Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:120–125
3:120Page 65
إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠
If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.
﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكم كالأُلْفَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ تُحْزِنْهم وتُغِظْهم ﴿وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ مِحْنَةٌ كَإصابَةِ العَدُوِّ مِنكم واخْتِلافِ الكَلِمَةِ فِيما بَيْنَكم ﴿يَفْرَحُوا﴾ أيْ يَبْتَهِجُوا ( بِها ) وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ الحَسَدِ والشَّماتَةِ، والمَسُّ قِيلَ: مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ فَهُما هُنا بِمَعْنى، وقَدْ سَوّى بَيْنَهُما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ والتَّعْبِيرُ هُنا بِالمَسِّ مَعَ الحَسَنَةِ وبِالإصابَةِ مَعَ السَّيِّئَةِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ في التَّعْبِيرِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأحْسَنُ والأنْسَبُ بِالمَقامِ ما قِيلَ: إنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى إفْراطِهِمْ في السُّرُورِ والحُزْنِ؛ لِأنَّ المَسُّ أقَلُّ مِنَ الإصابَةِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإذا ساءَهم أقَلُّ خَيْرٍ نالَهم فَغَيْرُهُ أوْلى مِنهُ، وإذا فَرِحُوا بِأعْظَمِ المَصائِبِ مِمّا يَرْثى لَهُ الشّامِتُ ويَرِقُّ الحاسِدُ فَغَيْرُهُ أوْلى، فَهم لا تُرْجى مُوالاتُهم أصْلًا فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهم بِطانَةً ؟! والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُصِيبُهم مِنَ الخَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى لُطْفِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم خَيْرٌ قَلِيلٌ، وما يُصِيبُهم مِنَ السَّيِّئَةِ بِالنِّسْبَةِ لِما يُقابَلُ بِهِ مِنَ الأجْرِ الجَزِيلِ عَظِيمٌ بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى أذاهم أوْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ومَضَضِ الجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿وتَتَّقُوا﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْكم ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾
صفحة 41
أيْ مَكْرُهم، وأصْلُ الكَيْدِ المَشَقَّةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ( لا يَضِرْكم ) بِكَسْرِ الضّادِ وجَزْمِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ مِن ضارَّهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، وضَمُّ الرّاءِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِاتِّباعِ ضَمَّةِ الضّادِ كَما في الأمْرِ المُضاعَفِ المَضْمُومِ العَيْنِ كَمُدَّ، والجَزْمُ مُقَدَّرٌ، وجَوَّزُوا في مَثَلِهِ الفَتْحَ لِلْخِفَّةِ والكَسْرِ لِأجْلِ تَحْرِيكِ السّاكِنِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ الفاءِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ( ﴿شَيْئًا﴾ ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ ( لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ) مِنَ الضَّرَرِ لا كَثِيرًا ولا قَلِيلًا بِبَرَكَةِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِكَوْنِهِما مِن مَحاسِنِ الطّاعاتِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، ومَن تَحَلّى بِذَلِكَ كانَ في كَنَفِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَتِهِ مِن أنْ يَضُرَّهُ كَيْدُ عَدُوٍّ، وقِيلَ: ( لا يَضُرُّكم كَيْدُهم ) لِأنَّهُ أحاطَ بِكم فَلَكُمُ الأجْرُ الجَزِيلُ، إنْ بَطَلَ فَهو النِّعْمَةُ الدُّنْيا فَأنْتُمْ لا تُحْرَمُونَ الحُسْنى عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكَيْدِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حاتِمٍ ( تَعْمَلُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى ( ﴿مُحِيطٌ﴾ ) عِلْمًا أوْ بِالمَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ فَيُعاقِبُهم بِهِ أوْ فَيُثِيبُكم عَلَيْهِ.
3:121Page 65
وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١
And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -
﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ خَرَجْتَ غَدْوَةً ( ﴿مِن﴾ ) عِنْدِ ( ﴿أهْلِكَ﴾ ) والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فِيهِ مِنِ اسْتِتْباعِ عَدَمِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِلضَّرَرِ عَلى أنَّ وُجُودَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِما وعَدَ مِنَ النَّجاةِ عَنْ مَضَرَّةِ كَيْدِ الأعْداءِ، وكانَ الخُرُوجُ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ تُوطِنُهم قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: تُنْزِلُهم، وقِيلَ: تُسَوِّي وتُهَيِّئُ لَهم، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ – لِلْمُؤْمِنِينَ - إذْ لَيْسَ مَحَلُّ التَّقْوِيَةِ والزِّيادَةِ غَيْرَ فَصِيحَةٍ ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ أيْ مَواطِنَ ومَواقِفَ ومَقاماتٍ لَهُ، وأصْلُ المَقْعَدِ والمَقامِ مَحَلُّ القُعُودِ والقِيامِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ بِطَرِيقِ المَجازِ عَلى المَكانِ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيامٌ وقُعُودٌ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن بِهِ كَقَوْلِهِمُ المَجْلِسُ السّامِيُّ والمَقامُ الكَرِيمُ، وجُمْلَةُ ( ﴿تُبَوِّئُ﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( ﴿غَدَوْتَ﴾ ) ولِكَوْنِ المَقْصُودِ تَذْكِيرُ الزَّمانِ المُمْتَدِّ المُتَّسِعِ لِابْتِداءِ الخُرُوجِ والتَّبْوِئَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذْ هو المُذَكِّرُ لِلْقِصَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القَوْلِ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ ناوِيًا وقاصِدًا لِلتَّبْوِئَةِ، و( مَقاعِدَ ) مَفْعُولٌ ثانٍ – لِتُبَوِّئُ - والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَقاعِدَ، ولا يَجُوزُ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المَكانُ وهو لا يَعْمَلُ.
رَوى ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى والحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرِهِمْ، وكُلٌّ قَدْ حَدَّثَ بَعْضَ الحَدِيثِ " «أنَّهُ لَمّا أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ أصْحابِ القَلِيبِ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ بَعِيرِهِ مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ أُصِيبَتْ آباؤُهم وأبْناؤُهم وإخْوانُهم يَوْمَ بَدْرٍ فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ، ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ أخْيارَكم فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ لَعَلَّنا نُدْرِكُ بِهِ ثَأْرَنا بِمَن أصابَ مِنّا فَفَعَلُوا، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخَرَجَتْ بِجِدِّها وجَدِيدِها وأحابِيشِها ومَن تابَعَها مِن بَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وخَرَجُوا مَعَهم بِالظَّعْنِ التِماسَ الحَفِيظَةِ وأنْ لا يَفِرُّوا، وخَرَجَ أبُو سُفْيانَ وهو قائِدُ النّاسِ بِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، وخَرَجَ آخَرُونَ بِنِساءٍ أيْضًا، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ بِجَبَلٍ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ مِن قَناةٍ عَلى شَفِيرِ الوادِي مُقابِلَ المَدِينَةِ، فَلَمّا سَمَّعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ نَزَلُوا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي رَأيْتُ
صفحة 42
بَقَرًا تُنْحَرُ، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا، ورَأيْتُ أنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدْعُوهم حَيْثُ نَزَلُوا، فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مُقامٍ، وإنْ هم دَخَلُوا عَلَيْنا قاتَلْناهم فِيها، وكانَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ رَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرى رَأْيَهُ في ذَلِكَ أنْ لا يَخْرُجَ إلَيْهِمْ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَكْرَهُ الخُرُوجَ، فَقالَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِمَّنْ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وغَيْرُهم مِمَّنْ كانَ فاتَهُ يَوْمُ بَدْرٍ: اخْرُجْ بِنا يا رَسُولَ اللَّهِ إلى أعْدائِنا لا يَرَوْنَ أنا جَبُنّا عَنْهم وضَعُفْنا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِمْ بِالمَدِينَةِ لا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَواللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ لَنا قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا ولا دَخَلَ عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَدَعْهم، يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ مِن فَوْقِهِمْ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ كَما جاءُوا، فَلَمْ يَزَلِ النّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ كانَ مِن أمْرِهِمْ حُبُّ لِقاءِ القَوْمِ حَتّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَبِسَ لَأْمَةَ حَرْبِهِ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وقَدْ نَدِمَ النّاسُ وقالُوا: اسْتَكْرَهْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَمْ يَكُنْ لَنا ذَلِكَ، فَإنْ شِئْتَ فاقْعُدْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ، فَخَرَجَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِألْفٍ مِن أصْحابِهِ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ أنْ يَصْبِرُوا، واسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى الصَّلاةِ بِالنّاسِ حَتّى إذا كانَ بِالشَّوْطِ بَيْنَ المَدِينَةِ وأُحُدٍ انْخَذَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بِثُلُثِ النّاسِ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي وما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا أيُّها النّاسُ، فَرَجَعَ بِمَن تَبِعَهُ مِن قَوْمِهِ مِن أهْلِ النِّفاقِ والرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِزامٍ أخُو بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمِ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ تَعالى أنْ تَخْذُلُوا قَوْمَكم ونَبِيَّكم عِنْدَ ما حَضَرَ مِن عَدُوِّهِمْ، قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ لَما أسْلَمْناكم، ولَكِّنا لا نَرى أنَّهُ يَكُونُ قِتالٌ، فَلَمّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وأبَوْا إلّا الِانْصِرافَ، قالَ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى أعْداءَ اللَّهِ فَسَيُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْكم نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى سَلَكَ في حَرَّةِ بَنِي حارِثَةَ فَذَبَّ فَرَسٌ بِذَنَبِهِ فَأصابَ كُلابَ سَيْفٍ فاسْتَلَّهُ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ يُحِبُّ الفَأْلَ ولا يَعْتافُ لِصاحِبِ السَّيْفِ: شُمَّ سَيْفَكَ فَإنِّي أرى السُّيُوفَ سَتُسَلُّ اليَوْمَ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحُدٍ مِن عَدْوَةِ الوادِي إلى الجَبَلِ فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وقالَ: لا يُقاتِلُ أحَدٌ حَتّى نَأْمُرَهُ بِالقِتالِ، وتَعَبَّأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْقِتالِ ومَشى عَلى رِجْلَيْهِ وجَعَلَ يَصُفُّ أصْحابَهُ فَكَأنَّما يُقَوِّمُ بِهِمُ القَدَحَ إنْ رَأى صَدْرًا خارِجًا قالَ: تَأخَّرْ، وهو في سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وأمَّرَ عَلى الرُّماةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وهو مُعَلَّمٌ يَوْمَئِذَ بِثِيابٍ بِيضٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا وقالَ: انْضَحِ الخَيْلَ عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مَن خَلْفِنا إنْ كانَ عَلَيْنا أوْ لَنا فاثْبُتْ مَكانَكَ لا يُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلَكَ، وظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ ودَفَعَ اللِّواءَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وتَعَبَّأتْ قُرَيْشٌ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ فِيهِمْ مِائَتا فَرَسٍ قَدْ جَنَّبُوها، ووَقَعَ القِتالُ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ وكانَ ما كانَ، وأشارَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا اليَوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ»، والقَوْلُ بِأنَّها إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ كَقَوْلِ مُقاتِلٍ بِأنَّها إشارَةٌ إلى يَوْمِ الأحْزابِ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِسائِرِ المَسْمُوعاتِ، ويَدْخُلُ ما وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مِنَ الأقْوالِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عَلِيمٌ﴾ (121) بِسائِرِ المَعْلُوماتِ، ومِنها ما في ضَمائِرِ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ،
صفحة 43
والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ قَدْ قَدَّرَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ما لا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ رَأوْا غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ: قَدْ غَنِمَ أصْحابُنا ونَبْقى نَحْنُ بِلا غَنِيمَةٍ وجَعَلُوا يَنْسَلُّونَ رَجُلًا فَرَجُلًا حَتّى أخْلَوْا مَراكِزَهم ولَمْ يَبْقَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ سِوى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَعَ إيصاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِثُبُوتِهِمْ مَكانَهم.
3:122Page 66
إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢
When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.
﴿إذْ هَمَّتْ﴾ قِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ غَدَوْتَ مُبَيِّنٌ لِما هو المَقْصُودُ بِالتَّذْكِيرِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا – لِتُبَوِّئُ – أوْ – لِغَدَوْتَ – أوْ – لِسَمِيعٌ عَلِيمٌ - عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ أوْ لَهُما مَعًا في رَأْيٍ، ولَيْسَ المُرادُ تَقْيِيدَ كَوْنِهِ سَمِيعًا عَلِيمًا بِذَلِكَ الوَقْتِ ﴿طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ أيْ فِرْقَتانِ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُما حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ بَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ وكانا جَناحَيْ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هَمَّتْ طائِفَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وطائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أيْ تَضْعُفا وتَجْبُنا حِينَ رَأوُا انْخِذالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ مَن مَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ مُتَعَلِّقٌ بِهَمَّتْ، والباءُ مَحْذُوفَةٌ أيْ هَمَّتْ بِالفَشَلِ، وكانَ المُرادُ بِهِ هُنا لازِمَهُ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الهَمُّ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الهَمَّ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ عَلى مُخالَفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُفارَقَتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنٍ بَلْ كانَ مُجَرَّدَ حَدِيثِ نَفْسٍ ووَسْوَسَةٍ كَما في قَوْلِهِ:
أقُولُ لَها إذا جَشَأتْ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ ناصِرُهُما، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( ﴿هَمَّتْ﴾ ) أوْ مِن ضَمِيرِهِ في ( ﴿تَفْشَلا﴾ ) مُفِيدَةٌ لِاسْتِبْعادِ فَشَلِهِما أوْ هَمِّهِما مَعَ كَوْنِهِما في وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ( واللَّهُ ولِيُّهم ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى حَدِّ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ .
﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ( 221 ) أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا عَلى غَيْرِهِ كَما يُؤْذَنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ والتَّعْلِيلِ وألْ في ( المُؤْمِنُونَ ) لِلْجِنْسِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الطّائِفَتانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي هَذا العُنْوانِ إشْعارٌ بِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى مِن مُوجِباتِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّوَكُّلِ لِيُفِيدَ العُمُومَ أيْ لِيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ جَلِيلِها وحَقِيرِها سَهْلِها وحَزَنِها.
3:123Page 66
وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣
And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.
﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ بَيانٌ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى إثْرَ بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِهِما، أوْ مُساقَةٌ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ ما يُوجِبُهُ، وبَدْرٌ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ بِئْرٌ لِرَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وقالَ الواقِدِيُّ: اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وقِيلَ: لِلْوادِي وكانَتْ كَما قالَ عِكْرِمَةُ: مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ بَدْرًا ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ التَقى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُشْرِكُونَ، وكانَ أوَّلَ قِتالٍ قاتَلَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ ذَلِكَ في السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، والباءُ بِمَعْنى في؛ أيْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في بَدْرٍ، ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( نَصَرَكم ) و( أذِلَّةٌ ) جَمْعُ قِلَّةٍ لِذَلِيلٍ، واخْتِيرَ عَلى ذَلائِلَ لِيَدُلَّ عَلى قِلَّتِهِمْ مَعَ ذِلَّتِهِمْ، والمُرادُ بِها عَدَمُ العُدَّةِ لا الذُّلُّ المَعْرُوفُ، فَلا يَشْكُلُ
صفحة 44
دُخُولُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذا الخِطابِ إنْ قُلْنا بِهِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ المَعْنى المَعْرُوفُ، ويَكُونُ المُرادُ ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ في أعْيُنِ غَيْرِكم وإنْ كُنْتُمْ أعِزَّةً في أنْفُسِكم، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عَدَدِهِمْ وعَدَدِ المُشْرِكِينَ إذْ ذاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِاجْتِنابِ مَعاصِيهِ والصَّبْرِ عَلى طاعَتِهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ اكْتِفاءً بِما سَبَقَ وما لَحِقَ مَعَ الإشْعارِ - عَلى ما قِيلَ - بِشَرَفِ التَّقْوى وأصالَتِها وكَوْنِ الصَّبْرِ مِن مَبادِيها اللّازِمَةِ لَها، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِها عَلى الإخْبارِ بِالنَّصْرِ إعْلامٌ بِأنَّ نَصْرَهُمُ المَذْكُورَ كانَ بِسَبَبِ تَقْواهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ( 321 ) لَعَلَّكم تَقُومُونَ بِشُكْرِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ النَّصْرِ القَرِيبِ بِسَبَبِ تَقْواكم إيّاهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنْ نَيْلِ نِعْمَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الشُّكْرَ كَأنَّهُ قِيلَ: فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَنالُونَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى فَتَشْكُرُونَهُ عَلَيْها، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ ومُسْتَعِدٌّ إيّاهُ.
3:124Page 66
إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤
[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?
﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم، والمُرادُ بِهِ وقْتٌ مُمْتَدٌّ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالتَّقْوى إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ، وقِيلَ: بَدَلٌ ثانٍ مِن ( إذْ غَدَوْتَ ) وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا القَوْلُ بِبَدْرٍ، وعَلى ذَلِكَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُسْلِمِينَ بَلَغَهم يَوْمَ بَدْرٍ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ المُحارِبِيَّ يُرِيدُ أنْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلَخْ، فَبَلَغَتْ كُرْزًا الهَزِيمَةُ فَلَمْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ القَوْلُ بِأُحُدٍ، وكانَ مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ ولَمْ يُوجِدا مِنهم فَلَمْ يَمُدُّوا، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ.
﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ الكِفايَةُ سَدُّ الحاجَةِ وفَوْقَها الغِنى بِناءً عَلى أنَّهُ الزِّيادَةُ عَلى نَفْيِ الحاجَةِ، والإمْدادُ في الأصْلِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ويُقالُ مَدَّ في السَّيْرِ إذا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وامْتَدَّ بِهِمُ السَّيْرُ إذا طالَ واسْتَمَرَّ، وعَنْ بَعْضِهِمْ ما كانَ بِطَرِيقِ التَّقْوِيَةِ والإعانَةِ، يُقالُ فِيهِ أمَدَّهُ يُمِدُّهُ إمْدادًا، وما كانَ بِطَرِيقِ الزِّيادَةِ يُقالُ فِيهِ: مَدَّهُ مَدًّا، وقِيلَ: يُقالُ: مَدَّهُ في الشَّرِّ وأمَدَّهُ في الخَيْرِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ لا يَكْفِيَهم ذَلِكَ، وأتى بِلَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ وتَقْوِيَةِ الإنْكارِ و﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ فاعِلٌ بِيَكْفِيكم و( مِنَ المَلائِكَةِ ) بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لِآلافٍ أوْ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، و( مُنْزِلِينَ ) صِفَةٌ لِثَلاثَةِ آلافٍ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَنَّ أشْرَفِ المَلائِكَةِ، وقَدْ أُنْزِلُوا عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنَ السَّماءِ الثّالِثَةِ، وذَكَرَ سِرَّ ذَلِكَ في الفُتُوحاتِ، وقُرِئَ ( مُنَزَّلِينَ ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الصِّيغَتَيْنِ عَلى مَعْنى ( مُنْزِلِينَ ) الرُّعْبَ في قُلُوبِ أعْدائِكم أوِ النَّصْرَ لَكم، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ التّاءِ مِن ثَلاثَةٍ، وقَدْ أُسْكِنَتْ في الشَّواذِّ، ووُقِفَ عَلَيْها بِإبْدالِها هاءً أيْضًا عَلى أنَّهُ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ فِيهِما، ويُضَعِّفُ ذَلِكَ أنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ.
3:125Page 66
بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥
Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."
( ﴿بَلى﴾ ) إيجابٌ لِما بَعْدَ ( لَنْ ) أيْ بَلى ( يَكْفِيكم ) ذَلِكَ، ثُمَّ وعَدَهُمُ الزِّيادَةَ بِالشَّرْطِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى مَضَضِ الجِهادِ وما أُمِرْتُمْ بِهِ ( ﴿وتَتَّقُوا﴾ ) رَبَّكم بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ لَهُ ( ﴿ويَأْتُوكُمْ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ أوْ أصْحابُ كُرْزٍ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ.
صفحة 45
﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أصْلُ الفَوْرِ مَصْدَرٌ مِن فارَتِ القِدْرُ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها ومِنهُ أنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَوْرِ جَهَنَّمَ، ويُطْلَقُ عَلى الغَضَبِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ فَوْرَ القِدْرِ وعَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها ولا تَراخِيَ، والمَعْنى ويَأْتُوكم في الحالِ، ووُصِفَ بِهَذا لِتَأْكِيدِ السُّرْعَةِ بِزِيادَةِ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيبِ ونَظْمِ إتْيانِهِمْ بِسُرْعَةٍ في سِلْكِ شَرْطَيِ الإمْدادِ ومَدارَيْهِ مَعَ تَحَقُّقِ الإمْدادِ لا مَحالَةَ أسْرَعُوا أوْ أبْطَأُوا إيذانًا بِتَحَقُّقِ سُرْعَةِ الإمْدادِ لا لِتَحْقِيقِ أصْلِهِ، أوْ لِبَيانِ تَحَقُّقِهِ عَلى أيِّ حالٍ فُرِضَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدَهُ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِأبْعَدِ التَّقادِيرِ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُهُ عَلى سائِرِها بِالأوْلى، فَإنَّ هُجُومَ الأعْداءِ بِسُرْعَةٍ مِن مَظانِّ عَدَمِ لُحُوقِ المَدَدِ عادَةً، فَمَتى عُلِّقَ بِهِ تَحَقَّقَ الإمْدادُ مَعَ مُنافاتِهِ لَهُ أفادَ تَحَقُّقَهُ لا مَحالَةَ مَعَ ما هو غَيْرُ مُنافٍ لَهُ كَذا قِيلَ، ورُبَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الإمْدادَ المُرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ وقَعَ لَهم وفي ذَلِكَ تَرْدِيدٌ وتَرَدُّدٌ لِأنَّ هَذا الكَلامَ إنْ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلا شُبْهَةَ في عَدَمِ وُقُوعِ ذَلِكَ ولا بِمِلْكِ واحِدٍ لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّرْطِ؛ ولِذا وقَعَتِ الهَزِيمَةُ، وإنْ كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ كَما هو المُعْتَمِدُ فَقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في أنَّهم أُمِدُّوا بِهَذِهِ الخَمْسَةِ الآلافِ أوْ لا، فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إلى أنَّهم أُمِدُّوا بِغَيْرِها ولَمْ يُمَدُّوا بِها بِناءً عَلى تَعْلِيقِ الإمْدادِ بِها بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهي الصَّبْرُ والتَّقْوى وإيتاءُ أصْحابِ كُرْزٍ، وقَدْ فُقِدَ الأمْرُ الثّالِثُ كَما نَقَلْناهُ أوَّلًا، فَلَمْ يُوجَدِ المَجْمُوعُ لِانْعِدامِهِ بِانْعِدامِ بَعْضِ أجْزائِهِ، فَلَمْ يُوجَدِ الإمْدادُ المَذْكُورُ كَما صَرَّحَ بِهِ الشَّعْبِيُّ، نَعَمْ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى خِلافِهِ، ولَعَلَّهُ مَبْنى صاحِبِ القِيلِ، لَكِنْ يَبْقى أنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِما فُسِّرَ بِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، بَلْ لَمْ يُوجَدْ صَرِيحًا في كَلامِ السَّلَفِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ أنَّهُ بِمَعْنى الغَضَبِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ يَأْتُوكم بِسَبَبِ غَضَبِهِمْ عَلَيْكم، والإشارَةُ إمّا لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الغَضَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَدِيدٌ ومُتَمَكِّنٌ في القُلُوبِ، وإمّا لِتَحْقِيرِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ والطَّرِيقِ المَحْمُودِ، فَإنَّهُ إنَّما كانَ عَلى مُخالَفَةِ المُسْلِمِينَ لَهم في الدِّينِ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ وذَمِّ آلِهَتِهِمْ، أوْ عَلى ما أوْقَعُوا فِيهِمْ وحَطَّمُوا رُءُوسَ رُؤَسائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ عِكْرِمَةُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ في أُحُدٍ.
وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ إلى تَفْسِيرِهِ بِالسَّفَرِ أيْ ويَأْتُوكم مِن سَفَرِهِمْ هَذا، قِيلَ: وهو مَبْنِيٌّ أيْضًا عَلى ما بُنِيَ عَلَيْهِ سابِقُهُ؛ «لِأنَّ الكُفّارَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ نَدِمُوا بَعْدَ انْصِرافِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْبُرُوا عَلى المَدِينَةِ وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ أصْحابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: إنْ صَبَرْتُمْ عَلى الجِهادِ واتَّقَيْتُمْ وعادُوا إلَيْكم مِن سَفَرِهِمْ هَذا أمَدَّكُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَأخَذُوا في الجِهادِ وخَرَجُوا يَتْبَعُونَ الكُفّارَ عَلى ما كانَ بِهِمْ مِنَ الجِراحِ، فَأخْبَرَ المُشْرِكِينَ مَن مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ خَرَجَ يَتْبَعُكم فَخافَ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا أنْ تَكُونَ الغَلَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وأنْ يَكُونَ قَدِ التَأمَ إلَيْهِمْ مَن كانَ تَأخَّرَ عَنْهم وانْضَمَّ إلَيْهِمْ غَيْرُهم، فَدَسُّوا نُعَيْمًا الأشْجَعِيَّ حَتّى يَصُدَّهم بِتَعْظِيمِ أمْرِ قُرَيْشٍ وأسْرَعُوا بِالذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَفى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ أمْرَهم»، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِالسَّفَرِ مِمّا لَمْ نَظْفَرْ بِهِ فِيما بَيْنَ أيْدِينا مِنَ الكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، فَلَعَلَّ الفَوْرَ بِمَعْنى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها، وهَذا التَّفْسِيرُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وذَهَبَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهم أنَّ مِن ( ﴿فَوْرِهِمْ﴾ ) بِمَعْنى وجْهِهِمْ، ولَيْسَ بِنَصٍّ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ مُتَأخِّرُو المُفَسِّرِينَ أصْحابُ القِيلِ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الوَجْهِ الجِهَةَ الَّتِي يَقْصِدُها المُسافِرُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن وجْهِ الدَّهْرِ
صفحة 46
بِمَعْنى أوَّلِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا لَكِنَّهُ ظاهِرٌ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ؛ لِأنَّ كَوْنَ الوَجْهِ بِمَعْنى الجِهَةِ المَذْكُورَةِ، وإنْ جاءَ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ كَوْنَ الفَوْرِ كَذَلِكَ في حَيِّزِ المَنعِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ مِن وجْهِ الدَّهْرِ بِمَعْنى أوَّلِهِ يَرْجِعُ إلى ما قالُوا فَتَدَبَّرْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الإمْدادَ وقَعَ تَدْرِيجًا فَكانَ أوَّلًا بِألْفٍ ثُمَّ صارُوا ألْفَيْنِ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ لا غَيْرَ، فَمَعْنى يُمْدِدُكم بِخَمْسَةِ آلافٍ يُمْدِدُكم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، وقالَ غَيْرُهُ: كانَتِ المَلائِكَةُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، فالمَعْنى يُمْدِدُكم بِخَمْسَةِ آلافٍ أُخَرَ ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) (521) مِنَ التَّسْوِيمِ وهو إظْهارُ عَلامَةِ الشَّيْءِ، والمُرادُ مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهم، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في ذَلِكَ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَتْ عَلَيْهِ عِمامَةٌ صَفْراءُ مُعْتَجِرًا بِها، فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ وعَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سِيماءُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمائِمَ بِيضً قَدْ أرْسَلُوها في ظُهُورِهِمْ، ويَوْمَ حُنَيْنَ عَمائِمُ حُمْرٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: أنَّها كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بِعَمائِمَ سُودٍ، ويَوْمَ أُحُدٍ بِعَمائِمَ حُمْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سِيماءُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الأبْيَضَ في نَواصِي الخَيْلِ وأذْنابِها، وكانُوا كَما قالَ الرَّبِيعُ: عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهم كانُوا مُسَوَّمِينَ بِالعِهْنِ الأحْمَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا مُعَلَّمِينَ مَجْزُوزَةً أذْنابُ خُيُولِهِمْ ونَواصِيها فِيها الصُّوفُ والعِهْنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونُوا مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم وخُيُولَهم أيْضًا، وهَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) بِكَسْرِ الواوِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ( مُسَوَّمِينَ ) بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَلَّمِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مُرْسَلِينَ مُطْلَقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهم: ناقَةٌ سائِمَةٌ أيْ مُرْسَلَةٌ في المَرْعى، وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ، والمُتَبادَرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الإسامَةَ لَهم، وأمّا أنَّها كانَتْ لِخَيْلِهِمْ فَغَيْرُ ظاهِرٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences