Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:134–154
7:134–136Page 166
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٣٤
And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ١٣٥
But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach,1 then at once they broke their word.
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٣٦
So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ. وفي هَذا العَذابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ طاعُونٌ أهْلَكَ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ العَذابُ الَّذِي سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَرادِ والقَمْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: "الرِّجْزُ" العَذابُ. أوِ العَمَلُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى العَذابِ. ومَعْنى الرِّجْزِ في العَذابِ: أنَّهُ المُقَلْقَلُ لَشِدَّتِهِ قَلْقَلَةً شَدِيدَةً مُتَتابِعَةً. وأصْلُ الرِّجْزِ في اللُّغَةِ: تَتابُعُ الحَرَكاتِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ناقَةٌ رَجْزاءُ، إذا كانَتْ (p-٢٥٢)تَرْتَعِدُ قَوائِمُها عِنْدَ قِيامِها. ومِنهُ رَجْزُ الشِّعْرِ، لِأنَّهُ أقْصَرُ أبْياتِ الشِّعْرِ، والِانْتِقالُ مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، سَرِيعٌ، نَحْوُ قَوْلِهِ:
؎ يا لَيْتَنِي فِيها جِذَعْ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
وَزَعَمَ الخَلِيلُ أنَّ الرَّجْزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّما هو أنْصافُ أبْياتٍ وأثْلاثُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: بِما أوْصاكَ أنْ تَدْعُوَهُ بِهِ. والثّانِي: بِما تَقَدَّمَ بِهِ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَهُ فَيُجِيبُكَ. والثّالِثُ: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ في كَشْفِ العَذابِ عَمَّنْ آَمَنَ. والرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى مَعْنى القَسَمِ، كَأنَّهم أقْسَمُوا عَلَيْهِ بِما عَهِدَ عِنْدَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ: إلى وقْتٍ غَرَقِهِمْ. ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ: يَنْقُضُونَ العَهْدَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: انْتَصَرْنا مِنهم بِإحْلالِ نِقْمَتِنا بِهِمْ، وتِلْكَ النِّقْمَةُ تَغْرِيقُنا إيّاهم في اليَمِّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اليَمُّ: البَحْرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَنِ الآَياتِ، وغَفْلَتِهِمْ: تَرْكُهم الِاعْتِبارَ بِها. والثّانِي: عَنِ النِّقْمَةِ.
7:137–138Page 166
وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ ١٣٧
And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word [i.e., decree] of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.
وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨
And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They [the Children of Israel] said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.
أحَدُها: مَشارِقُ الشّامِ ومَغارِبُها، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: مَشارِقُ أرْضِ الشّامِ ومِصْرَ، والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالماءِ والشَّجَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ وهي وعْدُ اللَّهِ لَبَنِي إسْرائِيلَ بَإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القَصَصِ:٥]، وقَدْ بَيَّنّا عِلَّةَ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ في (آَلِ عِمْرانَ:١٤٦)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي عَلى أذى فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَمَّرْنا﴾ أيْ: (أهْلَكْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ) مِنَ العِماراتِ والمَزارِعِ، والدَّمارِ: الهَلاكُ. ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أيْ: يَبْنُونَ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يُعَرِّشُونَ" بِكَسْرِ الرّاءِ هاهُنا وفي (النَّحْلِ:٦٨) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُعَرِّشُونَ" بِالتَّشْدِيدِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَرَّشَ يَعْرِشُ ويُعْرُشُ: إذا بَنى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "يَعْكُفُونَ" بِضَمِّ الكافِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-٢٥٤)والمُفَضَّلُ: بِكَسْرِ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الكافِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾: يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها، يُقالُ لَكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ. قالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ نُزُولًا بِالرِّقَّةِ، وكانُوا مِن لَخْمٍ. وقالَ غَيْرُهُ: كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ البَقَرِ. وهَذا إخْبارٌ عَنْ عَظِيمِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ تَوَهَّمُوا جَوازَ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بَعْدَما رَأوُا الآَياتِ.
7:139Page 167
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩
Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُهْلَكٌ والتَّبارُ: الهَلاكُ.
7:140Page 167
قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠
He said, "Is it other than Allāh I should desire for you as a god1 while He has preferred you over the worlds?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ أيْ: أطْلُبُ لَكم، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: العالِمُونَ هاهُنا: عالِمُو زَمانِهِمْ.
7:141Page 167
وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١
And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أنْجَيْناكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَإذا أنْجاكُمْ" عَلى لَفْظِ الغائِبِ المُفْرَدِ.
7:142Page 167
۞ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤٢
And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them],1 and do not follow the way of the corrupters."
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ عِنْدَ انْضِمامِ العَشْرِ إلى الثَّلاثِينَ؟ .
فالجَوابُ مِن وُجُوهِ. أحَدِها: أنَّهُ لَلتَّأْكِيدِ. والثّانِي: لَيَدُلَّ أنَّ العَشْرَ لَيالٍ، لا ساعاتِ. والثّالِثُ: لَيَنْفِيَ تَمامَ الثَّلاثِينَ بِالعَشْرِ أنْ تَكُونَ مِن جُمْلَةِ الثَّلاثِينَ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَسْبِقَ إلى الوَهْمِ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَأتَمَّتْ بِعَشْرِ. وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٥١) لَماذا كانَ هَذا الوَعْدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْلِحْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُرْهم بِالإصْلاحِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ارْفُقْ.
7:143–144Page 167
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٤٣
And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allāh] said, "You will not see Me,1 but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level,2 and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first [among my people] of the believers."3
قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤
[Allāh] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ تَعَلَّقَ بِهَذا نُفاةُ الرُّؤْيَةِ وقالُوا:"أنْ" لَنَفْيِ الأبَدِ، وذَلِكَ غَلَطٌ، لِأنَّها قَدْ ورَدَتْ ولَيْسَ المُرادُ بِها الأبَدُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البَقَرَةِ:٩٥] ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِتَمَنِّيهِ في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ:٧٧] ولِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ في تَفْسِيرِها: لَنْ تَرانِيَ في الدُّنْيا. وقالَ غَيْرُهُ: هَذا جَوابٌ لَقَوْلِ مُوسى: "أرِنِي" ولَمْ يُرِدْ: أرِنِي في الآَخِرَةِ، وإنَّما أرادَ في الدُّنْيا، فَأُجِيبُ عَمّا سَألَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لَنْ تَرانِي بِسُؤالِكَ. وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ، لِأنَّ مُوسى مَعَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ تَعالى، سَألَها، ولَوْ كانَتْ مِمّا يَسْتَحِيلُ لَما جازَ لِمُوسى أنْ يَسْألَها، ولا يَجُوزُ أنْ يَجْهَلَ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ الأنْبِياءِ بِاللَّهِ لَيْسَ فِيها نَقْصٌ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ المَسْألَةَ وإنَّما مَنَعَهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، ولَوِ اسْتَحالَتْ عَلَيْهِ لَقالَ: "لا أرى" ألّا تَرى أنَّ نُوحًا لَمّا قالَ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هُودَ:٤٥] أنْكَرَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هُودَ:٤٥] . ومِمّا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ أنَّهُ عَلَّقَها بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ، وذَلِكَ جائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ، ألا تَرى أنَّ دُخُولَ الكُفّارِ الجَنَّةَ لَمّا اسْتَحالَ عَلَّقَهُ بِمُسْتَحِيلٍ فَقالَ: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعْرافِ:٤٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ أيْ: ثَبَتَ ولَمْ يَتَضَعْضَعْ. (p-٢٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ظَهَرَ، وبانَ. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ:" دَكًّا" مُنَوَّنَةً مَقْصُورَةً هاهُنا وفي (الكَهْفِ:٩٨) وقَرَأ عاصِمٌ: "دَكًّا" ها هُنا مُنَوَّنَةً مَقْصُورَةً، وفي دَكّاءَ مَمْدُودَةً غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "دَكّاءَ" مَمْدُودَةً غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "جَعَلَهُ دَكًّا" أيْ: مُنْدَكًّا، والدَّكُّ: المُسْتَوِي؛ والمَعْنى: مُسْتَوِيًا مَعَ وجْهِ الأرْضِ، يُقالُ: ناقَةٌ دَكّاءُ، أيْ: ذاهِبَةُ السَّنامِ مُسْتَوٍ ظَهْرُها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّ سَنامَها دُكَّ، أيِ: التَصَقَ، قالَ: ويُقالُ: إنَّ أصْلَ دَكَكْتُ: دَقَقْتُ، فَأُبْدِلَتِ القافُ كافًا لَتُقارِبِ المَخْرَجَيْنِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: "جَعَلَهُ دَكًّا" ساخَ الجَبَلُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واسْمُ الجَبَلِ: زُبَيْرٌ وهو أعْظَمُ جَبَلٍ بِمَدْيَنَ، وإنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ لَيَتَجَلّى لَها، وتَواضَعَ زُبَيْرٌ فَتَجَلّى لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: مَيِّتًا، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والأوَّلُ أصَحُّ، لَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ وذَلِكَ لا يُقالُ لَلْمَيِّتِ. وقِيلَ: بَقِيَ في غَشِيَتْهُ يَوْمًا ولَيْلَة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾ فِيما تابَ مِنهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سُؤالُهُ الرُّؤْيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: مِنَ الإقْدامِ عَلى المَسْألَةِ قَبْلَ الإذْنِ فِيها. والثّالِثُ: اعْتِقادُ جَوازِ رُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلانِ. (p-٢٥٨)أحَدُهُما: أنَّكَ لَنْ تَرى في الدُّنْيا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أوَّلُ المُؤْمِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ فَتْحَ ياءَ "إنِّي" ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "بِرِسالَتِي" قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى اتَّخَذْتُكَ صَفْوَةً عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي، ولَوْ كانَ إنَّما سَمِعَ كَلامَ غَيْرَ اللَّهِ لَما قالَ:" بِرِسالاتِي وبِكَلامِي" لِأنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ إلى الأنْبِياءِ بِكَلامِ اللَّهِ.
7:145Page 168
وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥
And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ في ماهِيَةِ الألْواحِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها زَبَرْجَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ياقُوتٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والثّالِثُ زُمُرُّدٌ أخْضَرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: بَرَدٌ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والخامِسُ: خَشَبٌ، قالَهُ الحَسَنُ. والسّادِسُ: صَخْرٌ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. والسّابِعُ: زُمُرُّدٌ وياقُوتٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وفي عَدَدِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَبْعَةٌ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَوْحانِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. قالَ: وإنَّما سَمّاها اللَّهُ تَعالى ألْواحًا، عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في إيقاعِ الجَمْعِ عَلى التَّثْنِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنْبِياءِ:٧٨] يُرِيدُ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ والثّالِثُ: عَشْرَةٌ، قالَهُ وهْبٌ. والرّابِعُ: تِسْعَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في دِينِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والواجِبُ وغَيْرُهُ. والثّانِي: مِنَ الحِكَمِ والعِبَرِ.
(p-٢٥٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَوْعِظَةً﴾ أيْ: نَهَيا عَنِ الجَهْلِ. وتَفْصِيلًا أيْ: تَبْيِينًا لَكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والحُدُودِ والأحْكامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِجِدٍّ وحَزْمٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِطاعَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّالِثُ: بِشُكْرٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ إنْ قِيلَ: كَأنَّ فِيها ما لَيْسَ بِحَسَنٍ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: يَأْخُذُوا بِحُسْنِها، وكُلُّها حَسَنٌ، قالَهُ قُطْرُبٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نابَ "أحْسَنُ" عَنْ "حَسِنٍ" كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎ إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ. وقالَ غَيْرُ: "الأحْسَنِ" هاهُنا صِلَةٌ، والمَعْنى: يَأْخُذُوا بِها.
والثّانِي: أنَّ بَعْضَ ما فِيها أحْسَنُ مِن بَعْضٍ. ثُمَّ في ذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أمَرُوا فِيها بِالخَيْرِ ونَهَوْا عَنَ الشَّرِّ، فَفِعْلُ الخَيْرِ هو الأحْسَنُ.
والثّانِي: أنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى أشْياءَ حَسَنَةٍ بَعْضُها أحْسَنُ مِن بَعْضٍ، كالقَصاصِ والعَفْوِ والِانْتِصارِ والصَّبْرِ، فَأُمِرُوا أنْ يَأْخُذُوا بِالأحْسَنِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ المَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ العَزائِمَ والفَضائِلَ، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ، يَكُونُ المَعْنى: أنَّهم يَتَّبِعُونَ المَوْصُوفَ بِالحَسَنِ وهو الطّاعَةُ، ويَجْتَنِبُونَ المَوْصُوفَ بِالقُبْحِ وهو المَعْصِيَةُ.
والثّالِثُ: أحْسَنُها: الفَرائِضُ والنَّوافِلُ، وأُدْوَنُها في الحَسَنِ: المُباحُ.
(p-٢٦٠)والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ لَلْكَلِمَةِ مَعْنَيانِ أوْ ثَلاثَةٌ، فَتُصْرَفُ إلى الأشْبَهِ بِالحَقِّ.
والخامِسُ: أنَّ أحْسَنَها: الجَمْعُ بَيْنَ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها جَهَنَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّها دارُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وهي مِصْرُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ. والثّالِثُ: أنَّها مَنازِلُ مَن هَلَكَ مِنَ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ، يُرِيهِمْ إيّاها عِنْدَ دُخُولِهِمُ الشّامَ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: أنَّها مَصارِعُ الفاسِقِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ. ومَعْنى الكَلامِ: سَأُرِيكم عاقِبَةَ مَن خالَفَ أمْرِي، وهَذا تَهْدِيدٌ لَلْمُخالِفِ، وتَحْذِيرٌ لَلْمُوافِقِ.
7:146–147Page 168
سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦
I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness,1 they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧
Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ في هَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها خاصَّةٌ لِأهْلِ مِصْرَ فِيما رَأوْا مِنَ الآَياتِ. والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ، وهو أصَحُّ. وفي الآَياتِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها آَياتُ الكُتُبِ المَتْلُوَّةِ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أمْنَعُهم فَهْمَها. والثّانِي: أمْنَعُهم مِنَ الإيمانِ بِها. والثّالِثُ: أصْرِفُهم عَنِ الِاعْتِراضِ عَلَيْها بِالإبْطالِ. (p-٢٦١)والثّانِي: أنَّها آَياتُ المَخْلُوقاتِ كالسَّماءِ والأرْضِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وغَيْرِها، فَيَكُونُ المَعْنى: أصْرِفُهم عَنَ التَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ بِما خَلَقْتُ. وفي مَعْنى يَتَكَبَّرُونَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَتَكَبَّرُونَ عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرَّسُولِ.
والثّانِي: يُحَقِّرُونَ النّاسَ ويَرَوْنَ لَهُمُ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " سَبِيلَ الرُّشْدِ " بِضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " سَبِيلَ الرُّشْدِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ مُثَقَّلَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهم ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾، أيْ: كانُوا في تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِها والتَّدَبُّرِ لَها بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وكانُوا عَنْ جَزائِها غافِلِينَ.
7:148Page 168
وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨
And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.
قَوْلُهُ تَعالى: لَلْمِقاتِ. ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " مِن حُلِيِّهِمْ " بِضَمِّ الحاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ: بِفَتْحِها وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ الياءِ. والحُلِيُّ: جَمْعُ حُلِيٍّ، مِثْلُ ثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وهو اسْمٌ لِما يَتَحَسَّنُ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَن كَسَرَ الحاءَ مِن "حُلِيِّهِمْ" أتْبَعَ الحاءَ كَسْرَ اللّامِ. والجَسَدُ: هو الَّذِي لا يَعْقِلُ ولا يُمَيِّزُ، إنَّما هو بِمَعْنى الجُثَّةِ فَقَطْ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ذِكْرُ الجَسَدِ دَلالَةٌ عَلى (p-٢٦٢)عَدَمِ الرُّوحِ مِنهُ، وأنَّ شَخْصَهُ شَخْصٌ مِثالٌ وصُورَةٌ، غَيْرُ مُنْضَمٍّ إلَيْهِما رُوحٌ ولا نَفْسٌ. فَأمّا الخُوارُ، فَهو صَوْتُ البَقَرَةِ، يُقالُ: خارَتِ البَقَرَةُ تَخُورُ، وجَأرَتْ تَجْأرُ؛ وقَدْ نُقِلَ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ في مِثْلِ صَوْتِ الإنْسانِ مِنَ البَهائِمِ رَغا البَعِيرُ وجَرْجَرَ وهَدَرَ وقَبْقَبَ، وصَهَلَ الفَرَسُ وحَمْحَمَ، وشَهِقَ الحِمارُ ونَهَقَ، وشَحَجَ البَغْلُ، وثَغَتِ الشّاةُ ويَعَرَتْ، وثَأجَتِ النَّعْجَةُ، وبَغَمَ الظَّبْيُ ونَزَبَ، وزَأرَ الأسَدُ ونَهَتَ ونَأتَ، ووَعْوَعَ الذِّئْبُ، ونَهَمَ الفِيلُ، وزَقَحَ القِرْدُ، وضَبَحَ الثَّعْلَبُ، وعَوى الكَلْبُ ونَبَحَ، وماءَتِ السِّنَّوْرُ، وصَأتِ الفَأْرَةُ، ونَغَقَ الغُرابُ مُعْجَمَةَ الغَيْنِ، وزَقَأ الدِّيكُ وسَقَعَ، وصَفَرَ النَّسْرُ، وهَدَرَ الحَمامُ. وهَدَلَ، ونَقَضَتِ الضَّفادِعُ ونَقَّتْ، وعَزَفَتِ الجِنُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ العِجْلُ إذا خارَ سَجَدُوا، وإذا سَكَتَ رَفَعُوا رُؤُوسَهم. وفي رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: أنَّهُ خارَ خَوْرَةً واحِدَةَ ولَمْ يُتْبِعْها مِثْلَها، وبِهَذا قالَ وهْبٌ، ومُقاتِلٌ. وكانَ مُجاهِدٌ يَقُولُ: خُوارُهُ حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَوْحٌ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ: "لَهُ جِوارٌ" بِجِيمٍ مَرْفُوعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ كَلامَهم. ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ أيْ: لا يُبَيِّنُ لَهم طَرِيقًا إلى حُجَّةٍ. "اتَّخَذُوهُ" يَعْنِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا. ﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُشْرِكِينَ.
7:149–152Page 168
وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩
And when regret overcame them1 and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠
And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me1 and do not place me among the wrongdoing people."
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١
[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢
Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].
(p-٢٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: نَدِمُوا. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لَلرَّجُلِ النّادِمِ عَلى ما فَعَلَ، المُتَحَسِّرِ عَلى ما فَرَّطَ: قَدْ سَقَطَ في يَدِهِ، وأُسْقِطَ في يَدِهِ.
وَقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِّينِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ولَمّا سَقَطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، يُشَبِّهُ ما يَحْصُلُ في القَلْبِ وفي النَّفْسِ بِما يُرى بِالعَيْنِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا النَّدَمُ مِنهم إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ﴿يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ ﴿وَيَغْفِرْ لَنا﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَرْحَمُنا" " وتَغْفِرُ لَنا " بِالتّاءِ "رَبَّنا" بِالنَّصْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ في الأسَفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: الجَزَعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: الأسَفُ: مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِنهُ.
(p-٢٦٤)قَوْلُهُ تَعالى: قالَ أيْ: لَقَوْمِهِ ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ فَتَحَ ياءَ "بَعْدِي" أهْلُ الحِجازِ، وأبُو عَمْرٍو؛ والمَعْنى: بِئْسَ ما عَمِلْتُمْ بَعْدَ فِراقِي مِن عِبادَةِ العِجْلِ. ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عَجِلْتُ الأمْرَ والشَّيْءَ: سَبَقْتُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ. وأعْجَلْتُهُ: اسْتَحْثَثْتُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْجَلْتُمْ مِيعادَ رَبِّكم فَلَمْ تَصْبِرُوا لَهُ؟! قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي وعْدَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى الألْواحَ﴾ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ. وفي سَبَبِ إلْقائِهِ إيّاها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الغَضَبُ حِينَ رَآَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فَضائِلَ غَيْرِ أُمَّتِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَألْقاها، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ بُعْدٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَمى بِالألْواحِ فَتَحَطَّمَتْ، رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعٍ، وبَقِيَ سُبْعٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ في ما أخَذَ بِهِ مِن رَأْسِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِحْيَتُهُ وذُؤابَتُهُ. والثّانِي: شَعْرُ رَأْسِهِ. والثّالِثُ: أُذُنُهُ. وقِيلَ: إنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ عَصى اللَّهَ بِمَقامِهِ بَيْنَهم وتَرَكَ اللُّحُوقَ بِهِ، وتَعْرِيفُهُ ما أحْدَثُوا بَعْدَهُ لَيَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَيَتَلافاهم ويَرُدُّهم إلى الحَقِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قالَ ابْنَ أمَّ" نَصْبًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ المِيمِ، وكَذَلِكَ في [طه:٩٤] . قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ المِيمَ، فَلِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ هَذا الِاسْمِ، ومَن كَسَرَ، أضافَهُ إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اسْمًا واحِدًا، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "يا ابْنَ أُمِّيَ" بِإثْباتِ الياءِ. قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٦٥)
؎ يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي أنْتَ خَلِيفَتِي لِدَهْرٍ شَدِيدٍ
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِن فَتْحِ: "يا ابْنَ أُمِّ" أمّا، ويَحْذِفُ الألِفَ، ومَن كَسَرَ: "ابْنِ أُمِّي" فَيَحْذِفُ الياءَ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ "يا ابْنَ أُمَّ" ولَمْ يَقُلْ: "يا ابْنَ أبِ"؟ فالجَوابُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وإنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ لَيُرْفِقَهُ عَلَيْهِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والإنْسانُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَةِ أرَقُّ مِنهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدِ. وقِيلَ: كانَ لَأُمِّهِ دُونَ أبِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ القَوْمَ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ العِجْلِ. ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ أيِ: اسْتَذَلُّونِي. ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾ قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ عاصِمٍ: " فَلا تُشْمِتْ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ فَتْحِ المِيمِ، "الأعْداءُ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ: "فَلا تَشْمِتْ" بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ، "الأعْداءَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُما رَفَعا "الأعْداءُ" . ويَعْنِي بِالأعْداءِ: عَبَدَةُ العِجْلِ. ﴿وَلا تَجْعَلْنِي﴾ في مَوْجِدَتِكَ وعُقُوبَتِكَ لِي ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وهم عَبَدَةُ العِجْلِ. فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ عُذْرُ أخِيهِ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الجِزْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي ما أمَرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ في حَقِّ أوْلادِهِمْ، لِأنَّ (p-٢٦٦)أُولَئِكَ قُتِلُوا ولَمْ يُؤَدُّوا جِزْيَةً. قالَ عَطِيَّةُ: وهَذِهِ الآَيَةُ فِيما أصابَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ لَتَوَلِّيهِمْ مُتَّخِذِي العِجْلَ ورِضاهم بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَلِكَ أُعاقِبُ مَنِ اتَّخَذَ إلَهًا دُونِي. وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا وهو يَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، وقَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَيْسَ في الأرْضِ صاحِبُ بِدْعَةٍ إلّا وهو يَجِدُ ذِلَّةً تَغْشاهُ قالَ: وهي في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. قالُوا: وأيْنَ هِيَ؟ قالَ: أوَما سَمِعْتُمْ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالُوا: يا أبا مُحَمَّدٍ، هَذِهِ لِأصْحابِ العِجْلِ خاصَّةً، قالَ كُلًّا، اتْلُ ما بَعْدَها. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ فَهي لَكُلِّ مُفْتَرٍ ومُبْتَدِعٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
7:153Page 169
وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣
But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ. والثّانِي: الشِّرْكُ وغَيْرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ. ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ يَعْنِي السَّيِّئاتِ. وفي قَوْلِهِ: وآَمَنُوا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آَمَنُوا بِاللَّهِ، وهو يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هي الشِّرْكُ.
والثّانِي: آَمَنُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ. ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ يَعْنِي السَّيِّئاتِ.
7:154Page 169
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤
And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ (p-٢٦٧)"سَكَتَ" بِفَتْحِ السِّينِ وتَشْدِيدٍ الكافِ وبِتاءٍ بَعْدَها "الغَضَبَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ "سَكَتَ" بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ الكافِ مَعَ كَسْرِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وطَلْحَةُ "سَكَنَ" بِنُونٍ. قالَ الزَّجّاجُ "سَكَتَ" بِمَعْنى سَكَنَ، يُقالُ: سَكَتَ يَسْكُتُ سَكْتًا: إذا سَكَنَ، وسَكَتَ يَسْكُتُ سَكْتًا وسُكُوتًا: إذا قَطَعَ الكَلامَ. قالَ: وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى. ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، عَلى القَلْبِ، كَما قالُوا: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي. والمَعْنى: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، والأُولى هو قَوْلُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ يَعْنِي الَّتِي كانَ ألْقاها. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وفِيما بَقِيَ مِنها؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: وفِيما نُسِخَ فِيهِما؛ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences