Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:2–4
6:2Page 128
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢
It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، والخِطابُ وإنْ صَحَّ كَوْنُهُ عامًّا لَكِنَّهُ هُنا خاصٌّ بِـ (الَّذِينِ كَفَرُوا) كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ الآتِي فَفِيهِ التِفاتٌ، والنُّكْتَةُ فِيهِ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ والتَّوْبِيخِ وتَخْصِيصُ خَلْقِهِمْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أدِلَّةِ صِحَّةِ البَعْثِ مَعَ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن أظْهَرِ أدِلَّتِهِ لِما أنَّ دَلِيلَ الأنْفُسِ أقْرَبُ إلى النّاظِرِ مِن دَلِيلِ الآفاقِ الَّذِي في الآيَةِ السّابِقَةِ، ومَعْنى خَلْقِ المُخاطَبِينَ مِن طِينٍ أنَّهُ ابْتِداءٌ خَلَقَهم مِنهُ فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى لِما أنَّهُ أصْلُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أصْلُ سائِرِ البَشَرِ، ولَمْ يَنْسِبْ سُبْحانَهُ الخَلْقَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّهُ المَخْلُوقُ مِنهُ حَقِيقِيَّةً، وكِفايَةُ ذَلِكَ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ تَوْضِيحًا لِمِنهاجِ القِياسِ، ومُبالَغَةً في إزاحَةِ الشُّبْهَةِ والِالتِباسِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ خَلْقِهِمْ مِنهُ: إنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ والطَّمْثِ وهُما مِنَ الأغْذِيَةِ الحاصِلَةِ مِنَ التُّرابِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ
وقالَ المَهْدَوِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ كُلَّ إنْسانٍ مَخْلُوقٌ ابْتِداءً مِن طِينٍ لِخَبَرِ «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا ويُذَرُّ عَلى نُطْفَتِهِ مِن تُرابِ حُفْرَتِهِ» وفي القَلْبِ مِن هَذا شَّيْءٌ، والحَدِيثُ إنْ صَحَّ لا يَخْلُو مِن ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ خَلَقَ آباءَكُمْ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى البَعْثِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ ما لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ كانَ عَلى إحْياءِ ما قارَنَها مُدَّةً أظْهَرَ قُدْرَةً
﴿ثُمَّ قَضى﴾ أيْ قَدَّرَ وكَتَبَ ﴿أجَلا﴾ أيْ حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ لِلْمَوْتِ، و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ دُونَ الزَّمانِ لِتَقَدَّمَ القَضاءُ عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: الظّاهِرُ التَّرْتِيبُ في الزَّمانِ، ويُرادُ بِالتَّقْدِيرِ والكِتابَةِ ما تَعْلَمُ بِهِ المَلائِكَةُ وتَكْتُبُهُ كَما وقَعَ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمِلِهِ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ»
﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ أيْ حَدٌّ مُعَيَّنٌ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وهو مُبْتَدَأٌ وصَحَّ الِابْتِداءُ بِهِ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ أوْ لِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ و﴿عِنْدَهُ﴾ هو الخَبَرُ وتَنْوِينُهُ لِتَفْخِيمِ شَأْنُهُ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ، وقُدِّمَ عَلى خَبَرِهِ الظَّرْفُ
صفحة 88
مَعَ أنَّ الشّائِعَ في النَّكِرَةِ المُخْبِرِ عَنْها بِهِ لُزُومُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْها وفاءً بِحَقِّ التَّفْخِيمِ، فَإنَّ ما قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالتَّقْدِيمِ، فالمَعْنى وأجَلٌ أيْ أجَلٌ مُسْتَقِلٌّ بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقِفُ عَلى وقْتِ حُلُولِهِ سِواهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا إجْمالًا ولا تَفْصِيلًا، وهَذا بِخِلافِ أجَلِ المَوْتِ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ إجْمالًا بِناءً عَلى ظُهُورِ أماراتِهِ أوْ عَلى ما هو المُعْتادُ في أعْمالِ الإنْسانِ
وقِيلَ: وجْهُ الإخْبارِ عَنْ هَذا أوِ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مِن نَفْسِ المُغَيَّباتِ الخَمْسِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، والأوَّلُ أيْضًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ لَكِنّا نَعْلَمُهُ لِلَّذِينِ شاهَدْنا مَوْتَهُمْ، وضَبَطْنا تَوارِيخَ وِلادَتِهِمْ ووَفاتِهِمْ فَنَعْلَمُهُ سَواءً أُرِيدَ بِهِ آخِرُ المُدَّةِ أوْ جُمْلَتُها مَتى كانَتْ وكَمْ مُدَّةً كانَ
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ ما بَيْنَ الخَلْقِ والمَوْتِ والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، ورَوى ذَلِكَ الحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ: قَضى أجَلًا مِن مَوْلِدِهِ إلى مَماتِهِ، وأجَلٌ مُسَمّى عِنْدَهُ مِنَ المَماتِ إلى البَعْثِ لا يَعْلَمُ مِيقاتَهُ أحَدٌ سِواهُ سُبْحانَهُ، فَإذا كانَ الرَّجُلُ صالِحًا واصِلًا لِرَحِمِهِ زادَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في أجَلِ الحَياةِ مِن أجَلِ المَماتِ إلى البَعْثِ، وإذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ ولا واصِلٍ نَقَصَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أجَلِ الحَياةِ وزادَ مِن أجَلِ المَماتِ، وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ﴾، وعَلَيْهِ فَمَعْنى عَدَمِ تَغْيِيرِ الأجَلِ عَدَمُ تَغْيِيرِ آخِرِهِ، وقِيلَ: الأجَلُ الأوَّلُ الزَّمَنُ الَّذِي يَحْيى بِهِ أهْلُ الدُّنْيا إلى أنْ يَمُوتُوا، والأجَلُ الثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ
ولا يَخْفى بُعْدُ إطْلاقِ الأجَلِ عَلى المُدَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ أجَلُ مَن مَضى، والثّانِي أجَلُ مَن بَقِيَ ومَن يَأْتِي، وقِيلَ: الأوَّلُ النَّوْمُ والثّانِي: المَوْتُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأيَّدَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّ النَّوْمَ وإنْ كانَ أخا لِلْمَوْتِ لَكِنَّهُ لَمْ تُعْهَدْ تَسْمِيَتُهُ أجَلًا وإنْ سُمِّيَ مَوْتًا، وقِيلَ: إنَّ كِلا الأجَلَيْنِ لِلْمَوْتِ ولِكُلِّ شَخْصٍ أجَلانِ أجَلٌ يَكْتُبُهُ وهو يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ وهو المُرادُ بِالعُمُرِ في خَبَرِ «إنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ في العُمُرِ» ونَحْوِهِ، ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الوارِدَةِ في غَيْرِ ما خَبَرِ الزِّيادَةِ بِالبَرَكَةِ والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ طُولُ العُمُرِ بِبَقاءِ الذِّكْرِ الجَمِيلِ كَما قالُوا: ذِكْرُ الفَتى عُمُرَهُ الثّانِيَ وضَعَّفَهُ الشِّهابُ، وقِيلَ: الأجَلانِ واحِدٌ والتَّقْدِيرُ وهَذا أجَلٌ مُسَمًّى فَهو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ و (عِنْدَهُ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُسَمًّى) وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ
﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
2
- أيْ تَشُكُّونَ في البَعْثِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، وعَنِ الرّاغِبِ المِرْيَةُ التَّرَدُّدُ في المُتَقابِلَيْنِ، وطَلَبُ الأمارَةِ مَأْخُوذٌ مِن مُرّى الضَّرْعِ إذا مَسَحَهُ لِلدَّرِّ، ووَجْهُ المُناسِبَةِ في اسْتِعْمالِهِ في الشَّكِّ أنَّ الشَّكَّ سَبَبٌ لِاسْتِخْراجِ العِلْمِ الَّذِي هو كاللَّبَنِ الخالِصِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، قِيلَ: الِامْتِراءُ الجَحْدُ، وقِيلَ: الجِدالُ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اسْتِبْعادُ امْتِرائِهِمْ في وُقُوعِ البَعْثِ وتَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الشَّواهِدِ ما يَقْطَعُ مادَّةَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إفاضَةِ الحَياةِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها عَلى مادَّةٍ غَيْرِ مُسْتَعِدَّةٍ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ كانَ أوْضَحَ اقْتِدارًا عَلى إفاضَتِهِ عَلى مادَّةٍ قَدِ اسْتَعَدَّتْ لَهُ وقارَنَتْهُ مُدَّةً ومِن هَذا يَعْلَمُ أنَّ شَطْرًا مِن تِلْكَ الأوْجُهِ
صفحة 89
السّابِقَةِ آنِفًا لا يُلائِمُ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وتَوْجِيهَ الِاسْتِبْعادِ إلى الِامْتِراءِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مَعَ أنَّ المُخاطَبِينَ جازِمُونَ بِانْتِفاءِ البَعْثِ مُصِرُّونَ عَلى جُحُودِهِ وإنْكارِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَزْمَهم ذَلِكَ في أقْصى مَراتِبِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلِيلُ التَّوْحِيدِ كَما أنَّ هَذِهِ دَلِيلُ البَعْثِ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَلِيقُ الثَّناءُ والتَّعْظِيمُ بِشَيْءٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ المُنْعِمُ لا أحَدَ غَيْرُهُ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا مَعْبُودَ ولا إلَهَ سِواهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إلّا بِمُلاحَظَةِ بُرْهانَ التَّمانُعِ إذْ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْهُ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن وُجُودِ الصّانِعِ، ومَنشَأُ ذَلِكَ حَمْلُ الدَّلِيلِ عَلى البُرْهانِ العَقْلِيِّ أوْ مُقَدِّماتِهِ الَّتِي يَتَألَّفُ مِنها أشْكالُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللّازِمِ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ الأُولى أيْضًا دَلِيلًا عَلى البَعْثِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ
6:3Page 128
وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣
And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ عائِدٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ الجُمْهُورُ وخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مَسُوقَةٌ لِبَيانِ شُمُولِ ِأحْكامِ إلَهِيَّتِهِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ المُؤَدِّيَةِ إلى الجَزاءِ إثْرَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ المَعادِ في تَضاعِيفِ ما تَقَدَّمَ، والحَمْلُ ظاهِرُ الفائِدَةِ إذا اعْتُبِرَ ما يَأْتِي وإلّا فَهو عَلى حَدٍّ - أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ عَلى ما قِيلَ بِالمَعْنى الوَصْفِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ كَما في قَوْلِكَ: هو حاتِمٌ في طَيِّءٍ عَلى مَعْنى الجَوادِ
والمَعْنى الَّذِي يُعْتَبَرُ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المَأْخُوذَ مِن أصْلِ اشْتِقاقِ الِاسْمِ الكَرِيمِ أعْنِي المَعْبُودَ أوْ ما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ مِن صِفاتِ الكَمالِ إلّا أنَّهُ يُلاحِظُ في هَذا المَقامِ ما يَقْتَضِيهِ مِنها أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّرْكِيبُ الحَصْرِيُّ لِتَعْرِيفِ طَرَفَيِ الإسْنادِ فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ أوْ ما تَقَرَّرَ عِنْدَ الكُلِّ مِن إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما أوْ وهو المالِكُ والمُتَصَرِّفُ المُدَبِّرُ فِيهِما حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ أوْ وهو المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ فِيهِما أوْ وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيهِما لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ في هَذا الِاسْمِ، ومَعْنى ذَلِكَ مُجَرَّدُ مُلاحَظَةِ أحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ في ضِمْنِ ذَلِكَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، ويَكْفِي مِثْلَ ذَلِكَ في تَعَلُّقِ الجارِّ لا أنَّهُ يَحْمِلُ لَفْظَ اللَّهِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ أوْ عَلى المالِكِ والمُتَصَرِّفِ أوِ المُتَوَحِّدِ أوْ يُقَدَّرُ القَوْلُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ الظَّرْفَ لا يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى لِجُمُودِهِ ولا بِكائِنٍ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ظَرْفًا لِلَّهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والزَّمانِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِكائِنٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والكَلامُ حِينَئِذٍ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أوْ كِنايَةٌ عَلى رَأْيِ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ جَوازَ المَعْنى الأصْلِيِّ أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شُبِّهَتِ الحالَةُ الَّتِي حَصَلَتْ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالسَّمَواتِ والأرْضِ وبِما فِيهِما بِحالَةِ بَصِيرٍ تَمَكَّنَ في مَكانٍ يَنْظُرُهُ وما فِيهِ والجامِعُ بَيْنَهُما حُضُورُ ذَلِكَ عِنْدَهُ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا مُرْسَلًا بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو ظاهِرٌ، وأنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً بِالكِتابَةِ بِأنْ شُبِّهَ - عَزَّ اسْمُهُ - بِمَن تَمَكَّنَ في مَكانٍ وأُثْبِتَ لَهُ مِن لَوازِمِهِ وهو عِلْمُهُ بِهِ رُبَّما فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المَحْظُورِ في شَيْءٍ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ أيْ ما أسْرَرْتُمُوهُ وما جَهَرْتُمْ بِهِ مِنَ الأقْوالِ أوْ مِنها ومِن
صفحة 90
الأفْعالِ بَيانًا لِلْمُرادِ وتَوْكِيدًا لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، وتَعْلِيقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِما ذُكِرَ خاصَّةً مَعَ شُمُولِهِ لِجَمِيعِ مَن في السَّمَواتِ وصاحِبَتِها لِانْسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ إلى بَيانِ حالِ المُخاطَبِينَ، وكَذا يُعْتَبَرُ بَيانًا عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ ما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن صِفاتِ الكَمالِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الجارِّ عَلى ما عَلِمْتَ فَإنَّ مُلاحَظَتَهُ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةِ الكامِلَةِ والتَّصَرُّفِ الكامِلِ حَسْبَما تَقَدَّمَ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ حَتْمًا
وعَلى التَّقادِيرِ الأُخَرِ لا مَساغَ كَما قِيلَ لِجَعْلِهِ بَيانًا لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ العِلْمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في مَفْهُومِ شَيْءٍ مِنَ المَعْبُودِيَّةِ واخْتِصاصِ اطِّلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ تَعالى، وكَذا مَفْهُومُ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا بَيانًا لِذَلِكَ، واعْتِبارُ العِلْمِ فِيما صَدَقَ عَلَيْهِ المُتَوَحِّدُ غَيْرُ كافٍ في البَيانِيَّةِ، وقِيلَ في بَيانِها عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ: إنَّ حَصْرَ الأُلُوهِيَّةِ بِمَعْنى تَدْبِيرِ الخَلْقِ ومَن تَفَرَّدَ بِتَدْبِيرِ جَمِيعِ أُمُورِ أحَدٍ لَزِمَهُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِها حَتّى يَتِمَّ لَهُ تَدْبِيرُها، فَمُلاحَظَةُ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ عَلى طُرُزِ ما تَقَرَّرَ في مُلاحَظَةِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةِ الكامِلَةِ والتَّصَرُّفِ الكامِلِ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ
ومِن هَذا يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما أُورِدَ عَلى احْتِمالِ تَعَلُّقِ الجارِّ السّابِقِ بِاعْتِبارِ مُلاحَظَةِ المُتَوَحِّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ مِن أنَّ التَّوَحُّدَ بِها أمْرٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَكانٍ، فَلا مَعْنًى لِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَكانٍ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، فَإنَّ تَدْبِيرَ الخَلْقِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما في حَيِّزِ الجارِّ مِنَ الحَيِّزِ، وكَذا بِما فِيهِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِمَنعِ تَفْسِيرِ الأُلُوهِيَّةِ بِما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى هاتِيكَ التَّقادِيرِ خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَدْ جَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ الإخْبارَ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِالمُفْرَدِ، وبَعْضُهم جَعَلَها كَذَلِكَ مُطْلَقًا، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ المُرادِ مِنَ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ حِينَئِذٍ عَقْلِيَّةٌ وهي أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ تَقَدَّسَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِنَ المَكانِ وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ إذْ لَمْ يُرْدَفْ بِما يُبَيِّنُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ ورَجَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِخُلُوِّهِ عَنِ التَّكَلُّفِ أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ويُتَكَلَّفُ لَهُ تَقْدِيرُ سُؤالٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ هي خَبَرُ (هُوَ) والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنهُ، والظَّرْفُ يَتَعَلَّقُ بـِ (يَعْلَمُ) ويَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُ المَعْلُومِ فِيما ذُكِرَ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ العالَمِ فِيهِ لِيَلْزَمَ تَحَيُّزَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُحالُ، وهَذا كَما قِيلَ كَقَوْلِكَ: رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ فَإنَّهُ صادِقٌ إذا كُنْتَ خارِجَهُ والصَّيْدُ فِيهِ
ونَقَلَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ عَنِ الإمامِ التَّمْرُتاشِيِّ في ”الإيْمانِ“ إذا ذُكِرَ ظَرْفٌ بَعْدَ فِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ كَما إذا قُلْتَ: إذا ضَرَبْتَ في الدّارِ أوْ في المَسْجِدِ، فَإنْ كانَ مَعًا فِيهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الفاعِلُ فِيهِ دُونَ المَفْعُولِ أوْ بِالعَكْسِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَظْهَرُ أثَرُهُ في المَفْعُولِ كالضَّرْبِ والقَتْلِ والجَرْحِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنْ كانَ مِمّا لا يَظْهَرُ أثَرُهُ فِيهِ كالشَّتْمِ فالمُعْتَبِرُ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ فَلِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَوْ إنْ شَتَمْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ رَمَيْتَ إلَيْهِ فَكَذا فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، وإنْ قالَ: إنْ ضَرَبْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ جَرَحْتَهُ أوْ قَتَلْتَهُ أوْ رَمَيْتَهُ فَكَذا فَشَرْطُهُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وفُرِّقَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ المُتَعَدِّي بِإلى والمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ بِأنَّ الأوَّلَ إرْسالُ السَّهْمِ مِنَ القَوْسِ بِنِيَّةٍ وذَلِكَ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَحَلِّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى وُصُولِ فِعْلِ الفاعِلِ، والثّانِي إرْسالُ السَّهْمِ أوْ ما يُضاهِيهِ عَلى وجْهٍ يَصِلُ إلى المَرْمى إلَيْهِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ، ولِذا عُدَّ كُلٌّ مِنهُما في قَبِيلٍ وعَلى هَذا يُشَكِّلُ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ العِلْمَ لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَعْلُومِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ شَتْمَتِهِ في المَسْجِدِ ويَجِيءُ المُحالُ، وكَوْنُ العِلْمِ هُنا مَجازًا عَنِ المُجازاةِ وهي مِمّا يَظْهَرُ أثَرُها في المَفْعُولِ فَيَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ إنْ ضَرَبْتَهُ في المَسْجِدِ ويَكْفِي المَفْعُولُ فِيهِ دُونَ الفاعِلِ، في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ عَلى أنَّ كَوْنَ المَفْعُولِ هُنا أعْنِي سِرَّ المُخاطَبِينَ وجَهْرَهم في السَّمَواتِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ
صفحة 91
والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ يَعْلَمُ نُفُوسَكُمُ المُفارِقَةَ الكائِنَةَ في السَّمَواتِ ونُفُوسَكُمُ المُقارِنَةَ لِأبْدانِكُمُ الكائِنَةِ في الأرْضِ تَعَسُّفٌ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ عَلى أنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ فِيما قَبْلُ لِلْكافِرِينَ فَتَفُوتُ المُناسَبَةُ والِارْتِباطُ ومِثْلُهُ القَوْلُ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ المَلائِكَةَ، وظاهِرٌ أنَّ سِرَّهم وجَهْرَهم في السَّمَواتِ
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ سِرِّ المُخاطَبِينَ وجَهْرِهِمْ فِيها لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ وتَصْوِيرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ في أيِّ مَكانٍ كانَ لا أنَّهُما يَكُونانِ في السَّمَواتِ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالسِّرِّ ما كُتِمَ عَنْهم مِن عَجائِبِ المُلْكِ وأسْرارِ المَلَكُوتِ مِمّا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وبِالجَهْرِ ما ظَهَرَ لَهم مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ. وإضافَةُ السِّرِّ والجَهْرِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَجازِيَّةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ويَلْزَمُ أيْضًا التَّنازُعُ مَعَ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ. وأُجِيبَ بِأنَّ مِنهم مَن يُجَوِّزُ التَّنازُعَ مَعَ تَقَدُّمِ المَعْمُولِ ومَن يَقُولُ: بِجَوازِ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى المَصْدَرِ لِتَوَسُّعِهِمْ فِيهِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِهِ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ مُتَعَلِّقِ المَصْدَرِ إذا قُدِّرَ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ مِمّا مَنَعُوهُ، وقالَ مَوْلانا صَدْرُ الدِّينِ: يَرُدُّ عَلى مَنعِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ تَعَلُّقُهُ بِـ (إلَهٍ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ﴾ مَعَ أنَّ إلَهًا مَصْدَرٌ وصَرَّحَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ فَإنْ أُوِّلَ بِالصِّفَةِ مِثْلَ المَعْبُودِ فَلْيُؤَوَّلِ السِّرُّ والجَهْرُ بِالخَفِيِّ والظّاهِرِ
وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ جَعَلَ (هُوَ) ضَمِيرَ الشَّأْنِ و(اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ أيِ الشَّأْنُ والقِصَّةُ ذَلِكَ ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾
3
- أيْ ما تَفْعَلُونَهُ لِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنَ الأعْمالِ المُكْتَسَبَةِ بِالقُلُوبِ والجَوارِحِ سِرًّا وعَلانِيَةً. وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى تَقْدِيرِ تَعْمِيمِ السِّرِّ والجَهْرِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ لِأنَّهُ مَدارُ فَلَكِ الجَزاءِ وهو السِّرُّ في إعادَةِ (يَعْلَمُ) ومِنَ النّاسِ مَن غايَرَ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِجَعْلِ العِلْمِ هُنا عِبارَةً عَنْ جَزائِهِ وإبْقائِهِ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ فِيما تَقَدَّمَ. وتَفْسِيرُ المُكْتَسَبِ بِجَزاءِ الأعْمالِ مِنَ المَثُوباتِ والعُقُوباتِ غَيْرُ ظاهِرٍ.وكَذا حَمْلُ السِّرِّ والجَهْرِ عَلى ما وقَعَ والمُكْتَسَبُ عَلى ما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ
6:4Page 128
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْ بَعْضِ آياتِ التَّوْحِيدِ وامْتِرائِهِمْ في البَعْثِ وإعْراضِهِمْ عَنْ بَعْضِ أدِلَّتِهِ. والإعْراضُ عَنْ خِطابِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْراضَهُمُ السّابِقَ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا اقْتَضى أنْ لا يُوَجَّهُوا بِكَلامٍ بَلْ يُضْرَبُ عَنْهم صَفْحًا وتَعَدُّدُ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ ذَمًّا لَهم وتَقْبِيحًا لِحالِهِمْ. فَـ (ما) نافِيَةٌ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ،و (مِن) الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ أوْ لِتَأْكِيدِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مَجْرُورٍ أوْ مَرْفُوعٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ كَوْنَها لِلتَّبْعِيضِ يُنافِي كَوْنَ الأوْلى لِلِاسْتِغْراقِ إذِ الآيَةُ المُسْتَغْرِقَةُ لا تَكُونُ بَعْضًا مِنَ الآياتِ. ورُدَّ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ هَهُنا لِآيَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالإتْيانِ فَهي وإنِ اسْتُغْرِقَتْ بَعْضٌ مِن جَمِيعِ الآياتِ عَلى أنَّ كَلامَهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ
وإضافَةُ الآياتِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبِعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها
صفحة 92
والمُرادُ بِها إمّا الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ أوِ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ الشّامِلَةُ لِلْمُعْجِزاتِ وغَيْرِها مِن تَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ والإتْيانِ عَلى الأوَّلِ بِمَعْنى النُّزُولِ، وعَلى الثّانِي بِمَعْنى الظُّهُورِ عَلى ما قِيلَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُطْلَقًا بِمَعْنى الظُّهُورِ اسْتِعْمالًا لَهُ في لازِمِ مَعْناهُ وهو المَجِيءُ الَّذِي لا يُوصَفُ بِهِ إلّا الأجْسامُ مَجازًا لا كِنايَةً كَما قِيلَ
وحاصِلُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: ما تَنْزِلُ إلَيْهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ المُنْبِئَةِ عَنْ جَرَيانِ أحْكامِ أُلُوهِيَّتِهِ عَلى كافَّةِ الكائِناتِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ أحْوالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها والإيمانِ بِها
﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾
4
- غَيْرَ مُقْبِلِينَ عَلَيْها ولا مُعْتَنِينَ بِها وعَلى الثّانِي ما تَظْهَرُ لَهم آية مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ شُؤُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا كانُوا تارِكِينَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِمُكَوِّنِها، وأصْلُ الإعْراضِ صَرْفُ الوَجْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المَحْسُوساتِ، واسْتِعْمالُهُ في عَدَمِ الِاعْتِناءِ أوْ تَرْكِ النَّظَرِ مُجازٌ عَلى ما حَقَّقَهُ البَعْضُ، وفَسَّرَ شَيْخُ الإسْلامِ الإعْراضَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِما كانَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ و (عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعْرِضِينَ. والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ
والجُمْلَةُ بَعْدَ إلّا -كَما قالَ الكَرْخِيُّ- في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ تَأْتِي أوْ مِن فاعِلِهِ المُخَصَّصِ بِالوَصْفِ كَما قِيلَ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما. وإيثارُها عَلى أعْرَضُوا عَنْها كَما وقَعَ مَثَلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسْبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ
وفِي الكَلامِ إشارَةٌ إلى غايَةِ انْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ حَيْثُ آذَنَ أنَّ إعْراضَهم عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الآياتِ أنَّ الإتْيانَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ لَمّا في قَوْلِهِ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences