Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
الواقعة
Аль-Вакиа
Событие · Мекканская · 96 аятов
سُورَةُ الواقِعَةِ
«مَكَّيَّةٌ» كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، واسْتَثْنى بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقِعَةِ: 39، 40] كَما حَكاهُ في الإتْقانِ وكَذا اسْتُثْنِيَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: 75، 82] لِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في سَبَبِ نُزُولِهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي مَجْمَعِ البَيانِ حِكايَةُ اسْتِثْناءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: 82] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعَدَدُ آياتِها تِسْعُ وتِسْعُونَ في الحِجازِيِّ والشّامِيِّ، وسَبْعٌ وتِسْعُونَ في البَصَرِيِّ، وسِتٌّ وتِسْعُونَ في الكُوفِيِّ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيما أُعِدَّ لِمِثْلِهِ، وهي وسُورَةُ الرَّحْمَنِ مُتَواخِيَةٌ في أنَّ في كُلٍّ مِنهُما وصْفَ القِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ، وقالَ في البَحْرِ: مُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ تَضَمَّنَ العَذابَ لِلْمُجْرِمِينَ والنَّعِيمَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفاضَلَ سُبْحانَهُ بَيْنَ جَنَّتَيْ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ وجَنَّتَيْ بَعْضَ آخَرَ مِنهم فانْقَسَمَ المُكَلَّفُونَ بِذَلِكَ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ فاضِلٍ ومُؤْمِنٍ مَفْضُولٍ وعَلى هَذا جاءَ ابْتِداءُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن كَوْنِهِمْ أصْحابَ مَيْمَنَةٍ وأصْحابَ مَشْأمَةٍ وسابِقِينَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةُ انْظُرْ إلى اتِّصالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقِعَةِ: 10] بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الرَّحْمَنِ: 37] وأنَّهُ اقْتَصَرَ في الرَّحْمَنِ عَلى ذِكْرِ انْشِقاقِ السَّماءِ، وفي الواقِعَةِ عَلى ذِكْرِ رَجِّ الأرْضِ فَكَأنَّ السُّورَتَيْنِ لِتَلازُمِهِما واتِّحادِهِما سُورَةٌ واحِدَةٌ فَذَكْرَ في كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ فَذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ ما في آخِرِ تِلْكَ وفي آخِرِ هَذِهِ ما في أوَّلِ تِلْكَ فافْتَتَحَ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ بِذِكْرِ القُرْآنِ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّباتَ، ثُمَّ خَلْقَ الإنْسانِ والجانِّ، ثُمَّ صِفَةَ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ صِفَةَ النّارِ، ثُمَّ صِفَةَ الجَنَّةِ، وهَذِهِ ابْتِداؤُها بِذِكْرِ القِيامَةِ، ثُمَّ صِفَةَ الجَنَّةِ، ثُمَّ صِفَةَ النّارِ ثُمَّ خَلْقَ الإنْسانِ، ثُمَّ النَّباتِ، ثُمَّ الماءِ، ثُمَّ النّارِ، ثُمَّ ذَكَرَتِ النُّجُومَ ولَمْ تَذْكُرْ في الرَّحْمَنِ كَما لَمْ يُذْكُرْ هُنا الشَّمْسُ والقَمَرُ، ثُمَّ ذَكَرَ المِيزانَ فَكانَتْ هَذِهِ كالمُقابِلَةِ لِتِلْكَ وكالمُتَضَمِّنَةِ لِرَدِّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ، وجاءَ في فَضْلِها آثارٌ.
أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ الضَّرِيسِ والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ وأبُو يُعْلى وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: مَن قَرَأ سُورَةَ الواقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَةٌ أبَدًا»».
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««سُورَةُ الواقِعَةِ سُورَةُ الغِنى فاقْرَؤُوها وعَلِّمُوها أوْلادَكُمْ»».
صفحة 129
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا ««عَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ الواقِعَةِ فَإنَّها سُورَةُ الغِنى»» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ إذا حَدَثَتِ القِيامَةُ عَلى أنْ ( وقَعَتِ ) بِمَعْنى حَدَثَتْ ( والواقِعَةُ ) عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ أوْ مَنقُولٌ لِلْقِيامَةِ، وصَرَّحَ ابْنُ عَبّاسٍ بِأنَّها مِن أسْمائِها وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِها لا مَحالَةَ كَأنَّها واقِعَةٌ في نَفْسِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الوُقُوعِ الواقِعِ في حَيِّزِ الشَّرْطِ فَلَيْسَ الإسْنادُ كَما في - جاءَنِي جاءَ - فَإنَّهُ لَغْوٌ لِدَلالَةِ كُلِّ فِعْلٍ عَلى فاعِلٍ لَهُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: ( الواقِعَةُ ) الصَّيْحَةُ وهي النَّفْخَةُ في الصُّوَرِ، وقِيلَ: ( الواقِعَةُ ) صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ( وإذا ) ظَرْفٌ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، والعامِلُ فِيها عِنْدَ أبِي حَيّانَ الفِعْلُ بَعْدَها فَهي عِنْدُهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ - بِوَقَعَتْ - كَسائِرِ أسْماءِ الشَّرْطِ ولَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ، والجُمْهُورُ عَلى إضافَتِها فَقِيلَ: هي هُنا قَدْ سُلِبَتِ الظَّرْفِيَّةَ ووَقَعَتْ مَفْعُولًا بِهِ لا ذِكْرَ مَحْذُوفًا، وقِيلَ: لَمْ تُسْلَبْ ذَلِكَ وهي مَنصُوبَةٌ بِلَيَسَ، وصَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِهِ.
وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وهو الجَوابُ أيْ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ كانَ كَيْتٌ وكَيْتٌ، قالَ في الكَشْفِ: هَذا الوَجْهُ العَرَبِيُّ الجَزْلُ فالنَّصْبُ بِإضْمارٍ اذْكُرْ إنَّما كَثُرَ في إذْ، وبِلَيَسَ إنَّما يَصِحُّ إذا جُعِلَتْ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ وإلّا لَوَجَبَ الفاءُ في لَيْسَ، وأبُو حَيّانَ تَعَقَّبَ النَّصْبَ بِلَيَسَ بِأنَّهُ لا يَذْهَبُ إلَيْهِ نَحْوِيٌّ لِأنَّ لَيْسَ في النَّفْيِ كَـ(ما) وهي لا تَعْمَلُ. فَكَذا لَيْسَ فَإنَّها مَسْلُوبَةُ الدَّلالَةِ عَلى الحَدَثِ والزَّمانِ، والقَوْلُ: بِأنَّها فِعْلٌ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والعامِلُ في الظَّرْفِ إنَّما هو ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الحَدَثِ فَحَيْثُ لا حَدَثَ فِيها لا عَمَلَ لَها فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ما ذَكَرَ صاحِبَ الكَشْفِ مِن وُجُوبِ الفاءِ في لَيْسَ إذا لَمْ تُجَرَّدْ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ واعْتَرَضَ دَعْواهُ أنَّ (ما) لا تَعْمَلُ بِأنَّهم صَرَّحُوا بِجَوازِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِها لِتَأْوِيلِها بِانْتَفى وأنَّهُ يَكْفِي لَهُ رائِحَةُ الفِعْلِ، ويُقاسُ عَلَيْها في ذَلِكَ لَيْسَ، وكَذا دَعْوى وُجُوبِ الفاءِ في لَيْسَ إذا لَمْ تُجَرَّدْ (إذا) عَنِ الشُّرْطِيَّةِ بِأنَّ لُزُومَ الفاءِ مَعَ الأفْعالِ الجامِدَةِ إنَّما هو في جَوابِ إنَّ الشَّرْطِيَّةَ لِعَمَلِها كَما صَرَّحُوا بِهِ. وأمّا ( إذا ) فَدُخُولُ الفاءِ في جَوابِها عَلى خِلافِ الأصْلِ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيها قَوْلانِ آخَرانِ، وبَعْدَ القِيلِ والقالِ الأُولى كَوْنُ العامِلُ مَحْذُوفًا وهو الجَوابُ كَما سَمِعْتَ وفي إبْهامِهِ تَهْوِيلٌ وتَفْخِيمٌ لِأمْرِ الواقِعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ إمّا اعْتِراضٌ يُؤَكَّدُ تَحْقِيقَ الوُقُوعِ أوْ حالٌ مِنَ الواقِعَةِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ( وكاذِبَةٌ ) اسْمُ فاعِلٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ نَفْسٍ، وقِيلَ: مُقالَةٌ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ وصْفَ الشَّخْصِ بِالكَذِبِ أكْثَرُ مِن وصْفِ الخَبَرِ بِهِ. ( والواقِعَةُ ) السَّقْطَةُ القَوِيَّةُ وشاعَتْ في وُقُوعِ الأمْرِ العَظِيمِ وقَدْ تُخَصُّ بِالحَرْبِ ولِذا عَبَّرَ بِها هُنا واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ أيْ لا يَكُونُ حِينَ وُقُوعِها نَفْسٌ كاذِبَةٌ عَلى مَعْنى تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَكْذِبُ في تَكْذِيبِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في خَبَرِهِ بِها، وإيضاحِهِ أنَّ مُنْكِرَ السّاعَةِ الآنَ مُكَذِّبٌ لَهُ تَعالى في أنَّها تَقَعُ وهو كاذِبٌ في تَكْذِيبِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَلى خِلافِ الواقِعِ وحِينَ تَقَعُ لا يَبْقى كاذِبًا مُكَذِّبًا، بَلْ صادِقًا مُصَدِّقًا، وقِيلَ: عَلى مَعْنى لَيْسَ في وقْتِ وُقُوعِها نَفْسٌ كاذِبَةٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولا يَخْفى أنَّ صِحَّتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَصْدُرُ مِن أحَدٍ كَذِبٌ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّ قَوْلَهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامَ: 23] مُجابٌ عَنْهُ بِما هو مَذْكُورٌ في مَحَلِّهِ أوِ اللّامِ عَلى حَقِيقَتِها، و(كاذِبَةٌ ) صِفَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أيْضًا أيْ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها﴾ نَفْسٌ كاذِبَةٌ بِمَعْنى لا يُنْكِرُ وُقُوعَها أحَدٌ ولا يَقُولُ لِلسّاعَةِ لَمْ تَكُونِي لِأنَّ الكَوْنَ قَدْ تَحَقَّقَ كَما يَقُولُ لَها في الدُّنْيا بِلِسانِ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ لِأنَّ مَنِ اغْتَرَّ بِزَخارِفِ الدُّنْيا فَقَدْ كَذَّبَ السّاعَةَ في وقْعَتِها
صفحة 130
بِلِسانِ الحالِ لَنْ تَكُونِي، وهَذا كَما تَقُولُ لِمُخاطِبِكَ لَيْسَ لَنا مَلِكٌ ولِمَعْرُوفِكَ كاذِبٌ أيْ لا يُكَذِّبُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: إنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِأنَّ السّاعَةَ لا تَصْلُحُ مُخاطَبًا إلّا عَلى ذَلِكَ إمّا عَلى سَبِيلِ التَّخْيْيُلِ مِن بابِ لَوْ قِيلَ لِلشَّحْمِ أيْنَ تَذْهَبُ، وهو الأظْهَرُ وإمّا عَلى التَّحْقِيقِ، وجَوَّزَ كَوَّنَ ( كاذِبَةٌ ) مِن قَوْلِهِمْ كَذَبَتْ نَفْسِي وكَذَّبَتْهُ إذا مَنَّتْهُ الأمانِي وقَرَّبَتْ لَهُ الأُمُورَ البَعِيدَةَ وشَجَّعَتْهُ عَلى مُباشَرَةِ الخَطْبِ العَظِيمِ، واللّامُ قِيلَ: عَلى حَقِيقَتِها أيْضًا أيْ لَيْسَ لَها إذا وقَعَتْ نَفْسٌ تَحَدُّثُ صاحِبَها بِإطاقَةِ شِدَّتِها واحْتِمالِها وتُغْرِيِهِ عَلَيْها.
وفِي الكَشْفِ أنَّ اللّامَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّوْقِيتِ كَما عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وجَوَّزَ أيْضًا كَوْنَ ( كاذِبَةٌ ) مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّكْذِيبِ وهو التَّثْبِيطُ وأمْرُ اللّامِ ظاهِرٌ أيْ لَيْسَ لِوَقْعَتِها ارْتِدادٌ ورَجْعَةٌ كالحَمْلَةِ الصّادِقَةِ مِن ذِي سَطْوَةٍ قاهِرَةٍ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةِ، وذُكِرَ أنَّ حَقِيقَةَ التَّكْذِيبِ بِهَذا المَعْنى راجِعَةٌ إلى تَكْذِيبِ النَّفْسِ في كَذِبِها وإغْرائِها وتَشْجِيعِها وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ لِزُهَيْرٍ:
لَيْثٌ بَعَثَّرَ يَصْطادُ الرِّجالَ إذا ما اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقا
ويَجُوزُ جَعْلُ الكاذِبَةِ بِمَعْنى الكَذِبِ عَلى مَعْنى لَيْسَ لِلْوَقْعَةِ كَذِبٌ بَلْ هي وقْعَةٌ صادِقَةٌ لا تُطاقُ عَلى نَحْوِ - حَمْلَةٌ صادِقَةٌ، وحَمَلَةٌ لَها صادِقٌ - أوْ عَلى مَعْنى لَيْسَ هي في وقْتِ وُقُوعِها كَذِبٌ لِأنَّهُ حَقٌّ لا شُبْهَةَ فِيهِ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ أظْهَرٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وإنْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَمَّنْ سَمِعْتَ، نَعَمْ قِيلَ: عَلَيْهِما إنَّ مَجِيءَ المَصْدَرِ عَلى زِنَةِ الفاعِلِ نادِرٌ،
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي خافِضَةٌ لِأقْوامٍ رافِعَةٌ لِآخَرِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ، والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِها وتَهْوِيلٌ لِأمْرِها فَإنَّ الوَقائِعَ العِظامَ شَأْنُها الخَفْضُ والرَّفْعُ كَما يُشاهَدُ في تَبَدُّلِ الدُّوَلِ وظُهُورِ الفِتَنِ مِن ذُلِّ الأعِزَّةِ وعِزِّ الأذِلَّةِ، وتَقْدِيمُ الخَفْضِ عَلى الرَّفْعِ لِتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ، أوْ بَيانٍ لِما يَكُونُ يَوْمَئِذٍ مِن حَطِّ الأشْقِياءِ إلى الدَّرَكاتِ ورَفْعِ السُّعَداءِ إلى دَرَجاتِ الجَنّاتِ، وعَلى هَذا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: خَفَّضَتْ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى إلى النّارِ ورَفَعَتْ أوْلِياءَهُ إلى الجَنَّةِ، أوْ بَيانٍ لِما يَكُونُ مِن ذَلِكَ ومِن إزالَةِ الأجْرامِ عَنْ مَقارِّها ونَثْرِ الكَواكِبِ وتَسْيِيرِ الجِبالِ في الجَوِّ كالسَّحابِ، والضَّحّاكُ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ الواقِعَةَ بِالصَّيْحَةِ قالَ: خافِضَةٌ تُخَفِّضُ قُوَّتَها لِتُسْمَعَ الأدْنى ﴿رافِعَةٌ﴾ تَرْفَعُها لِتُسْمِعَ الأقْصى، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ، وقَدَّرَ أبُو عَلِيٍّ المُبْتَدَأ مَقْرُونًا بِالفاءِ أيْ فَهي ﴿خافِضَةٌ﴾ وجَعَلَ الجُمْلَةَ جَوابَ إذا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ خَفَّضَتْ قَوْمًا ورَفَعَتْ آخَرِينَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ وعِيسى وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُقْسِمِ والزَّعْفَرانِيُّ واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ «خافِضَةً رافِعَةً» بِنَصْبِهِما، ووَجْهُهُ أنْ يُجْعَلا حالَيْنِ عَنِ الواقِعَةِ عَلى أنْ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ اعْتِراضٌ أوْ حالَيْنِ عَنْ وقْعَتِها،
56:4–6Страница 534
إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا ٤
Когда земля сильно содрогнется,
وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا ٥
когда горы раскрошатся на мелкие кусочки,
فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا ٦
а затем превратятся в развеянный прах,
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أيْ زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَنْهَدِمُ ما فَوْقَها مِن بِناءٍ وجَبَلٍ مُتَعَلِّقٍ - بِخافِضَةٍ - أوْ - بِرافِعَةٍ - عَلى أنَّهُ مِن بابِ الأعْمالِ، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ كَما قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ وأبُو الفَضْلِ الرّازِّيِّ: ﴿إذا رُجَّتِ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو ﴿إذا وقَعَتِ﴾ ولَيْسَتْ واحِدَةٌ مِنهُما شَرْطِيَّةٌ بَلْ هي بِمَعْنى وقْتٍ أيْ وقْتِ وُقُوعِها وقْتِ رَجِّ الأرْضِ، وادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ ( إذا ) تَكُونُ مُبْتَدَأً، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿إذا وقَعَتِ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ عِنْدِي مَلْفُوظٌ بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ والمَعْنى إذا كانَ كَذا وكَذا، فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أسْعَدَهم وما أعْظَمَ ما يُجازَوْنَ بِهِ أيْ إنَّ سَعادَتَهم وعِظَمَ رُتَبِهِمْ
صفحة 131
عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَظْهَرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الشَّدِيدِ الصَّعْبِ عَلى العالَمِ، وفِيهِ بَعْدُ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ فُتَّتْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ حَتّى صارَتْ كالسَّوِيقِ المَلْتُوتِ مِن بَسَّ السَّوِيقَ إذا لَتَّهُ، وقِيلَ: سِيقَتْ وسُيِّرَتْ مِن أماكِنِها مِن بَسَّ الغَنَمَ إذا ساقَها فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [النَّبَأِ: 20].
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ( رُجَّتْ، وبُسَّتْ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيِ ارْتَجَّتْ وتَفَتَّتَتْ، وفي كَلامِ هِنْدِ بِنْتِ الخَسِّ تَصِفُ ناقَةً بِما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى حَمْلِها: - عَيْنُها هاجُ وصَلّاها راجُ، وهي تَمْشِي وتَفاجُّ - ﴿فَكانَتْ﴾ فَصارَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هَباءً﴾ غُبارًا ﴿مُنْبَثًّا﴾ مُتَفَرِّقًا، والمُرادُ مُطْلَقُ الغُبارِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو ما يَثُورُ مَعَ شُعاعِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ - مَنبَتًّا - بِالتّاءِ المَنطُوقَةِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقِ مَنِ البَتِّ بِمَعْنى القَطْعِ، والمُرادُ بِهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَّيْثِ بِالمُثَلَّثَةِ
﴿وكُنْتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ تَغْلِيبًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ، وقالَ بَعْضُهم:
خِطابٌ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ فَقَطْ، والظّاهِرُ أنَّ - كانَ - أيْضًا بِمَعْنى صارَ أيْ وصِرْتُمْ ﴿أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا ﴿ثَلاثَةً﴾ وكُلُّ صِنْفٍ يَكُونُ مَعَ صِنْفٍ آخَرَ في الوُجُودِ أوْ في الذَّكَرِ فَهو زَوْجٌ، قالَ الرّاغِبُ: الزَّوْجُ يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى في الحَيَواناتِ المُتَزاوِجَةِ ولِكُلِّ قَرِينَيْنِ فِيها، وفي غَيْرِها كالخُفِّ والنَّعْلِ، ولِكُلِّ ما يَقْتَرِنُ بِآخِرَ مُماثِلًا لَهُ أوْ مُضادًّا،
56:8–9Страница 534
فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ٨
Одни будут по правую сторону. Кто же будет по правую сторону?
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ٩
Другие же будут по левую сторону. Кто же будет по левую сторону?
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها، والدّائِرُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ما فِيهِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ ثانٍ ( وأصْحابُ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ والرّابِطُ الظّاهِرُ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ إلَخْ، والأصْلُ في المَوْضِعَيْنِ ما هم ؟ أيْ أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ فَإنَّ (ما) وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الِاسْمِ والحَقِيقَةِ لَكِنَّها قَدْ تَطْلُبُ بِها الصِّفَةَ والحالَ كَما تَقُولُ ما زَيْدُ ؟
فَيُقالُ: عالِمٌ، أوْ طَبِيبٌ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ أدْخِلَ في المَقْصُودِ وهو التَّفْخِيمُ في الأوَّلِ والتَّفْظِيعُ في الثّانِي، والمُرادُ تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن شَأْنِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ في غايَةِ حُسْنِ الحالِ ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ في نِهايَةِ سُوءِ الحالِ، وقِيلَ: جُمْلَةُ (ما أصْحابُ ) خَبَرٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ عَلى ما عُرِفَ في الجُمْلَةِ الإنْشائِيَةِ إذا وقَعَتْ خَبَرًا أيْ مَقُولٍ في حَقِّهِمْ (ما أصْحابُ ) إلَخْ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ وفِيهِ نَظَرٌ، و(المَيْمَنَةِ ) ناحِيَةُ اليَمِينِ، أوِ اليُمْنُ والبَرَكَةُ، و (المَشْأمَةِ ) ناحِيَةُ الشِّمالِ مِنَ اليَدِ الشُّؤْمى وهي الشِّمالُ، أوْ هي مِنَ الشُّؤْمِ مُقابِلِ اليَمَنِ، ورُجِّحَ إرادَةُ النّاحِيَةِ فِيهِما بِأنَّها أوْفَقُ بِما يَأْتِي في التَّفْصِيلِ، واخْتَلَفُوا في الفَرِيقَيْنِ فَقِيلَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِّيَّةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ الدَّنِيَّةِ أخْذًا مِن تَيَمُّنِهِمْ بِالمُيامِنِ وتَشَؤُّمِهِمْ بِالشَّمائِلِ كَما تَسْمَعُ في السّانِحِ والبارِحِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ، وجُوَّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتُونَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ والَّذِينَ يُؤْتُونَها بِشِمائِلِهِمْ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ والَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتُ الشِّمالِ إلى النّارِ، وقِيلَ:
أصْحابُ اليَمَنِ وأصْحابُ الشُّؤْمِ، فَإنَّ السُّعَداءَ مَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِطاعَتِهِمْ والأشْقِياءَ مَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ
صفحة 132
بِمَعاصِيهِمْ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والرَّبِيعِ.
56:10–11Страница 534
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ١٠
И будут опередившие их всех в добре, которые опередят их и в Раю.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ١١
Это будут приближенные,
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو الصِّنْفُ الثّالِثُ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أسْبَقَ الأصْنافِ وأقْدَمَهم في الفَضْلِ لِيُرْدِفَ ذِكْرَهم بِبَيانِ مَحاسِنَ أحْوالِهِمْ عَلى أنَّ إيرادَهم بِعُنْوانِ السَّبْقِ مُطْلَقًا مُعْرِضٌ عَنْ إحْرازِهِمْ قَصَبَ السَّبْقِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِهِمْ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الحَقِّ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَوانٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ ومُقاتِلٍ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في حِزْقِيلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وحَبِيبِ النَّجّارِ الَّذِي ذُكِرَ في يَسٍ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وكُلِّ رَجُلٍ مِنهم سابِقٍ أُمَّتَهُ وعَلَيٌّ أفْضَلٌهٌمْ، وقِيلَ: هُمٌ الَّذِينَ سَبَقُوا في حِيازَةِ الكَمالاتِ مِنَ العُلُومِ اليَقِينِيَّةِ ومَراتِبِ التَّقْوى الواقِعَةِ بَعْدَ الإيمانِ، وقِيلَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّهم مُقَدَّمُو أهْلِ الأدْيانِ، وقالَ ابْنُ سَيْرَيْنَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا إلى القَبْلَتَيْنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التَّوْبَةِ: 100] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ السّابِقُونَ إلى الهِجْرَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هُمُ السّابِقُونَ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أوَّلُ مَن يَهْجُرُ إلى المَسْجِدِ وآخِرُ مَن يَخْرُجُ مِنهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ أبِي سَوْدَةَ مَوْلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: بَلَغَنا أنَّهُمُ السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ الضَّحّاكِ هُمُ السّابِقُونَ إلى الجِهادِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ هُمُ السّابِقُونَ إلى التَّوْبَةِ وأعْمالِ البِرِّ، وقالَ كَعْبُ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وفي البَحْرِ في الحَدِيثِ ««سُئِلَ عَنِ السّابِقَيْنِ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ وإذا سَألُوهُ بَذَلُوهُ وحَكَمُوا لِلنّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ»»، وقِيلَ: النّاسُ ثَلاثَةٌ فَرَجُلٌ ابْتَكَرَ الخَيْرَ في حَداثَةِ سِنِّهِ ثُمَّ دامَ عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا فَهَذا هو السّابِقُ، ورَجُلٌ ابْتَكَرَ عُمْرَهُ بِالذَّنْبِ وطُولَ الغَفْلَةِ ثُمَّ تَراجَعَ بِتَوْبَتِهِ فَهَذا صاحِبُ اليَمِينِ، ورَجُلٌ ابْتَكَرَ الشَّرَّ في حَداثَةِ سِنِّهِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا فَهَذا صاحِبُ الشِّمالِ، وعَنِ ابْنِ كِيسانَ أنَّهُمُ المُسارِعُونَ إلى كُلِّ ما دَعا اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِالعُمُومِ، وجَعَلَ ما ذُكِرَ في أكْثَرِ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وأيًّا ما كانَ فالشّائِعُ أنَّ الجُمْلَةَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والمَعْنى ( والسّابِقُونَ ) هُمُ الَّذِينَ اشْتُهِرَتْ أحْوالُهم وعُرِفَتْ فَخامَتُهم كَقَوْلِهِ:
(
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
) وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ والإيذانِ بِشُيُوعِ فَضْلِهِمْ ما لا يَخْفى، وقِيلَ مُتَعَلِّقُ السَّبْقِ مُخالِفٌ لِمُتَعَلِّقِ السَّبْقِ الثّانِي أيِ السّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى «السّابِقُونَ» إلى رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ، أوْ ﴿السّابِقُونَ﴾ إلى الخَيْرِ ﴿السّابِقُونَ﴾ إلى الجَنَّةِ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ مَحْكِيُّ عَنْ صاحِبِ المُرْشِدِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَمْلَ مُفِيدٌ بِدُونِ ذَلِكَ كَما سَمِعَتْ بَلْ هو أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وقِيلَ: ﴿السّابِقُونَ﴾ السّابِقُ مُبْتَدَأٌ ( والسّابِقُونَ ) اللّاحِقُ تَأْكِيدٌ لَهُ وما بَعْدُ خَبَرٍ ولَيْسَ بِذاكَ أيْضًا لِفَواتِ مُقابَلَةِ ما ذُكِرَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ﴾ إلَخْ ولِأنَّ القِسْمَةَ لا تَكُونُ مُسْتَوْفاةً حِينَئِذٍ، ولِفَواتِ المُبالِغَةِ المَفْهُومَةِ مِن نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ عَلى ما سَمِعْتَ مَعَ أنَّهم أعْنِي السّابِقَيْنِ أحَقُّ بِالمَدْحِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ مِنَ السّابِقَيْنِ ولِفَواتِ ما في الِاسْتِئْنافِ بِأُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ مِنَ الفَخامَةِ وإنَّما لَمْ يَقُلْ - السّابِقُونَ ما السّابِقُونَ - عَلى مِنوالِ الأُوَّلَيْنَ لِأنَّهُ جُعِلَ أمْرًا مَفْرُوغًا مُسَلَّمًا مُسْتَقِلًّا في المَدْحِ والتَّعْجِيبِ، والإشارَةُ بِأُولَئِكَ إلى السّابِقَيْنِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ،
صفحة 133
( والمُقَرَّبُونَ ) مِنَ القُرْبَةِ بِمَعْنى الحُظْوَةِ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ النَّعْتِ الجَلِيلِ الَّذِينَ أُنِيلُوا حُظْوَةً ومَكانَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ الَّذِينَ قُرِّبَتْ إلى العَرْشِ العَظِيمِ دَرَجاتُهم.
هَذا وفِيِ الإرْشادِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ فَإنَّ المُتَرَقِّبَ عِنْدَ بَيانِ انْقِسامِ النّاسِ إلى الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنْفَسِ الأقْسامِ.
وأمّا أوْصافُها وأحْوالُها فَحَقُّها أنْ تُبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإسْنادِها إلَيْها، والتَّقْدِيرُ فَأحَدُها أصْحابُ المَيْمَنَةِ والآخَرُ أصْحابُ المَشْأمَةِ، والثّالِثُ السّابِقُونَ خَلا أنَّهُ لَمّا أخَّرَ بَيانَ أحْوالِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَقَّبَ كُلًّا مِنهُما بِجُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ بَيْنَ القَسْمَيْنِ مُنْبِئَةٍ عَنْ تَرامِي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ إنْباءً إجْمالِيًّا مُشْعِرًا بِأنَّ لِأحْوالِ كُلٍّ مِنهُما تَفْصِيلًا مُتَرَقَّبًا لَكِنْ لا عَلى أنَّ ما الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدُها خَبَرٌ عَلى ما رَآهُ سِيبَوَيْهُ في أمْثالِهِ بَلْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِما بَعْدَها فَإنَّ مَناطَ الإفادَةِ بَيانُ أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ أمْرٌ بَدِيعٌ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُ ما خَبَرًا لا بَيانَ أنَّ أمْرًا بَدِيعًا أصْحابُ المَيْمَنَةِ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُها مُبْتَدَأ وكَذا الحالُ فِيما ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾، وأمّا القِسْمُ الأخِيرُ فَحَيْثُ قُرِنَ بِهِ بَيانُ مَحاسِنَ أحْوالِهِ لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلى تَقْدِيمِ الأُنْمُوذَجِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السّابِقُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّفْخِيمِ ( وأُولَئِكَ ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، أوْ بَدَلُ مِنَ الأوَّلِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لَهُ، أوْ لِلثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ لِلْأوَّلِ انْتَهى، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ في جَعْلِ جُمْلَتَيِ الاسْتِفْهامِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿السّابِقُونَ﴾ إخْبارًا لِما قَبْلَها بَيانٌ لِأوْصافِ الأقْسامِ وأحْوالِها تَفْصِيلًا حَتّى يُقالَ: حَقُّها أنْ تُبَيَّنَ بَعْدَ أنْفُسِ الأقْسامِ بَلْ فِيهِ بَيانُ الأقْسامِ مَعَ إشارَةٍ إلى تَرامِي أحْوالِها في الخَيْرِ والشَّرِّ والتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ.
وأيْضًا مُقْتَضى ما ذَكَرَهُ أنْ لا يَذْكُرُ ﴿ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ و﴿ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ في التَّفْصِيلِ، وتَعَقُّبُ هَذا بِأنَّ الذَّكْرَ مُحْتاجٌ إلى بَيانِ نُكْتَةٍ عَلى الوَجْهِ الدّائِرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ كاحْتِياجِهِ إلَيْهِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولَعَلَّها عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا عَقَّبَ الأوَّلَيْنِ بِما يُشْعِرُ بِأنَّ لِأحْوالِ كُلٍّ تَفاصِيلُ مُتَرَقَّبَةٌ أُعِيدَ ذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الأحْوالَ العَجِيبَةَ هي هَذِهِ فَلْتَسْمَعَ، والَّذِي يَتَبادَرُ لِلنَّظَرِ الجَلِيلِ ما في الإرْشادِ مِن كَوْنِ أصْحابُ المَيْمَنَةِ وكَذا كُلٌّ مِنَ الأخِيرَيْنِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما سَمِعْتَ لِأنَّ المُتَبادِرَ بَعْدَ بَيانِ الِانْقِسامِ ذَكْرُ نَفْسَ الأقْسامِ عَلى أنْ تَكُونَ هي المَقْصُودَةَ أوَّلًا وبِالذّاتِ دُونَ الحُكْمِ عَلَيْها وبَيانِ أحْوالِها مُطْلَقًا وإنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ ذَكْرَها لَكِنْ ما ذَكَرُوهُ أبْعَدَ مَغْزى ومَعَ هَذا لا يَتَعَيَّنُ عَلى ما ذُكِرَ كَوْنُ تِينَكَ الجُمْلَتَيْنِ الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ مُعْتَرِضَتَيْنِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما صِفَةً لِما قَبْلَها بِتَقْدِيرِ القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأحَدُها أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَقُولُ فِيهِمْ ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ وكَذا يُقالُ في ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ إلَخْ، ويَجْعَلُ أيْضًا ﴿السّابِقُونَ﴾ صِفَةً - لَلسّابِقُونَ - قَبْلَهُ، والتَّأْوِيلُ في الوَصْفِيَّةِ كالتَّأْوِيلِ في الخَبَرِيَّةِ ويَكُونُ الوَصْفُ بِذَلِكَ قائِمًا مُقامَ تِينَكَ الجُمْلَتَيْنِ في المَدْحِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَما في الوَجْهِ الشّائِعِ، وما يُقالُ: إنَّ في هَذا الوَجْهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ أجْزاءِ الصِّلَةِ يُجابُ عَنْهُ بِمَنعِ كَوْنِ - ألْ - في الوَصْفِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ مِنهُ الحُدُوثُ مَوْصُولَةً فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ،
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿المُقَرَّبُونَ﴾، أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ كائِنَيْنِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ قُرْبَهم مَحْضُ لَذَّةٍ وراحَةٍ لا كَقُرْبِ خَواصِّ المَلِكِ القائِمِينَ بِأشْغالِهِ عِنْدَهُ بَلْ كَقُرْبِ جُلَسائِهِ ونُدَمائِهِ الَّذِينَ لا شُغْلَ لَهم ولا يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرٌ أوْ نَهْيٌ ولِذا قِيلَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ دُونَ جَنّاتِ الخُلُودِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْبارَ
صفحة 134
بِكَوْنِهِمْ فِيها بَعْدَ الإخْبارِ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الإخْبارَ الأوَّلَ لِلْإشارَةِ إلى اللَّذَّةِ الرُّوحانِيَّةِ والإخْبارِ الثّانِي لِلْإشارَةِ إلى اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ في جَنَّةِ النَّعِيمِ بِالإفْرادِ،
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии