Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:58–67
28:58Page 392
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨
And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ خَوْفَهم مِنَ النّاسِ بَيَّنَ أنَّهم أحِقّاءُ بِالخَوْفِ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ أيْ وكَثِيرًا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانَتْ حالُهم كَحالِ هَؤُلاءِ في الأمْنِ وخَفْضِ العَيْشِ والدَّعَةِ حَتّى بَطِرُوا واغْتَرُّوا ولَمْ يَقُومُوا بِحَقِّ النِّعْمَةِ فَدَمَّرْنا عَلَيْهِمْ وخَرَّبْنا دِيارَهم ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾ الَّتِي تَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِكم كَحِجْرِ ثَمُودَ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا حالَ كَوْنِها.
﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ تَدْمِيرِهِمْ ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا زَمانًا قَلِيلًا إذْ لا يَسْكُنُها إلّا المارَّةُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ أوْ إلّا سَكَنًا قَلِيلًا وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ قِلَّةِ السّاكِنِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَسْكُنْها مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ المَساكِنِ أيْ إلّا قَلِيلًا مِنها سُكِنَ وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ مِنهم إذْ لَمْ يَخْلُفْهم أحَدٌ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهم في دِيارِهِمْ وسائِرِ ذاتِ أيْدِيهِمْ، وفي الكَشّافِ أيْ تَرَكْناها عَلى حالٍ لا يَسْكُنُها أحَدٌ أوْ خَرَّبْناها وسَوَّيْناها بِالأرْضِ وهو مُشِيرٌ إلى أنَّ الوِراثَةَ إمّا مُجَرَّدُ انْتِقالِها مِن أصْحابِها وإمّا إلْحاقُها بِما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في البَدْءِ فَكَأنَّهُ رَجَعَ إلى أصْلِهِ ودَخَلَ في عِدادِ خالِصِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما كانَ أوَّلًا وهَذا مَعْنى الإرْثِ، وانْتِصابُ مَعِيشَتَها عَلى التَّمْيِيزِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، أوْ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ بِهِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ، أوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى تَضْمِينِ بَطِرَتْ مَعْنى فِعْلَ مُتَعَدٍّ أيْ كَفَرَتْ مَعِيشَتَها ولَمْ تَرْعَ حَقَّها عَلى مَذْهَبِ أكْثَرِ البَصْرِيِّينَ أوْ عَلى إسْقاطِ (فِي أيْ في مَعِيشَتِها عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، أوْ عَلى الظَّرْفِ نَحْوَ: جِئْتُ خُفُوقَ النَّجْمِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ:
28:59Page 392
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩
And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.
﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ إثْرَ بَيانِ إهْلاكِ القُرى المَذْكُورَةِ أيْ وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أوْ ما كانَ في حُكْمِهِ الماضِي وقَضائِهِ السّابِقِ أنْ يُهْلِكَ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ بَلْ كانَتْ سُنَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يُهْلِكَها ﴿حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها﴾ أيْ في أصْلِها وكَبِيرَتِها الَّتِي تَرْجِعُ تِلْكَ القُرى إلَيْها ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ النّاطِقَةَ بِالحَقِّ ويَدْعُوهم إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وإنَّما لَمْ يُهْلِكْهم سُبْحانَهُ حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ بِأنْ يَقُولُوا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ، وإنَّما كانَ البَعْثُ في أُمِّ القُرى لِأنَّ في أهْلِ البَلْدَةِ الكَبِيرَةِ وكُرْسِيِّ المَمْلَكَةِ ومَحَلِّ الأحْكامِ فِطْنَةً وكَيْسًا فَهم أقْبَلُ لِلدَّعْوَةِ وأشْرَفُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ أُمَّ القُرى مَكَّةُ والرَّسُولَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
فالمُرادُ بِالقُرى القُرى الَّتِي كانَتْ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والأُولى أوْلى، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في آياتِنا لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ وقُرِئَ «فِي إمِّها» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ اتِّباعًا لِلْمِيمِ ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ ﴿إلا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ وما كُنّا مُهْلِكِينَ لِأهْلِ القُرى بَعْدَ ما بَعَثْنا في أُمِّها رَسُولًا يَدْعُوهم إلى الحَقِّ ويُرْشِدُهم إلَيْهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ بِتَكْذِيبِ رَسُولِنا والكَفْرِ بِآياتِنا فالبَعْثُ غايَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الإهْلاكِ بِمُوجِبِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ لا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ حَتّى يَلْزَمَ تَحَقُّقُ الإهْلاكِ عَقِيبَ البَعْثِ
28:60Page 393
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠
And whatever thing you [people] have been given - it is [only for] the enjoyment of worldly life and its adornment. And what is with Allāh is better and more lasting; so will you not use reason?
﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ أيِّ شَيْءٍ أصَبْتُمُوهُ مِن
صفحة 99
أُمُورِ الدُّنْيا وأسْبابِها ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ فَهو شَيْءٌ شَأْنُهُ أنْ يُتَمَتَّعَ بِهِ ويُتَزَيَّنَ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ ويُشْعِرُ بِالقِلَّةِ لَفْظُ المَتاعِ وكَذا ذَكَرَ ﴿أبْقى﴾ في المُقابِلِ وفي لَفْظِ الدُّنْيا إشارَةٌ إلى القِلَّةِ والخِسَّةِ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ في الجَنَّةِ وهو الثَّوابُ ﴿خَيْرٌ﴾ في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ لَذَّةٌ خالِصَةٌ وبَهْجَةٌ كامِلَةٌ ﴿وأبْقى﴾ لِأنَّهُ أبْدى وأيْنَ المُتَناهِي مِن غَيْرِ المُتَناهِي ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَفْعَلُونَ هَذا الأمْرَ الواضِحَ فَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ وتَخافُونَ عَلى ذَهابِ ما أصَبْتُمُوهُ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا وتَمْتَنِعُونَ عَنِ اتِّباعِ الهُدى المُفْضِي إلى ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِذَلِكَ فَكَأنَّ هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في مَنعِ خَوْفِ التَّخَطُّفِ إيّاهم مِنِ اتِّباعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) عَلى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ وُقُوعٍ ما يَخافُونَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو يَعْقِلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ وهو أبْلَغُ في المَوْعِظَةِ لِإشْعارِهِ بِأنَّهم لِعَدَمِ عَقْلِهِمْ لا يَصْلُحُونَ لِلْخِطابِ، فالِالتِفاتُ هُنا لِعَدَمِ الِالتِفاتِ زَجْرًا لَهم وقُرِئَ «فَمَتاعًا الحَياةَ الدُّنْيا» أيْ فَتَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا فَنَصَبَ مَتاعًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ والحَياةَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ
28:61Page 393
أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١
Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?
﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ أيْ وعْدًا بِالجَنَّةِ وما فِيها مِنِ النَّعِيمِ الصِّرْفِ الدّائِمِ فَإنَّ حُسْنَ الوَعْدِ بِحُسْنِ المَوْعُودِ ﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ أيْ مُدْرِكُهُ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ تَعالى ولِذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفِيدَةِ لِتَحَقُّقِهِ البَتَّةَ وعُطِفَتْ بِالفاءِ المُنْبِئَةِ عَنِ السَّبَبِيَّةِ ﴿كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّذِي هو مَشُوبٌ بِالآلامِ مُنَغَّصٌ بِالأكْدارِ مُسْتَتْبَعٌ بِالتَّحَسُّرِ عَلى الِانْقِطاعِ، ومَعْنى الفاءِ الأُولى تَرْتِيبُ إنْكارِ التَّشابُهِ بَيْنَ أهْلِ الدُّنْيا وأهْلِ الآخِرَةِ عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ التَّفاوُتِ بَيْنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أيْ أبَعْدَ هَذا التَّفاوُتِ الظّاهِرِ يُسَوّى بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَتَّعْناهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مُؤَكِّدٌ لِإنْكارِ التَّشابُهِ مَقُولَهُ كَأنَّهُ قِيلَ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ نُحْضِرُهُ أوْ أحْضَرْناهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلنّارِ أوِ العَذابِ وغَلَبَ لَفْظُ المُحْضَرِ في المُحْضَرِ لِذَلِكَ والعُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ قِيلَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ حَتْمًا ولا يَضُرُّ كَوْنُ خَبَرِها ظَرْفًا مَعَ العُدُولِ وحُصُولُ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ لَوْ قِيلَ أحْضَرْناهُ لا يُنافِي ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ فِيما ذُكِرَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ لَيْسَ في قَوْلِكَ ثُمَّ أحْضَرْناهُ يَوْمَ القِيامَةِ كالدَّلالَةِ عَلى التَّقْوى أوِ الحَصْرِ والدَّلالَةِ عَلى التَّهْوِيلِ والإيقاعِ في حَيْرَةٍ، ولِمَجْمُوعِ ذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، ويَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمُحْضَرِينَ المَذْكُورِ، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ دُونَ الزَّمانِ وإنْ صَحَّ وكانَ فِيهِ إبْقاءُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ وهو أبْلَغُ وأكْثَرُ إفادَةً وأرْبابُ البَلاغَةِ يَعْدِلُونَ إلى المَجازِ ما أمْكَنَ لِتَضَمُّنِهِ لَطائِفَ النِّكاتِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ «أمَن وعَدْناهُ» بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ قالُونُ والكِسائِيُّ «ثُمَّ هْوَ» بِسُكُونِ الهاءِ كَما قِيلَ: عَضُدٌ وعَضْدٌ تَشْبِيهًا لِلْمُنْفَصِلِ وهو المِيمُ الأخِيرُ مِن ثُمَّ بِالمُتَّصِلِ، والآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي أبِي جَهْلٍ وأخْرَجَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي جَهْلٍ ونُسِبَ إلى مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: في عَمّارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ،
صفحة 100
وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُؤْمِنِ والكافِرِ
28:62Page 393
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ لِاخْتِلافِهِما عُنْوانًا وإنِ اتَّحَدا ذاتًا أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ ونِداؤُهُ تَعالى إيّاهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ وأنْ يَكُونَ بِدُونِها وهو نِداءُ إهانَةٍ وتَوْبِيخٍ ﴿فَيَقُولُ﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِي فَإنَّ زَعَمَ مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ:
وأنَّ الَّذِي قَدْ عاشَ يا أُمَّ مالِكٍ يَمُوتُ ولَمْ أزْعُمْكِ عَنْ ذاكَ مَعْزِلًا
وحُذِفَ هُنا المَفْعُولانِ مَعًا ثِقَةً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما نَحْوَ مَن يَسْمَعْ يُخِلَّ. وفي الكَشّافِ يَجُوزُ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ في بابِ ظَنَنْتُ ولا يَصِحُّ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ عَدَمَ صِحَّةِ الِاقْتِصارِ هو الأصَحُّ وأنَّهُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ وقالَ الأخْفَشُ: إذا دَخَلَتْ هَذِهِ الأفْعالُ ظَنَّ وأخَواتُها عَلى أنَّ نَحْوَ ظَنَنْتُ أنَّكَ قائِمٌ فالمَفْعُولُ الثّانِي مِنهُما مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ظَنَنْتُ قِيامَكَ كائِنًا لِأنَّ المَفْتُوحَةَ بِتَأْوِيلِ المُفْرَدِ وسِيبَوَيْهِ يَرى في ذَلِكَ أنَّ أنَّ مَعَ ما بَعْدَها سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ الِاقْتِصارَ عَلى الأوَّلِ إذا سَدَّ شَيْءٌ مَسَدَّ الثّانِي كَما في بابِ المُبْتَدَأِ نَحْوُ أقائِمٌ أخَواكَ فَيَقُولُونَ: هَلْ ظَنَنْتَ قائِمًا أخَواكَ؟ وقالَ أبُو حَيّانِ: إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى أحَدِهِما جازَ حَذْفُهُ كَقَوْلِهِ:
كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنٌ إذا كانَ بَعْدَهُ ∗∗∗ تَلاقٍ ولَكِنْ لا أخالُ تَلاقِيا
أيْ لا أخالُ بَعْدَ البَيْنِ تَلاقِيًا وقالَ صاحِبُ التُّحْفَةِ: يَجُوزُ الِاقْتِصارُ في بابِ كَسَوْتُ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ بِدَلِيلٍ وبِغَيْرِ دَلِيلٍ لِأنَّ الأوَّلَ فِيهِما غَيْرُ الثّانِي وأجازَ بَعْضُهم حَذْفَ الأوَّلِ إذا كانَ هو الفاعِلَ مَعْنًى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾ [النُّورِ: 57] أيْ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهم أيْ أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: في عَدَمِ الحَذْفِ فِيما عَدا ما ذُكِرَ. وجَوازُ الحَذْفِ فِيهِ لَعَلَّ السِّرَّ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ قُيُودٌ لِلْمَضامِينِ تَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ لِبَيانِ ما هي عَلَيْهِ لِأنَّ النِّسْبَةَ قَدْ تَكُونُ عَنْ عِلْمٍ وقَدْ تَكُونُ عَنْ ظَنٍّ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلى أحَدِ طَرَفَيِ الجُمْلَةِ لِقِيامِ قَرِينَةٍ تُوُهِّمَ أنَّ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ والَّذِي هو مُهْتَمٌّ بِشَأْنِهِ الطَّرَفُ المَذْكُورُ ولَيْسَ غَيْرَ المَذْكُورِ مِمّا يُعْتَنى بِهِ، نَعَمْ إذا كانَ الفاعِلُ والمَفْعُولُ لِشَيْءٍ واحِدٍ يَهُونُ الخَطْبُ، وذُكِرَ عَنْ صاحِبِ الإقْلِيدِ ما يُؤَيِّدُهُ وقَدْ أطالَ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى مَرْقَدَهُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ الأوْلى أنْ يُقَدَّرَ هُنا الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكائِي لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ الزَّعْمُ في التَّنْزِيلِ عَلى المَفْعُولَيْنِ الصَّرِيحَيْنِ بَلْ عَلى أنَّ وُصْلَتَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ [الأنْعامِ: 94] وفِيهِ نَظَرٌ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالشُّرَكاءِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن مَلَكٍ أوْ جِنٍّ أوْ إنْسٍ أوْ كَوْكَبٍ أوْ صَنَمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ
28:63Page 393
قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣
Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى حِكايَةِ السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ هَذا السُّؤالِ فَقِيلَ قالَ: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ مُقْتَضى القَوْلِ وتَحَقَّقَ مُؤَدّاهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هُودٍ: 119] وغَيْرُهُ مِن آياتِ الوَعِيدِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ مِنَ الشَّياطِينِ ورُؤَساءِ الكَفْرِ، وتَخْصِيصُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مَعَ شُمُولِ مَضْمُونِها الِاتِّباعَ أيْضًا لِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ دُونَ الَّذِينَ زَعَمُوهم شُرَكاءَ لِإخْراجِ مِثْلِ عِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِشُمُولِ الشُّرَكاءِ عَلى ما سُمِعَتْ لَهُ، ومُسارَعَتِهِمْ إلى الجَوابِ مَعَ كَوْنِ السُّؤالِ لِلْعَبَدَةِ لِتَفَطُّنِهِمْ إنَّ السُّؤالَ مِنهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ
صفحة 101
وإهانَةٍ وهو يَسْتَدْعِي اسْتِحْضارَهم وتَوْبِيخَهم بِالإضْلالِ وجَزْمِهِمْ بِأنَّ العَبَدَةَ سَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ أضَلُّونا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَبَدَةُ قَدْ أجابُوا مُعْتَذِرِينَ بِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ أضَلُّونا ثُمَّ قالَ الشُّرَكاءُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَحْكِ إيجازًا لِظُهُورِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ تَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ والإشارَةِ إلى العَبَدَةِ لِبَيانِ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ (وهَؤُلاءِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، وجُمْلَةُ أغْوَيْنا صِلَةُ المَوْصُولِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِيما بَعْدُ أيِ الَّذِينَ أغْوَيْناهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ هو الجَوابُ حَقِيقَةً أيْ ما أكْرَهْناهم عَلى الغَيِّ وإنَّما أغْوَيْناهم بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ لا بِالقَسْرِ والإلْجاءِ فَغَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ غَيًّا مِثْلَ غَيِّنا بِاخْتِيارِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةَ اسْمِ الإشارَةِ والخَبَرُ جُمْلَةَ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ الخَبَرَ لا يَكُونُ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ لِأنَّ إغْواءَهم إيّاهم قَدْ عُلِمَ مِنَ الوَصْفِ. ورُدَّ بِأنَّ التَّشْبِيهَ دَلَّ عَلى أنَّهم غَوَوْا بِاخْتِيارٍ لا أنَّ الإغْواءَ إلْجاءٌ وقَوْلُهُ: إنَّ كَما غَوِينا فَضْلَةٌ فَلا تَصِيرُ ذاكَ أصْلًا في الجُمْلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الفَضَلاتِ قَدْ تَلْزَمُ في بَعْضِ المَواضِعِ نَحْوَ زَيْدٌ عَمْرٌو قائِمٌ في دارِهِ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ وبَعْضُ الشّامِيِّينَ «كَما غَوِينا» بِكَسْرِ الواوِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتارًا لِأنَّ كَلامَ العَرَبِ غَوَيْتُ مِنَ الضَّلالَةِ وغَوِيتُ بِالكَسْرِ مِنَ البَشَمِ ﴿تَبَرَّأْنا﴾ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي هَوًى مِن أنْفُسِهِمْ مُوَجِّهِينَ التَّبَرُّؤَ ومُهَيَّئِينَ لَهُ ﴿إلَيْكَ﴾ والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها لِأنَّ الإقْرارَ بِالغَوايَةِ تَبَرُّؤٌ في الحَقِيقَةِ ولِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما (كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ ما كانُوا يَعْبُدُونَنا وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ في نَفْسِ الأمْرِ والمَآلِ أهْواءَهُمْ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا﴾ وهُناكَ جارٌّ مُقَدَّرٌ أيْ تَبَرَّأْنا مِن عِبادَتِهِمْ إيّانا وجَعْلُها نافِيَةً عَلى أنَّ المَعْنى ما كانُوا يَعْبُدُونَنا بِاسْتِحْقاقٍ وحُجَّةٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فَإيّانا مَفْعُولُ يَعْبُدُونَ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ
28:64Page 393
وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤
And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!
﴿وقِيلَ﴾ تَقْرِيعًا لَهم وتَهَكُّمًا بِهِمْ ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ وإلّا فَلَيْسَ هُناكَ طَلَبُ حَقِيقَةٍ لِلدُّعاءِ، وقِيلَ: دَعَوْهم لِضَرُورَةِ الِامْتِثالِ عَلى أنَّ هُناكَ طَلَبًا، والغَرَضُ مِن طَلَبِ ذَلِكَ مِنهم تَفْضِيحُهم عَلى رُءُوسِ
الأشْهادِ بِدُعاءِ مَن لا نَفْعَ لَهُ لِنَفْسِهِ قِيلَ: والظّاهِرُ مِن تَعْقِيبِ صِيغَةِ الأمْرِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أنَّها لِطَلَبِ الدُّعاءِ وإيجابِهِ والأوَّلُ أبْلَغُ في تَهْوِيلِ أمْرِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ والإشارَةِ إلى سُوءِ حالِهِمْ وأمْرُ التَّعْقِيبِ بِالفاءِ سَهَّلَ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ضَرُورَةَ عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الِاسْتِجابَةِ والنُّصْرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَلَمْ يُجِيبُوهم لِأنَّهم في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْهم ولَعَلَّهم خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ إذْ ذاكَ ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ لِلدّاعِينَ وقالَ الضَّحّاكُ: هو لِلدّاعِينَ والمَدْعُوِّينَ جَمِيعًا، وقِيلَ: هو لِلْمَدْعُوِّينَ فَقَطْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ ورُؤْيَةَ العَذابِ إمّا عَلى مَعْنى رُؤْيَةِ مُبادِيهِ أوْ عَلى مَعْنى رُؤْيَتِهِ نَفْسَهُ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُشاهِدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ رَأوُا العَذابَ مُتَّصِلًا بِهِمْ أوْ غاشِيًا لَهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ أحَدِ مَفْعُولَيْ أفْعالِ القُلُوبِ مُخْتَلِفٌ في جَوازِهِ وتَقَدَّمَ آنِفًا عَنِ البَعْضِ أنَّ الأكْثَرِينَ عَلى المَنعِ فَمَن مَنَعَ وقالَ في بَيانِ المَعْنى ورَأوُا العَذابَ مُتَّصِلًا بِهِمْ جَعَلَ مُتَّصِلًا حالًا مِنَ العَذابِ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ لَوْ شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ أيْ لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ يَدْفَعُونَ بِهِ العَذابَ لَدَفَعُوا بِهِ العَذابَ أوْ لَوْ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُهْتَدِينَ مُؤْمِنِينَ لَما رَأوُا العَذابَ.
صفحة 102
واعْتُرِضَ بِأنَّ الدّالَّ عَلى المَحْذُوفِ رَأوُا العَذابَ وهو مُثْبَتٌ فَلا يُقَدَّرُ المَحْذُوفُ مَنفِيًّا وهو غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ الِالتِفاتَ إلى المَعْنى وإذا جازَ الحَذْفُ لِمُجَرَّدِ دَلالَةِ الحالِ فَإذا انْضَمَّ إلَيْها شَهادَةُ المُقالِ كانَ أوْلى وأوْلى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (لَوْ) لِلتَّمَنِّي أيْ تَمَنَّوْا لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ فَلا تَحْتاجُ إلى الجَوابِ وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: فِيهِ نَظَرٌ إذْ حَقُّهُ أنْ يُقالَ لَوْ كُنّا إلّا أنْ يَكُونَ عَلى الحِكايَةِ كَأقْسَمَ لَيَضْرِبَنَّ أوْ عَلى تَأْوِيلِ رَأوْا مُتَمَنِّينَ هِدايَتَهم.
وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها لِلتَّمَنِّي أنْ يَكُونَ قَدْ وُضِعَ لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ مَوْضِعَ تَحَيَّرُوا لِرُؤْيَتِهِ كانَ كُلُّ أحَدٍ يَتَمَنّى لَهُمُ الهِدايَةَ عِنْدَ ذَلِكَ الهَوْلِ والتَّحَيُّرِ تَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ أوْ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى المَجازِ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البَقَرَةِ: 103]، وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ وضْعَهُ مَوْضِعَهُ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ لِأنَّ تَحَيُّرَهم سَبَبٌ حامِلٌ عَلى هَذا القَوْلِ. وقالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّ النَّظْمَ عَلى هَذا الوَجْهِ يَنْطَبِقُ، واخْتارَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّها شَرْطِيَّةٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ ما قالُوهُ في تَقْدِيرِ الجَوابِ فَقالَ بَعْدَ نَقْلِ ما قالُوهُ: وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ أحَدُها أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ فَهُناكَ يَشْتَدُّ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ ويَلْحَقُهم شَيْءٌ كالسِّدْرِ والدُّوارِ فَيَصِيرُونَ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا، فَقالَ سُبْحانَهُ: ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يُبْصِرُونَ شَيْئًا عَلى مَعْنى أنَّهم لَمْ يَرَوُا العَذابَ لِأنَّهم صارُوا بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا، وثانِيها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهي الأصْنامُ أنَّهم لا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ هَذِهِ الأصْنامُ كانُوا يُشاهِدُونَ العَذابَ لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ المُهْتَدِينَ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ والإتْيانُ بِضَمِيرِ العُقَلاءِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ القَوْمِ بِهِمْ، وثالِثُها أنَّ يَكُونَ المُرادُ مِنِ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَةَ القَلْبِ أيْ والكُفّارُ عَلِمُوا حَقِّيَّةَ هَذا العَذابِ لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ وهَذِهِ الوُجُوهُ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى أنَّ جَوابَ لَوْ مَحْذُوفٌ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفْكِيكَ نَظْمِ الآيَةِ اهـ ولَعَمْرِي إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ وما يَرُدُّ عَلَيْهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ بَيْنَ الحَيِّ واللَّيِّ.
28:65Page 393
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥
And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ ماذا ﴿أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأوَّلِ سُئِلُوا أوَّلًا عَنْ إشْراكِهِمْ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وثانِيًا عَنْ جَوابِهِمْ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ.
28:66Page 393
فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦
But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أصْلُهُ فَعَمُوا عَنِ الأنْباءِ أيْ لَمْ يَهْتَدُوا إلَيْها، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ اسْتُعِيرَ العَمى لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ ثُمَّ قُلِبَ لِلْمُبالَغَةِ فَجَعَلَ الأنْباءَ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ وضَمَّنَ العَمى مَعْنى الخَفاءِ فَعُدِّيَ بِعَلى ولَوْلاهُ لَتَعَدّى بِعْنَ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِالأنْباءِ لِأنَّها مَسْمُوعَةٌ لا مُبْصَرَةٌ، وفي هَذا القَلْبِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يَحْضُرُ الذِّهْنَ يَفِيضُ عَلَيْهِ ويَصِلُ إلَيْهِ مِنَ الخارِجِ ونَفْسُ الأمْرِ إمّا ابْتِداءً وإمّا بِواسِطَةِ تَذَكُّرِ الصُّورَةِ الوارِدَةِ مِنهُ بِأماراتِها الخارِجِيَّةِ فَإذا أخْطَأ الذِّهْنُ الخارِجُ بِأنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ لِانْسِدادِ الطَّرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِعَمًى ونَحْوِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ إحْضارٌ ولا اسْتِحْضارٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ الأنْباءُ الوارِدَةُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخارِجِ عُمْيًا لا تَهْتَدِي دَلَّ عَلى أنَّهم عُمْيٌ لا يَهْتَدُونَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى لِأنَّ اهْتِداءَهم بِها فَإذا كانَتْ هي في نَفْسِها لا تَهْتَدِي فَما بالُكَ بِمَن يَهْتَدِي بِها كَذا قِيلَ: فَلْيُتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخَيُّلِيَّةٌ أيْ فَصارَتِ الأنْباءُ كالعَمى عَلَيْهِمْ لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالأنْباءِ إمّا ما طُلِبَ مِنهم مِمّا أجابُوا بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ ما يَعُمُّها وكُلُّ ما يُمْكِنُ الجَوابُ بِهِ، وإذا كانَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَتَعْتَعُونَ في الجَوابِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ في ذَلِكَ المَقامِ الهائِلِ ويُفَوِّضُونَ العِلْمَ إلى
صفحة 103
عَلّامِ الغُيُوبِ مَعَ نَزاهَتِهِمْ عَنْ غائِلَةِ المَسْؤُولِ فَما ظَنُّكَ بِأُولَئِكَ الضُّلّالِ مِنَ الأُمَمِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وجَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ «(فَعُمِّيَتْ)» بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.
﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ أوِ العِلْمِ بِأنَّ الكُلَّ سَواءٌ في الجَهْلِ، والفاءُ إمّا تَفْصِيلِيَّةٌ أوْ تَفْرِيعِيَّةٌ لِأنَّ سَبَبَ العَمى فَرْطُ الدَّهْشَةِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ «لا يَسّاءَلُونَ» بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ
28:67Page 393
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧
But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.
﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ أيْ مِنَ الشِّرْكِ ﴿وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أيِ الفائِزِينَ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ النّاجِينَ عَنِ المَهْرُوبِ و(عَسى لِلتَّحْقِيقِ عَلى عادَةِ الكِرامِ أوْ لِلتَّرَجِّي مِن قِبَلِ التّائِبِ المَذْكُورِ بِمَعْنى فَلْيَتَوَقَّعْ أنْ يُفْلِحَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأمّا) قِيلَ لِتَفْصِيلِ المُجْمَلِ الواقِعِ في ذِهْنِ السّامِعِ مِن بَيانِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ المُشْرِكِينَ، وهو أنَّ حالَ مَن تابَ مِنهم كَيْفَ يَكُونُ، والدَّلالَةَ عَلى تَرَتُّبِ الإخْبارِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ فالآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها. وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القَصَصِ: 61] والحَدِيثُ عَنِ الشُّرَكاءِ مُسْتَطْرَدٌ لِذِكْرِ الإحْضارِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ بَلْ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ قالَ تَعالى شَأْنُهُ حَثًّا لَهم عَلى الإقْلاعِ: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما ذُكِرَ لِمَصِيرِهِمْ فَأمّا مَن تابَ فَكَلّا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences