Ibn al-JawziAl‑An'am · 6:119–135

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:119–135

6:119Page 143

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩

And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ يَقَعُ لَكم في أنْ لا تَأْكُلُوا؟ ومَوْضِعُ "أنْ" نُصِبَ لِأنَّ "فِي" سَقَطَتْ، فَوُصِلَ المَعْنى إلى "أنْ" فَنَصَبَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" مَرْفُوعَتانِ؛ وقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، (p-١١٣)وَيَعْقُوبُ، والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: "فَصَّلَ" بِفَتْحِ الفاءِ، ما حَرَّمَ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "فَصَّلَ" بِفَتْحِ الفاءِ، ﴿ما حَرَّمَ﴾ بِضَمِّ الحاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: فَصَّلَ لَكُمُ الحَلّالَ مِنَ الحَرامِ، وأحَلَّ لَكم في الِاضْطِرارِ ما حَرَّمَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم، يَعْنِي: ما بَيَّنَ في [المائِدَةِ] مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ، إلى آَخَرِ الآَيَةِ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي العَرَبِ يَضِلُّونَ في أمْرِ الذَّبائِحِ وغَيْرِهِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " لَيَضِلُّونِ "، وفي [يُونُسَ: ٨٨]: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا﴾ وفي [إبْراهِيمَ: ٣٠]: ﴿أنْدادًا لِيُضِلُّوا﴾ وفي [الحَجِّ: ٩]: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ﴾، وفي [لُقْمانَ: ٦]: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وفي [الزُّمَرِ:٨]: ﴿أنْدادًا لِيُضِلَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ في هَذِهِ المَواضِعِ السِّتَّةِ؛ وضَمَّهُنَّ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ " . وُفي [يُونُسَ]: " لَيَضِلُّوا " بِالفَتْحِ؛ وضَمَّ الأرْبَعَةُ الباقِيَةُ. فَمَن فَتَحَ، أرادَ: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا؛ ومَن ضَمَّ، أرادَ: أنَّهم أضَلُّوا غَيْرَهم، وذَلِكَ أبْلَغُ في الضَّلالِ، لِأنَّ كُلَّ مُضِلٍّ ضالٌّ؟ ولَيْسَ كُلُّ ضالٍّ مُضِلًّا.

6:120Page 143

وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠

And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ في الإثْمِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الزِّنا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا، في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَهُ: الإعْلانُ بِهِ، وباطِنَهُ: الِاسْتِسْرارُ، قالَهُ (p-١١٤)الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ. قالَ الضَّحّاكُ: وكانُوا يَرَوْنَ الِاسْتِسْرارَ بِالزِّنا حَلالًا. والثّانِي: أنَّ ظاهِرَهُ نِكاحُ المُحَرَّماتِ، كالأُمَّهاتِ، والبَناتِ، وما نَكَحَ الآَباءُ. وباطِنُهُ: الزِّنا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ إثْمٍ. والمَعْنى: ذَرُوا المَعاصِيَ، سِرَّها وعَلانِيَتَها؛ وهَذا مَذْهَبُ أبِي العالِيَةَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والزَّجّاجٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: ذَرُوا الإثْمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ الإثْمَ: المَعْصِيَةُ، إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ هاهُنا أمْرٌ خاصٌّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ظاهِرُهُ هاهُنا: نَزْعُ أثْوابِهِمْ، إذْ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وباطِنُهُ: الزِّنا.

6:121Page 143

وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١

And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: مُجادَلَةُ المُشْرِكِينَ لَلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِمْ: أتَأْكُلُونَ مِمّا قَتَلْتُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ! عَلى ما ذَكَرْنا في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنْعامِ:١١٨] هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كَتَبَتْ فارِسٌ إلى قُرَيْشٍ: إنْ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ لا يَأْكُلُونَ ما ذَبَحَهُ اللَّهُ، ويَأْكُلُونَ ما ذَبَحُوا لِأنْفُسِهِمْ فَكَتَبَ المُشْرِكُونَ إلى أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، فَوَقَعَ في أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ (p-١١٥)وَفِي المُرادِ بِما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَيْتَةُ، . رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المَيْتَةُ والمُنْخَنِقَةُ، إلى قَوْلِهِ: "وَما ذُبِحَ" عَلى النُّصُبِ [المائِدَةِ:٣] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها ذَبائِحٌ كانَتِ العَرَبُ تَذْبَحُها لِأوْثانِها، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عامٌّ فِيما لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ عِنْدَ ذَبْحِهِ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطْمِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ.

فَصْلٌ

فَإنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ، فَهَلْ يُباحُ؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ. وإنْ تَرَكَها ناسِيًا أُبِيحَتْ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَحْرُمُ في الحالَيْنِ جَمِيعًا، وقالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: فَإذا قُلْنا: إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا يَمْنَعُ الإباحَةَ، فَقَدْ نَسَخَ مِن هَذِهِ الآَيَةِ ذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائِدَةِ:٥] وعَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ: الآَيَةُ مَحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ يَعْنِي: وإنْ أكَلَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ لَفِسْقٍ، أيْ: خُرُوجٌ عَنِ الحَقِّ والدِّينِ. وفي المُرادِ بِالشَّياطِينِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَوْمٌ مِن أهْلِ فارِسٍ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ فَعَلى الأوَّلِ: وحْيُهُمُ الوَسْوَسَةُ، وعَلى الثّانِي: وحْيُهُمُ الرِّسالَةُ. والمُرادُ بِـ "أوْلِيائِهِمْ" الكُفّارُ الَّذِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في تَرْكِ أكْلِ المَيْتَةِ. ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ. (p-١١٦)أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. والثّانِي: اليَهُودُ؛ ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ المَيْتَةِ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ .

6:122Page 143

أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، وأبِي جَهْلٍ، وذَلِكَ «أنَّ أبا جَهْلٍ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِفَرْثٍ، وحَمْزَةُ لَمْ يُؤْمِن بَعْدُ، فَأُخْبِرَ حَمْزَةُ بِما فَعَلَ أبُو جَهْلٍ، فَأقْبَلَ حَتّى عَلا أبا جَهْلٍ بِالقَوْسِ، فَقالَ لَهُ: أما تَرى ما جاءَ بِهِ؟ سَفَهُ عُقُولِنا، وسَبُّ آَلِهَتِنا، فَقالَ حَمْزَةُ: ومَن أسْفَهُ مِنكم، تَعْبُدُونَ الحِجارَةَ مِن دُونِ اللَّهِ؟ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأبِي جَهْلٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: في عُمْرَ بْنِ الخَطّابِ، وأبِي جَهْلٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: في النَّبِيِّ ﷺ، وأبِي جَهْلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، قالَهُ الحَسَنُ في آَخَرِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كانَ ضالًّا فَهَدَيْناهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-١١٧)والثّانِي: كانَ جاهِلًا، فَعَلَّمْناهُ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. وقَرَأ نافِعٌ: "مَيْتًا" بِالتَّشْدِيدِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَيْتَةُ، مُخَفَّفَةٌ: مِن مِيتَةٍ، والمَعْنى واحِدٌ. وفي "النُّورِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الهُدى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: القُرْآَنُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: العِلْمُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَهْتَدِي بِهِ في النّاسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: يَمْشِي بِهِ بَيْنَ النّاسِ إلى الجَنَّةِ. والثّالِثُ: يَنْشُرُ بِهِ دِينَهُ في النّاسِ، فَيَصِيرُ كالماشِي، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ المَثَلُ: صِلَةٌ؛ والمَعْنى كَمَن هو في الظُّلُماتِ. وقِيلَ: المَعْنى: كَمَنَ لَوْ شُبِّهَ بِشَيْءٍ، كانَ شَبِيهُهُ مَن في الظُّلُماتِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلُماتِ هاهُنا: الكُفْرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾ أيْ: كَما بَقِيَ هَذا في ظُلُماتِهِ لا يَتَخَلَّصُ مِنها، كَذَلِكَ زُيِّنَ "لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ" مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.

6:123Page 143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ أيْ: وكَما زَيَّنّا لَلْكافِرِينَ عَمَلَهم، فَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةِ فُسّاقَ كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَها. وإنَّما جُعِلَ الأكابِرُ فَسّاقَ كُلِّ قَرْيَةٍ، لِأنَّهم أقْرَبُ إلى الكُفْرِ بِما أعْطَوْا مِنَ الرِّياسَةِ والسِّعَةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَقْدِيرُ الآَيَةِ: وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرْمِيها أكابِرَ؛ "وَأكابِرَ" لا يَنْصَرِفُ، وهُمُ العُظَماءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَكْرُ: والخَدِيعَةُ، والحِيلَةُ، (p-١١٨)والفُجُورُ، والغَدْرُ، والخِلافُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيَقُولُوا فِيها الكَذِبَ. قالَ مُجاهِدٌ: أجْلَسُوا عَلى كُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ مَكَّةَ أرْبَعَةً، لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، يَقُولُونَ لَلنّاسِ: هَذا شاعِرٌ، وكاهِنٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ المَكْرُ بِهِمْ يَحِيقُ.

6:124Page 143

وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زاحَمَتْنا بَنُو عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ، حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ، قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ. واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَتْبَعُهُ أوْ أنَّ يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ والمِيمُ تَعُودُ عَلى الأكابِرِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: تَعُودُ عَلى المُجادِلِينَ في تَحْرِيمِ المَيْتَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: والآَيَةُ: انْشِقاقُ القَمَرِ، والدُّخانُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ قالَ: حَتّى يُوحى إلَيْنا، ويَأْتِيَنا جِبْرِيلُ فَيُخْبِرُنا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ. قالَ الضَّحّاكُ: سَألَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم أنْ يَخْتَصَّ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( الله أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ ) وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "رِسالَتَهُ" بِنَصْبِ التّاءِ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا لَها بِأهْلٍ، وذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ قالَ: واللَّهِ لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ، لَأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا، وأكْثَرُ مِنكَ مالًا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( الله أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ ) وقالَ أهْلُ المَعانِي: الأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُّسُلِ أنْ لا يَكُونُوا قَبْلَ (p-١١٩)مَبْعَثِهِمْ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ، لِأنَّ الطَّعْنَ كانَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ: إنَّما كانُوا رُؤُوسًا فاتُّبِعُوا، فَكانَ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ جَعَلَ الرِّسالَةَ لَيَتِيمِ أبِي طالِبٍ، دُونَ أبِي جَهْلٍ، والوَلِيدِ، وأكابِرَ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّغارُ: أشَدُّ الذُّلِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هم، وإنْ كانُوا أكابِرَ في الدُّنْيا، فَسَيُصِيبُهم صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: صَغارٌ ثابِتٍ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَيُصِيبُهم عِنْدَ اللَّهِ صَغارٌ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: صَغارٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَحُذِفَتْ "مِن" . وقالَ أبُو رَوْقٍ: صَغارٌ في الدُّنْيا، وعَذابٌ شَدِيدٌ في الآَخِرَةِ،

6:125Page 144

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥

So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الشَّرْحُ: الفَتْحُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ يُقالُ: شَرَحْتُ لَكَ الأمْرَ، وشَرَحْتُ اللَّحْمَ: إذا فَتَحْتَهُ. وقالَ: ابْنُ عَبّاسٍ: (يَشْرَحُ صَدْرَهُ) أيْ: يُوسِّعُ قَلْبَهُ لَلتَّوْحِيدِ والإيمانِ. وقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾، فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما هَذا الشَّرْحُ؟ قالَ: "نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في القَلْبِ، فَيَنْفَتِحُ القَلْبُ" قالُوا: فَهَلْ لَذَلِكَ مِن أمارَةٍ؟ قالَ: "نَعَمْ" قِيلَ: وما هِيَ؟ (p-١٢٠)قالَ: "الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادِ لَلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ"»

قَوْلُهُ تَعالى: ضَيِّقًا قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ضَيِّقًا"، وفى[الفَرْقانِ:١٣]: ﴿مَكانًا ضَيِّقًا﴾ بِتَسْكِينِ الياءِ خَفِيفَةً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الضَّيِّقُ، والضَّيْقُ: مِثْلُ المَيِّتِ، والمَيْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: حَرَجًا قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (حَرَجًا) بِفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الرّاءِ. قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ. وكَذَلِكَ قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ: هُما لُغَتانِ، إلّا أنَّ الفَتْحَ أكْثَرُ مِنَ ألْسِنَةِ العَرَبِ مِنَ الكَسْرِ، ومَجْراهُما مَجْرى الدَّنَفِ والدَّنِفِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ في اللُّغَةِ: أضْيَقُ الضَّيِّقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( كَأنَّما يَصّاعَدُ ) قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَصْعَدُ" بِتَشْدِيدِ الصّادِ والعَيْنِ وفَتْحِ الصّادِ مِن غَيْرِ ألْفٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يَصّاعَدُ" بِتَشْدِيدِ الصّادِ وبَعْدَها ألِفٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَصْعَدُ" بِتَخْفِيفِ الصّادِ والعَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والصّادُ ساكِنَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ: "تَصْعَدُ" بِتاءٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ أبِيُّ بْنُ كَعْبُ: "يَتَصاعَدُ" بِألِفٍ وتاءٍ. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ( كَأنَّما يَصّاعَدُ في السَّماءِ ) و"يَصْعَدُ" أصْلُهُ: "يَتَصاعَدُ"، "وَيَتَصَعَّدُ" إلّا أنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الصّادِ (p-١٢١)لَقُرْبِها مِنها، والمَعْنى: كَأنَّهُ قَدْ كَلَّفَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ إذا دُعِيَ إلى الإسْلامِ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ عَنْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كَأنَّ قَلْبَهُ يَصْعَدُ في السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الإسْلامِ والحِكْمَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: ضاقَ عَلَيْهِ المَذْهَبُ، فَلَمْ يَجْدْ إلّا أنْ يَصْعَدَ في السَّماءِ، ولَيْسَ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "يَصْعَدُ" و"يَصّاعَدُ": مِنَ المَشَقَّةِ، وصُعُوبَةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ: ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَتْنِي خِطْبَةُ النِّكاحِ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيَّ شَيْءٌ مَشَقَّتَها.

قَوْلُهُ تَعالى: كَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ. ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. يَعْنِي: أنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُهُ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ المَأْتَمُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآَخِرَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآَيَةُ تَقْطَعُ كَلامَ القَدَرِيَّةِ، إذْ قَدْ صَرَّحَتْ بِأنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ مُتَعَلِّقَةٌ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى:

6:126Page 144

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَذا صِراطُ رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: التَّوْحِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. (p-١٢٢)والثّالِثُ: ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، قالَهُ عَطاءٌ. ومَعْنى اسْتِقامَتِهِ: أنَّهُ يُؤَدِّي بِسالِكِهِ إلى الفَوْزِ. قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: و"مُسْتَقِيمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِن "صِراطُ" وهَذِهِ الحالُ يُقالُ لَها: الحالُ المُؤَكِّدَةُ، لِأنَّ صِراطَ اللَّهِ، لا يَكُونُ إلّا مُسْتَقِيمًا، ولَمْ يُؤْتَ بِها لَتُفَرِّقَ بَيْنَ حالَتَيْنِ، إذْ لا يَتَغَيَّرُ صِراطُ اللَّهِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ أبَدًا، ولَيْسَتْ هَذِهِ الحالُ كَحالِ مِن قَوْلِكَ: "هَذا زِيدٌ راكِبًا"، لِأنَّ زَيْدًا قَدْ يَخْلُو مِنَ الرُّكُوبِ.

6:127Page 144

۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧

For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ. وفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ، وهي دارُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها دارُ السَّلامَةِ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ تَحِيَّةَ أهْلِها فِيها السَّلامُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ جَمِيعَ حالاتِها مَقْرُونَةٌ بِالسَّلامِ، فَفي ابْتِداءِ دُخُولِهِمْ: (ادْخُلُوها بِسَلامٍ) [الحِجْرِ:٤٦] وبَعْدَ اسْتِقْرارِهِمْ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ:٣٤، ٣٣] . وقَوْلُهُ: ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقِعَةِ:٣٥]، وعِنْدَ لَقاءِ اللَّهِ ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، [يس:٥٨]، وقَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحْزابِ:٤٤] . ومَعْنى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مَضْمُونَةٌ لَهم عِنْدَهُ، ﴿وَهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ أيْ: مُتَوَلِّي إيصالِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ، ودَفْعِ المَضارِّ عَنْهم ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الطّاعاتِ.

6:128Page 144

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨

And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

(p-١٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي الجِنَّ والإنْسَ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: يَعْنِي: المُشْرِكِينَ وشَياطِينِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يُوحُونَ إلَيْهِمْ بِالمُجادَلَةِ لَكم فِيما حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنَ المِيتَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، فَيُقالُ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ؛ والمَعْشَرُ: الجَماعَةُ، أمْرُهم واحِدٌ، والجُمَعُ: المَعاشِرُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ. ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أضَلَّهُمُ الجِنُّ. ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ اسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِالجِنِّ: أنَّهم كانُوا إذا سافَرُوا، فَنَزَلُوا وادِيًا، وأرادُوا مُبَيَّتًا، قالَ أحَدُهُمْ: أعُوذُ بِعَظِيمِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ أهْلِهِ؛ واسْتِمْتاعِ الجِنِّ بِالإنْسِ: أنَّهم كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى قَوْمِهِمْ، ويَقُولُونَ: قَدْ سُدْنا الإنْسَ حَتّى صارُوا يُعَوِّذُونَ بِنا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ اسْتِمْتاعَ الجِنِّ بِالإنْسِ: طاعَتُهم لَهم فِيما يُغْرُونَهم بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ والكُفْرِ والمَعاصِي. واسْتِمْتاعِ الإنْسِ بِالجِنِّ: أنَّ الجِنَّ زَيَّنَتْ لَهُمُ الأُمُورَ الَّتِي يَهْوُونَها، وشَهَوْها إلَيْهِمْ حَتّى سَهُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُها، رَوى هَذا المَعْنى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والزَّجّاجُ. (p-١٢٤)والثّالِثُ: أنَّ اسْتِمْتاعَ الجِنِّ بِالإنْسِ: إغْواؤُهم إيّاهم. واسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِالجِنِّ: ما يَتَلَقَّوْنَ مِنهم مِنَ السِّحْرِ والكَهانَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ. والمُرادُ بِالجِنِّ في هَذِهِ الآَيَةِ: الشَّياطِينُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَوْتُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: الحَشْرُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَثْوى: المَقامُ؛ "وَخالِدِينَ" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. المَعْنى: النّارُ مَقامُكم في حالِ خُلُودٍ دائِمٍ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ هو اسْتِثْناءٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، والمَعْنى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُذْ يَبْعَثُونَ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، ومُدَّتِهِمْ في مُحاسَبَتِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أنْ يَزِيدَهم مِنَ العَذابِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ؛ وقِيلَ في هَذا غَيْرَ قَوْلٍ، سَتَجِدُها مَشْرُوحَةً في (هُودٍ) إنْ شاءَ اللَّهُ.

6:129Page 144

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ في مَعْناهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّانِي: نُتْبِعُ بَعْضَهم بَعْضًا في النّارِ بِأعْمالِهِمْ مِنَ المُوالاةِ، وهي المُتابَعَةُ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: نُسَلَّطُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: نَكِلُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا نُعِينُهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي.

6:130Page 144

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠

"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

(p-١٢٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "تَأْتِكُمْ" بِالتّاءِ، ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في الرِّسالَةِ إلى الجِنِّ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تُبْعَثُ إلى الإنْسِ خاصَّةً، وأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى الإنْسِ والجِنِّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ رُسُلَ الجِنِّ، هُمُ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآَنَ، فَوَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ مُجاهِدٌ: الرُّسُلَ مِنَ الإنْسِ، والنُّذُرَ مِنَ الجِنِّ، وهم قَوْمٌ يَسْمَعُونَ كَلامَ الرُّسُلِ، فَيُبَلِّغُونَ الجِنَّ ما سَمِعُوا.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، كَما بَعَثَ إلى الإنْسِ رُسُلًا مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ، وهو ظاهِرُ الكَلامِ.

والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ رُسُلًا مِنهم، وإنَّما جاءَتْهم رُسُلُ الإنْسِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. قالُوا: ولا يَكُونُ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ مانِعًا أنْ تَكُونَ الرُّسُلُ مِن أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرَّحْمَنِ:٢٢]، وإنَّما هو خارِجٌ مِنَ المِلْحِ وحْدَهُ.

وَفِي دُخُولِ الجِنِّ الجَنَّةَ إذا آَمَنُوا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَدْخُلُونَها، ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّ ثَوابَهم أنْ يُجارُوا مِنَ النّارِ ويَصِيرُوا تُرابًا، رَواهُ سُفْيانُ عَنْ لَيْثٍ. (p-١٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ أيْ: يَقْرَؤُونَ عَلَيْكم كِتابِي. ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ أيْ: يُخَوِّفُونَكم بِيَوْمِ القِيامَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أقْرَرْنا عَلى أنْفُسِنا بِإنْذارِ الرُّسُلِ لَنا.

والثّانِي: شَهِدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِإنْذارِ الرُّسُلِ إيّاهم. ثُمَّ أخْبَرَنا اللَّهُ تَعالى بِحالِهِمْ، فَقالَ: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِزِينَتِها، وإمْهالِهِمْ فِيها. ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أقَرُّوا أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ. وقالَ مُقاتِلٌ: ذَلِكَ حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم بِالشِّرْكِ والكُفْرِ.

6:131Page 144

ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ الرُّسُلِ، وأمْرِ عَذابِ مِن كَذَبَ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ، أيْ: لا يُهْلِكُكم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "بِظُلْمٍ" أيْ: بِشِرْكٍ ﴿وَأهْلُها غافِلُونَ﴾ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ.

6:132Page 145

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢

And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: لَكُلِّ عامِلٍ بِطاعَةِ اللَّهِ أوْ بِمَعْصِيَتِهِ دَرَجاتٌ، أيْ: مَنازِلُ يَبْلُغُها بِعَمَلِهِ، إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ. وإنَّما سُمِّيَتْ دَرَجاتٍ لِتَفاضُلِها في الِارْتِفاعِ والِانْحِطاطِ، كَتَفاضُلِ الدَّرَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالياءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ.

6:133–134Page 145

وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1

﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (p-١٢٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ يُرِيدُ: الغَنِيَّ عَنْ خَلْقِهِ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: بِالكُلِّ. ومِن رَحْمَتِهُ تَأْخِيرُ الِانْتِقامِ مِنَ المُخالِفِينَ. ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ بِالهَلاكِ؛ وقِيلَ: هَذا الوَعِيدُ لِأهْلِ مَكَّةَ؛ ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكُمْ﴾ أيِ: ابْتَدَأكم ﴿مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ يَعْنِي: آَباءَهُمُ الماضِينَ. ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ بِهِ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ والحَشْرِ ﴿لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: أعْجَزَنِي كَذا، أيْ: فاتَنِي وسَبَقَنِي.

6:135Page 145

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مَكاناتِكُمْ" عَلى الجَمْعِ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَلى مَوْضِعِكم، يُقالُ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، ومَنزِلٌ ومَنزِلَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اعْمَلُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. تَقُولُ لَلرَّجُلِ إذا أمَرْتَهُ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالٍ: كُنْ عَلى مَكانَتِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عامِلٌ ما أمَرَنِي بِهِ رَبِّي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تَكُونُ" بِالتّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ. وكَذَلِكَ خِلافُهم في [القَصَصِ:٣٧]، ووَجْهُ التَّأْنِيثِ، اللَّفْظُ، ووَجْهُ التَّذْكِيرِ، أنَّهُ لَيْسَ بِتَأْنِيثٍ حَقِيقِيٍّ. وعاقِبَةُ الدّارِ: الجَنَّةُ. والظّالِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ. فَإنْ قِيلَ: ظاهَرُ هَذِهِ الآَيَةِ أمْرُهم بِالإقامَةِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فالجَوابُ: أنَّ مَعْنى هَذا الأمْرِ المُبالَغَةُ في الوَعِيدِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: أقِيمُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، إنْ رَضِيتُمْ بِالعَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. (p-١٢٨)* فَصْلٌ

وَفِي هَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِها التَّهْدِيدُ؛ فَعَلى هَذا هي مُحْكَمَةٌ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها تَرَكُ القِتالَ؛ فَعَلى هَذا هي مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском