Аль-АлусиТа Ха · 20:1–4

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

طه

Та Ха

Та Ха  · Мекканская · 135 аятов

20:1–2Страница 312

طه ١

Та. Ха.

مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢

Мы ниспослали тебе Коран не для того, чтобы ты стал несчастен,

صفحة 147

سُورَةُ طه

وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ الكِلِيمِ كَما ذَكَرَ السَّخاوِيُّ في جَمالِ القُرّاءِ وهي كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى بَعْضُهم مِنها قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ.

وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: يَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى آيَةٌ أُخْرى، فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: أضافَ النَّبِيُّ ﷺ ضَيْفًا فَأرْسَلَنِي إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أنْ أسْلِفْنِي دَقِيقًا إلى هِلالِ رَجَبٍ فَقالَ: لا إلّا بِرَهْنٍ فَأتَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: أما واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ فَلَمْ أخْرُجْ مِن عِنْدِهِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ» انْتَهى.

ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ عَلى القَوْلِ بِاسْتِثْناءِ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ مِنها. وآياتُها كَما قالَ الدّانِي مِائَةٌ وأرْبَعُونَ آيَةً شامِيٌّ وخَمْسٌ وثَلاثُونَ كُوفِيٌّ وأرْبَعٌ حِجازِيٌّ وآيَتانِ بَصْرِيٌّ. ووَجْهُ التَّرْتِيبِ عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِصَصٌ عِدَّةٌ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَعْضُها مَبْسُوطٌ كَقِصَّةِ زَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَعْضُها بَيْنَ البَسْطِ والإيجازِ كَقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْضُها مُوجَزٌ مُجْمَلٌ كَقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأشارَ إلى بَقِيَّةِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إجْمالًا ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ شَرْحَ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أجْمَلَها تَعالى هُناكَ فاسْتَوْعَبَها سُبْحانَهُ غايَةَ الِاسْتِيعابِ وبَسَطَها تَبارَكَ وتَعالى أبْلَغَ بَسْطٍ ثُمَّ أشارَ عَزَّ شَأْنُهُ إلى تَفْصِيلِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي وقَعَ في مَرْيَمَ مُجَرَّدُ ذِكْرِ اسْمِهِ ثُمَّ أوْرَدَ جَلَّ جَلالُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بَقِيَّةَ قِصَصِ مَن لَمْ يَذْكُرْ قِصَّتَهُ في مَرْيَمَ كَنُوحٍ ولُوطٍ وداوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ واليَسَعَ وذِي الكِفْلِ وذِي النُّونِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأُشِيرَ فِيها إلى قِصَّةِ مَن ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ إشارَةً وجِيزَةً كَمُوسى وهارُونَ وإسْماعِيلَ. وذُكِرَتْ تِلْوَ مَرْيَمَ لِتَكُونَ السُّورَتانِ كالمُتَقابِلَتَيْنِ وبُسِطَتْ فِيها قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ البَسْطَ التّامَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعَ قَوْمِهِ ولَمْ يُذْكَرْ حالُهُ مَعَ أبِيهِ إلّا إشارَةً كَما أنَّهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ذُكِرَ حالُهُ مَعَ قَوْمِهِ إشارَةً ومَعَ أبِيهِ مَبْسُوطًا، ويَنْضَمُّ إلى ما ذُكِرَ اشْتِراكُ هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ مَرْيَمَ في الِافْتِتاحِ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ طه نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مَرْيَمَ. ووَجْهُ رَبْطِ أوَّلِ هَذِهِ بِآخِرِ تِلْكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ هُناكَ تَيْسِيرَ القُرْآنِ بِلِسانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعَلِّلًا بِتَبْشِيرِ المُتَّقِينَ وإنْذارِ المُعانِدِينَ وذَكَرَ تَعالى هُنا ما فِيهِ نَوْعٌ مِن تَأْكِيدِ ذَلِكَ. وجاءَتْ آثارٌ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ فَضْلِها.

أخْرَجَ الدّارِمِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ في التَّوْحِيدِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَرَأ ( طه ) و( يس ) قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، فَلَمّا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ القُرْآنَ قالَتْ: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ عَلَيْها هَذا، وطُوبى لِأجْوافٍ تَحْمِلُ هَذا، وطُوبى لِألْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذا» ) وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ( «كُلُّ قُرْآنٍ يُوضَعُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَقْرَؤُونَ مِنهُ شَيْئًا إلّا سُورَةَ ( طه ) و( يس ) فَإنَّهم يَقْرَؤُونَ بِهِما في الجَنَّةِ»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ.

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طه﴾ فَخَّمَها عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وهو إحْدى

صفحة 148

الرِّوايَتَيْنِ عَنْ قالُونَ ووَرْشٍ، والرِّوايَةُ الأُخْرى أنَّهُما فَخَّما الطّاءَ وأمالا الهاءَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأمالَ الحَرْفَيْنِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ولَعَلَّ إمالَةَ الطّاءِ مَعَ أنَّها مِن حُرُوفِ الِاسْتِعْلاءِ، والِاسْتِعْلاءُ يَمْنَعُ الإمالَةَ لِأنَّها تَسْفُلُ لِقَصْدِ التَّجانُسِ وهي مِنَ الفَواتِحِ الَّتِي تُصَدَّرُ بِها السُّوَرُ الكَرِيمَةُ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ بَلْ قِيلَ: هي كَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ المُتْقِنِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى يا فُلانُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ جَماعَةٍ عَنْهُ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وهي الرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى يا رَجُلُ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: هو كَذَلِكَ بِالنَّبَطِيَّةِ، وقِيلَ: بِالحَبَشِيَّةِ، وقِيلَ: بِالعِبْرانِيَّةِ، وقِيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

وقِيلَ: بِلُغَةِ عَكَلَ، وقِيلَ: بِلُغَةِ عَكَّ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: لَوْ قُلْتُ في عَكَّ: يا رَجُلُ لَمْ يُجِبْ حَتّى تَقُولَ: - طاها- وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ قَوْلَ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ:

دَعَوْتُ بَطاها في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَوائِلا

وقَوْلَ الآخَرِ:

إنَّ السَّفاهَةَ طاها مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللَّهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ وافَقَتْ تِلْكَ اللُّغَةَ في هَذا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُخاطِبْ نَبِيَّهُ ﷺ بِلِسانٍ غَيْرِ لِسانِ قُرَيْشٍ، ولا يَخْفى أنَّ مَسْألَةَ وُقُوعِ شَيْءٍ بِغَيْرِ لُغَةِ قُرَيْشٍ مِن لُغاتِ العَرَبِ في القُرْآنِ خِلافِيَّةٌ، وقَدْ بُسِطَ الكَلامُ عَلَيْها في الإتْقانِ، والحَقُّ الوُقُوعُ وتَخَرَّصَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عَكٍّ فَقالَ: لَعَلَّ عَكًّا تَصَرَّفُوا في يا هَذا كَأنَّهم في لُغَتِهِمْ قالِبُونَ الياءَ طاءً فَقالُوا: في ياطا واخْتَصَرُوا هَذا واقْتَصَرُوا عَلى ها. وتَعَقَّبَهُأبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُوجَدُ في لِسانِ العَرَبِ قَلْبُ يا الَّتِي لِلنِّداءِ طاءُ وكَذَلِكَ حَذْفُ اسْمِ الإشارَةِ في النِّداءِ وإقْرارُها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ نَحْوِي. وذُكِرَ في البَيْتِ الأخِيرِ أنَّهُ إنْ صَحَّ فَطه فِيهِ قَسَمٌ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أوِ اسْمُ السُّورَةِ عَلى أنَّهُ شِعْرٌ إسْلامِيٌّ كَقَوْلِهِ ( حم لا يُنْصَرُونَ ) .

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ احْتِمالٌ بَعِيدٌ وهو كَذَلِكَ في المِثالِ وقَدْ رَواهُ النَّسائِيُّ مَرْفُوعًا. ولَفْظُ الخَبَرِ: «إذا لَقِيَكُمُ العَدُوُّ فَلْيَكُنْ شِعارُكم حم لا يُنْصَرُونَ» ولَيْسَ في سِياقِهِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لا يُنْصُرُونَ مُسْتَأْنَفًا والشِّعارُ التَّلَفُّظُ بِحم فَقَطْ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ إذا كانَ شِعارُنا ذَلِكَ فَقِيلَ: لا يُنْصَرُونَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ مِن أسْماءِ النَّبِيِّ ﷺ .

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ووَرْشٌ ( طَهْ ) بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الهاءِ كَبَلْ فَقِيلَ: مَعْناهُ يا رَجُلُ أيْضًا، وقِيلَ: أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ «كانَ إذا صَلّى قامَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى طه» إلَخْ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمّا نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ رِجْلًا ويَضَعُ رِجْلًا فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ طه الآيَةَ» .

والأصْلُ طَأْ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً كَما قالُوا في إيّاكَ وأرَقْتَ ونَكَ هَيّاكَ وهَرَقْتُ ولَهَنَكَ أوْ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ في فِعْلِهِ الماضِي والمُضارِعِ ألِفًا كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

راحَتْ بِمَسْلَمَةَ البِغالُ عَشِيَّةً ∗∗∗ فارْعَيْ فَزارَةُ لا هَناكَ المَرْتَعُ

وكَما قالُوا في سَألَ سالَ وحُذِفَتْ في الأمْرِ لِكَوْنِهِ مُعْتَلَّ الآخِرِ وضُمَّ إلَيْهِ هاءُ السَّكْتِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ لازَمَ خَطا ووَقَفا، ووَقَدَ يُجْرِي الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ فَتَثْبُتُ لَفْظًا فِيهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ أصْلُ طه

صفحة 149

فِي القِراءَةِ المَشْهُورَةِ طاها عَلى أنَّ طا أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ وها ضَمِيرٌ مُؤَنَّثٌ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ عائِدٌ عَلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ مِنهُ الألِفانِ ورَسْمُ المُصْحَفِ وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ لَكِنَّ الأصْلَ فِيهِ مُوافَقَتُهُ لِلْقِياسِ فَلا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِ داعٍ ولَيْسَ هَذِهِ الألِفُ في اسْمٍ ولا وسَطًا كَما في الحَرْثِ ونَحْوِهِ لِتُحْذَفَ لا سِيَّما وفي حَذْفِها لَبْسٌ فَلا يَجُوزُ كَما فُصِّلَ في بابِ الخَطِّ مِنَ التَّسْهِيلِ.

واعْتُرِضَ بِهَذا أيْضًا عَلى تَفْسِيرِهِ بِيا رَجُلُ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: تَوْجِيهُ ذَلِكَ عَلى هَذا الأصْلِ ويُعْلَمُ مِنهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ لِقِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ومَن مَعَهُ أنْ يُقالَ: اكْتَفى مِن طَأْ بِطاءٍ مُتَحَرِّكَةٍ ومِن ها الضَّمِيرَ بِهاءٍ ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُما بِاسْمَيْهِما فَها لَيْسَتْ ضَمِيرًا بَلْ هي كالقافِ في قَوْلِهِ:

قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ

واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ لا تُكْتَبَ صُورَةُ المُسَمّى بَلْ صُورَةُ الِاسْمِ. وأُجِيبُ بِأنَّ كِتابَةَ الأسْماءِ بِصُوَرِ المُسَمَّياتِ أمْرٌ مَخْصُوصٌ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لا يَقْطَعُ مادَّةَ الإيرادِ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لانْفَصَلَ الحَرْفانِ في الخَطِّ بِأنْ يُكْتَبانِ هَكَذا ط هـ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يَنْقاسُ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ، والحَقُّ أنَّ دَعْوى أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يَنْقاسُ قَوِيَّةٌ جِدًّا وما قِيلَ عَلَيْها لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وما صَحَّ عَنِ السَّلَفِ يُقْبَلُ ولا يُقْدَحُ فِيهِ عَدَمُ مُوافَقَةِ القِياسِ، وإنْ كانَتِ المُوافَقَةُ هي الأصْلَ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُما فَسَّرا طه بِطَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ يا مُحَمَّدُ ولَمْ أقِفْ عَلى طَعْنٍ في الرِّوايَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

واخْتُلِفَ في إعْرابِهِ حَسَبَ الِاخْتِلافِ في المُرادِ مِنهُ فَهو عَلى ما نُقِلَ عَنِ الجُمْهُورِ مِن أنَّ المُرادَ مِنهُ طائِفَةٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ افْتُتِحَتْ بِها السُّورَةُ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وكَذا ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ عَمّا كانَ يَعْتَرِيهِ مِن جِهَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ التَّعَبِ، فَإنَّ الشَّقاءَ شائِعٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ومِنهُ المَثَلُ أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

ذُو العَقْلِ يَشْقى في النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ ∗∗∗ وأخُو الجَهالَةِ في الشَّقاوَةِ يَنْعَمُ

أيْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِالمُبالَغَةِ في مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ في مُقاوَلَةِ العُتاةِ ومُحاوَرَةِ الطُّغاةِ وفَرْطِ التَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ والتَّحَسُّرِ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ الآيَةَ بَلْ لِتَبْلُغَ وتَذْكُرَ وقَدْ فَعَلْتَ فَلا عَلَيْكَ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ لِصَرْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ المُبالَغَةِ في المُجاهَدَةِ في العِبادَةِ كَما سَمِعْتَ فِيما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِنَهْكِ نَفْسِكَ وحَمْلِها عَلى الرِّياضاتِ الشّاقَّةِ والشَّدائِدِ الفادِحَةِ وما بُعِثْتَ إلّا بالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: «إنَّ أبا جَهْلٍ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ والمُطْعِمَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأوْا كَثْرَةَ عِبادَتِهِ: إنَّكَ لَتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا وإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَيْكَ لِتَشْقى بِهِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنّا ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِما قالُوا» . والشَّقاءُ في كَلامِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو ضِدُّ السَّعادَةِ، والتَّعْبِيرُ بِهِ في كَلامِهِ تَعالى مِن بابِ المُشاكَلَةِ وإنْ أُرِيدَ مِنهُ القُرْآنُ بِتَأْوِيلِهِ بِالمُتَحَدّى بِهِ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ.

فَجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وقَدْ أُقِيمَ فِيها الظّاهِرُ أعْنِي القُرْآنَ مَقامَ

صفحة 150

الضَّمِيرِ الرّابِطِ لِنُكْتَةٍ وهو أنَّ القُرْآنَ رَحْمَةٌ يَرْتاحُ لَها فَكَيْفَ يَنْزِلُ لِلشَّقاءِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ عَلى القَوْلَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى إضْمارِ اتْلُ. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مُقْسَمٌ بِهِ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ القَسَمِ فانْتَصَبَ بِفِعْلِهِ مُضْمَرًا نَحْوَ قَوْلِهِ: إنَّ عَلى اللَّهِ أنْ تُبايِعا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ الجَرَّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ القَسَمِ نَظِيرَ قَوْلِهِ مِن وجْهِ أشارَتْ كُلَيْبٍ بِالأكُفِّ الأصابِعُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ القَسَمِ جَوابُ القَسَمِ.

وجُوِّزَتْ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ السُّورَةَ. وأمْرُ رَبْطِ الجُمْلَةِ عَلى تَقْدِيرِ ابْتِدائِيَّتِهِ وخَبَرِيَّتِها إنْ كانَ القُرْآنُ خاصًّا بِهَذِهِ السُّورَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ تَعْرِيفِهِ عَهْدِيًّا حُضُورِيًّا ظاهِرٌ. وإنْ كانَ عامًّا فالرَّبْطُ بِهِ لِشُمُولِهِ لِلْمُبْتَدَأِ كَما قِيلَ في نَحْوِ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ.

ومَنَعَ بَعْضُهم إرادَةَ السُّورَةِ مُطْلَقًا لِاتِّفاقِ المَصاحِفِ عَلى ذِكْرِ سُورَةٍ في العُنْوانِ مُضافَةٍ إلى طه وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَإنْسانِ زَيْدٍ وقَدْ حَكَمُوا بِقُبْحِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَكادُ يَخْفى حَتّى عَلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وبَعْضُهم إرادَةُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ الأخْبارِ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ قالَ: لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِ إنْزالِ القُرْآنِ لِلشَّقاءِ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ الشَّقاءِ مُتَرَتِّبًا عَلى إنْزالِهِ قَطْعًا إمّا بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما إذا أُرِيدَ بِهِ التَّعَبُ أوْ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ كَما لَوْ أُرِيدَ بِهِ ضِدُّ السَّعادَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في إنْزالِ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأمّا إنْزالُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ فَلَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ تَرَتُّبُ الشَّقاءِ السّابِقِ عَلَيْهِ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ عَنْهُ أمّا بِاعْتِبارِ اتِّحادِ القُرْآنِ بِالسُّورَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا بِاعْتِبارِ الِانْدِراجِ فَلِأنَّ مَآلَهُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ السُّورَةُ ما أنْزَلَنا القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلَيْها لِتَشْقى، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَها مُخْبَرًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا دَخْلَ لِإنْزالِها في الشَّقاءِ السّابِقِ أصْلًا مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ ا هـ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مِن أنَّهُ مِن أسْمائِهِ ﷺ يَكُونُ مُنادًى وحُكْمُهُ مَشْهُورٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ النِّداءِ، ومَحَلُّهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ الحِبْرِ مِن أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ تَبارَكَتْ أسْماؤُهُ النَّصْبُ أوِ الجَرُّ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا.

وعَلى ما رُوِيَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والرَّبِيعِ يَكُونُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً وقَدْ مَرَّ لَكَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا أوْ بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ أطَؤُها؟ فَقِيلَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ ( ما نَزَّلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ) بِتَشْدِيدِ الفِعْلِ وبِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادِهِ إلى القُرْآنِ.

20:3Страница 312

إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ ٣

а только в качестве назидания для тех, кто страшится.

﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ أيْ ما أنْزَلْناهُ لِشَقائِكَ لَكِنْ تَذْكِيرًا ﴿لِمَن يَخْشى﴾ أيْ لِمَن شَأْنُهُ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى ويَتَأثَّرَ بِالإنْذارِ لِرِقَّةِ قَلْبِهِ ولِينِ عَرِيكَتِهِ أوْ لِمَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَخْشى بِالتَّخْوِيفِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَذْكِرَةٍ أوْ بِمَحْذُوفِ صِفَةٍ لَها، وخُصَّ الخاشِي بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ القُرْآنَ تَذْكِرَةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ لِتَنْزِيلِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ فَإنَّهُ المُنْتَفِعُ بِهِ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( تَذْكِرَةً ) مَفْعُولًا لَهُ لِأنْزَلْنا، وانْتَصَبَ لِاسْتِجْماعِ الشَّرائِطِ بِخِلافِ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِعَدَمِ اتِّحادِ الفاعِلِ فِيهِ، والمَشْهُورُ عَنِ الجُمْهُورِ اشْتِراطُهُ لِلنَّصْبِ فَلِذا جُرَّ، ويَجُوزُ تَعَدُّدُ العِلَّةِ بِدُونِ عَطْفٍ وإبْدالٍ إذا اخْتَلَفَتْ جِهَةُ العَمَلِ كَما هُنا لِظُهُورِ أنَّ الثّانِيَ مَفْعُولٌ صَرِيحٌ والأوَّلَ جارٌّ ومَجْرُورٌ، وكَذا إذا اتَّحَدَتْ وكانَتْ إحْدى العِلَّتَيْنِ عِلَّةً لِلْفِعْلِ والأُخْرى عِلَّةً لَهُ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ نَحْوَ أكْرَمْتُهُ لِكَوْنِهِ غَرِيبًا لِرَجاءِ الثَّوابِ أوْ كانَتِ العِلَّةُ الثّانِيَةُ عِلَّةً لِلْعِلَّةِ الأُولى نَحْوَ لا يُعَذِّبُ اللَّهُ تَعالى التّائِبَ لِمَغْفِرَتِهِ لَهُ لِإسْلامِهِ، فَما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ

صفحة 151

تَعَدُّدُ العِلَّةِ بِدُونِ اتِّباعٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَحْتَمِلَ مَشاقَّهُ ومَتاعِبَهُ إلّا لِيَكُونَ تَذْكِرَةً، وحاصِلُهُ أنَّهُ نَظِيرُ ما ضَرَبْتُكَ لِلتَّأْدِيبِ إلّا إشْفاقًا، ويَرْجِعُ المَعْنى إلى ما أدَّبْتُكَ بِالضَّرْبِ إلّا لِلْإشْفاقِ، كَذَلِكَ المَعْنى هُنا ما أشْقَيْناكَ بِإنْزالِ القُرْآنِ إلّا لِلتَّذْكِرَةِ، وحاصِلُهُ حَسْبُكَ ما حَمَلْتَهُ مِن مَتاعِبِ التَّبْلِيغِ ولا تُنْهِكْ بَدَنَكَ فَفي ذَلِكَ بِلاغٌ ا هـ. واعْتُرِضَ القَوْلُ بِجَعْلِهِ نَظِيرَ ما ضَرَبَتْكَ لِلتَّأْدِيبِ إلّا إشْفاقًا بِأنَّهُ يَجِبُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ مُلابَسَةٌ بِالسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ حَتْمًا كَما في المِثالِ المَذْكُورِ، وفي قَوْلِكَ: ما شافَهْتُهُ بِالسُّوءِ لِيَتَأذّى إلّا زَجْرًا لِغَيْرِهِ فَإنَّ التَّأْدِيبَ في الأوَّلِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإشْفاقِ والتَّأذِّي في الثّانِي سَبَبٌ لِزَجْرِ الغَيْرِ، وما بَيْنَ الشَّقاءِ والتَّذْكِرَةِ تَنافٍ ظاهِرٌ، ولا يُجْدِي أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَبُ في الجُمْلَةِ المُجامِعِ لِلتَّذْكِرَةِ لِظُهُورِ أنْ لا مُلابَسَةَ بَيْنَهُما بِما ذُكِرَ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ أنْ لَوْ قِيلَ مَكانَ ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ إلّا تَكْثِيرًا لِثَوابِكَ فَإنَّ الأجْرَ بِقَدْرِ التَّعَبِ كَما في الحَدِيثِ انْتَهى.

ولَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ المُلابَسَةَ المَذْكُورَةَ أوْ يَدَّعِي تَحَقُّقَها بَيْنَهُما في الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّ التَّذْكِرَةَ أيِ التَّذْكِيرَ سَبَبٌ لِلتَّعَبِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْلُ المُدَقِّقِ في الحاصِلِ الأخِيرِ: حَسْبُكَ ما حَمَلْتَهُ مِن مَتاعِبِ التَّبْلِيغِ إلَخْ، وقَدْ خَفِيَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلى ابْنِ المُنِيرِ فَقالَ: إنَّ فِيهِ بُعْدًا لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الشَّقاءُ سَبَبَ النُّزُولِ وإنْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ سَبَبِيَّةً وكانَتْ لِلصَّيْرُورَةِ مَثَلًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِهِ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ مِن نَهْيِهِ عَنِ الشَّقاءِ والحُزْنِ عَلى الكَفَرَةِ وضِيقِ الصَّدْرِ بِهِمْ وكَأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ مُنافِيًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾، ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ ا هـ، وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى المُرادِ أنْ لا مُنافاةَ. نَعَمْ بَعُدَ هَذا الوَجْهُ، وكَوْنُ الآيَةِ نَظِيرُ ما ضَرَبْتُكَ لِلتَّأْدِيبِ إلّا إشْفاقًا مِمّا يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الكافِ أوِ (القُرْآنَ) والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، والمَصْدَرُ مُؤَوَّلٌ بِالصِّفَةِ أوْ قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ.

وجَوَّزَ الحُوفِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِنَ (القُرْآنَ) . والزَّجّاجُ كَوْنَها بَدَلًا مِن مَحَلِّ (لِتَشْقى) لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن غَيْرِ المُوجِبِ يَجُوزُ فِيهِ الإبْدالُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ مُتَّصِلًا بِأنْ كانَ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ والبَدَلِيَّةُ حِينَئِذٍ البَدَلِيَّةُ البَعْضِيَّةُ في المَشْهُورِ، وقِيلَ: بَدَلِيَّةُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ، ولا يَخْفى عَدَمُ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بَيْنَ التَّذْكِرَةِ والشَّقاءِ. والقَوْلُ بِبَدَلِيَّةِ الِاشْتِمالِ في مِثْلِ ذَلِكَ لِتَصْحِيحِ البَدَلِيَّةِ هُنا بِناءً عَلى أنَّ التَّذْكِرَةَ تَشْتَمِلُ عَلى التَّعَبِ مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ.

واعْتِبارُها لِهَذا الِاشْتِمالِ مِن جِنْسِ الشَّقاءِ فَكَأنَّها مُتَّحِدَةٌ مَعَهُ لا يَجْعَلُ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلًا كَما قِيلَ، وقَدْ سَمِعْتَ اشْتِراطَهُ، وبِالجُمْلَةِ هَذا الوَجْهُ لَيْسَ بِالوَجِيهِ وقَدْ أنْكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ عَلى الزَّجّاجِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ لَأنْزَلْنا (ولِتَشْقى) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْقُرْآنِ أيْ ما أنْزَلْنا القُرْآنَ الكائِنَ أوِ المُنَزَّلَ لِتَعَبِكَ إلّا تَذْكِرَةً، وفِيهِ تَقْدِيرُ المُتَعَلِّقِ مَقْرُونًا بِاللّامِ وحُذِفَ المَوْصُولُ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ وقَدْ أباهُ بَعْضُ النُّحاةِ، وكَوْنُ ألْ حَرْفَ تَعْرِيفِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: هي نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ أيْ لَكِنْ ذَكَّرْناهُ بِهِ تَذْكِرَةً،

20:4Страница 312

تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤

Это - Ниспослание от Того, Кто сотворил землю и высокие небеса.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ كَذَلِكَ أيْ نَزَلَ تَنْزِيلًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. وقِيلَ: لِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْتِثْنائِيَّةُ فَإنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِأنْ يُقالَ: إنّا أنْزَلْناهُ لِلتَّذْكِرَةِ والأوَّلُ أنْسَبُ لِما بَعْدَهُ مِنَ الِالتِفاتِ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ.

وقِيلَ: بِيَخْشى عَلى المَفْعُولِيَّةِ. واسْتَبْعَدَهُما أبُو حَيّانَ وعَدَّ

صفحة 152

الثّانِيَ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ ( يَخْشى ) رَأْسُ آيَةٍ فَلا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ (تَنْزِيلًا) مَفْعُولَهُ. وتُعُقِّبَ أيْضًا بِأنَّ تَعْلِيقَ الخَشْيَةِ والخَوْفِ ونَظائِرِهِما بِمُطْلَقِ التَّنْزِيلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ. نَعَمْ قَدْ تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِبَعْضِ أجْزائِهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الوَعِيدِ ونَحْوِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى المُنَزَّلَ مِن قادِرٍ قاهِرٍ وهو مِمّا لا خَلَلَ فِيهِ، وأمْرُ عَدَمِ المَعْهُودِيَّةِ سَهْلٌ. وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن (تَذْكِرَةً) بِناءً عَلى أنَّها حالٌ مِنَ الكافِ أوْ (القُرْآنَ) كَما نُقِلْ سابِقًا وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنْ جَعَلَ المَصْدَرَ حالًا لا يَنْقاسُ، ومَعَ هَذا فِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى، ولَمْ تَجُوزُ البَدَلِيَّةُ مِنها عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ لِأنْزَلْنا لَفْظًا أوْ مَعْنًى لِأنَّ البَدَلَ هو المَقْصُورُ فَيَصِيرُ المَعْنى أنْزَلْناهُ لِأجْلِ التَّنْزِيلِ وفي ذَلِكَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ إنْ كانَ الإنْزالُ والتَّنْزِيلُ بِمَعْنًى بِحَسَبِ الوَضْعِ أوْ بِنَوْعِهِ إنْ كانَ الإنْزالُ عامًّا والتَّنْزِيلُ مَخْصُوصًا بِالتَّدْرِيجِيِّ وكِلاهُما لا يَجُوزُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ ( تَنْزِيلُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو تَنْزِيلٌ ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنْزِيلٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى المَوْصُولِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ بَعْدَ نِسْبَةِ الإنْزالِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِبَيانِ فَخامَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ بِحَسَبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إثْرَ بَيانِها بِحَسَبِ الذّاتِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ تَقْرِيرٍ. واحْتِمالُ كَوْنِ (أنْزَلْنا) إلَخْ حِكايَةً لِكَلامِ جِبْرائِيلَ والمَلائِكَةِ النّازِلِينَ مَعَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ.

وتَخْصِيصُ خَلْقِ الأرْضِ والسَّماواتِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ المُرادَ خَلْقُهُما بِجَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما كَما يُؤْذَنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ لِأصالَتِهِما واسْتِتْباعِهِما لِما عَداهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما ما في جِهَةِ السُّفْلِ وما في جِهَةِ العُلُوِّ، وتَقْدِيمُ خَلْقِ الأرْضِ قِيلَ لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ في الوُجُودِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ كَما هو ظاهِرُ آيَةِ حم السَّجْدَةِ ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ الآيَةَ. وكَذا ظاهِرُ آيَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ﴾ الآيَةَ.

ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلَقَ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ، واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ لِتَقْدِيمِ السَّماواتِ عَلى الأرْضِ في مُعْظَمِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرا فِيها واقْتِضاءُ الحِكْمَةِ تَقْدِيمُ خَلْقِ الأشْرَفِ والسَّماءُ أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ ذاتًا وصِفَةً مَعَ ظاهِرِ آيَةِ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ الآيَةَ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ بِمَعْنى إيجادِها بِمادَّتِها قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقُها بِمَعْنى إظْهارِها بِآثارِها بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وبِذَلِكَ يَجْمَعُ بَيْنَ الآياتِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ تَعارُضُها، وتَقْدِيمُ السَّماواتِ في الذِّكْرِ عَلى الأرْضِ تارَةً والعَكْسُ أُخْرى بِحَسَبِ اقْتِضاءِ المَقامِ وهو أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ، وعَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ فَتَقْدِيمُ خَلْقِ الأرْضِ هُنا قِيلَ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالتَّنْزِيلِ الَّذِي هو مِن أحْكامِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ويَرْمُزُ إلَيْهِ ما قَبْلُ فَإنَّ الأنْعامَ عَلى النّاسِ بِخَلْقِ الأرْضِ أظْهَرُ وأتَمُّ وهي أقْرَبُ إلى الحِسِّ. وقِيلَ: لِأنَّهُ أوْفَقُ بِمُفْتَتَحِ السُّورَةِ بِناءً عَلى جَعْلِ طه جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أيْ طَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لِصَرْفِهِ ﷺ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِن رَفْعِ إحْدى رِجْلَيْهِ عَنِ الأرْضِ في الصَّلاةِ كَما جاءَ في سَبَبِ النُّزُولِ ووَصْفِ السَّماواتِ بِالعُلى وهو جَمْعُ العُلْيا كالكُبْرى تَأْنِيثُ الأعْلى لِتَأْكِيدِ الفَخامَةِ مَعَ ما فِيهِ

صفحة 153

مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ وكُلُّ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مَسُوقٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُنْزِلِ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَتْبِعِ لِتَعْظِيمِ المَنزِلِ الدّاعِي إلى اسْتِنْزالِ المُتَمَرِّدِينَ عَنْ رُتْبَةِ العُلُوِّ والطُّغْيانِ واسْتِمالَتِهِمْ إلى التَّذَكُّرِ والإيمانِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English