Ibn al-JawziAz‑Zumar · 39:24–61

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:24–61

39:24–28Page 461

أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤

Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."

كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥

Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.

فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦

So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.

وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧

And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.

قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨

[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: شِدَّتُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟ وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولًا، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَها إلّا بِوَجْهِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُ الخَزَنَةُ لِلْكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: جَزاءُ كَسْبِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وهم آَمِنُونَ غافِلُونَ عَنِ العَذابِ، (p-١٧٩)﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ يَعْنِي الهَوانُ والعَذابُ، ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا أصابَهم في الدُّنْيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: وصَفْنا لَهم ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَبَهٍ يُشْبِهُ أحْوالَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "عَرَبِيًّا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآَنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، فَذَكَرَ "قُرْآَنًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، وجاءَنِي عَمْرٌو إنْسانًا عاقِلًا، فَذَكَرَ رَجُلًا وإنْسانًا تَوْكِيدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وقالَ غَيْرُهُ: مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ.

39:29–31Page 461

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩

Allāh presents an example: a man [i.e., slave] owned by quarreling partners and another belonging exclusively to one man - are they equal in comparison? Praise be to Allāh! But most of them do not know.

إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠

Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١

Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مُخْتَلِفُونَ، يَتَنازَعُونَ ويَتَشاحُّونَ فِيهِ، يُقالُ: رَجُلٌ شَكِسٌ. وقالَ اليَزِيدِيُّ: الشَّكِسُ مِنَ الرِّجالِ: الضَّيِّقُ الخُلُقَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّ الكافِرَ يَعْبُدُ (p-١٨٠)آَلِهَةً شَتّى، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ يَمْلِكُهُ جَماعَةٌ يَتَنافَسُونَ في خِدْمَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أنْ يَبْلُغَ رِضاهم أجْمَعِينَ؛ والمُؤْمِنُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَمَثَّلَهُ بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ واحِدٍ، قَدْ عَلِمَ مَقاصِدَهُ وعَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضاهُ، فَهو في راحَةٍ مِن تَشاكُسِ الخُلَطاءِ فِيهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو إلّا عَبْدَ الوارِثِ في غَيْرِ رِوايَةِ القَزّازِ، وأبانٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَرَجُلًا سالِمًا" بِألْفٍ وكَسْرِ اللّامِ وبِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ فِيهِما؛ والمَعْنى: ورَجُلًا خالِصًا لِرَجُلٍ قَدْ سَلَّمَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ. ورَواهُ عَبْدُ الوارِثِ إلّا القَزّازُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ رَفَعَ الِاسْمَيْنِ، فَقالَ: "وَرَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ" وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَلِمَ لِرَجُلٍ" بِكَسْرِ السِّينِ ورَفْعِ المِيمِ. وقَرَأ الباقُونَ: "وَرَجُلًا سَلَمًا" بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ [وَبِالنَّصْبِ] فِيهِما والتَّنْوِينِ. والسَّلَمُ، بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، مَعْناهُ الصُّلْحُ، والسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: "سِلْمًا" و "سَلْمًا" فَهُما مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما، فالمَعْنى: ورَجُلًا ذا سِلْمٍ لِرَجُلٍ وذا سَلْمٍ لِرَجُلٍ؛ فالمَعْنى: ذا سَلْمٍ؛ والسَّلْمُ: الصُّلْحُ، والسِّلْمُ، بِكَسْرِ السِّينِ مِثْلُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [مَن قَرَأ]: "سَلَمًا لِرَجُلٍ" أرادَ: سَلِمَ إلَيْهِ فَهو سِلْمٌ لَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلْمُ والسِّلْمُ الصُّلْحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: لا يَسْتَوِيانِ، لِأنَّ الخالِصَ لِمالِكٍ واحِدٍ يَسْتَحِقُّ مِن مَعُونَتِهِ وإحْسانِهِ ما لا يَسْتَحِقُّهُ صاحِبُ الشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ. وقِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ في بابِ الرّاحَةِ، لِأنَّ هَذا قَدْ عَرَفَ الطَّرِيقَ إلى رِضى مالِكِهِ، وذاكَ مُتَحَيِّرٌ بَيْنَ الشُّرَكاءِ. قالَ ثَعْلَبُ: وإنَّما قالَ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾ ولَمْ يَقُلْ: مَثَلَيْنِ، لِأنَّهُما جَمِيعًا ضَرَبا (p-١٨١)مَثَلًا واحِدًا، ومِثْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٠]، ولَمْ يَقُلْ: آَيَتَيْنِ، لِأنَّ شَأْنَهُما واحِدٌ. وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: لَهُ الحَمْدُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَعْبُودِينَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ والمُرادُ بِالأكْثَرِ الكُلُّ.

ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ بِما بَعْدَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ يَمُوتُ، وأنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَهُ يَمُوتُونَ، وأنَّهم يَجْتَمِعُونَ لِلْخُصُومَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، المُحِقِّ والمُبْطِلِ، والمَظْلُومِ والظّالِمِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وما نَدْرِي ما تَفْسِيرُها، وما نَرى أنَّها نَزَلَتِ الّا فِينا وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ، حَتّى قُتِلَ عُثْمانُ، فَعَرَفَتُ أنَّها فِينا نَزَلَتْ. وفي لَفْظٍ آَخَرَ: حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ.

39:32–35Page 462

۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

So who is more unjust than one who lies about Allāh and denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a residence for the disbelievers?

وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣

And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤

They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -

لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥

That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.

(p-١٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ بِأنْ دَعا لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: مَقامٌ لِلْجاحِدِينَ؟! وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، يَعْنِي: إنَّهُ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. ثُمَّ في الصِّدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

[وَفِي الَّذِي صَدَّقَ بِهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيْضًا، هو جاءَ بِالصِّدْقِ، وهو صَدَّقَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ. والثّانِي: أنَّهُ أبُو بَكْرٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ]، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: [أنَّ] الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: أهْلُ القُرْآَنِ، وهو الصِّدْقُ الَّذِي يُجِيبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أدُّوا حَقَّهُ، فَهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ الأنْبِياءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، فَعَلى هَذا، يَكُونُ الَّذِي صَدَّقَ بِهِ: المُؤْمِنُونَ.

والرّابِعُ: أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: جِبْرِيلُ، وصَدَّقَ بِهِ: مُحَمَّدٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

(p-١٨٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ؛ وإنَّما قِيلَ: "هُمْ"، لِأنَّ مَعْنى "الَّذِي" مَعْنى الجَمْعِ، كَذَلِكَ قالَ اللُّغَوِيُّونَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ:

؎ فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ، كُلُّ القَوْمِ، يا أمَّ خالِدٍ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ المَعْنى: أعْطاهم ما شاؤُوا لِيُكَفِّرَ عَنْهم ﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾، أيْ: لِيَسْتُرَ ذَلِكَ بِالمَغْفِرَةِ ﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهُمْ﴾ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، لا بِمَساوِئِها.

39:36–38Page 462

أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦

Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧

And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨

And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."

(p-١٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما تَزالُ تَذْكُرُ آَلِهَتُنا وتَعِيبُها، فاتَّقِ أنْ تُصِيبَكَ بِسُوءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ .

وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ، وهُمُ الأنْبِياءُ، لِأنَّ الأُمَمَ قَصَدَتْهم بِالسُّوءِ؛ فالمَعْنى أنَّهُ كَما كَفى الأنْبِياءَ قَبْلَكَ، يَكْفِيكَ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "بِكافِي" مُثْبِتَةَ الياءِ "عَبْدَهُ" بِكَسْرِ الدّالِ والهاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو الجَوْزاءِ، والشَّعْبِيُّ مَثْلَهُ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الألِفَ في "عِبادِهِ" . وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "بِكافٍ" بِالتَّنْوِينِ، "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "يُكافِي" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ الكافِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الفاءِ "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ.

﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، وهُمُ الأصْنامُ.

ثُمَّ أعْلَمَ بِما بَعْدَ هَذا أنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ عَصاهُ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم مَعَ عِبادَتِهِمْ، يُقِرُّونَ أنَّهُ الخالِقُ. ثُمَّ أمَرَ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَ لا يَمْلِكَ كَشْفَ ضُرٍّ ولا جَذْبَ خَيْرٍ.

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "كاشِفاتٌ ضُرَّهُ" و "مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ" مَنَّوْنًا. والباقُونَ: "كاشِفاتُ ضُرِّهِ" و "مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" عَلى الإضافَةِ.

39:39–41Page 462

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩

Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know

مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠

To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."

إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١

Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.

(p-١٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها والآَيَةُ الَّتِي تَلِيا نُسِخَتْ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِجَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ. وتَمامُ الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في آَخِرِ [يُونُسَ: ١٠٨]، وذَكَرُوا أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

39:42Page 463

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢

Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ: يَقْبِضُ الأرْواحَ حِينَ مَوْتِ أجْسادِها ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ أيْ: ويَتَوَفّى الَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴿فِي مَنامِها﴾ .

﴿فَيُمْسِكُ﴾ أيْ: عَنِ الجَسَدِ [والنَّفْسِ] ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قُضِيَ" بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ الياءِ، "المَوْتُ" بِالرَّفْعِ.

﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرى﴾ إلى الجَسَدِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو انْقِضاءُ العُمْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في أمْرِ البَعْثِ. ورَوى (p-١٨٦) [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ وأرْواحُ الأمْواتِ في المَنامِ، فَيَتَعارَفُونَ ويَتَساءَلُونَ، ثُمَّ تُرَدُّ أرْواحُ الأحْياءِ إلى أجْسادِها، فَلا يُخْطَأُ بِشَيْءٍ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى: في ابْنِ آَدَمَ نَفْسٌ ورُوحٌ، فَبِالنَّفْسِ العَقْلُ والتَّمْيِيزُ، وبِالرُّوحِ النَّفَسُ والتَّحْرِيكُ، فَإذا نامَ العَبْدُ، قَبَضَ اللَّهُ نَفْسَهُ ولَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في الإنْسانِ رُوحٌ ونَفْسٌ، بَيْنَهُما حاجِزٌ، فَهو تَعالى يَقْبِضُ النَّفْسَ عِنْدَ النَّوْمِ يَرُدُّها إلى الجَسَدِ عِنْدَ الِانْتِباهِ، فَإذا أرادَ إماتَةَ العَبْدِ في نَوْمِهِ، لَمْ يَرُدَّ النَّفْسَ وقَبَضَ الرُّوحَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ فَرْقٌ؟ عَلى قَوْلَيْنِ قَدْ ذَكَرْتُهُما في "الوُجُوهِ والنَّظائِرِ"، وزِدْتُ هَذِهِ الآَيَةَ شَرْحًا في بابِ التَّوَفِّي في كِتابِ "النَّظائِرِ" . وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ التَّوَفِّيَ المَذْكُورَ في حَقِّ النّائِمِ هو نَوْمُهُ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنُ الأنْبارِيِّ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ مَعْنى تُوُفِّيَ النّائِمُ: قَبْضُ نَفْسِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، وإرْسالُها: إطْلاقُها بِاليَقَظَةِ لِلتَّصَرُّفِ.

39:43–44Page 463

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣

Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"

قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤

Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.

(p-١٨٧)وَفِي المُرادِ بِالشُّفَعاءِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها أصْنامٌ، زَعَمُوا أنَّها تَشْفَعُ لَهم في حاجاتِهِمْ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ مِنَ الشَّفاعَةِ ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّكم تَعْبُدُونَهُمْ؟! وجَوابُ هَذا الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أوَلَوْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَتَّخِذُونَهُمْ؟!

﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لا يَمْلِكُها أحَدٌ إلّا بِتَمْلِيكِهِ، ولا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ.

39:45–48Page 463

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥

And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦

Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."

وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧

And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1

وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨

And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: انْقَبَضَتْ عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: اسْتَكْبَرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: نَفَرَتْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الأنْعامِ: ١٤، ٧٣،البَقَرَةِ: ١١٣، الرَّعْدِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .

(p-١٨٨)قالَ السُّدِّيُّ: ظَنُّوا أنَّ أعْمالَهم حَسَناتٍ، فَبَدَتْ لَهم سَيِّئاتٍ. وقالَ غَيْرُهُ: عَمِلُوا أعْمالًا ظَنُّوا أنَّها تَنْفَعُهُمْ، فَلَمْ تَنْفَعْ مَعَ شِرْكِهِمْ. قالَ مُقاتِلٌ: ظَهَرَ لَهم حِينَ بَعَثُوا ما لَمْ يَحْتَسِبُوا أنَّهُ نازِلٌ بِهِمْ؛ فَهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، فَلَمّا عُوقِبُوا عَلَيْها، بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.

والثّانِي: أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ جَزَعَ عِنْدَ المَوْتِ وقالَ: أخْشى هَذِهِ الآَيَةَ أنْ يَبْدُوَ لِي ما لا أحْتَسِبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ ويُكَذِّبُونَ بِهِ.

39:49–52Page 464

فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩

And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.

قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠

Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١

And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1

أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو حُذَيْفَةَ ابْنُ المُغِيرَةِ، وقَدْ سَبَقَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَظِيرُها [الزُّمَرِ: ٨] . وإنَّما كَنّى عَنِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوتِيتُهُ﴾، لِأنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ: الإنْعامُ.

﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عِنْدِي، أيْ: عَلى خَيْرٍ عَلِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي. وقِيلَ: عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِأنِّي لَهُ أهْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ هِيَ﴾ يَعْنِي النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ [اللَّهُ] عَلَيْهِ بِها ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: بَلْوى يُبْتَلى بِها العَبْدُ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، (p-١٨٩)﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم وامْتِحانٌ. وقِيلَ: "بَلْ هِيَ" أيِ: المَقالَةُ الَّتِي قالَها "فِتْنَةٌ" .

﴿قَدْ قالَها﴾ يَعْنِي تِلْكَ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهُ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأُمَمُ الماضِيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: قارُونُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ أيْ: ما دَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: مِنَ الكُفْرِ. والثّانِي: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. والثّالِثُ: مِنَ الأمْوالِ.

﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أيْ: جَزاءَ سَيِّئاتِهِمْ، وهو العَذابُ.

ثُمَّ أوْعَدَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: إنَّهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ ولا يَفُوتُونَهُ.

قالَ مُقاتِلٌ: ثُمَّ وعَظَهم لِيَعْلَمُوا وحْدانِيَّتَهُ حِينَ مُطِرُوا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في بَسْطِ الرِّزْقِ وتَقْتِيرِهِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

39:53–55Page 464

۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣

Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤

And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.

وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥

And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

(p-١٩٠)أحَدُها: أنَّ ناسًا مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ ونَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، ثُمَّ عُذِّبُوا فافْتُتِنُوا، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُونَ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن هَؤُلاءِ صَرْفًا ولا عَدْلًا، قَوْمٌ تَرَكُوا دِينَهم بِعَذابٍ عُذِّبُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَكَتَبَها عُمَرُ إلى عِياشٍ والوَلِيدُ وأُولَئِكَ النَّفَرُ، فَأسْلَمُوا وهاجَرُوا؛ وهَذا قَوْلُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في وحْشَيٍّ؛ وهَذا القَوْلُ ذَكَرْناهُ مَشْرُوحًا في آَخَرَ [الفَرْقانِ: ٦٨] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ (p-١٩١)وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَكَيْفَ نُهاجِرُ ونُسَلِّمُ وقَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ؟! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وَمَعْنى ﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ارْتَكَبُوا الكَبائِرَ. والقُنُوطُ بِمَعْنى اليَأْسِ. ﴿وَأنِيبُوا﴾ بِمَعْنى ارْجِعُوا إلى اللَّهِ مِنَ الشِّرْكِ والذُّنُوبِ، ﴿وَأسْلِمُوا لَهُ﴾ أيْ: أخْلَصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ. و "تُنْصَرُونَ" بِمَعْنى تَمْنَعُونَ.

﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ قَدْ بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] .

39:56–59Page 464

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦

Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."

أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧

Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."

أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."

بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩

But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.

(p-١٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى: بادِرُوا قَبْلَ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ، وحَذَرًا مِن أنْ تَقُولَ نَفْسٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: خَوْفَ أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ تَقُولُونَ فِيها هَذا القَوْلَ. ومَعْنى ﴿يا حَسْرَتا﴾ يا نَدامَتا ويا حُزْنًا. والتَّحَسُّرُ: الِاغْتِمامُ عَلى ما فاتَ. والألِفُ في "يا حَسْرَتا" هي [ياءُ] المُتَكَلِّمِ، والمَعْنى: يا حَسْرَتِي، عَلى الإضافَةِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُحَوِّلُ الياءَ إلى الألْفِ في كُلِّ كَلامٍ مَعْناهُ الِاسْتِغاثَةُ ويَخْرُجُ عَلى لَفْظِ الدُّعاءِ، ورُبَّما أدْخَلَتِ العَرَبُ الهاءَ بَعْدَ هَذِهِ الألِفِ، فَيَخْفِضُونَها مَرَّةً، ويَرْفَعُونَها أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يا حَسْرَتِي" بِكَسْرِ التّاءِ، عَلى الإضافَةِ إلى النَّفْسِ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا حَسْرَتايَ"، بِألِفٍ بَعْدَ التّاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ "يا حَسْرَتاهُ عَلى كَذا" بِفَتْحِ الهاءِ، و "يا حَسْرَتاهُ" بِالضَّمِّ والكَسْرِ، والنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يُجِيزُونَ أنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الهاءُ مَعَ الوَصْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: في حَقِّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: في أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والرّابِعُ: في ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ. والخامِسُ: في قُرْبِ اللَّهِ؛ رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَنْبُ: القُرْبُ، أيْ: في قُرْبِ اللَّهِ وجِوارِهِ؛ يُقالُ: فُلانٌ يَعِيشُ في جَنْبِ فُلانٍ، أيْ: في قُرْبِهِ وجِوارِهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: [عَلى] ما فَرَّطَتْ في طَلَبِ قُرْبِ اللَّهِ تَعالى، وهو الجَنَّةُ.

(p-١٩٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ: وما كُنْتَ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآَنِ وبِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا.

﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ أيْ: أرْشَدَنِي إلى دِينِهِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ الشِّرْكُ؛ فَيُقالُ لِهَذا القائِلِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: و "بَلى" جَوابُ النَّفْيِ، ولَيْسَ في الكَلامِ لَفْظُ النَّفْيِ، غَيْرَ أنَّ مَعْنى "لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي": ما هُدِيتُ، فَقِيلَ: "بَلى قَدْ جاءَتْكَ آَياتِي" . ورَوى ابْنُ أبِي سُرَيْجٍ [عَنَ الكِسائِيِّ]: "جاءَتْكَ"، "فَكَذَّبْتَ"، "واسْتَكْبَرْتَ"، "وَكُنْتَ"، بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِنَّ، مُخاطَبَةً لِلنَّفْسِ. ومَعْنى "اسْتَكْبَرْتَ": تَكَبَّرْتَ عَنِ الإيمانِ بِها.

39:60–61Page 465

وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠

And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?

وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١

And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَزَعَمُوا أنَّ لَهُ ولَدًا وشَرِيكًا ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنْ شِئْنا فَعَلْنا، وإنْ شِئْنا لَمْ نَفْعَلْ. وباقِي الآَيَةِ قَدْ ذَكَرْناهُ آَنِفًا [الزُّمَرِ: ٣٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "بِمَفازاتِهِمْ" . قالَ الفَرّاءُ: وهو كَما تَقُولُ: قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُ القَوْمِ وأُمُورَهُمْ، وارْتَفَعَ الصَّوْتُ والأصْواتُ، والمَعْنى واحِدٌ. وفِيها لِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ. أحَدُها: بِفَضائِلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّالِثُ: بِفَوْزِهِمْ مِنَ النّارِ.

(p-١٩٤)قالَ المُبَرِّدُ: المَفازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ، وإنْ جُمِعَ فَحَسُنٌ، كَقَوْلِكَ: السَّعادَةُ والسَّعاداتُ، والمَعْنى: يُنْجِيهِمُ اللَّهُ بِفَوْزِهِمْ، أيْ: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ وفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском