Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:75–98
19:75–76Page 310
قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥
Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦
And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ﴾؛ أيْ: في الكُفْرِ والعَمى عَنِ التَّوْحِيدِ، ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَفْظُ أمْرٍ ومَعْناهُ الخَبَرُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَ جَزاءَ ضَلالَتِهِ أنْ يَتْرُكَهُ فِيها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِلِسانِها، وهي تَقْصِدُ التَّوْكِيدَ لِلْخَبَرِ بِذِكْرِ الأمْرِ، يَقُولُ أحَدُهم: إنْ زارَنا عَبْدُ اللَّهِ فَلْنُكْرِمْهُ، يَقْصِدُ التَّوْكِيدَ، ويُنَبِّهُ عَلى أنِّي أُلْزِمُ نَفْسِي إكْرامَهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الدُّعاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ، فاللَّهُمَّ مُدَّ لَهُ في النِّعَمِ مَدًّا. قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى مَدِّ اللَّهِ تَعالى لَهُ: إمْهالُهُ في الغَيِّ. ﴿حَتّى إذا رَأوْا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ مَدَّهم في الضَّلالَةِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَ " مَن " يَصْلُحُ لِلْجَماعَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوعَدُونَ فَقالَ: ﴿إمّا العَذابَ﴾ يَعْنِي: القَتْلَ والأسْرَ، ﴿وَإمّا السّاعَةَ﴾ يَعْنِي: القِيامَةَ وما وُعِدُوا فِيها مِنَ الخُلُودِ في النّارِ، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا﴾ في الآخِرَةِ، أهَمْ أُمِ المُؤْمِنُونَ ؟ لِأنَّ مَكانَ هَؤُلاءِ الجَنَّةُ ومَكانَ هَؤُلاءِ النّارُ، ويَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ والقَتْلِ مَن " أضْعَفُ جُنْدًا " جُنْدَهم أمْ جُنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالتَّوْحِيدِ إيمانًا. والثّانِي: يَزِيدُهم بَصِيرَةً في دِينِهِمْ. والثّالِثُ: يَزِيدُهم بِزِيادَةِ الوَحْيِ إيمانًا، فَكُلَّما نَزَلَتْ سُورَةٌ زادَ إيمانُهم. والرّابِعُ: يَزِيدُهم إيمانًا بِالنّاسِخِ والمَنسُوخِ. والخامِسُ: يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالمَنسُوخِ هَدًى بِالنّاسِخِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ جَزاءَهم أنْ يَزِيدَهم يَقِينًا، كَما جُعِلَ جَزاءُ الكافِرِ أنْ يُمِدَّهُ في ضَلالَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٤٦ ) . (p-٢٦٠)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ المَرَدُّ هاهُنا مَصْدَرٌ مِثْلَ الرَّدِّ، والمَعْنى: وخَيْرٌ رَدًّا لِلثَّوابِ عَلى عامِلَيْها، فَلَيْسَتْ كَأعْمالِ الكُفّارِ الَّتِي خَسِرُوها فَبَطَلَتْ.
19:77–80Page 311
أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧
Then, have you seen he who disbelieved in Our verses and said, "I will surely be given wealth and children [in the next life]"?
أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٧٨
Has he looked into the unseen, or has he taken from the Most Merciful a promise?
كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا ٧٩
No! We will record what he says and extend [i.e., increase] for him from the punishment extensively.
وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا ٨٠
And We will inherit him [in] what he mentions,1 and he will come to Us alone.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبّابِ [ بْنِ الأرَتِّ ]، قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا؛ [ أيْ: حَدّادًا ]، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: [ لا ] واللَّهِ لا أقَضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ: فَإنِّي إذا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأعْطَيْتُكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " فَرَدًا " .
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الواوِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، كالعَدَمِ والعُدْمِ، ولَيْسَ يُجْمَعُ، وقَيْسٌ تَجْعَلُ الوُلْدَ جَمْعًا، والوَلَدَ بِفَتْحِ الواوِ واحِدًا.
وَأيْنَ زَعْمُ هَذا الكافِرِ أنْ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ في الجَنَّةِ عَلى زَعْمِكم. والثّانِي: في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا ؟ (p-٢٦١)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: أعَلِمَ ما غابَ عَنْهُ حَتّى يَعْلَمَ أفِي الجَنَّةِ هو أمْ لا ؟ وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: أنَظَرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أمْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأرْحَمُهُ بِها ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أمْ قَدَّمَ عَمَلًا صالِحًا فَهو يَرْجُوهُ ؟ قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أمْ عُهِدَ إلَيْهِ أنَّهُ يُدْخِلْهُ الجَنَّةَ ؟ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالَ مِن أنَّهُ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " كَلّا ": أيْ: إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولَمْ يَتَّخِذْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا. ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾؛ أيْ: سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِإثْباتِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ لِنُجازِيَهُ بِهِ، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾؛ أيْ: نَجْعَلُ بَعْضَ العَذابِ عَلى إثْرِ بَعْضٍ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( سَيَكْتُبُ )، ( ويَرِثُهُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: نَرِثُهُ ما يَقُولُ إنَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ، فَنَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: نَرِثُ ما عِنْدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، بِإهْلاكِنا إيّاهُ وإبْطالِ مُلْكِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنَسْلُبُهُ المالَ والوَلَدَ ونَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾؛ أيْ: بِلا مالٍ ولا ولَدٍ.
19:81–84Page 311
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١
And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.
كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢
No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].
أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣
Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?
فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤
So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ عابِدِي الأصْنامِ، ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِيَكُونُوا لَهم شُفَعاءَ في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قَدَّرُوا، ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ بِجَحْدِ عِبادَةِ المُشْرِكِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [ القِصَصِ: ٦٣ ]؛ لِأنَّها كانَتْ جَمادًا لا تَعْقِلُ العِبادَةَ، ﴿وَيَكُونُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ضِدًّا﴾؛ أيْ: أعْوانًا عَلَيْهِمْ في القِيامَةِ، يُكَذِّبُونَهم ويَلْعَنُونَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في مَعْنى هَذا الإرْسالِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: خَلَّيْنا بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ الكافِرِينَ، فَلَمْ نَعْصِمْهم مِنَ القَبُولِ مِنهم.
والثّانِي، وهو المُخْتارُ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، وقَيَّضْناهم لَهم بِكُفْرِهِمْ. ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾؛ أيْ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا حَتّى يَرْكَبُوا المَعاصِي. وقالَ الفَرّاءُ: تُزْعِجُهم إلى المَعاصِي، وتُغْرِيهِمْ بِها. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: أزَّهُ عَلى كَذا: إذا أغْراهُ بِهِ، وأزَّتِ القِدْرُ: غَلَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: لا تَعْجَلْ بِطَلَبِ عَذابِهِمْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ في هَذا المَعْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أنْفاسُهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ طاوُوسٌ ومُقاتِلٌ. (p-٢٦٣)
والثّانِي: الأيّامُ، واللَّيالِي، والشُّهُورُ، والسُّنُونَ، والسّاعاتُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها أعْمالُهم، قالَهُ قُطْرُبٌ.
19:85–87Page 311
يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥
On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation
وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦
And will drive the criminals to Hell in thirst
لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧
None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ، ( ويَسُوقُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ السِّينِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( يَوْمَ يُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُتَّقُونَ ) رَفْعًا، ( ويُساقُ ) بِألِفٍ وياءٍ مَرْفُوعَةٍ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ عَلى الرَّفْعِ. والوَفْدُ: جَمْعُ وافِدٍ، مِثْلَ: رَكْبٍ وراكِبٍ، وصَحْبٍ وصاحِبٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: الوَفْدُ: الرُّكْبانُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرُّكْبانُ عِنْدَ العَرَبِ: رُكّابُ الإبِلِ.
وَفِي زَمانِ هَذا الحَشْرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى الرَّحْمَنِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ الحِسابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ، ﴿إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قالَ (p-٢٦٤)ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ: عِطاشًا. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِرْدُ: مَصْدَرُ الوُرُودِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوِرْدُ: جَماعَةٌ يَرِدُونَ الماءَ، يَعْنِي: أنَّهم عِطاشٌ؛ لِأنَّهُ لا يَرِدُ الماءَ إلّا العَطْشانُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وِرْدًا﴾: وارِدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾؛ أيْ: لا يَشْفَعُونَ ولا يُشْفَعُ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ " مَن " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ والنُّونِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى اسْتِثْناءٍ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فالمَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ المُجْرِمُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا﴾ عَلى مَعْنى ( لَكِنْ )، ﴿مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ فَإنَّهُ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ. والعَهْدُ هاهُنا: تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَفْسِيرُ العَهْدِ في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ أمْرٍ يُعْلَمُ ويُحْفَظُ، مِن قَوْلِكَ: عَهِدَتُ فُلانًا في المَكانِ؛ أيْ: عَرِفْتُهُ وشَهِدَتْهُ.
19:88–95Page 311
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨
And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."
لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ٨٩
You have done an atrocious thing.
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠
The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation
أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ٩١
That they attribute to the Most Merciful a son.
وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢
And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.
إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣
There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.
لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤
He has enumerated them and counted them a [full] counting.
وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥
And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٦٥)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ. وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ. ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدًّا﴾؛ أيْ: سُقُوطًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ دَعَوْا﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ:
؎ ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. ﴿إنْ كُلُّ﴾؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿عَبْدًا﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا. والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿وَعَدَّهم عَدًّا﴾ فَلا يَخْفى (p-٢٦٦)عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ.
فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " .
فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.
19:96–98Page 312
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1
فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧
So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨
And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: مَعْناهُ: يُحِبُّهم ويُحَبِّبُهم إلى المُؤْمِنِينَ. قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُ لَهم وُدًّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. ومِن هَذا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: " «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قالَ: يا جِبْرِيلُ؛ إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُنادِي جِبْرِيلُ في السَّماواتِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُلْقى حُبُّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيُحَبُّ» "، وذَكَرَ في البُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ. وقالَ هَرِمُ بْنُ حَيّانَ: ما أقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إلى (p-٢٦٧)اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا أقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ إلَيْهِ، حَتّى يَرْزُقَهُ مَوَدَّتَهم ورَحْمَتَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: سَهَّلْناهُ وأنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ. واللُّدُّ جَمْعُ ألَدَّ، وهو الخَصْمُ الجَدِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ هَذا تَخْوِيفٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: هَلْ تَرى، يُقالُ: هَلْ أحْسَسْتَ صاحِبَكَ؛ أيْ: هَلْ رَأيْتَهُ ؟ والرِّكْزُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّوْتُ الَّذِي لا يُفْهَمُ، وقالَ أبُو صالِحٍ: حَرَكَةٌ، [ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences