Аль-АлусиАль‑Кияма · 75:1–12

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

القيامة

Аль-Кияма

Воскресение · Мекканская · 40 аятов

75:1Страница 577

لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ ١

Нет, клянусь Днем воскресения!

سُورَةُ القِيامَةِ

ويُقالُ لَها سُورَةُ لا أُقْسِمُ وهي مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ حِكايَةِ خِلافٍ ولا اسْتِثْناءٍ واخْتُلِفَ في عَدَدِ آيِها فَفي الكُوفِيِّ أرْبَعُونَ وفي غَيْرِهِ تِسْعٌ وثَلاثُونَ، والخِلافُ في ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القِيامَةِ: 16] ولَمّا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ المُدَّثِّرِ ﴿كَلا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المُدَّثِّرِ: 53] بَعْدَ ذِكْرِ الجَنَّةِ والنّارِ وكانَ عَدَمُ خَوْفِهِمْ إيّاها لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ ذَكَرَ جَلا وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ بِأتَمِّ وجْهٍ ووَصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ وأهْوالَهُ وأحْوالَهُ ثُمَّ ذَكَرَ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِن خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ ثُمَّ ما قَبْلُ مِن مَبْدَأِ الخَلْقِ عَلى عَكْسِ التَّرْتِيبِ الواقِعِيِّ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ عَظِيمٍ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ إدْخالُ لا النّافِيَةِ صُورَةٌ عَلى فِعْلِ القَسَمِ مُسْتَفِيضٌ في كَلامِهِمْ وأشْعارِهِمْ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

لا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِي لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرُّ

وقَوْلِ غَوِيَّةَ بْنِ سَلْمى يَرْثِي:

ألا نادَتْ أُمامَةُ بِاحْتِمالِ ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا بِكِ ما أُبالِي

ومُلَخَّصُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جارُ اللَّهِ في ذَلِكَ أنَّ لا هَذِهِ إذا وقَعَتْ في خِلالِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النِّساءِ: 65] فَهي صِلَةٌ

صفحة 136

تُزادُ لِتَأْكِيدِ القَسَمِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ [الحَدِيدِ: 29] لِتَأْكِيدِ العِلْمِ وأنَّها إذا وقَعَتِ ابْتِداءً كَما في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ البَلَدِ فَهي لِلنَّفْيِ لِأنَّ الصِّلَةَ إنَّما تَكُونُ في وسَطِالكَلامِ ووَجْهُهُ أنَّ إنْشاءَ القَسَمِ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ فَهو نَفْيٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لا يُعَظَّمُ بِالقَسَمِ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ عَظِيمٌ أقْسَمَ بِهِ أوَّلًا ويَتَرَقّى مِن هَذا التَّعْظِيمِ إلى تَأْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ إذِ المُبالَغَةُ في تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ تَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ فِيهِ فَما يَخْتَلِجُ في بَعْضِ الخَواطِرِ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا إخْبارًا لا إنْشاءً فَلا يَسْتَحِقُّ جَوابًا، وأنَّ المَعْنى عَلى تَعْظِيمِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لا المَقْسَمِ بِهِ مَدْفُوعٌ، ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ فَقِيلَ إنَّها لِنَفْيِ الإقْسامِ لِوُضُوحِ الأمْرِ.

وقالَ الفَرّاءُ: لِنَفِي كَلامٍ مَعْهُودٍ قَبْلَ القَسَمِ ورَدَّهُ فَكَأنَّهم هُنا أنْكَرُوا البَعْثَ فَقِيلَ لا، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ ثُمَّ قِيلَ ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ وقَدَحَ الإمامُ فِيهِ بِإعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ وقِيلَ إنَّها لَيْسَ لا وإنَّما اللّامُ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَظَهَرَ مِن ذَلِكَ ألْفٌ والأصْلُ «لَأُقْسِمُ» كَما قَرَأ بِهِ قُنْبُلٌ ورُوِيَ عَنِ البَزِّيِّ والحَسَنِ وهي لامُ الِابْتِداءِ عِنْدَ بَعْضٍ والأصْلُ «لَأنا أُقْسِمُ» وحَذْفُ المُبْتَدَأِ لِلْعِلْمِ بِهِ ولامُ التَّأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ المُضارِعِ كَما في إنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم [النَّحْلِ: 124] والأصْلُ إنِّي لَأُقْسِمُ عِنْدَ بَعْضٍ، ولامُ القَسَمِ ولَمْ يَصْحَبْها نُونُ التَّوْكِيدِ لِعَدَمِ لُزُومِ ذَلِكَ وإنَّما هو أغْلَبِيٌّ عَلى ما حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ مَعَ الِاعْتِمادِ عَلى المَعْنى عِنْدَ آخَرِينَ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّها صِلَةٌ واخْتارَهُ جارُ اللَّهِ في المُفَصَّلِ وما ذَكَرَ مِنَ الِاخْتِصاصِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّ الزِّيادَةَ إذا ثَبَتَتْ في القَسَمِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أوَّلِ الكَلامِ وأوْسَطِهِ لا أنَّهُ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ القُرْآنَ في حُكْمِ سُورَةٍ واحِدَةٍ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِأنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّناقُضِ ونَحْوِهِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مِثْلِ هَذا الحُكْمِ ثُمَّ فَهِمَ ما ذَكَرَهُ في تَوْجِيهِ النَّفِيِ مِنَ اللَّفْظِ بِعِيدٌ وحالُ سائِرِ الأقْوالِ غَيْرُ خَفِيٍّ وقَدْ مَرَّ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ فَتَذَّكَّرْ.

75:2Страница 577

وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢

Клянусь душой попрекающей!

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ بَيْدَ أنَّهُ قَبْلُ عَلى قِراءَةِ لَأُقْسِمُ فِيما قَبْلُ أنَّ المُرادَ هُنا النَّفْيُ عَلى مَعْنى «إنِّي لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ» لِشَرَفِهِ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ لِخِسَّتِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ما يَقْتَضِيهِ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ الحَسَنِ وقالَ قَتادَةُ في هَذِهِ النَّفْسِ هي الفاجِرَةُ الجَشِعَةُ اللَّوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُّنْيا وأغْراضِها وجاءَ نَحْوَهُ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَقُّ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لا يُناسِبُ هَذا المَقامَ ولِذَلِكَ قِيلَ هي النَّفْسُ المُتَّقِيَةُ الَّتِي تَلُومُ النُّفُوسَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى تَقْصِيرِهِنَّ في التَّقْوى والمُبالَغَةِ بِكَثْرَةِ المَفْعُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي الَّتِي تَلُومُ نَفْسَها عَلى ما فاتَ وتَنْدَمُ عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ وعَلى الخَيْرِ لِمَ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ فَهي لَمْ تَزَلْ لائِمَةً وإنِ اجْتَهَدَتْ في الطّاعاتِ فالمُبالَغَةُ في الكَيْفِ بِاعْتِبارِ الدَّوامِ وقِيلَ المُرادُ «بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ» جِنْسُ النَّفْسِ الشّامِلَةِ لِلتَّقِيَّةِ والفاجِرَةِ لِما

رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وتَلُومُ نَفْسَها يَوْمَ القِيامَةِ إنْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ كَيْفَ لَمْ أزِدْ مِنهُ، وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ لَيْتَنِي قَصَّرْتُ» .

وضَمَّها إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إقامَتِها مُجازاتُها وبَعْثُها فِيهِ، وضُعِّفَ بِأنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ اللَّوْمِ لا يَكُونُ مَدارًا لِلْإعْظامِ بِالإقْسامِ وإنَّ صَدَرَ عَنِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ المُسِيئَةِ فَكَيْفَ مِنَ الكافِرَةِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الجِنْسِ وأُجِيبُ بِأنَّ القَسَمَ بِها حِينَئِذٍ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الصِّفَةِ والنَّفْسِ مِن حَيْثُ هي شَرِيفَةٌ لِأنَّها الرُّوحُ الَّتِي هي مِن عَظِيمِ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَظْهَرُ لِذِكْرِ الوَصْفِ حِينَئِذٍ فائِدَةٌ والإمامُ أوْقَفَ الخَبَرَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ واعْتَرَضَهُ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وأجابَ عَنْها بِحَمْلِ اللَّوْمِ عَلى تَمَنِّي الزِّيادَةِ وتَمَنِّي إنْ لَمْ يَكُنْ ما وقَعَ مِنَ المَعْصِيَةِ واقِعًا وما ذُكِرَ مِن تَوْجِيهِ الضَّمِّ لا يَخُصُّ هَذا الوَجْهَ كَما لا يَخْفى وقِيلَ المُرادُ بِها نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها لَمْ تَزَلْ تَلُومُ نَفْسَها عَلى فِعْلِها الَّذِي خَرَجَتْ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ وأكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ عَلى أنَّ النَّفْسَ اللَّوّامَةَ فَوْقَ الأمّارَةِ وتَحْتَ المُطْمَئِنَّةِ، وعَرَّفُوا الأمّارَةَ بِأنَّها هي الَّتِي تَمِيلُ إلى الطَّبِيعَةِ البَدَنِيَّةِ وتَأْمُرُ بِاللَّذّاتِ والشَّهَواتِ الحِسِّيَّةِ وتَجْذِبُ القَلْبَ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، وقالُوا هي مَأْوى الشُّرُورِ ومَنبَعُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ.

وعَرَّفُوا

صفحة 137

اللَّوّامَةَ بِأنَّها هي الَّتِي تَنَوَّرَتْ بِنُورِ القَلْبِ قَدْرَ ما تَنَبَّهَتْ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ فَكُلَّما صَدَرَ عَنْها سَيِّئَةٌ بِحُكْمِ جِبِلَّتِها الظَّلَمانِيَّةِ أخَذَتْ تَلُومُ نَفْسَها ونَفَرَتْ عَنْها.

وعَرَّفُوا المُطَمْئِنَةَ بِأنَّها الَّتِي تَمَّ تَنُّورُها بِنُورِ القَلْبِ حَتّى انْخَلَعَتْ عَنْ صِفاتِها الذَّمِيمَةِ وتَخَلَّقَتْ بِالأخْلاقِ الحَمِيدَةِ وسَكَنَتْ عَنْ مُنازَعَةِ الطَّبِيعَةِ ومِنهم مَن قالَ في ﴿اللَّوّامَةِ﴾ هي المُطْمَئِنَّةُ اللّائِمَةُ لِلنَّفْسِ الأمّارَةِ ومِنهم مَن قالَ هي فَوْقَ المُطَمْئِنَةِ وهي الَّتِي تَرَشَّحَتْ لِتَأْدِيبِ غَيْرِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ والمَشْهُورُ عَنْهم تَقْسِيمُ مَراتِبِ النَّفْسِ إلى سَبْعٍ مِنها هَذِهِ الثَّلاثَةُ وفي سَيْرِ السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ كَلامٌ نَفِيسٌ في ذَلِكَ فَلْيُراجِعْهُ مَن شاءَ وجَوابُ القَسَمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ.

75:3Страница 577

أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣

Неужели человек полагает, что Мы не соберем его костей?

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وهو لَيُبْعَثَنَّ وقِيلَ هو ﴿أيَحْسَبُ﴾ إلَخِ وقِيلَ.

75:4Страница 577

بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤

Конечно! Мы способны восстановить даже кончики его пальцев (или сделать всего его пальцы одинаковыми, так что он не сможет пользоваться ими, как прежде).

﴿بَلى قادِرِينَ﴾ وكِلاهُما لَيْسا بِشَيْءٍ أصْلًا كَزَعْمِ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى جَوابٍ لِأنَّ المُرادَ نَفِيُ الإقْسامِ والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ و(إنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ أيَحْسَبُ أنَّ الشَّأْنَ لَنْ نَجْمَعَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ عِظامَهُ، وحاصِلُهُ لِمَ يَكُونُ هَذا الحُسْبانُ الفارِغُ عَنِ الإمارَةِ المُنافِي لِحَقِّ اليَقِينِ وصَرِيحِهِ، والنِّسْبَةُ إلى الجِنْسِ لِأنَّ فِيهِ مَن يَحْسَبُ ذَلِكَ بَلْ لَعَلَّهُ الأكْثَرُونَ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِالإنْسانِ «عَدِيُّ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ وخَتَنُ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ وهُما اللَّذانِ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِيهِما: اللَّهُمَّ اكْفِنِي جارَيِ السُّوءِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ جاءَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ حَدِّثْنِي عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ مَتى يَكُونُ وكَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَوْ عايَنْتُ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ أُصَدِّقْكَ يا مُحَمَّدُ ولَمْ أوَمِن بِهِ أوْ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ العِظامَ فَنَزَلَتْ» .

وقِيلَ أبُو جَهْلٍ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أيَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنْ يَجْمَعَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ العِظامَ بَعْدَ بَلائِها وتَفَرُّقِها فَيُعِيدَها خَلْقًا جَدِيدًا فَنَزَلَتْ ولَيْسَ كَإرادَةِ الجِنْسِ وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَعْنِيهِ وذِكْرُ العِظامِ وأنَّ المَعْنى عَلى إعادَةِ الإنْسانِ وجَمْعِ أجْزائِهِ المُتَفَرِّقَةِ لِما أنَّها قالَبُ الخَلْقِ.

وقَرَأ قَتادَةُ «تُجْمَعُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «عِظامَهُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ ﴿بَلى﴾ أيْ نَجْمَعُها بَعْدَ تَفَرُّقِها ورُجُوعِها رَمِيمًا ورُفاتًا في بُطُونِ البِحارِ وفَسِيحاتِ القِفارِ وحَيْثُما كانَتْ حالُ كَوْنِنا ﴿قادِرِينَ﴾ فَقادِرِينَ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ ﴿بَلى﴾ وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ كانَ أيْ بَلى كُنّا قادِرِينَ في البَدْءِ أفَلا نَقْدِرُ في الإعادَةِ وهو كَما تَرى. وقِيلَ انْتَصَبَ لِأنَّهُ وقَعَ في مَوْضِعِ نَقْدِرُ إذِ التَّقْدِيرُ بَلى نَقْدِرُ فَلَمّا وُضِعَ مَوْضِعَ الفِعْلِ نُصِبَ حَكاهُ مَكِّيٌّ وقالَ إنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الصَّوابِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ نَصْبُ قائِمٍ في قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ يَقُومُ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ السُّمَيْفِعِ «قادِرُونَ» أيْ نَحْنُ قادِرُونَ ﴿عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ هي اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ بَنانَةٌ وفَسَّرَها الرّاغِبُ بِالأصابِعِ ثُمَّ قالَ قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ بِها صَلاحَ الأحْوالِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يُبَيِّنَ بِها ما يُرِيدُ أيْ يُقِيمُ غَيْرَهُ بِما صَغُرَ مِن عِظامِ الأطْرافِ كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ وفي القامُوسِ البَنانُ الأصابِعُ أوْ أطْرافُها فالمَعْنى نَجْمَعُ العِظامَ قادِرِينَ عَلى تَأْلِيفِ جَمْعِها وإعادَتِها إلى التَّرْكِيبِ الأوَّلِ وإلى أنْ نُسَوِّيَ أصابِعَهُ الَّتِي هي أطْرافُهُ وآخِرُ ما يَتِمُّ بِهِ خَلْقُهُ، أوْ عَلى أنْ نُسَوِّيَ ونَضُمَّ سُلامِيّاتِهِ عَلى صِغَرِها ولَطافَتِها بَعْضَها إلى بَعْضٍ كَما كانَتْ أوَّلًا مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا تَفاوُتٍ فَكَيْفَ بِكِبارِ العِظامِ وما لَيْسَ في الأطْرافِ مِنها؟ وفي الحالِ المَذْكُورَةِ أعْنِي ﴿قادِرِينَ عَلى﴾ إلَخِ بَعْدَ الدَّلالَةِ عَلى التَّقْيِيدِ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الفِعْلِ لِأنَّ الجَمْعَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا بُدَّ فِيهِ مِنَ القُدْرَةِ فَإذا قَيَّدَ بِالقُدْرَةِ البالِغَةِ فَقَدْ أكَّدَ والوَجْهُ الأوَّلُ مِنَ المَعْنى يَدُلُّ عَلى تَصْوِيرِ الجَمْعِ وأنَّهُ لا تَفاوُتَ بَيْنَ الإعادَةِ والبَدْءِ في الِاشْتِمالِ عَلى جَمِيعِ الأجْزاءِ الَّتِي كانَ بِها قِوامُ البَدَنِ أوْ كَمالُهُ، والثّانِي يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ الجَمْعِ التّامِّ فَإنَّهُ إذا قَدَرَ عَلى جَمْعِ الألْطَفِ الأبْعَدِ عادَةً عَنِ الإعادَةِ فَعَلى جَمْعِ

صفحة 138

غَيْرِهِ أقْدَرُ ولَعَلَّهُ الأوْفَقُ بِالمَقامِ.

ويُعْلَمُ مِنهُما نُكْتَةُ تَخْصِيصِ البَنانِ بِالذِّكْرِ وقِيلَ المَعْنى بَلى نَجْمَعُها ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى أنَّ نُسَوِّيَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورِجِلَيْهِ أنْ نَجْعَلَها مُسْتَوِيَةً شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ وحافِرِ الحِمارِ ولا نُفَرِّقُ بَيْنَها فَلا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْمَلَ بِها شَيْئًا مِمّا يَعْمَلُ بِأصابِعِهِ المُفَرَّقَةِ ذاتِ المَفاصِلِ والأنامِلِ مِن فُنُونِ الأعْمالِ والبَسْطِ والقَبْضِ والتَّأتِّي لِما يُرِيدُ مِنَ الحَوائِجِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ ولَعَلَّ المُرادَ نَجْمَعُها ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى التَّسْوِيَةِ وقْتَ الجَمْعِ فالكَلامُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ السّابِقَةَ لَكِنْ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا قَدَرَ عَلى إعادَتِهِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَبْدِيلَ بَعْضِ الأجْزاءِ فَعَلى الِاحْتِذاءِ بِالمِثالِ الأوَّلِ في جَمِيعِهِ أقْدَرُ وأبُو حَيّانٍ حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الجُمْهُورِ لَكِنَّ قَيَّدَ التَّسْوِيَةَ فِيهِ بِكَوْنِها في الدُّنْيا وقالَ: إنَّ في الكَلامِ عَلَيْهِ تَوَعُّدًا ثُمَّ تَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ المَقْصُودِ مِن سَوْقِ الكَلامِ والأمْرُ كَما قالَ لَوْ كانَ كَما فَعَلَ فَلا تَغْفُلْ.

ولا يَخْفى أنَّ في الإتْيانِ بِلا أوَّلًا وحَذْفِ جَوابِ القَسَمِ والإتْيانِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أيَحْسَبُ﴾ ورِعايَةِ أُسْلُوبِ: وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضٌ في القَسَمِ بِيَوْمِ البَعْثِ والمَبْعُوثِ فِيهِ ثُمَّ إيثارُ لَفْظِ الحُسْبانِ والإتْيانِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ مُسْنَدًا إلى الجِنْسِ وبِحَرْفِ الإيجابِ والحالُ بَعْدَها مِنَ المُبالَغاتِ في تَحْقِيقِ المَطْلُوبِ وتَفْخِيمِهِ وتَهْجِينِ المُعْرِضِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لَهُ ما تُبْهِرُ عَجائِبُهُ ثُمَّ الحُسْنُ كُلُّ الحُسْنِ في ضِمْنِ حَرْفِ الإضْرابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ.

75:5Страница 577

بَلۡ يُرِيدُ ٱلۡإِنسَٰنُ لِيَفۡجُرَ أَمَامَهُۥ ٥

Но человек желает и впредь совершать грехи.

﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾ جِيءَ لِلْإضْرابِ عَنْ إنْكارِ الحُسْبانِ إلى الإخْبارِ عَنْ حالِ الإنْسانِ الحاسِبِ بِما هو أدْخَلُ في اللَّوْمِ والتَّوْبِيخِ مِنَ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ تَعْنِيفَهُ فَإنَّهُ أشَطُّ مِن ذَلِكَ وأنّى يَرْتَدِعُ وهو يُرِيدُ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الأوْقاتِ وفِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ لا يَنْزِعُ عَنْهُ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى ﴿يَحْسَبُ﴾ مُنْسَجِمًا عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ أوْ عَلى ﴿أيَحْسَبُ﴾ مُقَدَّرًا فِيهِ ذَلِكَ أيْ بَلْ أُرِيدُ جِيءَ بِهِ زِيادَةَ إنْكارٍ في إرادَتِهِ هَذِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّها أفْظَعُ مِنَ الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُسْبانَ بِمُجَرَّدِهِ إرادَةُ الفُجُورِ كَما نَقُولُ في تَهْدِيدِ جَمْعٍ عاثُوا في البَلَدِ أيَحْسَبُونَ أنْ لا يَدْخُلُ الأمِيرُ بَلْ يُرِيدُونَ أنْ يَتَمَلَّكُوا فِيهِ لَمْ تَقُلْ هَذِهِ إلّا وأنْتَ مُتَرَقٍّ في الإنْكارِ مُنَزِّلَ عَبَثِهِمْ مَنزِلَةَ إرادَةِ التَّمَلُّكِ وعَدَمِ العِبْءِ بِمَكانِ الأمِيرِ، وإلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أشارَ جارُ اللَّهِ عَلى ما قَرَّرَ في الكَشْفِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّ هَذا عَلى التَّرَقِّي والأوَّلُ إضْرابٌ عَنِ الإنْكارِ وإيهامٌ أنَّ الأمْرَ أطَمُّ مِن ذَلِكَ وأطَمُّ، وفِيهِما إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ عالِمٌ بِوُقُوعِ الحَشْرِ ولَكِنَّهُ مُتَغابٍ واعْتَبَرَ الدَّوامَ في ﴿لِيَفْجُرَ﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حالِ الفاجِرِ بِأنَّهُ يُرِيدُ لِيَفْجُرَ في المُسْتَقْبَلِ عَلى أنَّ حُسْبانَهُ وإرادَتَهُ هُما عَيْنُ الفُجُورِ، وقِيلَ لِأنَّ ﴿أمامَهُ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ فَيُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ وفي إعادَةِ المَظْهَرِ ثانِيًا ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْدِيدِ والنَّعْيِ عَلى قَبِيحِ ما ارْتَكَبَهُ وأنَّ الإنْسانِيَّةَ تَأْبى هَذا الحُسْبانَ والإرادَةَ وعَوْدُ ضَمِيرِ ﴿أمامَهُ﴾ عَلى هَذا المَظْهَرِ هو الأظْهَرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي عَوْدَهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في عُمُومِ الفُجُورِ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ في الآيَةِ إنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيَهُ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ ومُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا لِتَوْبَتِهِ وهو حَسَنٌ لا يَأْبى ذَلِكَ الإضْرابَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَفْعُولَ ﴿يُرِيدُ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿لِيَفْجُرَ﴾ وقالَ بَعْضُهم وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّامِ ومَصْدَرُهُ مُقَدَّرٌ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ أيْ يُوقِعُ جَمِيعَ إرادَتِهِ ﴿لِيَفْجُرَ﴾ وعَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ ومَن تَبِعَهُما في مِثْلِهِ أنَّ الفِعْلَ مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ ولِيَفْعَلَ خَبَرٌ فالتَّقْدِيرُ هُنا بَلْ إرادَةُ الإنْسانِ كائِنَةٌ لِيُفْجُرَ.

75:6Страница 577

يَسۡـَٔلُ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلۡقِيَٰمَةِ ٦

Он спрашивает, когда же наступит День воскресения?

﴿يَسْألُ﴾ سُؤالَ اسْتِهْزاءٍ ﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ مَتى يَكُونُ، والجُمْلَةُ قِيلَ حالٌ وقِيلَ تَفْسِيرٌ ﴿لِيَفْجُرَ﴾ وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ.

واخْتارَ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جِيءَ بِهِ تَعْلِيلًا لِإرادَةِ الدَّوامِ عَلى الفُجُورِ إذْ هو في مَعْنى لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ، وفِيهِ أنَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ لا مَحالَةَ يَرْتَكِبُ أشَدَّ

صفحة 139

الفُجُورِ وطَرَفٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المُؤْمِنُونَ: 36] .

75:7–9Страница 577

فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ ٧

Когда взор будет ошеломлен,

وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ ٨

луна затмится,

وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ ٩

а солнце и луна сойдутся.

﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ تَحَيَّرَ فَزِعا وأصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيُّ سافِرًا كادَ يَبْرُقُ

ونَظِيرُهُ قَمَرَ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى القَمَرِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ وبَقَرَ لِلدَّهِشِ مِنَ النَّظَرِ إلى الذَّهَبِ والبَقْرِ فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِهِ أوْ في المُطْلَقِ. وقَرَأ نافِعٌ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ وهارُونَ ومَحْبُوبٍ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو وخَلْقٌ آخَرُونَ «بَرَقَ» بِفَتْحِ الرّاءِ فَقِيلَ هي لُغَةٌ في «بَرِقَ» بِالكَسْرِ وقِيلَ هو مِنَ البَرِيقِ بِمَعْنى لَمَعَ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ.

وقَرَأ أبُو السَّمالِ «بَلَقَ» بِاللّامِ عِوَضَ الرّاءِ أيِ انْفَتَحَ وانْفَرَجَ يُقالُ بَلَقَ البابُ أبْلَقْتُهُ وبَلَقْتُهُ فَتَحْتُهُ هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ إلّا الفَرّاءَ فَإنَّهُ يَقُولُ بَلَقَهُ وأبْلَقَهُ إذا أغْلَقَهُ وخَطَّأهُ ثَعْلَبٌ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِنَ الأضْدادِ والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ فِيهِ أصْلِيَّةٌ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الرّاءِ فَهُما يَتَعاقَبانِ في بَعْضِ الكَلِمِ نَحْوَ نَتَرَ ونَتَلَ ووَجَرَ ووَجَلَ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ ذَهَبَ ضَوْءُهُ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ويَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ «خَسَفَ القَمَرُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ حَيْثُ يُطْلِعُهُما اللَّهُ تَعالى مِنَ المَغْرِبِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولا يُنافِيهِ الخُسُوفُ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ مُصْطَلَحَ أهْلِ الهَيْئَةِ وهو ذَهابُ نُورِ القَمَرِ لِتَقابُلِ النَّيِّرَيْنِ وحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُما بَلْ ذَهابُ نُورِهِ لِتَجَلٍّ خاصٍّ في ذَلِكَ اليَوْمِ أوْ لِاجْتِماعِهِ مَعَ الشَّمْسِ وهو المِحاقُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الخُسُوفُ بِالمَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ ويُعْتَبَرُ في وسَطِ الشَّهْرِ مَثَلًا ويُعْتَبَرُ الجَمْعُ في آخِرِهِ إذْ لا دَلالَةَ عَلى اتِّحادِ وقْتَيْهِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا خُسُوفٌ يُزْرِي بِحالِ أهْلِ الهَيْئَةِ ولا يَكادُ يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ كالجَمْعِ المَذْكُورِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ فَيَكُونُ نارَ اللَّهِ الكُبْرى وتَوْسِعَةُ البَحْرِ أوْ تَصْغِيرُهُما مِمّا لا يُعْجِزُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وأحْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى خِلافِ النَّمَطِ الطَّبِيعِيِّ وحَوادِثُهُ أُمُورٌ وراءَ الطَّبِيعَةِ فَلا يُقالُ أيْنَ البَحْرُ مِن جِرْمِ القَمَرِ فَضْلًا عَنْ جِرْمِ الشَّمْسِ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالبَعُوضَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِيلِ ولا كَيْفَ يُجْمَعانِ ويُقْذَفانِ، وقِيلَ: يُجْمَعانِ أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأنَّهُما ثَوْرانِ عَقِيرانِ في النّارِ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ يُجْمَعانِ ويُجْعَلانِ في نُورِ الحُجُبِ وقِيلَ يُجْمَعانِ ويُقَرَّبانِ مِنَ النّاسِ فَيَلْحَقُهُمُ العَرَقُ لِشِدَّةِ الحَرِّ وقِيلَ جَمْعًا في ذَهابِ الضَّوْءِ.

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ فالجَمْعُ مَجازٌ عَنِ التَّساوِي صِفَةً وفِيهِ بُعْدٌ إذْ كانَ الظّاهِرُ عِنْدَ إرادَةِ ذَلِكَ أنْ يُقالَ مِن أوَّلِ الأمْرِ وخَسَفَ الشَّمْسُ والقَمَرُ ولا غُبارَ في نِسْبَةِ الخُسُوفِ إلَيْهِما لُغَةً وكَذا الكُسُوفُ ولَمْ يَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِتَقَدُّمِهِ وكَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثًا مَجازِيًّا وفي مِثْلِهِ يَجُوزُ الأمْرانِ وكانَ اخْتِيارُ تَرْكِ الإلْحاقِ لِرِعايَةِ حالِ القَمَرِ المَعْطُوفِ. وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّ التَّذْكِيرَ حُمِلَ عَلى المَعْنى والتَّقْدِيرُ جُمِعُ النُّورانِ أوِ الضِّياءانِ ولَيْسَ بِذاكَ.

75:10Страница 577

يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠

В тот день человек скажет: «Куда бежать?».

﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ تَقَعُ هَذِهِ الأُمُورُ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ أيِ الفَرّارُ يَأْسًا مِنهُ وجُوِّزَ إبْقاؤُهُ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ لِدَهْشَتِهِ وتَحَيُّرِهِ وقَرَأ الحَسَنُ رَيْحانَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ ﴿المَفَرُّ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ اسْمُ مَكانٍ قِياسِيٌّ مِن يَفِرُّ بِالكَسْرِ أيْ أيْنَ مَوْضِعُ الفَرّارِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيْضًا كالمَرْجِعِ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزُّهْرِيِّ أيِ الجَيِّدُ الفَرّارِ وأكْثَرُ ما يَسْتَعْمِلُ هَذا الوَزْنَ في الآلاتِ وفي صِفاتِ الخَيْلِ ومِنهُ قَوْلُهُ:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِن عَلِ

واخْتُلِفَ في هَذا اليَوْمِ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ وهو المَنصُورُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: فَإذا بَرِقَ البَصَرُ عِنْدَ المَوْتِ والِاحْتِضارِ وخَسَفَ القَمَرُ وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ أيْ كُوِّرَ يَوْمُ القِيامَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأخِيرانِ

صفحة 140

عِنْدَ المَوْتِ أيْضًا ويُفَسَّرُ الخُسُوفُ بِذَهابِ ضَوْءِ البَصَرِ مِنهُ وجَمْعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِاسْتِتْباعِ الرُّوحِ حاسَّةَ البَصَرِ في الذَّهابِ والتَّعْبِيرِ بِالشَّمْسِ عَنِ الرُّوحِ وبِالقَمَرِ عَنْ حاسَّةِ البَصَرِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ فَإنَّ نُورَ البَصَرِ بِسَبَبِ الرُّوحِ كَما أنَّ نُورَ القَمَرِ بِسَبَبِ الشَّمْسِ أوْ يُفَسَّرُ الخُسُوفُ بِما سَمِعْتَ، وجَمْعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِوُصُولِ الرُّوحِ الإنْسانِيَّةِ إلى مَن كانَتْ تَقْتَبِسُ مِنهُ نُورَ العَقْلِ وهُمُ الأرْواحُ القُدْسِيَّةُ المُنَزَّهَةُ عَنِ النَّقائِصِ فالقَمَرُ مُسْتَعارٌ لِلرُّوحِ والشَّمْسُ لِسُكّانِ حَظِيرَةِ القُدْسِ والمَلَأِ الأعْلى لِأنَّ الرُّوحَ تَقْتَبِسُ مِنهُمُ الأنْوارَ اقْتِباسَ القَمَرِ مِنَ الشَّمْسِ.

ووَجْهُ الِاتِّصالِ بِما قَبْلُ عَلى جَعْلِ الكُلِّ عِنْدَ المَوْتِ أنَّهُ إذْ ذاكَ يَنْكَشِفُ الأمْرُ لِلْإنْسانِ فَيَعْلَمُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَقِيقَةَ ما أخْبَرَ بِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى عِلّاتِهِ أقْرَبُ إلى بابِ الإشارَةِ عَلى مَنزَعِ الصُّوفِيَّةِ وإذا فُتِحَ هَذا البابُ فَلا حَصْرَ فِيما ذَكَرَ مِنَ الِاحْتِمالِ عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ.

75:11–12Страница 577

كـَلَّا لَا وَزَرَ ١١

О нет! Не будет убежища!

إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢

В тот день возвращение будет к твоему Господу.

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ وتَمَنِّيهِ ﴿لا وزَرَ﴾ لا مَلْجَأ وأصْلُهُ الجَبَلُ المَنِيعُ وقَدْ كانَ مَفَرًّا في الغالِبِ لِفِرارِ العَرَبِ واشْتِقاقِهِ مِنَ الوِزْرِ وهو الثِّقْلُ ثُمَّ شاعَ وصارَ حَقِيقَةً لِكُلِّ مَلْجَأٍ مِن جَبَلٍ أوْ حِصْنٍ أوْ سِلاحٍ أوْ رَجُلٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُهُ:

لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتى مِن وِزْرِ مِنَ المَوْتِ يُدْرِكُهُ والكِبْرِ

﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾

أيْ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ اسْتِقْرارُ العِبادِ أيْ لا مَلْجَأ ولا مَنجى لَهم غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ إلى حُكْمِهِ تَعالى اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ لا يَحْكُمُ فِيهِ غَيْرُ سُبْحانِهِ أوْ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى مَوْضِعُ قَرارِهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ فَمَن شاءَ سُبْحانَهُ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النّارَ.

فَتَقْدِيمُ الخَيْرِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ وإنِ اخْتَلَفَ وجْهُهُ حَسَبَ اخْتِلافِ المُرادِ بِمُسْتَقَرٍّ وكَلّا لا وزَرَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ تَعالى يُقالُ لِلْقائِلِ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ يَوْمَ يَقُولُهُ أوْ هو مَقُولَ اليَوْمِ عَلى مَعْنى لِيَرْتَدِعِ عَنْ طَلَبِ الفَرّارِ وتَمَنِّيهِ ذَلِكَ اليَوْمَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ كَأنَّهُ بَعْدَ أنْ يَقُولَ ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ يَعُودُ عَلى نَفْسِهِ فَيَسْتَدْرِكُ ويَقُولُ ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ .

اسْتِئْنافٌ كالتَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ أوْ تَحْقِيقٌ وكَشْفٌ لِحَقِيقَةِ الحالِ والخِطابُ فِيهِ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ ما يُخاطَبُ بِهِ القائِلُ ذَلِكَ اليَوْمَ، ولا مِمّا يَقُولُهُ لِنَفْسِهِ فِيهِ لِمَكانِ يَوْمَئِذٍ.

وفِي البَحْرِ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الإنْسانِ وقِيلَ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا حِكايَةً عَنِ الإنْسانِ انْتَهى وفِيهِ بَحْثٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ﴿كَلا﴾ بِمَعْنى ألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ أوْ بِمَعْنى حَقًّا فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English