Ibn al-JawziMaryam · 19:58–74

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:58–74

19:58–65Page 309

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨

Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.

۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩

But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠

Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.

جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١

[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1

لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢

They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.

تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣

That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤

[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ذَكَرَهم مِنَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ يَعْنِي: إدْرِيسَ، ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ يَعْنِي: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ يُرِيدُ: إسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ﴿وَإسْرائِيلَ﴾ يَعْنِي: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وهم مُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ كانُوا مِمَّنْ أرْشَدْنا، ﴿واجْتَبَيْنا﴾؛ أيْ: واصْطَفَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، المَعْنى: خَرُّوا مُقَدِّرِينَ السُّجُودَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في حالِ خُرُورِهِ لا يَكُونُ ساجِدًا، (p-٢٤٥)فَـ " سُجَّدًا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو جَمْعُ ساجِدٍ، ﴿وَبُكِيًّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو جَمْعُ باكٍ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا إذا سَمِعُوا آياتِ اللَّهِ سَجَدُوا وبَكَوْا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٦٩ ) . وفي المُرادِ بِهَذا الخَلْفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: أنَّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ صالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَتَبارَوْنَ بِالزِّنا، يَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الأزِقَّةِ زُناةً، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( الصَّلَواتِ ) عَلى الجَمْعِ.

وَفِي المُرادِ بِإضاعَتِهِمْ إيّاها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم أخَّرُوها عَنْ وقْتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ.

والثّانِي: تَرَكُوها، قالَهُ القُرَظِيُّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وذَلِكَ مِثْلَ اسْتِماعِ الغِناءِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، والزِّنا، واللَّهْوِ، وما شاكَلَ ذَلِكَ مِمّا يَقْطَعُ عَنْ أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ لَيْسَ مَعْنى هَذا اللِّقاءِ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الِاجْتِماعُ والمُلابَسَةُ مَعَ الرُّؤْيَةِ. (p-٢٤٦)

وَفِي المُرادِ بِهَذا الغَيِّ سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ نَهْرٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الخُسْرانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ. والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاةَ الغَيِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [ الفُرْقانِ: ٦٨ ]؛ أيْ: مُجازاةَ الآثامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: تابَ مِنَ الشِّرْكِ، وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: تابَ مِنَ التَّقْصِيرِ في الصَّلاةِ، وآمَنَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( جَنّاتُ ) بِرَفْعِ التّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ رَفْعِ التّاءِ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( جَنَّةَ عَدْنِ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ نَصْبِ التّاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: وعَدَهم بِها ولَمْ يَرَوْها، فَهي غائِبَةٌ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: آتِيًا، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو ( مَفْعُولٌ ) في مَعْنى ( فاعِلٍ )، وهو قَلِيلٌ أنْ يَأْتِيَ الفاعِلُ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ بِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: آتِيًا؛ لِأنَّ (p-٢٤٧)كُلَّ ما أتاكَ فَأنْتَ تَأْتِيهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أتَيْتُ عَلى خَمْسِينَ سَنَةً، وأتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ [ سَنَةً ] .

والثّانِي: مَبْلُوغًا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿وَعْدُهُ﴾ هاهُنا: مَوْعُودُهُ، وهو الجَنَّةُ، و ﴿مَأْتِيًّا﴾: يَأْتِيهِ أوْلِياؤُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّخالُفُ عِنْدَ شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ما يُلْغى مِنَ الكَلامِ ويُؤَثَّمُ فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّغْوُ في العَرَبِيَّةِ: الفاسِدُ المَطَّرَحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا سَلامًا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلامُ لَيْسَ مِنَ اللَّغْوِ، والعَرَبُ تَسْتَثْنِي الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ ولَيْسَ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تُضْمِرُ فِيهِ، فالمَعْنى: إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ فِيها سَلامًا. وقالابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْتَثْنى السَّلامَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ لِأنَّهم إذا لَمْ يَسْمَعُوا مِنَ اللَّغْوِ إلّا السَّلامَ، فَلَيْسَ يَسْمَعُونَ لَغْوًا البَتَّةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٧٧ ]، إذا لَمْ يَخْرُجُ مِن عَداوَتِهِمْ لِي غَيْرُ رَبِّ العالَمِينَ، فَكُلُّهم عَدُوٌّ.

وَفِي مَعْنى هَذا السَّلامِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا ما يُسَلِّمُهم، ولا يَسْمَعُونَ ما يُؤَثِّمُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِرِزْقِهِمْ - عَلى مِقْدارِ ما كانُوا يَعْرِفُونَ - في الغَداةِ والعَشِيِّ. قالَ الحَسَنُ: كانَتِ العَرَبُ لا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ العَيْشِ أفْضَلَ مِنَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أصابَ أحَدُهُمُ (p-٢٤٨)الغَداءَ والعَشاءَ أُعْجِبَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ لَهم في الجَنَّةِ رِزْقُهم بُكْرَةً وعَشِيًّا عَلى قَدْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولَيْسَ ثَمَّ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وإنَّما هو ضَوْءٌ ونُورٌ. ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قالَ: سَألْتُ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾، فَقالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، هم في نُورٍ أبَدًا، ولَهم مِقْدارُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ وإغْلاقِ الأبْوابِ، ويَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ وفَتْحِ الأبْوابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ﴾ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورِثُ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿نُورِثُ﴾: نُعْطِي المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ - لَوْ آمَنُوا - لِلْمُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " نُورِثُ ": نُعْطِي، فَيَكُونُ كالمِيراثِ لَهم مِن جِهَةِ أنَّها تَمْلِيكٌ مُسْتَأْنَفٌ. وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ يَعْمُرَ: ( وما يَتَنَزَّلُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " يا جِبْرِيلُ ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٤٩)

والثّانِي: «أنَّ المَلَكَ أبْطَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أتاهُ، فَقالَ: لَعَلِّي أبْطَأْتُ. قالَ: " قَدْ فَعَلْتَ " . قالَ: وما لِي لا أفْعَلُ وأنْتُمْ لا تَتَسَوَّكُونَ، ولا تَقُصُّونَ أظْفارَكم، ولا تُنَقُّونَ بِراجِمَكم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَراجِمُ عِنْدَ العَرَبِ: الفُصُوصُ الَّتِي في فُصُولِ ظُهُورِ الأصابِعِ، تَبْدُو إذا جُمِعَتْ، وتَغْمُضُ إذا بُسِطَتْ. والرَّواجِبُ: ما بَيْنَ البَراجِمِ، بَيْنَ كُلِّ بُرْجُمَتَيْنِ راجِبَةٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ جِبْرِيلَ احْتُبِسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سَألَهُ [ قَوْمُهُ ] عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، والرُّوحِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يُجِيبُهم، ورَجا أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِجَوابٍ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ، قالَ لَهُ: " أبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتّى ساءَ ظَنِّي واشْتَقْتُ إلَيْكَ "، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنِّي كُنْتُ أُشَوِّقُ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ، وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

وَفِي سَبَبِ احْتِباسِ جِبْرِيلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لِامْتِناعِ أصْحابِهِ مِن كَمالِ النَّظافَةِ، كَما ذَكَرْنا في حَدِيثِ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: لِأنَّهم سَألُوهُ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: " غَدًا أُخْبِرُكم "، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٢٤ ) .

وَفِي مِقْدارِ احْتِباسِهِ عَنْهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( الكَهْفِ ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: اثْنَتا عَشْرَةَ لَيْلَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ. والخامِسُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، (p-٢٥٠)حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ. وقِيلَ: إنَّ سُورَةَ ( الضُّحى ) نَزَلَتْ في هَذا السَّبَبِ. والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ قَوْلُ جِبْرِيلَ. وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، فالمَعْنى: ما نَنْزِلُ هَذِهِ الجِنانَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: ما نَنْزِلُ مَوْضِعًا مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: ما بَيْنَ أيْدِينا: الآخِرَةُ، وما خَلْفَنا: الدُّنْيا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِينا: ما مَضى مِنَ الدُّنْيا، وما خَلْفَنا: مِنَ الآخِرَةِ، فَهو عَكْسُ الأوَّلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ أيْدِينا: قَبْلَ أنْ نُخْلَقَ، وما خَلْفَنا: بَعْدَ الفَناءِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: حِينَ كَوَّنَنا، قالَهُ الأخْفَشُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وحَّدَ ذَلِكَ، والإشارَةُ إلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ما بَيْنَ أيْدِينا﴾، والثّانِي: " ما خَلْفَنا "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ ذَلِكَ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ النَّسِيُّ بِمَعْنى النّاسِي.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: ما كانَ تارِكًا لَكَ مُنْذُ أبْطَأ الوَحْيُ عَنْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: ما نَسِيَكَ عِنْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ عَنْكَ. (p-٢٥١)

والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كانَ ويَكُونُ، لا يَنْسى شَيْئًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ﴾؛ أيْ: وحِّدْهُ؛ لِأنَّ عِبادَتَهُ بِالشِّرْكِ لَيْسَتْ عِبادَةً، ﴿واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾؛ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ رَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ ( هَلْ تَعْلَمُ )، ووَجْهُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ إدْغامَ اللّامِ في التّاءِ، والثّاءِ، والدّالِ، والزّايِ، والسِّينِ، والصّادِ، والطّاءِ؛ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجٍ مِنَ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخارِجِهِنَّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا كانَ بَعْدَ ( هَلْ ) تاءٌ فَفِيهِ لُغَتانِ، بَعْضُهم يُبَيِّنُ لامَ ( هَلْ ) وبَعْضُهم يُدْغِمُها.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: مَثَلًا وشَبَهًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يُسَمّى ( اللَّهَ ) غَيْرَهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: خالِقٌ وقادِرٌ، إلّا هو، قالَهُ الزَّجّاجُ.

19:66–72Page 310

وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦

And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"

أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧

Does man not remember that We created him before, while he was nothing?

فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨

So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩

Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.

ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠

Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.

وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١

And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.

ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢

Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا (p-٢٥٢)بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ:

أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ.

والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿والشَّياطِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم (p-٢٥٣)حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ. وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ. والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟ قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟ وأنْشَدَ (p-٢٥٤)

؎ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ

المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ.

والثّالِثُ: أنَّ ﴿أيُّهُمْ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ. وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ. و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها.

وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقالَ: ﴿أيُّهم أشَدُّ (p-٢٥٥)عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ [ الإنْسانِ: ٢٢ ]، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ [ الإنْسانِ: ٢١ ]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ

أرادَ: طِلابَها. وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ. رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟ فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [ هُودٍ: ٩٨ ]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] . وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ. وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟ قالَ: نَعِمْ. قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها. قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟ وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟ فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ.

وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ. (p-٢٥٦)وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [ القَصَصِ: ٣٣ ]، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠١، ١٠٢ ]، وقالَ زُهَيْرٌ:

؎ فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ

أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ.

والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. (p-٢٥٧)

والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿حَتْمًا﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ. والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ. ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ. والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦٨ ] .

19:73–74Page 310

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤

And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿آياتُنا﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. (p-٢٥٨)﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: لِفُقَراءَ المُؤْمِنِينَ، ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: [ مَقامًا ] بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَقامُ: اسْمُ المَثْوى، إنْ فُتِحَتِ المِيمُ أوْ ضُمَّتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ والنَّدِيُّ والنّادِي: مَجْلِسُ القَوْمِ ومُجْتَمَعُهم. وقالَ الفَرّاءُ: النِّدِيُّ والنّادِي لُغَتانِ. ومَعْنى الكَلامِ: أنْحَنِ خَيْرٌ أمْ أنْتُمْ ؟ فافْتَخَرُوا عَلَيْهِمْ بِالمَساكِنِ والمَجالِسِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى القَرْنِ في ( الأنْعامِ: ٦ )، وشَرَحْنا الأثاثَ في ( النَّحْلِ: ٨٠ ) .

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرِئْيًا﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ورِئْيًا ) بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والياءِ في وزْنِ: ( رِعْيًا ) . قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: مَنظَرًا، مِن ( رَأيْتُ ) .

وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ( رِيًّا ) بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: لَها تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الأُولى. والثّانِي: أنَّها مِنَ الرِّيِّ، فالمَعْنى: مَنظَرُهم مُرْتَوٍ مِنَ النِّعْمَةِ، كَأنَّ النَّعِيمَ بَيِّنٌ فِيهِمْ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ( زِيًّا ) بِالزّايِ المُعْجَمَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: حَسَنٌ هَيْئَتُهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском