Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:53–68
12:53–56Page 242
۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣
And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."1
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤
And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."
قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥
[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦
And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.
(p-٢٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُبَرِّئُ﴾ في القائِلِ لِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ، وهي الَّتِي تَقَدَّمَتْ في الآيَةِ قَبْلَها.
فالَّذِينَ قالُوا: هو يُوسُفُ، اخْتَلَفُوا في سَبَبِ قَوْلِهِ لِذَلِكَ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ غَمَزَهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟ فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ: ﴿لَمْ أخُنْهُ﴾ ذَكَرَ أنَّهُ قَدْ هَمَّ بِها فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ، خافَ أنْ يَكُونَ قَدْ زَكّى نَفْسَهُ، فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا قالَهُ، قالَ لَهُ المَلَكُ الَّذِي مَعَهُ: اذْكُرْ ما هَمَمْتَ بِهِ، فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أنَّهُ لَمّا قالَهُ، قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: ولا يَوْمَ حَلَلْتَ سَراوِيلَكَ، فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والَّذِينَ قالُوا: هَذا قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ، فالمَعْنى: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي أنِّي كُنْتُ راوَدْتُهُ.
والَّذِينَ قالُوا: هو العَزِيزُ، فالمَعْنى: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، لِأنَّهُ قَدْ خَطَرَ لِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ ويَعْقُوبُ إلّا رُوَيْسًا: " بِالسُّوءِ إلّا " بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ شَنْبُوذٍ عَنْ قُنْبُلٍ بِتَحْقِيقِ الثّانِيَةِ وحَذْفِ الأُولى. ورَوى نَظِيفٌ عَنْ قُنْبُلٍ بِتَحْقِيقِ الأُولى وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ووَرْشٌ، ورُوَيْسٌ بِتَحْقِيقِ الأُولى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ (p-٢٤٢)بَيْنَ بَيْنَ، مِثْلُ: " السُّوء عِلّا " . ورَوى ابْنُ فُلَيْحٍ بِتَحْقِيقِ الثّانِيَةِ وقَلْبِ الأُولى واوًا، وأدْغَمَها في الواوِ الَّتِي قَبْلَها. فَتَصِيرُ واوًا مَكْسُورَةً مُشَدَّدَةً قَبْلَ هَمْزَةِ " إلّا " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: إلّا أنَّ رَحْمَةَ رَبِّي عَلَيْها المُعْتَمَدُ. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المَعْنى: إلّا مَن عَصَمَ رَبِّي. وقِيلَ: " ما " بِمَعْنى " مَن " . قالَ الماوَرْدِيُّ: ومَن قالَ: هو قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ، فالمَعْنى: إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي في قَهْرِهِ لِشَهْوَتِهِ، أوْ في نَزْعِها عَنْهُ. ومَن قالَ: هو قَوْلُ العَزِيزِ، فالمَعْنى: إلّا مَن رَحِمَ رَبِّي بِأنْ يَكْفِيَهُ سُوءَ الظَّنِّ، أوْ يُثَبِّتَهُ فَلا يَعْجَلُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والقَوْلُ بِأنَّ هَذا قَوْلُ يُوسُفَ، أصَحُّ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لِأنَّ العُلَماءَ عَلَيْهِ. والثّانِي: لِأنَّ المَرْأةَ كانَتْ عابِدَةَ وثَنٍ، وما تَضَمَّنَتْهُ " الآيَةُ " ألْيَقُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ يُوسُفَ مِن قَوْلِ مَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا تَبَيَّنَ المَلِكُ عُذْرَ يُوسُفَ وعَلِمَ أمانَتَهُ، قالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أيْ: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي، لا يَشْرَكُنِي فِيهِ أحَدٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ في بَعْضِ ما مَضى أنَّ يُوسُفَ قالَ في مَجْلِسِ المَلِكِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾، فَكَيْفَ قالَ المَلِكُ: " ائْتُونِي بِهِ " وهو حاضِرٌ عِنْدَهُ ؟!
فالجَوابُ: أنَّ أرْبابَ هَذا القَوْلِ يَقُولُونَ: أمَرَ المَلِكُ بِإحْضارِهِ لِيُقَلِّدَهُ الأعْمالَ في غَيْرِ المَجْلِسِ الَّذِي اسْتَحْضَرَهُ فِيهِ لِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا. قالَ وهْبٌ: لَمّا دَخَلَ يُوسُفُ عَلى المَلِكِ، وكانَ المَلِكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا، كانَ كُلَّما كَلَّمَهُ بِلِسانٍ، أجابَهُ يُوسُفُ بِذَلِكَ اللِّسانِ، فَعَجِبَ المَلِكُ، وكانَ يُوسُفُ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ شِفاهًا فَذَكَرَها لَهُ، قالَ: فَما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ ؟ (p-٢٤٣)قالَ: أرى أنْ تَزْرَعَ زَرْعًا كَثِيرًا في هَذِهِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ، وتَجْمَعَ الطَّعامَ، فَيَأْتِيكَ النّاسُ فَيَمْتارُونَ، وتَجْمَعُ عِنْدَكَ مِنَ الكُنُوزِ مالَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ، فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا ؟ فَقالَ يُوسُفُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويُرِيدُ: بِقَوْلِهِ: ﴿مَكِينٌ أمِينٌ﴾ أيْ: قَدْ مَكَّنْتُكَ في مُلْكِي وائْتَمَنتُكَ فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَكِينُ: الوَجِيهُ، والأمِينُ: الحافِظُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ: خَزائِنِ أرْضِكَ.
وَفِي المُرادِ بِالخَزائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: خَزائِنُ الأمْوالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: خَزائِنُ الطَّعامِ فَحَسْبُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سَألَ ذَلِكَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ بُعِثُوا بِالعَدْلِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا أحَدَ أقْوَمُ بِذَلِكَ مِنهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: حَفِيظٌ لِما ولَّيْتَنِي، عَلِيمٌ بِالمَجاعَةِ مَتى تَكُونُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي، عَلِيمٌ بِهَذِهِ السِّنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ أنَّ النّاسَ كانُوا يَرِدُونَ عَلى المَلِكِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ فَيَتَكَلَّمُونَ بِلُغاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
واخْتَلَفُوا، هَلْ ولّاهُ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ، أمْ لا ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ ولّاهُ بَعْدَ سَنَةٍ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ، لَوْ لَمْ يَقُلْ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ، ولَكِنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً» " . وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ (p-٢٤٤)قالَ: " «لَوْ أنَّ يُوسُفَ قالَ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، لَمَلَكَ مِن وقْتِهِ» " . قالَ مُجاهِدٌ: أسْلَمَ المَلِكُ عَلى يَدِ يُوسُفَ، وقالَ أهْلُ السِّيَرِ: أقامَ في بَيْتِ المَلِكِ سَنَةً، فَلَمّا انْصَرَمَتْ، دَعاهُ المَلِكُ، فَتَوَّجَهُ، ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ، وأمَرَ لَهُ بِسَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ، وضَرَبَ عَلَيْهِ كِلَّةً مِن إسْتَبْرَقٍ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ كالقَمَرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، ولَزِمَ المَلِكُ بَيْتَهُ، وفَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ، وعَزَلَ قِطْفِيرَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وجَعَلَ يُوسُفَ مَكانَهُ، ثُمَّ إنْ قِطْفِيرَ هَلَكَ في تِلْكَ اللَّيالِي، فَزَوَّجَ المَلِكُ يُوسُفَ بِامْرَأةٍ قِطْفِيرَ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا تُرِيدِينَ ؟ فَقالَتْ: أيُّها الصِّدِّيقُ لا تَلُمْنِي، فَإنِّي كُنْتُ امْرَأةً حَسْناءَ في مُلْكٍ ودُنْيا، وكانَ صاحِبِي لا يَأْتِي النِّساءَ، فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي، فَلَمّا بَنى بِها يُوسُفُ وجَدَها عَذْراءَ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَيْنِ، إفْرايِيمَ، ومِيشا، واسْتَوْسَقَ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَلَّكَهُ بَعْدَ سَنَةٍ ونِصْفٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ الأمْرَ مِن وقْتِهِ، قالَهُ وهْبٌ، وابْنُ السّائِبِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ يُوسُفُ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ:
أحَدُها: أنَّ تَرْكَ الِاسْتِثْناءِ أوْجَبَ عُقُوبَةً بِأنْ أُخِّرَ تَمْلِيكُهُ، عَلى ما ذَكَرْنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
والثّانِي: أنَّهُ أضْمَرَ الِاسْتِثْناءَ، كَما أضْمَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا﴾
والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ أنَّ حِفْظِي وعِلْمِي يَزِيدانِ عَلى حِفْظِ غَيْرِي وعِلْمِهِ، فَلَمْ يَحْتَجْ هَذا إلى الِاسْتِثْناءِ، لِعَدَمِ الشَّكِّ فِيهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَدَحَ نَفْسَهُ بِهَذا القَوْلِ، ومِن شَأْنِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ التَّواضُعُ ؟
(p-٢٤٥)فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا خَلا مَدْحُهُ لِنَفْسِهِ مِن بَغْيٍ وتَكَبُّرٍ، وكانَ مُرادُهُ بِهِ الوُصُولَ إلى حَقٍّ يُقِيمُهُ وعَدْلٍ يُحْيِيهِ وجَوْرٍ يُبْطِلُهُ، كانَ ذَلِكَ جَمِيلًا جائِزًا، وقَدْ قالَ نَبِيُّنا ﷺ: " «أنا أكْرَمُ ولَدِ آدَمَ عَلى رَبِّهِ» "، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما مِن آيَةٍ إلّا وأنا أعْلَمُ أبِلَيْلٍ نَزَلَتْ، أمْ بِنَهارٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإبِلُ لَأتَيْتُهُ. فَهَذِهِ الأشْياءُ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الشُّكْرِ لِلَّهِ، وتَعْرِيفِ المُسْتَفِيدِ ما عِنْدَ المُفِيدِ، ذَكَرَ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: في قِصَّةِ يُوسُفَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالفَضْلِ عِنْدَ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَحْظُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ:٣٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، قالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْعامِ الَّذِي أنْعَمْنا عَلَيْهِ في دَفْعِ المَكْرُوهِ عَنْهُ، وتَخْلِيصِهِ مِن السِّجْنِ، وتَقْرِيبِهِ مِن قَلْبِ المَلِكِ، أقْدَرْناهُ عَلى ما يُرِيدُ في أرْضِ مِصْرَ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْزِلُ حَيْثُ أرادَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والمُفَضَّلُ: ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ بِالنُّونِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ أيْ: نَخْتَصُّ بِنِعْمَتِنا مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّجاةِ ﴿مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ. يُقالُ: إنَّ يُوسُفَ باعَ أهْلَ مِصْرَ الطَّعامَ بِأمْوالِهِمْ، وحُلِيِّهِمْ، ومَواشِيهِمْ، وعَقارِهِمْ، وعَبِيدِهِمْ، ثُمَّ بِأوْلادِهِمْ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ، ثُمَّ قالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ تَرى صُنْعَ رَبِّي ؟ فَقالَ المَلِكُ: إنَّما نَحْنُ لَكَ تَبَعٌ، قالَ: (p-٢٤٦)فَإنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم. وكانَ يُوسُفُ لا يَشْبَعُ في تِلْكَ الأيّامِ، ويَقُولُ: إنِّي أخافُ أنْ أنْسى الجائِعَ.
12:57Page 242
وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧
And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allāh.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ المَعْنى: ما نُعْطِي يُوسُفَ في الآخِرَةِ، خَيْرٌ مِمّا أعْطَيْناهُ في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ في الصَّبْرِ.
12:58Page 242
وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨
And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا فَوَّضَ المَلِكُ إلى يُوسُفَ أمْرَ مِصْرَ، تَلَطَّفَ يُوسُفُ لِلنّاسِ، ولَمْ يَزَلْ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، فَآمَنُوا بِهِ وأحَبُّوهُ، فَلَمّا أصابَ النّاسَ القَحْطُ، نَزَلَ ذَلِكَ بِأرْضِ كَنْعانَ، فَأرْسَلَ يَعْقُوبُ ولَدَهُ لِلْمِيرَةِ، وذاعَ أمْرُ يُوسُفَ في الآفاقِ، وانْتَشَرَ عَدْلُهُ ورَحْمَتُهُ ورَأْفَتُهُ، فَقالَ يَعْقُوبُ: يا بَنِيَّ، إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّ بِمِصْرَ مَلِكًا صالِحًا، فانْطَلِقُوا إلَيْهِ وأقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلامَ، وانْتَسَبُوا لَهُ لَعَلَّهُ يَعْرِفُكم، فانْطَلَقُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَعَرَفَهم وأنْكَرُوهُ، قالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتُمْ ؟ قالُوا: مِن أرْضِ كَنْعانَ، ولَنا شَيْخٌ يُقالُ لَهُ: يَعْقُوبُ، وهو يُقْرِئُكَ السَّلامُ، فَبَكى وعَصَرَ عَيْنَيْهِ وقالَ: لَعَلَّكم جَواسِيسُ جِئْتُمْ تَنْظُرُونَ عَوْرَةَ بَلَدِي، فَقالُوا: لا واللَّهِ، ولَكِنّا مِن كَنْعانَ، أصابَنا الجَهْدُ فَأمَرَنا أبُونا أنْ نَأْتِيَكَ، فَقَدْ بَلَغَهُ عَنْكَ خَيْرٌ، قالَ: فَكَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا: أحَدَ عَشَرَ أخًا، وكُنّا اثْنَي عَشَرَ فَأكَلَ أحَدَنا الذِّئْبُ، قالَ: فَمَن يَعْلَمُ صِدْقَكم ؟ ائْتُونِي بِأخِيكُمُ الَّذِي مِن أبِيكم. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ كَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَأمَرَ التُّرْجُمانَ فَكَلَّمَهم لِيُشَبِّهَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لِلتُّرْجُمانِ: قُلْ لَهم: أنْتُمْ عُيُونٌ، بَعَثَكم مَلِكُكم لِتَنْظُرُوا إلى أهْلِ مِصْرَ فَتُخْبِرُونَهُ فَيَأْتِينا بِالجُنُودِ، فَقالُوا: لا، (p-٢٤٧)وَلَكِنّا قَوْمٌ لَنا أبٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وكُنّا اثْنَي عَشَرَ، فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ في الغَنَمِ، وقَدْ خَلَّفْنا عِنْدَ أبِينا أخًا لَهُ مِن أُمِّهِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَخَلِّفُوا عِنْدِي بَعْضَكم رَهْنًا، وائْتَوِنِي بِأخِيكم، فَحَبَسَ عِنْدَهُ شَمْعُونَ.
واخْتَلَفُوا بِماذا عَرَفَهم يُوسُفُ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَفَهم بِرُؤْيَتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لا يَعْرِفُونَهُ.
وَفِي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم جاؤُوهُ مُقَدِّرِينَ أنَّهُ مَلِكٌ كافِرٌ، فَلَمْ يَتَأمَّلُوا مِنهُ ما يَزُولُ بِهِ عَنْهم الشَّكُّ.
والثّانِي: أنَّهم عايَنُوا مِن زِيِّهِ وحِلْيَتِهِ ما كانَ سَبَبًا لِإنْكارِهِمْ. وقَدْ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لابِسًا ثِيابَ حَرِيرٍ، وفي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَخْفى مَن قَدْ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، وكَيْفَ يُشْتَبَهُ بِغَيْرِهِ ؟
فالجَوابُ: أنَّهم فارَقُوهُ طِفْلًا ورَأوْهُ كَبِيرًا، والأحْوالُ تَتَغَيَّرُ، وما تَوَهَّمُوا أنَّهُ يَنالُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى كَوْنِهِ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْحُسْنِ غايَةً وحَدًّا، وجَعَلَهُ لِمَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، إمّا لِلْمَلائِكَةِ، أوْ لِلْحُورِ، فَجُعِلَ لِيُوسُفَ نِصْفُ ذَلِكَ الحُسْنِ، فَكَأنَّهُ كانَ حُسْنًا مُقارِبًا لِتِلْكَ الوُجُوهِ الحَسَنَةِ، ولَيْسَ كَما يَزْعُمُ النّاسُ مِن أنَّهُ أُعْطِيَ هَذا الحُسْنَ، وأُعْطِيَ النّاسُ كُلُّهم نِصْفَ الحُسْنِ.
12:59–60Page 242
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩
And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father.1 Do you not see that I give full measure and that I am the best of accommodators?
فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠
But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ يُقالُ: جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا هَيَّأْتُ (p-٢٤٨)لَهم ما يُصْلِحُهم، وجَهازُ البَيْتِ: مَتاعُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمَلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم بَعِيرًا، وقالَ ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ: أُتِمُّهُ ولا أبْخَسُهُ، ﴿وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ يَعْنِي: المُضِيفِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ أحْسَنَ ضِيافَتَهم. ثُمَّ أوْعَدَهم عَلى تَرْكِ الإتْيانِ بِأخِيهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي بِهِ: فِيما بَعْدُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مَنَعَهُمُ الكَيْلَ في الحالِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
12:61Page 242
قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١
They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ: نَطْلُبُهُ مِنهُ، والمُراوَدَةُ: الِاجْتِهادُ في الطَّلَبِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: وإنّا لَجاؤُوكَ بِهِ، وضامِنُونَ لَكَ المَجِيءَ بِهِ، هَذا مَذْهَبُ الكَلْبِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ تَوْكِيدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ، فَعَلى هَذا، يَكُونُ الفِعْلُ الَّذِي ضَمِنُوهُ عائِدًا إلى المُراوَدَةِ، فَيَصِحُّ مَعْنى التَّوْكِيدِ.
والثّالِثُ: وإنّا لَمُدِيمُونَ المُطالَبَةَ بِهِ لِأبِينا، ومُتابِعُونَ المَشُورَةَ عَلَيْهِ بِتَوْجِيهِهِ، وهَذا غَيْرُ المُراوَدَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ لِيُوسُفَ أنْ يَطْلُبَ أخاهُ، وهو يَعْلَمُ مافِي ذَلِكَ مِن إدْخالِ الحُزْنِ عَلى أبِيهِ ؟ فَعَنْهُ خَمْسَةُ أجْوِبَةٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى زِيادَةً لِبَلاءِ يَعْقُوبَ لِيَعْظُمَ ثَوابُهُ، وهَذا الأظْهَرُ.
(p-٢٤٩)والثّانِي: أنَّهُ طَلَبَهُ لا لِيَحْبِسَهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ قالَ: لا أُفارِقُكَ يا يُوسُفُ، قالَ: لا يُمْكِنُنِي حَبْسُكَ إلّا أنْ أنْسِبَكَ إلى أمْرٍ فَظِيعٍ، قالَ: افْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَهُ كَعْبٌ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَصَدَ تَنْبِيهَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ عَلى حالِ يُوسُفَ.
والرّابِعُ: لِيَتَضاعَفَ سُرُورُ يَعْقُوبَ بِرُجُوعِ ولَدَيْهِ.
والخامِسُ: لِيُعَجِّلَ سُرُورَ أخِيهِ بِاجْتِماعِهِ بِهِ قَبْلَ إخْوَتِهِ. وكُلُّ هَذِهِ الأجْوِبَةِ مَدْخُولَةٌ، إلّا الأوَّلَ، فَإنَّهُ الصَّحِيحُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوَيْنا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ يُوسُفَ ويَعْقُوبَ، قالَ لَهُ: يَعْقُوبُ بَيْنِي وبَيْنَكَ هَذِهِ المَسافَةَ القَرِيبَةَ، ولَمْ تَكْتُبْ إلى تُعَرِّفُنِي ؟! فَقالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ لا أُعَرِّفَكَ، فَقالَ لَهُ: سَلْ جِبْرِيلَ، فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَقالَ: سَلْ رَبَّكَ، فَسَألَهُ، فَقالَ: قُلْ لِيَعْقُوبَ خِفْتَ عَلَيْهِ الذِّئْبَ، ولَمْ تُؤَمِّنِي ؟
12:62Page 242
وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢
And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise1 into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " لِفِتْيَتِهِ " . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " لِفِتْيانِهِ " . قالَ أبُو عَلِيٍّ: الفِتْيَةُ جَمْعُ فَتًى في العَدَدِ القَلِيلِ، والفِتْيانِ في الكَثِيرِ. والمَعْنى: قالَ لِغِلْمانِهِ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ وهي الَّتِي اشْتَرَوْا بِها الطَّعامَ ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾، والرَّحْلُ: كُلُّ شَيْءٍ يُعَدُّ لِلرَّحِيلِ. ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ: لِيَعْرِفُوها ﴿إذا انْقَلَبُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا ﴿إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَرْجِعُوا.
وَفِي مَقْصُودِهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ الوَرِقِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى، فَجَعَلَ دَراهِمَهم في رِحالِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-٢٥٠)والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنَّهم إذا عَرَفُوها، لَمْ يَسْتَحِلُّوا إمْساكَها حَتّى يَرُدُّوها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْتَقْبَحَ أخْذَ الثَّمَنِ مِن والِدِهِ وإخْوَتِهِ مَعَ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ سَبَبَ رَدِّهِ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والرّابِعُ: لِيَعْلَمُوا أنَّ طَلَبَهُ لِعَوْدِهِمْ لَمْ يَكُنْ طَمَعًا في أمْوالِهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ أراهم كَرَمَهُ وبِرَّهُ لِيَكُونَ أدْعى إلى عَوْدِهِمْ.
12:63–64Page 242
فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣
So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."
قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤
He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allāh is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عادُوا إلى يَعْقُوبَ، قالُوا: يا أبانا، قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ، أنْزَلَنا، وأكْرَمَنا كَرامَةً، لَوْ كانَ رَجُلًا مِن ولَدِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في قَوْلِهِ: ﴿فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ [يُوسُفَ:٦١] .
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يَكِلْ لَهم، فَلَفْظُ " مُنِعَ " بَيِّنٌ.
وَإنْ قُلْنا: إنَّهُ خَوَّفَهم مَنعَ الكَيْلِ، فَفي المَعْنى قَوْلانِ:
أحَدُهُما: حُكِمَ عَلَيْنا بِمَنعِ الكَيْلِ بَعْدَ هَذا الوَقْتِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: دَخَلْتَ واللَّهِ النّارَ بِما فَعَلْتَ.
(p-٢٥١)والثّانِي: أنَّ المَعْنى: يا أبانا يُمْنَعُ مِنّا الكَيْلُ إنْ لَمْ تُرْسِلْهُ مَعَنا، فَنابَ " مُنِعَ " عَنْ " يُمْنَعُ " كَقَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ [الهُمَزَةِ:٣] أيْ: يُخَلِّدُهُ، وقَوْلِهِ: ﴿وَنادى أصْحابُ النّارِ﴾ [الأعْرافِ:٥٠]، ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ [المائِدَةِ:١١٦] أيْ: وإذْ يَقُولُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " نَكْتَلْ " بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَكْتَلْ " بِالياءِ. والمَعْنى: إنْ أرْسَلْتَهُ مَعَنا اكْتَلْنا، وإلّا فَقَدْ مُنِعْنا الكَيْلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: لا آمَنُكم إلّا كَأمْنِي عَلى يُوسُفَ، يُرِيدُ أنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ الأمْنُ إذْ خانُوهُ. " فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " حِفْظًا "، والمَعْنى: خَيْرٌ حِفْظًا مِن حِفْظِكم. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " خَيْرٌ حافِظًا " بِألِفٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ دُونَ الحالِ.
12:65–68Page 243
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ ٦٥
And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies [i.e., food] for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."1
قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٦٦
[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise [i.e., oath] by Allāh that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded [i.e., overcome by enemies]." And when they had given their promise, he said, "Allāh, over what we say, is Entrusted."1
وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٦٧
And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allāh at all. The decision is only for Allāh; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨
And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ يَعْنِي أوْعِيَةَ الطَّعامِ ﴿وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ الَّتِي حَمَلُوها ثَمَنًا لِلطَّعامِ " رُدَّتْ " قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ " رُدِدَتْ "، فَأُدْغِمَتِ الدّالُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وبَقِيَتِ الرّاءُ مَضْمُومَةً. ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الرّاءِ جَعَلَ كَسْرَتَها مَنقُولَةً مِنَ الدّالِ، كَما فُعِلَ ذَلِكَ في: قِيلَ، وبِيعَ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ أصْلَ الدّالِ الكَسْرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَبْغِي﴾ في " ما " قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها اسْتِفْهامٌ، المَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَبْغِي وقَدْ رُدَّتْ بِضاعَتُنا إلَيْنا ؟
والثّانِي: أنَّها نافِيَةٌ، المَعْنى: ما نَبْغِي شَيْئًا، أيْ: لَسْنا نَطْلُبُ مِنكَ دَراهِمَ نَرْجِعُ بِها إلَيْهِ، بَلْ تَكْفِينا هَذِهِ في الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأرادُوا بِذَلِكَ تَطْيِيبَ قَلْبِهِ لِيَأْذَنَ لَهم بِالعَوْدِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ " ما تَبْغِي " بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِيَعْقُوبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا﴾ أيْ: نَجْلِبُ لَهُمُ الطَّعامَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: مارَ أهْلَهُ يَمِيرُهم مَيْرًا، وهو مائِرٌ لِأهْلِهِ: إذا حَمَلَ إلَيْهِمْ أقْواتَهم مِن غَيْرِ بَلَدِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْفَظُ أخانا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: نَحْفَظُ أخانا بِنْيامِينَ الَّذِي تُرْسِلُهُ مَعَنا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: ونَحْفَظُ أخانا شَمْعُونَ الَّذِي أخَذَهُ رَهِينَةً عِنْدَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ: وِقْرَ بَعِيرٍ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ نَصِيبَ أخِيهِمْ، لِأنَّ يُوسُفَ كانَ لا يُعْطِي الواحِدَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ.
(p-٢٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: ذَلِكَ كَيْلٌ سَرِيعٌ، لا حَبْسَ فِيهِ، يَعْنُونَ إذا جاءَ مَعَنا، عَجَّلَ المَلِكُ لَنا الكَيْلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: ذَلِكَ كَيْلٌ سَهْلٌ عَلى الَّذِي نَمْضِي إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: ذَلِكَ الَّذِي جِئْناكَ بِهِ كَيْلٌ يَسِيرٌ لا يُقْنِعُنا، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: تُعْطُونِي عَهْدًا أثِقُ بِهِ، والمَعْنى: حَتّى تَحْلِفُوا لِي بِاللَّهِ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ أيْ: لَتَرُدُّنَّهُ إلَيَّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذِهِ اللّامُ جَوابٌ لِمُضْمَرٍ، تَلْخِيصُهُ: وتَقُولُوا: واللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَهْلَكَ جَمِيعُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنْ يُحالَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أيْ: أعْطَوْهُ العَهْدَ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم حَلَفُوا لَهُ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ومَنزِلَتِهِ مِن رَبِّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّهِيدُ. والثّانِي: كَفِيلٌ بِالوَفاءِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا تَجَهَّزُوا لِلرَّحِيلِ، قالَ لَهم يَعْقُوبُ: " لا تَدْخُلُوا " يَعْنِي مِصْرَ ﴿مِن بابٍ واحِدٍ﴾ .
وَفِي المُرادِ بِهَذا البابِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بابًا مِن أبْوابِ مِصْرَ، وكانَ لِمِصْرَ أرْبَعَةُ أبْوابٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
(p-٢٥٤)والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الطُّرُقَ لا الأبْوابَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ورَوى نَحْوَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي ما أرادَ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ، وكانُوا أُولِي جَمالٍ وقُوَّةٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ خافَ أنْ يُغْتالُوا لِما ظَهَرَ لَهم في أرْضِ مِصْرَ مِنَ التُّهْمَةِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أحَبَّ أنْ يَلْقَوْا يُوسُفَ في خَلْوَةٍ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ﴾ أيْ: لَنْ أدْفَعَ عَنْكم شَيْئًا قَضاهُ اللَّهُ، فَإنَّهُ إنْ شاءَ أهْلَكَكم مُتَفَرِّقِينَ، ومِصْداقُهُ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ وهي إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم كَذَلِكَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: ﴿إلا حاجَةً﴾ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ حاجَةٌ في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " قَضاها " أيْ: أبْداها وتَكَلَّمَ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: إنَّهُ حافِظٌ لِما عَلَّمْناهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ أنَّ دُخُولَهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: وإنَّهُ لَعامِلٌ بِما عَلِمَ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ العَمَلُ عِلْمًا، لِأنَّ العِلْمَ أوَّلُ أسْبابِ العَمَلِ.
(p-٢٥٥)والرّابِعُ: وإنَّهُ لَمُتَيَقِّنٌ لِوَعْدِنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: وإنَّهُ لَحافِظٌ لِوَصِيَّتِنا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والسّادِسُ: وإنَّهُ لَعالِمٌ بِما عَلَّمْناهُ، أنَّهُ لا يُصِيبُ بَنِيهِ إلّا ما قَضاهُ اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّابِعُ: وإنَّهُ لَذُو عِلْم لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences