page 373

وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ ١٤٩

And you carve out of the mountains, homes, with skill.

﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ أيْ: أشِرِينَ بَطِرِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ العَلاءِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِنَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: أيْ: حاذِقِينَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الرّاغِبُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: أقْوِياءَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ، والأوْفَقُ بِهِ - عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وعَلى القَوْلِ الثّانِي - كُلٌّ مِنَ الأقْوالِ الباقِيَةِ، وكُلُّها سَواءٌ في ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الفَراهَةَ حَقِيقَةٌ في النَّشاطِ مَجازٌ في غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ تَفْسِيرُهُ بِنَشِطِينَ إذا أُرِيدَ التَّذْكِيرُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وعِيسى والحَسَنُ «تَنْحَتُونَ» بِفَتْحِ الحاءِ، وقُرِئَ «تَنْحاتُونَ» بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ إشْباعًا، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قَرَأ «يَنْحِتُونَ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ وكَسْرِ الحاءِ، وعَنْ أبِي حَيْوَةَ والحَسَنِ - أيْضًا - أنَّهُما قَرَآ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ «فارِهِينَ» بِألِفٍ بَعْدِ الفاءِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ لِما ذَكَرُوا في (حاذِرٍ وحَذِرٍ) وقَرَأ مُجاهِدٌ «مُتَفَرِّهِينَ».

26:150–152Page 373

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٥٠

So fear Allāh and obey me.

وَلَا تُطِيعُوٓاْ أَمۡرَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٥١

And do not obey the order of the transgressors,

ٱلَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ١٥٢

Who cause corruption in the land and do not amend."

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ كَأنَّهُ عَنى بِالخِطابِ جُمْهُورَ قَوْمِهِ وبِالمُسْرِفِينَ كُبَراءَهم وأعْلامَهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ، ونِسْبَةُ الإطاعَةِ إلى الأمْرِ مَجازٌ وهي لِلْآمِرِ حَقِيقَةً، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، وكَوْنُهُ لا يُناسِبُ المَقامَ فِيهِ بَحْثٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإطاعَةُ مُسْتَعارَةً لِلِامْتِثالِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الشَّبَهِ في الإفْضاءِ إلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْهُ لِلُزُومِهِ لَهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، والإسْرافُ تَجاوُزُ الحَدَّ في كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في الإنْفاقِ أشْهَرُ، والمُرادُ بِهِ هُنا زِيادَةُ الفَسادِ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ - عَلى ما قِيلَ - بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ ولَعَلَّ المُرادَ ذَمُّهم بِالضَّلالِ في أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وإضْلالِهِمْ غَيْرَهم بِالدَّعْوَةِ لِذَلِكَ، ولِلْإيماءِ إلى عَدَمِ اخْتِصاصِ شُؤْمِ فِعْلِهِمْ بِهِمْ؛ حَثًّا عَلى امْتِثالِ النَّهْيِ قِيلَ: ( في الأرْضِ ) والمُرادُ بِها أرْضُ ثَمُودَ، وقِيلَ: الأرْضُ كُلُّها، ولَمّا كانَ ( يُفْسِدُونَ ) لا يُنافِي إصْلاحَهم أحْيانًا أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ لِبَيانِ كَمالِ إفْسادِهِمْ وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْهُ إصْلاحٌ أصْلًا.

26:153–154Page 373

قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٥٣

They said, "You are only of those affected by magic.

مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٥٤

You are but a man like ourselves, so bring a sign, if you should be of the truthful."

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ سُحِرُوا كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عُقُولِهِمْ، وقِيلَ: أيْ مِن ذَوِي السِّحْرِ، أيِ: الرِّئَةِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الأناسِيِّ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ عَلى هَذا تَأْكِيدٌ لَهُ، وعَلى الأوَّلِ هو مُسْتَأْنَفٌ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: أنْتَ مَسْحُورٌ؛ لِأنَّكَ بِشْرٌ مِثْلُنا لا تَمَيُّزَ لَكَ عَلَيْنا، فَدَعْواكَ إنَّما هي لِخَلَلٍ في عَقْلِكَ ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ

صفحة 114

عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيها

26:155–156Page 373

قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ١٥٥

He said, "This is a she-camel.1 For her is a [time of] drink, and for you is a [time of] drink, [each] on a known day.

وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥٦

And do not touch her with harm, lest you be seized by the punishment of a terrible day."

﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ﴾ أيْ: بَعْدَما أخْرَجَها اللَّهُ تَعالى بِدُعائِهِ.

رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن صَخْرَةٍ عَيَّنُوها ثُمَّ تَلِدُ سَقْبًا فَقَعَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَذَكَّرُ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ، فَفَعَلَ، فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونَتَجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ﴾ أيْ: نَصِيبٌ مَشْرُوبٌ مِنَ الماءِ كالسِّقْيِ والقِيتِ لِلنَّصِيبِ مِنَ السَّقْيِ والقُوتِ، وكانَ هَذا الشُّرْبُ مِن عَيْنٍ عِنْدَهم.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّ تِلْكَ العَيْنَ أوَّلُ عَيْنٍ نَبَعَتْ في الأرْضِ، وقَدْ فَجَّرَها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ – لِصالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فاقْتَنِعُوا بِشِرْبِكم ولا تُزاحِمُوها عَلى شِرْبِها.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «شُرْبُ» بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ قِسْمَةِ ماءِ نَحْوِ الآبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ كَضَرْبٍ وعَقْرٍ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وُصِفَ اليَوْمُ بِالعِظَمِ لِعِظَمِ ما يَحِلُّ فِيهِ، وهو أبْلَغُ مِن عِظَمِ العَذابِ، وهَذا مِنَ المَجازِ في النِّسْبَةِ، وجَعْلُ (عَظِيمٍ) صِفَةَ (عَذابُ) والجَرَّ لِلْمُجاوَرَةِ نَحْوُ: (هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) لَيْسَ بِشَيْءٍ.

26:157Page 373

فَعَقَرُوهَا فَأَصۡبَحُواْ نَٰدِمِينَ ١٥٧

But they hamstrung her and so became regretful.

﴿فَعَقَرُوها﴾ نُسِبَ العَقْرُ إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ - مَعَ أنَّ عاقِرَها واحِدٌ مِنهُمْ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وكانَ نَسّاجًا عَلى ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّ مِسْطَعًا ألْجَأها إلى مَضِيقٍ في شِعْبٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فَأصابَ رِجْلَها فَسَقَطَتْ، ثُمَّ ضَرَبَها قِدارٌ - لِما رُوِيَ أنْ عاقِرَها قالَ: لا أعْقِرُها حَتّى تَرْضَوْا أجْمَعِينَ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ عَلى المَرْأةِ في خِدْرِها فَيَقُولُ: أتَرْضَيْنَ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، وكَذَلِكَ الصِّبْيانُ فَرَضُوا جَمِيعًا.

وقِيلَ: لِأنَّ العَقْرَ كانَ بِأمْرِهِمْ ومُعاوَنَتِهِمْ جَمِيعًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ خَوْفًا مِن حُلُولِ العَذابِ كَما قالَ جَمْعٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: بَعْدَما عَقَرُوها ﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهُ: (بَعْدَما عَقَرُوها) في حَيِّزِ المَنعِ؛ إذِ الواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا: بِما تَعِدُنا مِنَ المُعْجِزَةِ، أوِ الواوُ حالِيَّةٌ، أيْ: والحالُ أنَّهم طَلَبُوها مِن صالِحٍ ووَعَدُوهُ الإيمانَ بِها عِنْدَ ظُهُورِها، مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ نَدَمُ بَعْضٍ وقَوْلُ بَعْضٍ آخَرَ ذَلِكَ بِإسْنادِ ما صَدَرَ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ لِعَدَمِ نَهْيِهِمْ عَنْهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، أوْ نَدِمُوا كُلُّهم أوَّلًا خَوْفًا ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهم وزالَ خَوْفُهُمْ، أوْ عَلى العَكْسِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهم نَدِمُوا عَلى عَقْرِها نَدَمَ تَوْبَةٍ لَكِنَّهُ كانَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وقِيلَ: لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَلافَوْا ما فَعَلُوا بِالإيمانِ المَطْلُوبِ مِنهم.

وقِيلَ: نَدِمُوا عَلى تَرْكِ سَقَبِها ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهم نَدِمُوا عَلى عَقْرِها لِما فاتَهم بِهِ مِن لَبَنِها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُها أصْدَرَتْهم لَبَنًا ما شاءُوا

26:158–165Page 373

فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٥٨

And the punishment seized them. Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٥٩

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٦٠

The people of Lot denied the messengers

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٦١

When their brother Lot said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٦٢

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٦٣

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٤

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٥

Do you approach males among the worlds1

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المَوْعُودُ، وكانَ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ وكانُوا مِن أصْهارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾

صفحة 115

إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ والذُّكْرانَ جَمْعُ ذَكَرٍ مُقابِلِ الأُنْثى، والظّاهِرُ أنَّ ( مِنَ العالَمِينَ ) مُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ: أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِن أوْلادِ بَنِي آدَمَ عَلى فَرْطِ كَثْرَتِهِمْ وتَفاوُتِ أجْناسِهِمْ وغَلَبَةِ إناثِهِمْ عَلى ذُكْرانِهِمْ، كَأنَّ الإناثَ قَدْ أعْوَزَتْكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ النّاسُ؛ لِأنَّ المَأْتِيَّ الذُّكُورُ مِنهم خاصَّةً، والقَرِينَةُ إيقاعُ الفِعْلِ والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَغْلِيبٍ، وأمّا خُرُوجُ المَلَكِ والجِنِّ فَمِنَ الضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِـ(تَأْتُونَ) أيْ: أتَأْتُونَ مِن بَيْنِ مَن عَداكم مِنَ العالَمِينَ الذُّكْرانَ، لا يُشارِكُكم فِيهِ غَيْرُكُمْ، فالمُرادُ بِالعالَمِينَ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الإتْيانُ، والعالَمُ عَلى هَذا ما يَعْلَمُ بِهِ الخالِقُ سُبْحانَهُ، والجَمْعُ لِلتَّغْلِيبِ، وخُرُوجُ غَيْرِهِ لِما مَرَّ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الحِمارِ والخِنْزِيرِ يَأْتِيانِ الذُّكُورَ في أمْرِ الِاخْتِصاصِ لِلنُّدْرَةِ، أوْ لِإسْقاطِهِما عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعالَمِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي النّاسُ أيْضًا، وإذا قِيلَ بِشُمُولِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ العالَمِينَ تُفِيدُ الآيَةُ أنَّهم أوَّلُ مَن سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ .

26:166Page 374

وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ ١٦٦

And leave what your Lord has created for you as mates? But you are a people transgressing."

﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ لِأجْلِ اسْتِمْتاعِكُمْ، وكَلِمَةُ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ لِلْبَيانِ إنْ أُرِيدَ بِما جِنْسُ الإناثِ، ولَعَلَّ في الكَلامِ حِينَئِذٍ مُضافَيْنِ مَحْذُوفَيْنِ، أيْ: وتَذَرُونَ إتْيانَ فُرُوجِ ما خُلِقَ لَكُمْ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ إنْ أُرِيدَ بِما العُضْوُ المُباحُ مِنَ الأزْواجِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ «ما أصْلَحَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ» وحِينَئِذٍ يُكْتَفى بِتَقْدِيرِ مُضافٍ واحِدٍ، أيْ: وتَذَرُونَ إتْيانَ ما خَلَقَ، ويَكُونُ في الكَلامِ - عَلى ما قِيلَ - تَعْرِيضٌ بِأنَّهم كانُوا يَأْتُونَ نِساءَهم أيْضًا في مُحاشِهِنَّ، ولَمْ يُصَرَّحْ بِإنْكارِهِ كَما صُرِّحَ بِإنْكارِ إتْيانِ الذُّكْرانِ؛ لِأنَّهُ دُونَهُ في الإثْمِ.

وهُوَ عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ حَرامٌ بَلْ كَبِيرَةٌ، وقِيلَ: هو مُباحٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ مَبْسُوطًا عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ .

وقِيلَ: لَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أصْلًا، والمُرادُ ذَمُّهم بِتَرْكِ ما خُلِقَ لَهُمْ، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَضْلًا عَنِ الإتْيانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَعْنى ظاهِرٌ عَلى التَّقْدِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، والعادِي المُتَعَدِّي في ظُلْمِهِ المُتَجاوِزُ فِيهِ الحَدَّ، ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ، وهو إمّا عامٌّ أوْ خاصٌّ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُتَعَدُّونَ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في جَمِيعِ المَعاصِي وهَذا مِن جُمْلَتِها، أوْ مُتَجاوِزُونَ عَنْ حَدِّ الشَّهْوَةِ؛ حَيْثُ زِدْتُمْ عَلى سائِرِ النّاسِ، بَلْ أكْثَرِ الحَيَواناتِ.

وقِيلَ: مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ؛ حَيْثُ ظَلَمْتُمْ بِإتْيانِ ما لَمْ يُخْلَقْ لِلْإتْيانِ وتَرْكِ إتْيانِ ما خُلِقَ لَهُ، وفي البَحْرِ أنَّ

صفحة 116

تَصْدِيرَ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ؛ تَعْظِيمًا لِفِعْلِهِمْ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ لا غَيْرُكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском