Ibn al-JawziHud · 11:30–43

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:30–43

11:30–34Page 225

وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠

And O my people, who would protect me from Allāh if I drove them away? Then will you not be reminded?

وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allāh will never grant them any good. Allāh is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers [i.e., the unjust]."

قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢

They said, "O Noah, you have disputed [i.e., opposed] us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣

He said, "Allāh will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - if Allāh should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أرادَ بِالخَزائِنِ: عَلِمَ الغَيْبِ المَطْوِيَّ عَنِ الخَلْقِ، لِأنَّهم قالُوا لَهُ: إنَّما اتَّبَعَكَ هَؤُلاءِ في الظّاهِرِ ولَيْسُوا مَعَكَ، فَقالَ لَهم: لَيْسَ عِنْدِي خَزائِنُ غُيُوبِ اللَّهِ فَأعْلَمَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. وإنَّما قِيلَ لِلْغُيُوبِ: خَزائِنُ لِغُمُوضِها عَنِ النّاسِ واسْتِتارِها عَنْهم. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّما آياتُ القُرْآنِ خَزائِنُ، فَإذا دَخَلْتَ خِزانَةً فاجْتَهِدْ أنْ لا تَخْرُجَ مِنها حَتّى تَعْرِفَ ما فِيها.

(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ قِيلَ: إنَّما قالَ لَهم هَذا، لِأنَّ أرْضَهم أجْدَبَتْ، فَسَألُوهُ: مَتى يَجِيءُ المَطَرُ ؟ وقِيلَ: بَلْ سَألُوهُ: مَتى يَجِيءُ العَذابُ ؟ فَقالَ: ولا أعْلَمُ الغَيْبَ. وقَوْلُهُ: " ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ " جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هُودٍ:٢٧] . ﴿وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ أيْ: تَحْتَقِرُ وتَسْتَصْغِرُ المُؤْمِنِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: " تَزْدَرِي " تَسْتَقِلُّ وتَسْتَخِسُّ، يُقالُ: زَرَيْتُ عَلى الرَّجُلِ: إذا عِبْتَ عَلَيْهِ وخَسَسْتَ فِعْلَهُ، وأزْرَيْتُ بِهِ: إذا قَصَّرْتَ بِهِ. وأصْلُ تَزْدَرِي: تَزْتَرِي، إلّا أنَّ هَذِهِ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الزّايِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مِن حُرُوفِ الهَمْسِ، وحُرُوفُ الهَمْسِ خَفِيَّةً، فالتّاءُ بَعْدَ الزّايِ تُخْفى، فَأُبْدِلَتْ مِنها الدّالَ لِجَهْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إيمانًا. ومَعْنى الكَلامِ: لَيْسَ لِي أنْ أطَّلِعَ عَلى ما في نُفُوسِهِمْ فَأقْطَعَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، ولَيْسَ لِاحْتِقارِكم إيّاهم يَبْطُلُ أجْرُهم. ﴿إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إنْ قُلْتُ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقِيلَ إنْ طَرَدْتُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجِدالُ: هو المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدْلِ، وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، ويُقالُ لِلصَّقْرِ: أجْدَلُ، لِأنَّهُ مِن أشَدِّ الطَّيْرِ. ويُقْرَأُ " فَأكْثَرْتَ جَدْلَنا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ العَذابَ. " إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ " أنَّهُ يَأْتِينا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ أيْ: أنْصَحُكم. وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرْطانِ، فَجَوابُ الأوَّلِ النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي النَّفْعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

(p-١٠٠)أحَدُها: يُضِلَّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُهْلِكَكم، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ: هو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. الثّالِثُ: يُضِلَّكم ويُهْلِكَكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: هو أوْلى بِكم، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ كَما يَشاءُ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.

11:35Page 225

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥

Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أيَقُولُونَ: " افْتَراهُ " ؟ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ. " فَعَلَيَّ إجْرامِي " أيْ: جُرْمُ ذَلِكَ الِاخْتِلاقِ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ. " وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ " في التَّكْذِيبِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " فَعَلَيَّ أجْرامِي " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

11:36Page 225

وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ لَمّا أُوحِيَ إلَيْهِ هَذا، اسْتَجازَ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ:٢٦] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: لا تَحْزَنْ. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: لا تَسْتَكِنْ ولا تَحْزَنْ. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَلا تَحْزَنْ إذا نَزَلَ بِهِمُ الغَرَقُ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .

11:37–38Page 225

وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ أيْ: واعْمَلِ السَّفِينَةَ

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: بِمَرْأًى مِنّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي بِحِفْظِنا، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والثّالِثُ: بِعِلْمِنا، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما جَمَعَ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في إيقاعِها الجَمْعَ عَلى الواحِدِ، تَقُولُ: خَرَجْنا إلى البَصْرَةِ في السُّفُنِ، وإنَّما جَمَعَ، لِأنَّ مِن عادَةِ المَلِكِ أنْ يَقُولَ: أمَرْنا ونَهَيْنا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَحْيِنا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: وأمْرِنا لَكَ أنْ تَصْنَعَها. والثّانِي: وبِتَعْلِيمِنا إيّاكَ كَيْفَ تَصْنَعُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لا تَسْألْنِي الصَّفْحَ عَنْهم. والثّانِي: لا تُخاطِبْنِي في إمْهالِهِمْ. وإنَّما نُهِيَ عَنِ الخِطابِ في ذَلِكَ صِيانَةً لَهُ عَنْ سُؤالٍ لا يُجابُ فِيهِ.

الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ عَمَلِ السَّفِينَةِ

رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ نُوحٌ يُضْرَبُ ثُمَّ يُلَفُّ في لِبْدٍ فَيُلْقى في بَيْتِهِ، يُرَوْنَ أنَّهُ قَدْ ماتَ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَدْعُوهم. حَتّى إذا يَئِسَ مِن إيمانِ قَوْمِهِ، جاءَهُ رَجُلٌ ومَعَهُ ابْنُهُ وهو يَتَوَكَّأُ عَلى عَصًا، فَقالَ: يا بُنَيَّ انْظُرْ هَذا الشَّيْخَ لا يَغْرُرْكَ، قالَ: ياأبْتِ أمْكِنِّي مِنَ العَصا، فَأخَذَها فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً شَجَّهُ (p-١٠٢)مُوضِحَةً، وسالَتِ الدِّماءُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: رَبِّ قَدْ تَرى ما يَفْعَلُ بِي عِبادُكَ، فَإنْ يَكُنْ لَكَ فِيهِمْ حاجَةٌ فاهْدِهِمْ، وإلّا فَصَبِّرْنِي إلى أنْ تَحْكُمَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ " أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ " إلى قَوْلِهِ: " واصْنَعِ الفُلْكَ "، قالَ: يارَبِّ، وما الفُلْكُ ؟ قالَ: بَيْتٌ مِن خَشَبٍ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ أُنَجِّي فِيهِ أهْلَ طاعَتِي، وأُغْرِقُ أهْلَ مَعْصِيَتِي، قالَ: يارَبِّ، وأيْنَ الماءُ ؟ قالَ: إنِّي عَلى ما أشاءُ قَدِيرٌ، قالَ: يارَبِّ، وأيْنَ الخَشَبُ ؟ قالَ: اغْرِسِ الشَّجَرَ، فَغَرَسَ السّاجَ عِشْرِينَ سَنَةً، وكَفَّ عَنْ دُعائِهِمْ، وكَفُّوا عَنْهُ، إلّا أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَلَمّا أدْرَكَ الشَّجَرُ، أمَرَهُ رَبُّهُ، فَقَطَعَهُ وجَفَّفَهُ ولَفَّقَهُ، فَقالَ: يارَبِّ، كَيْفَ أتَّخِذُ هَذا البَيْتَ ؟ قالَ: اجْعَلْهُ عَلى ثَلاثِ صُوَرٍ، رَأْسُهُ كَرَأْسِ الطّاوُوسِ، وجُؤْجُؤُهُ كَجُؤْجُؤِ الطّائِرِ، وذَنَبُهُ كَذَنَبِ الدِّيكِ، واجْعَلْها مُطْبَقَةً، وبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ يُعَلِّمُهُ، وأوْحى إلَيْهِ أنْ عَجِّلْ عَمَلَ السَّفِينَةِ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلى مَن عَصانِي، فاسْتَأْجَرَ نَجّارِينَ يَعْمَلُونَ مَعَهُ، وسِامُ، وحامُ، ويافِثُ، مَعَهُ يَنْحِتُونَ السَّفِينَةَ، فَجَعَلَ طُولَها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضَها ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثِينَ ذِراعًا، وعُلُوَّها ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وفَجَّرَ اللَّهُ لَهُ عَيْنَ القارِ تَغْلِي غَلَيانًا حَتّى طَلاها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جَعَلَ لَها ثَلاثَ بُطُونٍ، فَحَمَلَ في البَطْنِ الأوَّلِ الوُحُوشَ والسِّباعَ والهَوامَّ، وفي الأوْسَطِ الدَّوابَّ والأنْعامَ، ورَكِبَ هو ومَن مَعَهُ البَطْنَ الأعْلى. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سَفِينَةُ نُوحٍ طُولُها ألْفُ ذِراعٍ، ومِائَتا ذِراعِ، وعَرْضُها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ (p-١٠٣)فِيما ذُكِرَ لَنا طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسُمِائَةِ ذِراعٍ، وطُولُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ طُولُها ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسِينَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وطُولُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، وكانَ في أعْلاها الطَّيْرُ، وفي وسَطِها النّاسُ، وفي أسْفَلِها السِّباعُ. وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهُ عَمِلَ السَّفِينَةَ في أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ وما رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، فَكانُوا يَسْخَرُونَ ويَقُولُونَ: صِرْتَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ نَجّارًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا لَهُ: ما تَصْنَعُ ؟ فَقالَ: أبْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ، فَسَخِرُوا مِن قَوْلِهِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: إنْ تَسْخَرُوا مِن قَوْلِنا فَإنّا نَسْخَرُ مِن غَفْلَتِكم.

والثّانِي: إنْ تَسْخَرُوا مِن فِعْلِنا عِنْدَ بِناءِ السَّفِينَةِ، فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم عِنْدَ الغَرَقِ، ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ.

والثّالِثُ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا، فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والرّابِعُ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا، فَإنّا نَسْتَنْصِرُ اللَّهَ عَلَيْكم، فَسَمّى هَذا سُخْرِيَةً، لِيَتَّفِقَ اللَّفْظانِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ:١٥]، هَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ قَبْلَ الطُّوفانِ نَهْرٌ ولا بَحْرٌ، فَلِذَلِكَ سَخِرُوا مِنهُ، وإنَّما مِياهُ البِحارِ بَقِيَّةُ الطُّوفانِ.

11:39Page 226

فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

(p-١٠٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ، ومَعْناهُ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن هو أحَقُّ بِالسُّخْرِيَةِ، ومَن هو أحْمَدُ عاقِبَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يُذِلُّهُ، وهو الغَرَقُ. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ويَجِبُ عَلَيْهِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

11:40Page 226

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جاءَ أمْرُنا بِعَذابِهِمْ وإهْلاكِهِمْ. والثّانِي: جاءَ عَذابُنا وهو الماءُ، ابْتَدَأ بِجَنَباتِ الأرْضِ فَدارَ حَوْلَها كالإكْلِيلِ، وجَعَلَ المَطَرُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَأفْواهِ القِرَبِ، فَجَعَلَتِ الوُحُوشُ يَطْلُبْنَ وسَطَ الأرْضِ هَرَبًا مِنَ الماءِ حَتّى اجْتَمَعْنَ عِنْدَ السَّفِينَةِ، فَحِينَئِذٍ حَمَلَ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ الفَوْرُ: الغَلَيانُ؛ والفَوّارَةُ: ما يَفُورُ مِنَ القِدْرِ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ.

قالَ المُصَنَّفُ: وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ قالَ: التَّنُّورُ: اسْمٌ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ لا تَعْرِفُ لَهُ العَرَبُ اسْمًا غَيْرَ هَذا، فَلِذَلِكَ جاءَ في التَّنْزِيلِ، لِأنَّهم خُوطِبُوا بِما عَرَفُوا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: التَّنُّورُ، بِكُلِّ لِسانٍ عَرَبِيٍّ وعَجَمِيٍّ.

(p-١٠٥)وَفِي المُرادِ بِهَذا التَّنُّورِ سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ لِوَجْهِ الأرْضِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: التَّنُّورُ: وجْهُ الأرْضِ، قالَ: قِيلَ لَهُ: إذا رَأيْتَ الماءَ قَدْ عَلا وجْهَ الأرْضِ، فارْكَبْ أنْتَ وأصْحابُكَ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ تَنْوِيرُ الصُّبْحِ، رَواهُ أبُو جُحَيْفَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّنْوِيرُ عِنْدَ الصَّلاةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ طُلُوعُ الفَجْرِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا، قالَ: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾: طَلَعَ الفَجْرُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ، وهو مَنقُولٌ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا.

والخامِسُ: أنَّهُ تَنُّورُ أهْلِهِ، رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا رَأيْتَ تَنُّورَ أهْلِكَ يَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، فَإنَّهُ هَلاكُ قَوْمِكَ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ تَنُّورُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَبَهُ اللَّهُ لِنُوحٍ، وقِيلَ لَهُ: إذا فارَ الماءُ مِنهُ، فاحْمِلْ ما أُمِرْتَ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ تَنُّورًا مِن حِجارَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والفَرّاءِ، ومُقاتِلٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ أعْلى الأرْضِ وأشْرَفُها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: شُبِّهَتْ أعالِي الأرْضِ وأماكِنُها المُرْتَفِعَةُ لِعُلُوِّها، بِالتَّنانِيرِ. واخْتَلَفُوا في المَكانِ الَّذِي فارَ مِنهُ التَّنُّورُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ فارَ مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ، رَواهُ حَبَّةُ العَرْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: فارَ التَّنُّورُ مِن زاوِيَةِ مَسْجِدِ الكُوفَةِ اليُمْنى. وقالَ مُجاهِدٌ: نَبَعَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ، فَعَلِمَتْ بِهِ امْرَأتُهُ فَأخْبَرَتْهُ، وكانَ ذَلِكَ بِناحِيَةِ الكُوفَةِ. وكانَ الشَّعْبِيُّ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما كانَ التَّنُّورُ إلّا بِناحِيَةِ الكُوفَةِ.

(p-١٠٦)والثّانِي: أنَّهُ فارَ بِالهِنْدِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في أقْصى دارِ نُوحٍ، وكانَتْ بِالشّامِ في مَكانٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ أيْ: في السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مِن كُلٍّ " بِالتَّنْوِينِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمَعْنى: مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومَن كُلِّ زَوْجٍ زَوْجَيْنِ، فَحَذَفَ المُضافَ. وانْتِصابُ " اثْنَيْنِ " عَلى أنَّهُما صِفَةٌ لِزَوْجَيْنِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الزَّوْجَيْنِ اثْنانِ، ولَكِنَّهُ تَوْكِيدٌ. قالَ مُجاهِدٌ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ذَكَرًا وأُنْثى. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الزَّوْجُ يَكُونُ واحِدًا، ويَكُونُ اثْنَيْنِ، وهو هاهُنا واحِدٌ، ومَعْنى الآيَةِ: احْمِلْ مِن كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى اثْنَيْنِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: احْمِلْ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والزَّوْجُ في كَلامِ العَرَبِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ واحِدٌ، والِاثْنانِ يُقالُ لَهُما: زَوْجانِ، يُقالُ: عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الطَّيْرِ، إنَّما يُرِيدُ ذَكَرًا وأُنْثى فَقَطْ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ " اثْنَيْنِ " فَثَنّى الزَّوْجَ، لِأنَّهُ قَصَدَ قَصْدَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ، وتَقْدِيرُهُ: مِن كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأهْلَكَ﴾ أيْ: واحْمِلْ أهْلَكَ. قالَ المُفَسِّرُونَ أرادَ بِأهْلِهِ: عِيالَهُ ووَلَدَهُ. " إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ " أيْ: سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنَ اللَّهِ بِالإهْلاكِ، قالَ الضَّحّاكُ: وهم امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن آمَنَ﴾ مَعْناهُ: واحْمِلْ مَن آمَنَ. " وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ " وفي عَدَدِهِمْ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا مَعَهم أهْلُوهم، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-١٠٧)والثّانِي: أنَّ نُوحًا حَمَلَ مَعَهُ ثَمانِينَ إنْسانًا، وبَنِيهِ الثَّلاثَةَ، وثَلاثَ نِسْوَةٍ لِبَنِيهِ، وامْرَأةَ نُوحٍ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: كانُوا ثَمانِينَ إنْسانًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ كانُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً.

والرّابِعُ: كانُوا أرْبَعِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: كانُوا ثَلاثِينَ رَجُلًا، رَواهُ أبُو نُهَيْكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: كانُوا ثَمانِيَةً، قالَ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: كانَ نُوحٌ وثَلاثَةُ بَنِيهِ وأرْبَعُ كَنائِنِهِ. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ لَمْ يَنْجُ في السَّفِينَةِ إلّا نُوح ٌوامْرَأتُهُ وثَلاثَةُ بَنِينَ لَهُ، ونِساؤُهم، فَجَماعَتُهم ثَمانِيَةٌ، وهَذا قَوْلُ القُرَظِيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والسّابِعُ: كانُوا سَبْعَةً، نُوحٌ وثَلاثُ كَنائِنَ لَهُ، وثَلاثَةُ بَنِينَ، قالَهُ الأعْمَشُ.

والثّامِنُ: كانُوا عَشْرَةً سِوى نِسائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الَّذِينَ نَجَوْا مَعَ نُوحٍ بَنُوهُ الثَّلاثَةُ، ونِساؤُهم ثَلاثٌ، وسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ

11:41Page 226

۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allāh [are] its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ﴾ يَعْنِي نُوحًا لِلَّذِينِ أُمِرَ بِحَمْلِهِمْ ﴿ارْكَبُوا﴾ السَّفِينَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَكِبُوا فِيها لِعَشَرٍ مَضَيْنَ مِن رَجَبٍ، وخَرَجُوا مِنها يَوْمَ عاشُوراءَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: رُفِعَتْ مِن عَيْنِ ورْدَةَ يَوْمَ الجُمْعَةِ لِعَشَرٍ مَضَيْنَ مِن رَجَبٍ، فَأتَتْ (p-١٠٨)مَوْضِعَ البَيْتِ فَطافَتْ بِهِ أُسْبُوعًا، وكانَ البَيْتُ قَدْ رُفِعَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَسَتْ بِباقِرْدى عَلى الجُودِيِّ يَوْمَ عاشُوراءَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرَضَ الفَأْرُ حِبالَ السَّفِينَةِ، فَشَكا نُوحٌ ذَلِكَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَمَسَحَ ذَنَبَ الأسَدِ، فَخَرَجَ سِنَّوْرانِ وكانَ في السَّفِينَةِ عَذِرَةٌ، فَشَكا ذَلِكَ إلى رَبِّهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَمَسَحَ ذَنَبَ الفِيلِ، فَخَرَجَ خِنْزِيرانِ فَأكَلا ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُوبَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مُجْراها " بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَجْرِاها " بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ. وكُلُّهم قَرَؤُوا بِضَمِّ المِيمِ مِن " مُرْساها " إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وأبا عَمْرٍو، وابْنَ عامِرٍ، وحَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، كانُوا يَفْتَحُونَ السِّينَ. ونافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، كانا يَقْرَآنِها بَيْنَ الكَسْرِ والتَّفْخِيمِ. وكانَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، يُمِيلُونَها. ولَيْسَ في هَؤُلاءِ أحَدٌ جَعَلَها نَعْتًا لِلَّهِ، وإنَّما جَعَلَ الوَصْفَيْنِ نَعْتًا لِلَّهِ تَعالى، الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ، وإسْماعِيلُ بْنُ مَجالِدٍ عَنْ عاصِمٍ، فَقَرَؤُوا " مُجْرِيها ومُرْسِيها " بِضَمِّ المِيمِ وبِياءَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ، مِثْلُ مُبْدِيها ومُنْشِيها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " مَجْراها " بِفَتْحِ المِيمِ، وإمالَةِ الرّاءِ بَعْدَها ألِفٌ، " ومُرْساها " بِرَفْعِ المِيمِ، وإمالَةِ السِّينِ بَعْدَها ألِفٌ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " مَجْراها " بِفَتْحِ المِيمِ والرّاءِ، وبِألِفٍ بَعْدَها، ومُرْساها، بِرَفْعِ المِيمِ وفَتْحِ السِّينِ، وبِألِفٍ بَعْدَها. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمَرَ: " مَجْراها ومَرْساها " بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما جَمِيعًا، وفَتْحِ الرّاءِ والسِّينِ، وبِألِفٍ بَعْدَهُما. (p-١٠٩)وَقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، إلّا أنَّهُ أمالَ الرّاءَ والسِّينَ فِيهِما. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، بِرَفْعِ المِيمِ فِيهِما، وفَتْحِ الرّاءِ والسِّينِ، وبِألِفٍ بَعْدَهُما جَمِيعًا. فَمَن قَرَأ بِضَمِّ المِيمَيْنِ، جَعَلَهُ مِن أجْرى وأرْسى. ومَن فَتَحَهُما، جَعَلَهُ مَصْدَرًا مَن جَرى الشَّيْءُ يَجْرِي مَجْرًى، ورَسى يَرْسِي مَرْسًى. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ " بِسْمِ اللَّهِ " أيْ: بِاللَّهِ، والمَعْنى: أنَّهُ أمَرَهم أنْ يُسَمُّوا في وقْتِ جَرْيِها ووَقْتِ اسْتِقْرارِها.

وَمَن قَرَأ بِضَمِّ المِيمَيْنِ، فالمَعْنى: بِاللَّهِ إجْراؤُها، وبِاللَّهِ إرْساؤُها. ومَن فَتَحَهُما، فالمَعْنى: بِاللَّهِ يَكُونُ جَرْيُها، وبِاللَّهِ يَقَعُ إرْساؤُها، أيْ: إقْرارُها. وسَمِعْتُ شَيْخَنا أبا مَنصُورٍ اللُّغَوِيَّ يَقُولُ: مَن ضَمَّ المِيمَ في " مَجْراها " أرادَ: أجْراها اللَّهُ مُجْرًى، ومَن فَتَحَها، أرادَ: جَرَتْ مَجْرًى. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَجَرَتْ. وإذا أرادَ أنْ تَرْسِيَ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَرَسَتْ.

11:42–43Page 226

وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allāh, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ شَبَّهَهُ بِالجِبالِ في عِظَمِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُقالُ: إنَّ الماءَ ارْتَفَعَ عَلى أطْوَلِ جَبَلٍ في الأرْضِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، ويُرْوى خَمْسَ عَشْرَةَ ذِراعًا. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ ارْتَفَعَ نَحْوَ السَّماءِ سَبْعِينَ فَرْسَخًا مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ لا يَخْتَلِفُونَ أنَّهُ كانَ كافِرًا. وفي اسْمِهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: كَنْعانُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: اسْمُهُ يامُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

(p-١١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ في مَعْزِلٍ﴾ المَعْزِلُ: المَكانُ المُنْقَطِعُ. ومَعْنى العَزْلِ: التَّنْحِيَةُ. وفي مَعْنى الكَلامِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: في مَعْزِلٍ مِنَ السَّفِينَةِ. والثّانِي: في مَعْزِلٍ مِن دِينِ أبِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يابُنَيِّ ارْكَبْ " مُضافَةً، بِكَسْرِ الياءِ. ورَوى أبُوبَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يابُنَيَّ " مَفْتُوحَةَ الياءِ ها هُنا، وباقِي القُرْآنِ مَكْسُورَةٌ. ورَوى حَفْصٌ عَنْهُ بِالفَتْحِ في كُلِّ القُرْآنِ " يابُنَيَّ " إذا كانَ واحِدًا. قالَ النَّحْوِيُّونَ: الأصْلُ في " بُنَيَّ " ثَلاثُ ياءاتٍ، ياءُ التَّصْغِيرِ، وياءٌ بَعْدَها هي لامُ الفِعْلِ، وياءٌ بَعْدَ لامِ الفِعْلِ هي ياءُ الإضافَةِ. فَمَن قَرَأ " يابُنَيِّ " أرادَ يابُنَيِّي، فَحَذَفَ ياءَ الإضافَةِ، وتَرَكَ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها، كَما يُقالُ: يا غُلامِ أقْبِلْ. ومَن فَتَحَ الياءَ، أبْدَلَ مِن كَسْرَةِ لامِ الفِعْلِ فَتْحَةً، اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الياءاتِ مَعَ الكَسْرَةِ، فانْقَلَبَتْ ياءُ الإضافَةِ ألِفًا، ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ كَما تُحْذَفُ الياءُ، فَبَقِيَتِ الفُتْحَةُ عَلى حالِها. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: يا بُنَيَّ آمِن وارْكَبْ مَعَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَآوِي﴾ أيْ: سَأصِيرُ وأرْجِعُ " إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي " أيْ: يَمْنَعُنِي " مِنَ الماءِ " أيْ: مِن تَغْرِيقِ الماءِ.

" قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ " فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لا مانِعَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا مَعْصُومَ، ومِثْلُهُ: ماءٌ دافِقٌ، أيْ: مَدْفُوقٌ، وسِرٌّ كاتِمٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ، قالَ مُقاتِلٌ: إلّا مَن رَحِمَ فَرَكِبَ السَّفِينَةَ.

(p-١١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُما ابْنُ نُوحٍ والجَبَلُ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ يَعْصِمُهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّانِي: نُوحٌ وابْنُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском