Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
الإنشقاق
Аль-Иншикак
Разверзнется · Мекканская · 25 аятов
سُورَةُ الِانْشِقاقِ
ويُقالُ: سُورَةُ انْشَقَّتْ وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها ثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ في غَيْرِهِما، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها يُعْلَمُ مِمّا نَقَلْناهُ عَنِ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ فِيما قَبْلُ وأوْجَزَ بَعْضُهم في بَيانِ وجْهِ تَرْتِيبِ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ فَقالَ: إنَّ في انْفَطَرَتِ التَّعْرِيفَ بِالحَفَظَةِ الكاتِبِينَ وفي المُطَفِّفِينَ مَقَرُّ كُتُبِهِمْ وفي هَذِهِ عَرْضُها في القِيامَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيْ: بِالغَمامِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَما في البَحْرِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ فالقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: تَنْشَقُّ لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّهُ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ الِانْشِقاقُ بِالغَمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ.
وفِي الآثارِ: أنَّها بابُ السَّماءِ، وأهْلُ الهَيْئَةِ يَقُولُونَ إنَّها نُجُومٌ صِغارٌ مُتَقارِبَةٌ جِدًّا غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ في الحُسْنِ ويَظْهَرُ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا لِمَن نَظَرَ إلَيْها بِالأرْصادِ، ولا مُنافاةَ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها بابَ السَّماءِ أنَّ مَهْبِطَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَصْعَدَهم مِن جِهَتِها؛ وذَلِكَ بِجامِعِ كَوْنِها نُجُومًا صِغارًا مُتَقارِبَةً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ في الحُسْنِ.
وخَبَرُ: «إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْسَلَ مُعاذًا إلى أهْلِ اليَمَنِ فَقالَ لَهُ: «يا مُعاذُ، إنَّهم سائِلُوكَ عَنِ المَجَرَّةِ، فَقُلْ: هي لُعابُ حَيَّةٍ تَحْتَ العَرْشِ»».
ومِنهُ قِيلَ: إنَّها في البَحْرِ المَكْفُوفِ تَحْتَ السَّماءِ لا يَكادُ يَصِحُّ. والقَوْلُ المَذْكُورُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْكى إلّا لِيُنَبَّهَ عَلى حالِهِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «انْشَقَّتْ» وكَذا ما بَعْدُ مِن نَظائِرِهِ بِإشْمامِ التّاءِ مُكَسَّرًا في الوَقْفِ. وحَكى عَنْهُ أيْضًا الكَسْرَ أبُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ خالَوَيْهِ وذَلِكَ لُغَةُ طَيِّئٍ عَلى ما قِيلَ. وعَنْ أبِي حاتِمٍ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا فَصِيحًا في بِلادِ قَيْسٍ يَكْسِرُ هَذِهِ التّاءَ؛ أيْ: تاءَ التَّأْنِيثِ اللّاحِقَةَ لِلْفِعْلِ وهي لُغَةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ الفَواصِلَ قَدْ تُجْرى مَجْرى القَوافِي، فَكَما أنَّ هَذِهِ التّاءَ تُكْسَرُ في القَوافِي كَما في قَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ مِن قَصِيدَةٍ:
وما أنا بِالدّاعِي لِعَزَّةَ بِالرَّدى ولا شامِتٍ إنْ قِيلَ عَزَّةُ ذَلَّتِ
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أبْياتِ تِلْكَ القَصِيدَةِ تُكْسَرُ في الفَواصِلِ، وإجْراءُ الفَواصِلِ في الوَقْفِ مَجْرى القَوافِي مَهِيعٌ مَعْرُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: «الظُّنُونا» و«الرَّسُولا» في سُورَةِ الأحْزابِ، وحَمْلُ الوَصْلِ عَلى حالَةِ الوَقْفِ مَوْجُودٌ أيْضًا في الفَواصِلِ.
﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيِ اسْتَمَعَتْ لَهُ تَعالى، يُقالُ: أذِنَ إذا سَمِعَ. قالَ الشّاعِرُ:
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا
وقالَ قُعْنُبٌ:
إنْ يَأْذَنُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ وإنْ هُمُ أذِنُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا
والِاسْتِماعُ هُنا مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ؛ أيِ انْقادَتْ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ حِينَ تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ
صفحة 79
بِانْشِقاقِها انْقِيادَ المَأْمُورِ المِطْواعِ إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ الآمِرِ المُطاعِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلَيْها لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ ونَظِيرَتُها بَعْدَ قِيلَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ في الإنْباءِ عَنْ كَوْنِ ما نُسِبَ إلى السَّماءِ والأرْضِ مِنَ الِانْشِقاقِ والمَدِّ وغَيْرِهِما جارِيًا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ عَلى ما قَرَّرُوهُ.
﴿وحُقَّتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ حَقِيقَةً بِالِاسْتِماعِ والِانْقِيادِ لَكِنْ لا بُعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ في نَفْسِها وحَدِّ ذاتِها، مِن قَوْلِهِمْ: هو مَحْقُوقٌ بِكَذا، وحَقِيقٌ بِهِ، وحاصِلُ المَعْنى انْقادَتْ لِرَبِّها وهي حَقِيقَةٌ وجَدِيرَةٌ بِالِانْقِيادِ لِما أنَّ القُدْرَةَ الرَّبّانِيَّةَ لا يَتَعاصاها أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ لا لِأمْرٍ اخْتَصَّتْ بِهِ مِن بَيْنِ المُمْكِناتِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَ الكَلامِ حَقُّ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها بِذَلِكَ؛ أيْ: حُكْمِ عَلَيْها بِتَحَتُّمِ الِانْقِيادِ عَلى مَعْنى أرادَهُ سُبْحانَهُ مِنها إرادَةً لا نَقْضَ لَها. وقِيلَ: المَعْنى: وحُقَّ لَها أنْ تَنْشَقَّ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، والجُمْلَةُ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: بُسِطَتْ بِانْدِكاكِ جِبالِها وآكامِها وتَسْوِيَتِها فَصارَتْ قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: زِيدَتْ سِعَةً وبَسْطَةً مِن مَدِّهِ بِمَعْنى أمَدَّهُ؛ أيْ: زادَهُ، ونَحْوَهُ ما قِيلَ: جَرَتْ فَزادَ انْبِساطُها وعَظُمَتْ سِعَتُها.
وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««تُمَدُّ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ مَدَّ الأدِيمِ، ثُمَّ لا يَكُونُ لِابْنِ آدَمَ مِنها إلّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ»».
84:4–5Страница 589
وَأَلۡقَتۡ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتۡ ٤
извергнет то, что в ней, и опустеет,
وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٥
и внемлет своему Господу, как ей надлежит...
﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ أيْ: رَمَتْ ما في جَوْفِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم كابْنِ جُبَيْرٍ وجَماعَةٍ عَلى المَوْتى بِناءً عَلى أنَّ إلْقاءَ الكُنُوزِ إذا خَرَجَ الدَّجّالُ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ لا يُسَلِّمُ إلْقاءَ الكُنُوزِ يَوْمَئِذٍ، ولَوْ سَلَّمَ يَقُولُ: يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ عامًّا لِجَمِيعِ الكُنُوزِ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والقَوْلُ بِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَّسِعٌ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ وقْتُ خُرُوجِ الدَّجّالِ يَنْبَغِي أنْ يُلْقى ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
﴿وتَخَلَّتْ﴾ أيْ: وخَلَتْ عَمّا فِيها غايَةَ الخُلُوِّ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَأنَّها تَكَلَّفَتْ في ذَلِكَ أقْصى جُهْدِها فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ كَما في قَوْلِكَ: تَحَلَّمَ الحَلِيمُ، وتَكَرَّمَ الكَرِيمُ. وقِيلَ: «تَخَلَّتْ» مِمَّنْ عَلى ظَهْرِها مِنَ الأحْياءِ، وقِيلَ: مِمّا عَلى ظَهْرِها مِن جِبالِها وبِحارِها، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو القاسِمِ الحُبَيْلِيُّ في الدِّيباجِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««أنا أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ فَأجْلِسُ جالِسًا في قَبْرِي وإنَّ الأرْضَ تُحَرَّكُ بِي فَقُلْتُ لَها ما لَكِ؟ فَقالَتْ: إنَّ رَبِّيَ أمَرَنِي أنْ أُلْقِيَ ما في جَوْفِي، وأنْ أتَخَلّى فَأكُونَ كَما كُنْتُ إذْ لا شَيْءَ فِيَّ»».
وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ في الإلْقاءِ وما بَعْدَهُ ﴿وحُقَّتْ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما ذُكِرَ وإنْ أُسْنِدَ إلى الأرْضِ فَهو بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَكْرِيرِ كَلِمَةِ «إذا» لِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِنَوْعٍ مِنَ القُدْرَةِ.
84:6Страница 589
يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ ٦
О человек! Ты стремишься к своему Господу и встретишься с Ним.
﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ: جاهِدٌ ومُجِدٌّ جِدًّا في عَمَلِكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ﴿إلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أيْ: طُولَ حَياتِكَ إلى لِقاءِ رَبِّكَ؛ أيْ: إلى المَوْتِ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْوالِ المُمَثَّلَةِ بِاللِّقاءِ والكَدْحِ جُهْدَ النَّفْسِ في العَمَلِ حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن: كَدَحَ جِلْدَهُ إذا خَدَشَهُ قالَ ابْنُ مَقِيلٍ:
وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
وقالَ آخَرُ:
ومَضَتْ بَشاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صالِحٍ ∗∗∗ وبَقِيتُ أكْدَحُ لِلْحَياةِ وأنْصَبُ
﴿فَمُلاقِيهِ﴾ أيْ: فَمُلاقٍ لَهُ عَقِيبَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيكَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ؛ أيْ: فَمُلاقِي جَزائِهِ تَعالى. وقِيلَ: هو لِلْكَدْحِ؛ أيْ: فَمُلاقِي جَزاءِ الكَدْحِ وبُولِغَ فِيهِ عَلى نَحْوَ: إنَّما هي أعْمالُكم تَرِدُ: «إلَيْكُمْ»
صفحة 80
والظّاهِرُ أنَّ «مُلاقِيهِ» مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كادِحٌ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الثّانِي فَألْقاهُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ، ولا يَظْهَرُ وجْهُ التَّخْصِيصِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّقْسِيمُ بَعْدُ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِ الأسْوَدُ بْنُ هِلالٍ المَخْزُومِيُّ جادَلَ أخاهُ أبا سَلَمَةَ في أمْرِ البَعْثِ فَقالَ أبُو سَلَمَةَ: إي والَّذِي خَلَقَكَ لَتَرْكَبَنَّ الطَّبَقَةَ ولَتُوافِينَّ العَقَبَةَ، فَقالَ الأسْوَدُ: فَأيْنَ الأرْضُ والسَّماءُ وما حالُ النّاسِ؟ وكَأنَّهُ أرادَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وهي تَعُمُّ الجِنْسَ، وقِيلَ: المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ كانَ يَكْدَحُ في طَلَبِ الدُّنْيا وإيذاءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، ولَعَلَّ القائِلَ أرادَ ذَلِكَ أيْضًا وأبْعَدَ غايَةَ الإبْعادِ مِن ذَهَبٍ إلى أنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ المَعْنى: إنَّكَ تَكْدَحُ في إبْلاغِ رِسالاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإرْشادَهُ عِبادَهُ سُبْحانَهُ واحْتِمالِ الضَّرَرِ مِنَ الكُفّارِ، فَأبْشِرْ أنَّكَ تَلْقى اللَّهَ تَعالى بِهَذا العَمَلِ وهو غَيْرُ ضائِعٍ عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وجَوابُ «إذا» قِيلَ:
84:7–8Страница 589
فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧
Тот, кому его книга будет вручена в правую руку,
فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا ٨
получит легкий расчет
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ إلَخْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ؛ أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ نَحْوَ ما صَرَّحَ بِهِ في سُورَتَيِ التَّكْوِيرِ والِانْفِطارِ، وقِيلَ: هو ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخْ وتَقْدِيرُهُ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، والأصْلُ: فَيا أيُّها الإنْسانُ أوْ بِتَقْدِيرِ: يُقالُ.
وقالَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ بِتَقْدِيرِ: فَأنْتَ مُلاقِيهِ لِيُكَوِّنَ مَعَ المُقَدَّرِ جُمْلَةً، وعَلى هَذا جُمْلَةُ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ والبَلْخِيُّ هو ( وأذِنَتْ ) عَلى زِيادَةِ الواوِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وعَنِ الأخْفَشِ أنَّ «إذا» هُنا لا جَوابَ لَها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِشَرْطِيَّةٍ بَلْ هي في إذا السَّماءُ مُتَجَرِّدَةٌ عَنْها مُبْتَدَأٌ، وفِي: وإذا الأرْضُ خَبَرٌ والواوُ زائِدَةٌ؛ أيْ: وقْتَ انْشِقاقِ السَّماءِ وقْتَ مَدِّ الأرْضِ وقِيلَ: لا جَوابَ لَها لِأنَّها لَيْسَتْ بِذَلِكَ بَلْ مُتَجَرِّدَةٌ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ واقِعَةٌ مَفْعُولًا لِ «اذْكُرْ» مَحْذُوفًا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الضَّعْفِ ولَعَلَّ الأوْلى مِنها الأوَّلانِ والحِسابُ اليَسِيرُ السَّهْلُ الَّذِي لا مُناقَشَةَ فِيهِ كَما قِيلَ وفَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعَرْضِ وبِالنَّظَرِ في الكِتابِ مَعَ التَّجاوُزِ.
فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَيْسَ أحَدٌ يُحاسَبُ إلّا هَلَكَ». قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ تَعالى فِداكَ، ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ؟ قالَ: ذَلِكَ العَرْضُ يُعْرَضُونَ ومَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ»».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في بَعْضِ صَلاتِهِ: اللَّهُمَّ حاسِبْنِي حِسابًا يَسِيرًا، فَلَمّا انْصَرَفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الحِسابُ اليَسِيرُ؟ قالَ: أنْ يَنْظُرَ في كِتابِهِ فَيَتَجاوَزُ لَهُ عَنْهُ»».
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ المُؤْمِنِينَ مُبْتَهِجًا بِحالِهِ قائِلًا: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ وقِيلَ: أيْ: فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَشِيرَتَهُ؛ إذْ كَلُّ المُؤْمِنِينَ أهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ مِن جِهَةِ الِاشْتِراكِ في الإيمانِ، وقِيلَ: أيْ: إلى خاصَّتِهِ ومَن أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ والغِلْمانِ، وأخْرَجَ هَذا ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «ويُقْلَبُ» مُضارِعَ قُلِبَ؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
84:10Страница 589
وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ ١٠
А тот, кому его книга будет вручена из-за спины,
﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: يُؤْتاهُ بِشَمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، قِيلَ: تُغَلُّ يُمْناهُ إلى عُنُقِهِ وتُجْعَلُ شِمالُهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَيُؤْتى كِتابَهُ بِشِمالِهِ. ورُوِيَ أنَّ شِمالَهُ تَدْخُلُ في صَدْرِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن وراءِ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ كِتابَهُ بِها؛ فَلا تَدافُعَ بَيْنَ ما هُنا وما في سُورَةِ الحاقَّةِ؛ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الظَّهْرُ، ثُمَّ هَذا إنْ كانَ في الكَفَرَةِ وما قَبْلَهُ في المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ فَلا تَعَرُّضَ هُنا لِلْعُصاةِ كَما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ. وقِيلَ: لا بُعْدَ في إدْخالِ العُصاةِ في أهْلِ اليَمِينِ؛ إمّا لِأنَّهم يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِاليَمِينِ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ النّارِ كَما اخْتارَهُ ابْنُ
صفحة 81
عَطِيَّةَ أوْ لِأنَّهم يُعْطَوْنَها بِها قَبْلُ لَكِنْ مَعَ حِسابٍ فَوْقَ حِسابِ المُتَّقِينَ ودُونَ حِسابِ الكافِرِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ مِن وصْفِ الكُلِّ بِوَصْفِ البَعْضِ، وقِيلَ: إنَّهم يُعْطُونَها بِالشِّمالِ، وتَمْيِيزُ الكَفَرَةِ بِكَوْنِ الإعْطاءِ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ مُؤْتِيَ الكُتُبِ لا يَتَحَمَّلُونَ مُشاهَدَةَ وُجُوهِهِمْ لِكَمالِ بَشاعَتِها أوْ لِغايَةِ بُغْضِهِمْ إيّاهم أوْ لِأنَّهم نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ
84:11–12Страница 589
فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا ١١
станет призывать погибель
وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا ١٢
и войдет в Пламень.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ يَطْلُبُهُ ويُنادِيهِ ويَقُولُ: يا ثُبُوراهُ تَعالى فَهَذا أوانُكَ، والثُّبُورُ الهَلاكُ وهو جامِعٌ لِأنْواعِ المَكارِهِ ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ يُقاسِي حَرَّها أوْ يَدْخُلُها، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وأبُو الشَّعْثاءِ والحَسَنُ والأعْرَجُ: «يُصَلّى» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً مِنَ التَّصْلِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ وأبانَ عَنْ عاصِمٍ والعَتْكِيِّ وجَماعَةٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «يُصْلى» بِضَمِّ الياءِ ساكِنَ الصّادِ مُخَفَّفَ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإصْلاءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ .
84:13–14Страница 589
إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا ١٣
Он радовался, находясь в кругу своей семьи,
إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ١٤
и полагал, что не вернется обратно.
﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ﴾ في الدُّنْيا ﴿مَسْرُورًا﴾ فَرِحًا بَطِرًا مُتْرَفًا لا يَخْطُرُ بِبالِهِ أُمُورُ الآخِرَةِ ولا يَتَفَكَّرُ في العَواقِبِ ولَمْ يَكُنْ حَزِينًا مُتَفَكِّرًا في حالِهِ ومَآلِهِ كَسُنَّةِ الصُّلَحاءِ والمُتَّقِينَ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عِلَّةِ ما قَبْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ تَعْلِيلٌ لِسُرُورِهِ في الدُّنْيا؛ أيْ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى تَكْذِيبًا لِلْمَعادِ، وقِيلَ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى العَدَمِ؛ أيْ: ظَنَّ أنَّهُ لا يَمُوتُ وكانَ غافِلًا عَنِ المَوْتِ غَيْرَ مُسْتَعِدٍّ لَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والحَوْرُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْؤُهُ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
والتَّقْيِيدُ هُنا بِقَرِينَةِ المَقامِ و«أنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الظَّنِّ عَلى المَشْهُورِ.
﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ «لَنْ». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ تَحْقِيقٌ وتَعْلِيلٌ لَهُ؛ أيْ: بَلى يَحُورُ البَتَّةَ أنَّ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي خَلَقَهُ كانَ بِهِ وبِأعْمالِهِ المُوجِبَةِ لِلْجَزاءِ بَصِيرًا بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنها خافِيَةٌ، فَلا بُدَّ مِن رَجْعَةٍ وحِسابِهِ ومُجازاتِهِ
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ هي الحُمْرَةُ الَّتِي تُشاهَدُ في أُفُقِ المَغْرِبِ بَعْدَ الغُرُوبِ، وأصْلُهُ مِن رِقَّةِ الشَّيْءِ، يُقالُ: شَيْءٌ شَفَقٌ؛ أيْ: لا يَتَماسَكُ لِرِقَّتِهِ، ومِنهُ أشْفَقَ عَلَيْهِ رَقَّ قَلْبُهُ، والشَّفَقَةُ مِنَ الإشْفاقِ وكَذَلِكَ الشَّفَقُ قالَ الشّاعِرُ:
تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ
وقِيلَ: البَياضُ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الحُمْرَةَ ويُرى بَعْدَ سُقُوطِها، وفي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ شَفَقًا خِلافٌ؛ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يُسَمّى بِهِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ يُسَمّى. ورَوى أسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وتَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ في شُرُوحِ الهِدايَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ هُنا النَّهارُ كُلُّهُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ أبِي نُجَيْحٍ، وكَأنَّهُ شَجَّعَهم عَلى ذَلِكَ عَطْفُ اللَّيْلِ عَلَيْهِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ ما بَقِيَ مِنَ النَّهارِ والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إذا عَرَفْتَ هَذا أوْ تَحَقَّقْتَ الحَوْرَ بِالبَعْثِ فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ وما ضَمَّ وجَمَعَ. يُقالُ: وسَقَهُ فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ؛ أيْ: جَمَعَهُ فاجْتَمَعَ، ويُقالُ: طَعامٌ مَوْسُوقٌ؛ أيْ: مَجْمُوعٌ وإبِلٌ مُسْتَوْسَقَةٌ؛ أيْ: مُجْتَمِعَةٌ. قالَ الشّاعِرُ:
إنَّ لَنا قَلائِصًا حَقائِقا مُسْتَوْسِقاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سائِقا
ومِنَ الوَسْقِ الأصْواعُ المُجْتَمِعَةُ؛ وهي سِتُّونَ صاعًا أوْ حِمْلُ بِعِيرٍ لِاجْتِماعِهِ عَلى ظَهْرِهِ، و«ما» تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولَةَ، والجُمْهُورُ عَلى الثّانِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: والَّذِي وسَقَهُ، والمُرادُ بِهِ ما يَجْتَمِعُ بِاللَّيْلِ ويَأْوِي إلى مَكانِهِ مِنَ الدَّوابِّ وغَيْرِها.
صفحة 82
وعَنْ مُجاهِدٍ: ما يَكُونُ فِيهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقِيلَ: ما سَتَرَهُ وغَطّى عَلَيْهِ بِظُلْمَتِهِ وقِيلَ: ما جَمَعَهُ مِنَ الظُّلْمَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وما وسَقَ﴾ وما عُمِلَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
فَيَوْمًا تَرانا صالِحِينَ وتارَةً ∗∗∗ تَقُومُ بِنا كالواسِقِ المُتَلَبِّبِ
وقِيلَ: وسَقَ بِمَعْنى طَرَدَ؛ أيْ: وما طَرَدَهُ إلى أماكِنِهِ مِنَ الدَّوابِّ وغَيْرِها، أوْ ما طَرَدَهُ مِن ضَوْءِ النَّهارِ، ومِنهُ الوَسِيقَةُ، قالَ في القامُوسِ: وهي مِنَ الإبِلِ كالرُّفْقَةِ مِنَ النّاسِ، فَإذا سُرِقَتْ طُرِدَتْ مَعًا.
84:18–19Страница 589
وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ ١٨
Клянусь луной в полнолуние!
لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٖ ١٩
Вы переходите из одного состояния в другое.
﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ أيِ اجْتَمَعَ نُورُهُ وصارَ بَدْرًا.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ خِطابٌ لِجِنْسِ الإنْسانِ المُنادى أوَّلًا بِاعْتِبارَ شُمُولِهِ لِأفْرادِهِ، والمُرادُ بِالرُّكُوبِ المُلاقاةُ، والطَّبَقُ في الأصْلِ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا، وخُصَّ في العُرْفِ بِالحالِ المُطابِقَةِ لِغَيْرِها، ومِنهُ قَوْلُ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ:
إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ وساقَنِي طَبَقٌ مِنهُ إلى طَبَقِ
و«عِنْ» لِلْمُجاوَزَةِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي بِمَعْنى بَعْدَ، كَما في قَوْلِهِما: سادُوكَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، وقَوْلِهِ:
ما زِلْتُ أقْطَعُ مَنهَلًا عَنْ مَنهَلٍ ∗∗∗ حَتّى أنَخْتُ بِبابِ عَبْدِ الواحِدِ
والمُجاوَزَةُ والبَعْدِيَّةُ مُتَقارِبانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ «طَبَقًا» أوْ حالًا مِن فاعِلِ: (تَرْكَبُنَّ) والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ ﴿طَبَقًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: لَتُلاقُنَّ حالًا مُجاوِزَةً لِحالٍ أوْ كائِنَةً بَعْدَ حالٍ أوْ مُجاوَزِينَ لِحالٍ أوْ كائِنِينَ بَعْدَ حالٍ، كُلُّ واحِدَةٍ مُطابِقَةٌ لِأُخْتِها في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرُّكُوبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتُجْعَلُ الحالُ مَرْكُوبَةً مَجازًا. وقِيلَ: نَصْبُ ﴿طَبَقًا﴾ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوِ الحالِيَّةِ، وقالَ جَمْعٌ: الطَّبَقُ جَمْعُ طَبَقَةٍ كَتُخَمٍ وتُخَمَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، ويُقالُ: إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ أحْوالًا بَعْدَ أحْوالٍ هي طَبَقاتٌ في الشِّدَّةِ بَعْضُها أرْفَعُ مِن بَعْضٍ وهي المَوْتُ وما بَعْدَهُ مِن مُواطِنِ القِيامَةِ وأهْوالِها، ورَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: هَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ وتَرَتُّبُ الفاءِ في ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأحْوالَ بِما يَكُونُ في الدُّنْيا مِن كَوْنِهِمْ نُطْفَةً إلى المَوْتِ وما يَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ البَعْثِ إلى حِينِ المُسْتَقَرِّ في إحْدى الدّارَيْنِ. وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِ «طَبَقًا» عَنْ طَبَقِ المَوْتِ المُطابِقِ لِلْعَدَمِ الأصْلِيِّ والإحْياءِ المُطابِقِ لِلْإحْياءِ السّابِقِ، فَيَكُونُ الكَلامُ قَسَمًا عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ويَجْرِي فِيهِ ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَكُونُونَ في كُلِّ عِشْرِينَ سَنَةً عَلى حالٍ لَمْ تَكُونُوا عَلى مِثْلِها. وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: في كُلِّ عِشْرِينَ عامًا تُحْدِثُونَ أمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ، فالطَّبَقُ بِمَعْنى عِشْرِينَ عامًا، وقَدْ عَدَّ ذَلِكَ في القامُوسِ مِن جُمْلَةِ مَعانِيهِ، وما ذُكِرَ بَيانٌ لِلْمَعْنى المُرادِ. وقِيلَ:
الطَّبَقُ هُنا القَرْنُ مِنَ النّاسِ مِثْلُهُ في قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ∗∗∗ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
تَنَقَّلَ مِن صالِبٍ إلى رَحِمٍ ∗∗∗ إذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
وإنَّ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن مَضى قَبْلَكم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والأسْوَدُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٌ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ وعِيسى والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ: «لَتَرْكَبُنَّ» بِتاءِ الخِطابِ وفَتْحِ الباءِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما أيْضًا كَسَرا تاءَ المُضارَعَةِ وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ لا بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُرادُ بِالإنْسانِ فِيما تَقَدَّمَ يَذْهَبُ إلَيْهِ وعَلَيْهِ يُرادُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أحْوالًا شَرِيفَةً بَعْدَ
صفحة 83
أُخْرى مِن مَراتِبِ القُرْبِ أوْ مَراتِبَ مِنَ الشِّدَّةِ في الدُّنْيا بِاعْتِبارِ ما يُقاسِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الكَفَرَةِ ويُعانِيهِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أوِ الكَلامِ عِدَةٌ بِالنَّصْرِ؛ أيْ: لَتُلاقُنَّ فَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، ونَصْرًا بَعْدَ نَصْرٍ، وتَبْشِيرًا بِالمِعْراجِ؛ أيْ: لَتَرْكَبُنَّ سَماءً بَعْدَ سَماءٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُيِّدَ بِالتَّوْكِيدِ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ والتَّعْقِيبِ بِالإنْكارِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ يَعْنِي السَّماءُ تَنْفَطِرُ ثُمَّ تَنْشَقُّ ثُمَّ تَحْمَرُّ، وفي رِوايَةٍ السَّماءُ تَكُونُ كالمُهْلِ وتَكُونُ ورْدَةُ كالدِّهانِ وتَكُونُ واهِيَةً وتَشَقَّقُ فَتَكُونُ حالًا بَعْدَ حالٍ فالتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ والضَّمِيرُ الفاعِلُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ. وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: «لَيَرْكَبُنَّ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ وفَتْحِ الباءِ عَلى الِالتِفاتِ مِن خِطابِ الإنْسانِ إلى الغَيْبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَعْنِي نَبِيَّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ الغائِبُ يَعُودُ عَلى القَمَرِ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ أحْوالًا مِن سِرارٍ واسْتِهْلالٍ وإبْدارٍ. وقَرَأ عُمَرُ أيْضًا: «لَيُرْكَبُنَّ» بِياءِ الغَيْبَةِ وضَمِّ الباءِ عَلى أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ لِلْإنْسانِ بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ. وقُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الباءِ عَلى تَأْنِيثِ الإنْسانِ المُخاطَبِ بِاعْتِبارِ النَّفْسِ. وأمْرُ التَّقْدِيرِ الحالِيَّةُ المُشارُ إلَيْها فِيما مَرَّ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ لا يَخْفى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии