Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:37–63
21:37–41Page 325
خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧
Man was created of haste [i.e., impatience]. I will show you My signs [i.e., vengeance], so do not impatiently urge Me.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٣٩
If those who disbelieved but knew the time when they will not avert the Fire from their faces or from their backs and they will not be aided...1
بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٤٠
Rather, it will come to them unexpectedly and bewilder them, and they will not be able to repel it, nor will they be reprieved.
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤١
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by what they used to ridicule.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: ( خَلَقَ الإنْسانَ ) بِفَتْحِ الخاءِ واللّامِ ونَصْبِ النُّونِ. وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ حِينَ اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِالعَذابِ.
وَفِي المُرادِ بِالإنْسانِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وهو الَّذِي قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ. . .﴾ الآيَةَ [ الأنْفال: ٣٢ ]، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ، فَعَلى هَذا يَدْخُلُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وغَيْرُهُ في هَذا، وإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ.
فَأمّا مَن قالَ: أُرِيدَ بِهِ: آدَمُ، فَفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خُلِقَ عَجُولًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ. فَعَلى هَذا يَقُولُ: لَمّا طُبِعَ آدَمُ عَلى هَذا المَعْنى، وُجِدَ في أوْلادِهِ، وأوْرَثَهُمُ العِجْلَ.
والثّانِي: خُلِقَ بِعَجَلٍ، اسْتُعْجِلَ بِخَلْقِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، وهو آخِرُ الأيّامِ السِّتَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَأمّا مَن قالَ: هو اسْمُ جِنْسٍ، فَفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: خُلِقَ عَجُولًا، قالَ الزَّجّاجُ: خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، (p-٣٥٢)والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ اللَّعِبُ: إنَّما خُلِقْتَ مِن لَعِبٍ، يُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في وصْفِهِ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى: خُلِقَتِ العَجَلَةُ في الإنْسانِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ما أصابَ الأُمَمَ المُتَقَدِّمَةَ، والمَعْنى: إنَّكم تُسافِرُونَ فَتَرَوْنَ آثارَ الهَلاكِ في الماضِينَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: أنَّها القَتْلُ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أثْبَتَ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ يَعْنُونَ: القِيامَةَ. ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لَوْ عَلِمُوا صِدْقَ الوَعْدِ ما اسْتَعْجَلُوا، ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ﴾؛ أيْ: لا يَدْفَعُونَ، " عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ﴿إذا دَخَلُوا﴾، " ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ " لِإحاطَتِها بِهِمْ، " ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾؛ أيْ: يُمْنَعُونَ مِمّا نَزَلَ بِهِمْ، ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ يَعْنِي: السّاعَةَ، " بَغْتَةً " فَجْأةً، ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ تُحَيِّرُهم، وقَدْ شَرَحْنا هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [ البَقَرَة: ٢٥٨ ] . ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾؛ أيْ: صَرْفَها عَنْهم، ولا هم يُمْهَلُونَ لِتَوْبَةٍ أوْ مَعْذِرَةٍ. ثُمَّ عَزّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: كَما فَعَلَ بِكَ قَوْمُكَ، ﴿فَحاقَ﴾؛ أيْ: نَزَلَ، ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الرُّسُلِ، ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي: العَذابَ الَّذِي كانُوا اسْتَهْزَؤُوا بِهِ.
21:42–45Page 325
قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢
Say, "Who can protect you at night or by day from the Most Merciful?" But they are, from the remembrance of their Lord, turning away.
أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣
Or do they have gods to defend them other than Us? They are unable [even] to help themselves, nor can they be protected from Us.
بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
But, [on the contrary], We have provided good things for these [disbelievers] and their fathers until life was prolonged for them. Then do they not see that We set upon the land, reducing it from its borders?1 Is it they who will overcome?
قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥
Say, "I only warn you by revelation." But the deaf do not hear the call when they are warned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ المَعْنى: قُلْ لِهَؤُلاءِ المُسْتَعْجِلِينَ بِالعَذابِ: مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ إنْ أرادَ إنْزالَهُ بِكم ؟ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ أيْ: لا أحَدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: عَنْ كَلامِهِ ومَواعِظِهِ، ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ ولا يَعْتَبِرُونَ. ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم ؟ وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ. ثُمَّ وصَفَ آلِهَتَهم بِالضَّعْفِ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ﴾ والمَعْنى: مَن لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ عَمّا يُرادُ بِهِ، فَكَيْفَ يَنْصُرُ غَيْرَهُ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمَ الكُفّارُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ الأصْنامُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي مَعْنى ﴿يُصْحَبُونَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: يُجارُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: لا يُجِيرُهم مِنّا أحَدٌ؛ لِأنَّ المُجِيرَ صاحِبٌ لِجارِهِ. والثّانِي: يُمْنَعُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: يُنْصَرُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: لا يُصْحَبُونَ بِخَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ اغْتِرارَهم بِالإمْهالِ، فَقالَ: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ، ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها (p-٣٥٤)مِن أطْرافِها﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الرَّعْدِ: ٤١ )، ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾؛ أيْ: مَعَ هَذِهِ الحالِ، وهو نَقْصُ الأرْضِ، والمَعْنى: لَيْسُوا بِغالِبِينَ ولَكِنَّهُمَ المَغْلُوبُونَ. ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكُمْ﴾؛ أيْ: أُخَوِّفُكم، ﴿بِالوَحْيِ﴾؛ أيْ: بِالقُرْآنِ، والمَعْنى: إنَّنِي ما جِئْتُ بِهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ فَبَلَّغْتُ. ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( ولا تُسْمِعُ ) بِالتّاءِ مَضْمُومَةً ( الصُّمَّ ) نَصْبًا. وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ والحَسَنُ: ( ولا يُسْمَعُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ ( الصُّمُّ ) بِضَمِّ المِيمِ. شَبَّهَ الكُفّارَ بِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ نِداءَ مُنادِيهِمْ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما سَمِعُوا، كالصُّمِّ لا يُفِيدُهم صَوْتُ مُنادِيهِمْ. ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ﴾؛ أيْ: أصابَتْهم، ﴿نَفْحَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَرَفَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ: أدْنى شَيْءٍ مِنَ العَذابِ، ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا﴾ والوَيْلُ يُنادِي بِهِ كُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ.
21:46–47Page 326
وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦
And if [as much as] a whiff of the punishment of your Lord should touch them, they would surely say, "O woe to us! Indeed, we have been wrongdoers."
وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧
And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ونَضَعُ المَوازِينَ ذَواتِ القِسْطِ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وهو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، يُقالُ: مِيزانُ قِسْطٌ، ومِيزانانِ قِسْطٌ، ومَوازِينُ قِسْطٌ. قالَ الفَرّاءُ: القِسْطُ مِن صِفَةِ المَوازِينِ وإنْ كانَ مُوَحَّدًا، كَما تَقُولُ: أنْتُمْ عَدْلٌ، وأنْتُمْ رِضًا. وقَوْلُهُ: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ و" في يَوْمِ القِيامَةِ " ﴿سَواءٍ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في المِيزانِ في أوَّلِ ( الأعْرافِ: ٨ ) .
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المِيزانُ واحِدًا، فَما المَعْنى بِذِكْرِ المَوازِينِ ؟ (p-٣٥٥)
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كانَتْ أعْمالُ الخَلائِقِ تُوزَنُ وزْنَةً بَعْدَ وزْنَةٍ، سُمِّيَتْ مَوازِينُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾؛ أيْ: لا يُنْقَصُ مُحْسِنٌ مِن إحْسانِهِ، ولا يُزادُ مُسِيءٌ عَلى إساءَتِهِ. ﴿وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾؛ أيْ: وزَنَ حَبَّةٍ. وقَرَأ نافِعٌ: ( مِثْقالُ ) بِرَفْعِ اللّامِ. قالَ الزَّجّاجُ: ونَصْبُ ( مِثْقالَ ) عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ العَمَلُ مِثْقالَ حَبَّةٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وإنْ كانَ الظُّلامَةُ مِثْقالَ حَبَّةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ . قالَ: ومَن رَفَعَ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى المِثْقالِ، كَما أُسْنِدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [ البَقَرَة: ٢٨٠ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَيْنا بِها﴾؛ أيْ: جِئْنا بِها. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ: ( آتَيْنا ) مَمْدُودَةً؛ أيْ: جازَيْنا بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: التَّمْيِيزُ، والثّانِي: الحالُ.
21:48–50Page 326
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous
ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩
Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.
وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠
And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ التَّوْراةُ الَّتِي فَرَّقَ بِها بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والثّانِي: البُرْهانُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ حَقِّ مُوسى وباطِلِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: النَّصْرُ والنَّجاةُ لِمُوسى، وإهْلاكُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضِياءً﴾ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَرى الواوَ زائِدَةً. قالَ الزَّجّاجُ: وكَذَلِكَ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ المَعْنى: الفَرْقانُ ضِياءٌ. وعِنْدَ (p-٣٥٦)البَصْرِيِّينَ أنَّ الواوَ لا تُزادُ ولا تَأْتِي إلّا بِمَعْنى العَطْفِ، فَهي هاهُنا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [ المائِدَة: ٤٤ ] . قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَضاؤُوا بِالتَّوْراةِ حَتّى اهْتَدَوْا بِها في دِينِهِمْ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾: أنَّهم يَذْكُرُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِما فِيهِ. ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: يَخافُونَهُ ولَمْ يَرَوْهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: يَخْشَوْنَ عَذابَهُ ولَمْ يَرَوْهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: يَخافُونَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: يَخافُونَهُ إذا غابُوا عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، كَخَوْفِهِمْ إذا كانُوا بَيْنَ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ثُمَّ عادَ إلى ذِكْرِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿وَهَذا﴾ يَعْنِي: القُرْآنُ، ﴿ذِكْرٌ﴾ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ وعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، ﴿مُبارَكٌ﴾؛ أيْ: كَثِيرُ الخَيْرِ، ﴿أفَأنْتُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ، ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؛ أيْ: جاحِدُونَ ؟ وهَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.
21:51–58Page 326
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١
And We had certainly given Abraham his sound judgement before,1 and We were of him well-Knowing
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢
When he said to his father and his people, "What are these statues to which you are devoted?"
قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣
They said, "We found our fathers worshippers of them."
قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤
He said, "You were certainly, you and your fathers, in manifest error."
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥
They said, "Have you come to us with truth, or are you of those who jest?"
قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦
He said, "[No], rather, your Lord is the Lord of the heavens and the earth who created them, and I, to that, am of those who testify.
وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧
And [I swear] by Allāh, I will surely plan against your idols after you have turned and gone away."
فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨
So he made them into fragments, except a large one among them, that they might return to it [and question].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾؛ أيْ: هُداهُ، ﴿مِن قَبْلُ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مِن قَبْلِ بُلُوغِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: آتَيْناهُ ذَلِكَ في العِلْمِ السّابِقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٣٥٧)
والثّالِثُ: مِن قَبْلِ مُوسى وهارُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقَدْ أشَرْنا إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ في ( الأنْعامِ: ٧٥ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾؛ أيْ: عَلِمْنا أنَّهُ مَوْضِعٌ لِإيتاءِ الرُّشْدِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَتى آتاهُ، فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ يَعْنِي: الأصْنامُ. والتِّمْثالُ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأصْلُهُ مَن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: إذا شَبَّهْتُهُ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها﴾؛ أيْ: عَلى عِبادَتِها، ﴿عاكِفُونَ﴾؛ أيْ: مُقِيمُونَ، فَأجابُوهُ أنَّهم رَأوْا آباءَهم يَعْبُدُونَها فاقْتَدَوْا بِهِمْ، فَأجابَهم بِأنَّهم فِيما فَعَلُوا وآباءَهم في ضَلالٍ مُبِينٍ. ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ يَعْنُونَ: أجادٌّ أنْتَ أمْ لاعِبٌ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ الكَيْدُ: احْتِيالُ الكائِدِ في ضُرِّ المَكِيدِ. والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: لَأكِيدَنَّها بِالكَسْرِ. ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا﴾؛ أيْ: تَذْهَبُوا عَنْها، وكانَ لَهم عِيدٌ في كُلِّ سَنَةٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، ولا يَخْلُفُونَ بِالمَدِينَةِ أحَدًا، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنا إلى عِيدِنا أعْجَبَكَ دِينُنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالَ: إنِّي سَقِيمٌ، وألْقى نَفْسَهُ، وقالَ سِرًّا مِنهم: ﴿وَتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنهم فَأفْشاهُ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ إلى بَيْتِ الأصْنامِ، وكانَتْ - فِيما ذَكَرَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ - اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ونُحاسٍ وحَدِيدٍ، وخَشَبٍ، فَكَسَرَها، ثُمَّ وضَعَ الفَأْسَ في عُنُقِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( جُذاذًا ) بِضَمِّ الجِيمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ: ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( جِذاذًا ) بِفَتْحِ الجِيمِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ يَعْمُرَ: ( جَذَذًا ) (p-٣٥٨)بِفَتْحِ الجِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو حَيَوَةَ، وابْنُ وثّابٍ: ( جُذَذًا ) بِضَمِّ الجِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: مُسْتَأْصَلِينَ، قالَ جَرِيرٌ:
؎ بَنُو المُهَلَّبِ جَذَّ اللَّهُ دابِرَهم أمْسَوْا رَمادًا فَلا أصْلٌ ولا طَرَفُ
أيْ: لَمْ يَبْقَ مِنهم شَيْءٌ، ولَفْظُ " جُذاذٍ " يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمِيعِ، مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿جُذاذًا﴾؛ أيْ: فُتاتًا، وكُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ فَقَدْ جَذَذْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلسَّوِيقِ: الجَذِيذُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ جَذِيذٍ، مِثْلَ: ثَقِيلٍ وثِقالٍ، وخَفِيفٍ وخِفافٍ، والجَذِيذُ بِمَعْنى المَجْذُوذِ، وهو المَكْسُورُ. ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: كَسَرَ الأصْنامَ إلّا أكْبَرَها. قالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ أكْبَرُها في ذاتِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أكْبَرُها عِنْدَهم في تَعْظِيمِهِمْ إيّاهُ. ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الصَّنَمِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فَيُشاهِدُونَهُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّانِي: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بِالتُّهْمَةِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى إبْراهِيمَ. والمَعْنى: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ بِوُجُوبِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
21:59–63Page 327
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩
They said, "Who has done this to our gods? Indeed, he is of the wrongdoers."
قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠
They said, "We heard a young man mention them who is called Abraham."
قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١
They said, "Then bring him before the eyes of the people that they may testify."1
قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢
They said, "Have you done this to our gods, O Abraham?"
قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣
He said, "Rather, this - the largest of them - did it, so ask them, if they should [be able to] speak."
فَلَمّا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ونَظَرُوا إلى آلِهَتِهِمْ، ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: قَدْ فَعَلَ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ، فَقالَ الَّذِي سَمِعَ إبْراهِيمَ يَقُولُ: لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَعِيبُهم، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: لَئِنْ ذَكَرْتَنِي لَتَنْدَمَنَّ، تُرِيدُ: بِسُوءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾؛ أيْ: بِمَرْأًى مِنهم، لا تَأْتُوا بِهِ خُفْيَةً. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ إذا أُظْهِرَ الأمْرُ وشُهِرَ: كانَ ذَلِكَ عَلى أعْيُنِ النّاسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: يَشْهَدُونَ أنَّهُ قالَ لِآلِهَتِنا ما قالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والثّانِي: يَشْهَدُونَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: يَشْهَدُونَ عِقابَهُ وما يُصْنَعُ بِهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فانْطَلَقُوا بِهِ إلى نُمْرُودَ، فَقالَ لَهُ: أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ ؟ قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، غَضِبَ أنْ تُعْبَدَ مَعَهُ الصِّغارُ فَكَسَرَها، ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ مَن فَعَلَهُ بِهِمْ ؟ وهَذا إلْزامٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم جَمادٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى النُّطْقِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في وجْهِ هَذا القَوْلِ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ وإنْ كانَ في صُورَةِ الكَذِبِ، إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن لا قُدْرَةَ لَهُ، لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِثْلُهُ قَوْلُ المَلَكَيْنِ لِداوُدَ ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾، ولَمْ يَكُنْ أخاهُ، ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ ص: ٢٣ ]، ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، (p-٣٦٠)فَجَرى هَذا مَجْرى التَّنْبِيهِ لِداوُدَ عَلى ما فَعَلَ، وأنَّهُ هو المُرادُ بِالفِعْلِ والمَثَلِ المَضْرُوبِ، ومِثْلُ هَذا لا تُسَمِّيهِ العَرَبُ كَذِبًا.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ مَعارِيضِ الكَلامِ، فَرُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ [ كانَ ] يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾، ويَقُولُ: مَعْناهُ: فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿كَبِيرُهم هَذا﴾ . قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ بَعْضُهم: ( بَلْ فَعَلَّهُ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ، يُرِيدُ: فَلَعَلَّهُ كَبِيرُهم هَذا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مِنَ المَعارِيضِ، ومَعْناهُ: إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ، فَقَدْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [ الصّافّات: ٨٩ ]؛ أيْ: سَأسْقَمُ، ومِثْلُهُ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [ الزَّمْر: ٣٠ ]؛ أيْ: سَتَمُوتُ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ [ الكَهْف: ٧٤ ]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، والمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي، ومِن هَذا قِصَّةُ الخَصْمَيْنِ ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ ص: ٢١ ]، ومِثْلُهُ ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى﴾ [ سَبَأ: ٢٤ ]، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ التَّعْرِيضَ في كَلامِها كَثِيرًا، فَتَبْلُغُ إرادَتَها بِوَجْهٍ هو ألْطَفُ مِنَ الكَشْفِ، وأحْسَنُ مِنَ التَّصْرِيحِ. ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ خَرَجُوا يَمْتارُونَ، فَلَمّا صَدَرُوا، خالَفَ رَجُلٌ في بَعْضِ اللَّيْلِ إلى عِكْمِ صاحِبِهِ، فَأخَذَ مِنهُ بَرًّا وجَعَلَهُ في عِكْمِهِ، فَلَمّا أرادَ الرِّحْلَةَ وقاما يَتَعاكَمانِ، رَأى عِكْمَهُ يَشُولُ وعِكْمَ صاحِبِهِ يَثْقُلُ، فَأنْشَأ يَقُولُ:
؎ عِكْمٌ تَغَشّى بَعْضَ أعْكامِ القَوْمِ لَمْ أرَ عِكْمًا سارِقًا قَبْلَ اليَوْمِ
فَخَوَّنَ صاحِبَهُ بِوَجْهٍ هو ألْطَفُ مِنَ التَّصْرِيحِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كَلامُ إبْراهِيمَ كانَ صِدْقًا عِنْدَ البَحْثِ، ومَعْنى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: " «كَذَبَ إبْراهِيمُ ثَلاثَ كِذْباتٍ» ": (p-٣٦١)قالَ قَوْلًا يُشْبِهُ الكَذِبَ في الظّاهِرِ، ولَيْسَ بِكَذِبٍ. قالَ المُصَنَّفُ: وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى هَذا الوَجْهِ، وأنَّهُ مِنَ المَعارِيضِ، والمَعارِيضُ لا تُذَمُّ خُصُوصًا إذا احْتِيجَ إلَيْها. رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ» " . وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما يَسُرُّنِي أنَّ (p-٣٦٢)لِي بِما أعْلَمُ مِن مَعارِيضِ القَوْلِ مِثْلَ أهْلِي ومالِي. وقالَ النَّخَعِيُّ: لَهم كَلامٌ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ إذا خَشَوْا مِن شَيْءٍ يَدْرَؤُونَ بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: الكَلامُ أوْسَعُ مِن أنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ. وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَجُوزٍ: " إنَّ الجَنَّةَ لا تَدْخُلُها العَجائِزُ "»، أرادَ: قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [ الواقِعَة: ٣٥ ] . ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أنَّهُ كانَ يُمازِحُ بِلالًا، فَيَقُولُ: " ما أُخْتُ خالِكَ مِنكَ "» ؟ «وَقالَ لِامْرَأةٍ: " مَن زَوْجُكِ " ؟ فَسَمَّتْهُ لَهُ، فَقالَ: " الَّذِي في عَيْنَيْهِ بَياضٌ " ؟»، وقالَ لِرَجُلٍ: " «إنّا حامِلُوكَ عَلى ولَدِ ناقَةٍ» "، «وَقالَ لَهُ العَبّاسُ: ما تَرْجُو لِأبِي طالِبٍ ؟ فَقالَ: " كُلُّ خَيْرٍ أرْجُوهُ مِن رَبِّي "» . وكانَ أبُو بَكْرٍ حِينَ خَرَجَ مِنَ الغارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا سَألَهُ أحَدٌ: مَن هَذا بَيْنَ يَدَيْكَ ؟ يَقُولُ: هادٍ يَهْدِينِي. «وَكانَتِ امْرَأةُ ابْنِ رَواحَةَ قَدْ رَأتْهُ مَعَ جارِيَةٍ لَهُ، فَقالَتْ لَهُ: وعَلى فِراشِي أيْضًا ؟ فَجَحَدَ، فَقالَتْ لَهُ: فاقْرَأِ القُرْآنَ، فَقالَ:
؎ وفِينا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتابَهُ ∗∗∗ إذا انْشَقَّ مَشْهُورٌ مِنَ الصُّبْحِ طالَعُ
؎ يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالكافِرِينَ المَضاجِعُ
(p-٣٦٣)فَقالَتْ: آمَنتُ بِاللَّهِ، وكَذَّبْتُ بَصَرِي، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَضَحِكَ وأعْجَبَهُ ما صَنَعَ» . وعَرَضَ شُرَيْحٌ ناقَةً لِيَبِيعَها، فَقالَ لَهُ المُشْتَرِي: كَيْفَ لَبَنُها ؟ قالَ: احْلِبْ في أيِّ إناءٍ شِئْتَ. قالَ: كَيْفَ الوِطاءُ ؟ قالَ: افْرِشْ ونَمْ. قالَ: كَيْفَ نَجاؤُها ؟ قالَ: إذا رَأيْتَها في الإبِلِ عَرَفْتَ مَكانَها، عَلِّقْ سَوْطَكَ وسِرْ. قالَ: كَيْفَ قُونُها ؟ قالَ: احْمِلْ عَلى الحائِطِ ما شِئْتَ؛ [ فاسْتَصْراها ] فَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِمّا وصَفَ، فَرَجَعَ إلَيْهِ، فَقالَ: لَمْ أرَ فِيها شَيْئًا مِمّا وصَفْتَها بِهِ. قالَ: ما كَذَبْتُكَ. قالَ: أقِلْنِي. قالَ: نَعِمَ. وخَرَجَ شُرَيْحٌ مِن عِنْدِ زِيادٍ وهو مَرِيضٌ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ وجَدْتَ الأمِيرَ ؟ قالَ: تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ ويَنْهى، فَقِيلَ لَهُ: ما مَعْنى يَأْمُرُ ويَنْهى ؟ قالَ: يَأْمُرُ بِالوَصِيَّةِ ويَنْهى عَنِ النَّوْحِ. وأخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حُجْرًا المَدَرِيَّ، فَقالَ: العَنْ عَلِيًّا. فَقالَ: إنَ الأمِيرَ أمَرَنِي أنْ ألْعَنَ عَلِيًّا مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ، فالعَنُوهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وأمَرَ بَعْضُ الأُمَراءِ صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحانَ بِلَعْنِ عَلَيٍّ، فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَن لَعَنَ اللَّهُ ولَعَنَ عَلَيٌّ، ثُمَّ قالَ: إنَّ [ هَذا ] الأمِيرَ قَدْ أبى إلّا أنْ ألْعَنَ عَلِيًّا، فالعَنُوهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وامْتَحَنِتِ الخَوارِجُ رَجُلًا مِنَ الشِّيعَةِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أنا مِن عَلَيٍّ، ومِن عُثْمانَ بَرِيءٌ. وخَطَبَ رِجْلٌ امْرَأةً وتَحْتَهُ أُخْرى، فَقالُوا: لا نُزَوِّجُكَ حَتّى تُطَلِّقَ امْرَأتَكَ، فَقالَ: اشْهَدُوا أنِّي قَدْ طَلَّقْتُ ثَلاثًا، فَزَوَّجُوهُ، فَأقامَ مَعَ المَرْأةِ الأُولى، فادَّعَوْا أنَّهُ قَدْ طَلَّقَ، فَقالَ: أما تَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ تَحْتِي فُلانَةٌ فَطَلَّقْتُها، ثُمَّ فُلانَةٌ فَطَلَّقْتُها، ثُمَّ فُلانَةٌ فَطَلَّقْتُها ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَقَدْ طَلَّقَتُ ثَلاثًا. وحُكِيَ أنَّ رَجُلًا عَثَرَ بِهِ الطّائِفُ لَيْلَةً، فَقالَ لَهُ: مَن أنْتَ ؟ فَقالَ:
؎ أنا ابْنُ الَّذِي لا يُنْزَلُ الدَّهْرَ قِدْرُهُ ∗∗∗ وإنْ نَزَلَتْ يَوْمًا فَسَوْفَ تَعُودُ ∗∗∗ (p-٣٦٤)
تَرى النّاسَ أفَوْاجًا إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ فَمِنهم قِيامٌ حَوْلَها وقُعُودُ
فَظَنَّ الطّائِفُ أنَّهُ ابْنُ بَعْضِ الأشْرافِ بِالبَصْرَةِ، فَلَمّا أصْبَحَ سَألَ عَنْهُ، فَإذا هو ابْنُ باقِلّائِيٍّ. ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences