Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
الانسان
Аль-Инсан
Человек · Мединская · 31 аят
76:1Страница 578
هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١
Неужели не прошло то время, когда человек был безвестен?
سُورَةُ الإنْسانِ
وتُسَمّى سُورَةَ الدَّهْرِ والأبْرارِ والأمْشاجِ وهَلْ أتى وهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى ما في البَحْرِ وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةً واحِدَةً فَمَكِّيَّةٌ وهي ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنْسانِ: 24] إلى آخِرِها فَإنَّهُ مَكِّيٌّ وعَنِ ابْنِ عادِلٍ حِكايَةُ مَدَنِيَّتِها عَلى الإطْلاقِ عَنِ الجُمْهُورِ وعَلَيْهِ الشِّيعَةُ وآيُها إحْدى وثَلاثُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها في غايَةِ الوُضُوحِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ أصْلُهُ عَلى ما قِيلَ أهِلْ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ أيِ الجُمَلُ عَلى الإقْرارِ بِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ والمُقَرَّرُ بِهِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ وقَدْ عَلِمَ أنَّهم يَقُولُونَ نَعَمْ قَدْ مَضى عَلى الإنْسانِ حِينٌ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيُقالُ فالَّذِي أوْجَدَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إحْياؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وهَلْ بِمَعْنى قَدْ وهي لِلتَّقْرِيبِ أيْ تَقْرِيبِ الماضِي مِنَ الحالِ فَلَمّا سَدَّتْ هَلْ مَسَدَّ الهَمْزَةِ دَلَّتْ عَلى مَعْناها ومَعْنى الهَمْزَةِ مَعًا ثُمَّ صارَتْ حَقِيقَةً في ذَلِكَ فَهي لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيبِ واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ الأصْلِ بِقَوْلٍ زَيْدِ الخَيْلِ:
سائِلْ فَوارِسَ يَرْبُوعَ بِشِدَّتِنا أهَلْ رَأوْنا بِسَفْحِ القاعِ ذِي الأكَمِ
وقِيلَ هي لِلِاسْتِفْهامِ ولا تَقْرِيبَ وجَمْعُها مَعَ الهَمْزَةِ في البَيْتِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ:
ولا لِلْمُلْبِهِمِّ أبَدًا دَواءُ
بَلِ التَّأْكِيدُ هُنا أقْرَبُ لِعَدَمِ الِاتِّحادِ لَفْظًا عَلى أنَّ السِّيرافِيَّ قالَ: الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ أمْ هَلْ رَأوْنا عَلى أنَّ أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ وقالَ السُّيُوطِيُّ في شَرْحِ شَواهِدِ المُغْنِي الَّذِي رَأيْتُهُ في نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مِن دِيوانِ زَيْدٍ فَهَلْ رَأوْنا بِالفاءِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ هي هُنا بِمَعْنى قَدْ وفَسَّرَها بِها جَماعَةٌ مِنَ
صفحة 151
النُّحاةِ كالكِسائِيِّ وسِيبَوَيْهِ والمُبَرِّدِ والفَرّاءِ وحُمِلَتْ عَلى مَعْنى التَّقْرِيبِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَها عَلى مَعْنى التَّحْقِيقِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها قَدْ أتى عَلى الإنْسانِ ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ وكَأنَّهُ أرادَ لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ حَقِيقَةً وإنَّما هي لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ ويَرْجِعُ بِالآخِرَةِ إلى قَدْ أتى ولَعَلَّ مُرادَ مَن فَسَّرَها بِذَلِكَ كابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ ما ذَكَرَ لا أنَّها بِمَعْنى قَدْ حَقِيقَةً وفي المُغْنِي ما تُفِيدُكَ مُراجَعَتُهُ بَصِيرَةً فَراجِعْهُ والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحِينُ طائِفَةٌ مَحْدُودَةٌ مِنَ الزَّمانِ شامِلَةٌ لِلْكَثِيرِ والقَلِيلِ والدَّهْرِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ الغَيْرِ المَحْدُودِ ويَقَعُ عَلى مُدَّةِ العالَمِ جَمِيعِها وعَلى كُلِّ زَمانٍ طَوِيلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ والزَّمانُ عامٌّ لِلْكُلِّ والدَّهْرُ وِعاءُ الزَّمانِ كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ وتَوَقَّفَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ في مَعْنى الدَّهْرِ مُنْكَرٌ أيْ في المُرادِ بِهِ عُرْفًا في الإيمانِ حَتّى يُقالَ بِماذا يَحْنَثُ إذا قالَ: واللَّهِ لا أُكَلِّمُهُ دَهْرًا والمُعَرَّفُ عِنْدَهُ مُدَّةَ حَياةِ الحالِفِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ وكَذا عِنْدَ صاحِبَيْهِ والمُنْكَرُ عِنْدَهُما كالحِينِ وهو مُعَرَّفًا ومُنْكَرًا كالزَّمانِ سِتَّةُ أشْهُرٍ إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ أيْضًا وبِها ما نُوِيَ عَلى الصَّحِيحِ وما اشْتُهِرَ مِن حِكايَةِ اخْتِلافِ فَتاوى الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ في ذَلِكَ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَدِلًّا كُلٌّ بِدَلِيلٍ.
وقَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَيْهِ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» .
إلّا أنَّهُ اخْتارَ فَتْوى الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِأنَّ الحِينَ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ لِما فِيهِ مِنَ التَّيْسِيرِ لا يَصِحُّ كَما لا يَخْفى عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ ولَوْ صَحَّ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ فَتْوى الأمِيرِ مَعْدِنِ البَسالَةِ والفُتُوَّةِ بَعْدَ أنِ اخْتارَها مَدِينَةَ العِلْمِ ومَفْخَرَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والمَعْنى هُنا قَدْ أتى أوْ ﴿هَلْ أتى عَلى﴾ جِنْسِ ﴿الإنْسانِ﴾ قَبْلَ زَمانٍ قَرِيبٍ طائِفَةٌ مَحْدُودَةٌ مَقَدَّرَةٌ كائِنَةٌ مِنَ الزَّمانِ المُمْتَدِّ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ بَلى كانَ شَيْئًا غَيْرَ مَذْكُورٍ بِالإنْسانِيَّةِ أصْلًا أيْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِها عَلى أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُرادُ أنَّهُ مَعْدُومٌ لَمْ يُوجَدْ بِنَفْسِهِ بَلْ كانَ المَوْجُودُ أصْلُهُ مِمّا لا يُسَمّى إنْسانًا ولا يُعَرَّفُ بِعُنْوانِ الإنْسانِيَّةِ وهو مادَّتُهُ البَعِيدَةُ أعْنِي العَناصِرَ أوِ المُتَوَسِّطَةُ وهي الأغْذِيَةُ أوِ القَرِيبَةُ وهي النُّطْفَةُ المُتَوَلِّدَةُ مِنَ الأغْذِيَةِ المَخْلُوقَةِ مِنَ العَناصِرِ وجُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ إلَخِ حالٌ مِنَ الإنْسانِ أيْ غَيْرَ مَذْكُورٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِحِينٍ بِحَذْفِ العائِدِ عَلَيْهِ أيْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ: 123] وإطْلاقُ ( الإنْسانِ ) عَلى مادَّتِهِ مَجازٌ بِجَعْلِ ما هو بِالقُوَّةِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ ما هو بِالفِعْلِ أوْ هو مِن مَجازِ الأوَّلِ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأيَّدَ الأوَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى.
76:2Страница 578
إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢
Мы создали человека из смешанной капли, подвергая его испытанию, и сделали его слышащим и зрячим.
﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ فَإنَّ الإنْسانَ فِيهِ مَعْرِفَةُ مَعادِهِ فَلا يَفْتَرِقانِ كَيْفَ وفي إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فَضْلُ التَّقْرِيرِ والتَّمْكِينِ في النَّفْسِ فَإذا اخْتَلَفا عُمُومًا وخُصُوصًا فاتَتِ المُلايَمَةُ ولا شَكَّ أنَّ الحَمْلَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا ولا وجْهَ لَهُ ولا نَقْضَ بِهِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا عُمُومَ فِيهِ ولا خُصُوصَ.
نَعَمْ دَلَّ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ غَيْرُهُ أوْ هو تَغْلِيبٌ وقِيلَ يَجْعَلُ ما لِلْأكْثَرِ لِلْكُلِّ مَجازًا في الإسْنادِ أوِ الطَّرْفِ ورُوِيَتْ إرادَتُهُ عَنْ قَتادَةَ والثَّوْرِيِّ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقالَ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ مَرَّتْ بِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ وهو مُلْقًى بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ.
وفِي رِوايَةِ الضَّحاكِ عَنْهُ أنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن صَلْصالٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْهُ أنَّ الحِينَ المَذْكُورَ هاهُنا هو الزَّمَنُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ الَّذِي لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ إنَّ مِنَ الحِينِ حِينًا لا يُدْرَكُ وتَلا الآيَةَ فَقالَ: واللَّهِ ما يَدْرِي كَمْ أتى عَلَيْهِ حَتّى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى. ورَأيْتُ لِبَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أنَّ هَلْ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ فَهو في مَعْنى النَّفْيِ أيْ ما أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا وظاهِرُهُ القَوْلُ بِقَدَمِ الإنْسانِ في الزَّمانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَمانٌ إلّا وفِيهِ إنْسانٌ وهو القِدَمُ النَّوْعِيُّ كَما قالَ بِهِ مَن قالَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وهو كُفْرٌ بِالإجْماعِ ووُجِّهَ
صفحة 152
بِأنَّهم عَنَوْا شَيْئِيَّةَ الثُّبُوتِ لِقِدَمِ الإنْسانِ عِنْدَهم بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ دُونَ شَيْئِيَّةِ الوُجُودِ ضَرُورَةَ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها حادِثٌ زَمانًا ويُرْشِدُ إلى هَذا قَوْلُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ في البابِ 358 مِنَ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في العالَمِ مَن هو عَلى صُورَةِ الحَقِّ ما حَصَلَ المَقْصُودُ مِنَ العِلْمِ بِالحَقِّ أعْنِي العِلْمَ الحادِثَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
«كُنْتُ كَنْزًا لَمْ أُعْرَفْ فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ وتَعَرَّفَتْ إلَيْهِمْ فَعَرَفُونِي» .
فَجَعَلَ نَفْسَهُ كَنْزًا والكَنْزُ لا يَكُونُ إلّا مُكْتَنَزًا في شَيْءٍ فَلَمْ يَكُنْ كَنْزُ الحَقِّ نَفْسِهِ إلّا في صُورَةِ الإنْسانِ الكامِلِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ هُناكَ كانَ الحَقُّ مَكْنُوزًا فَلَمّا ألْبَسَ الحَقُّ الإنْسانَ شَيْئِيَّةَ الوُجُودِ ظَهَرَ الكَنْزُ بِظُهُورِهِ فَعَرَفَهُ الإنْسانُ الكامِلُ بِوُجُودِهِ وعَلِمَ أنَّهُ كانَ مَكْنُوزًا فِيهِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ وهو لا يَشْعُرُ بِهِ انْتَهى ولا يَخْفى أنَّ الأشْياءَ كُلَّها في شَيْئِيَّةِ الثُّبُوتِ قَدِيمَةٌ لا الإنْسانُ وحْدَهُ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ الإنْسانُ هو كُلُّ شَيْءٍ لِأنَّهُ الإمامُ المُبِينُ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] والكَلامُ في هَذا المَقامِ طَوِيلٌ ولا يَسَعُنا أنْ نُطِيلَ بَيْدَ أنّا نَقُولُ كَوْنُ ﴿هَلْ﴾ هُنا لِلْإنْكارِ مُنْكَرٌ وأنَّ دَعْوى صِحَّةِ ذَلِكَ لَإحْدى الكِبَرِ والَّذِي فَهِمَهُ أجِلَّةٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ الآيَةِ الإخْبارُ الإيجابِيُّ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ شَيْءٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا فَقالَ لَيْتَها تَمَّتْ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَتْلُو ذَلِكَ فَقالَ يا لَيْتَها تَمَّتْ فَعُوقِبَ في قَوْلِهِ هَذا فَأخَذَ عَمُودًا مِنَ الأرْضِ فَقالَ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مِثْلَ هَذا ﴿أمْشاجٍ﴾ جَمْعُ مَشَجٍ بِفُتْحَتَيْنِ كَسَبَبٍ وأسْبابٍ، أوْ مَشِجٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ كَكَتِفٍ وأكْتافٍ، أوْ مَشِيجٍ كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ ونَصِيرٍ وأنْصارٍ أيْ أخْلاطٍ جَمْعُ خَلْطٍ بِمَعْنى مُخْتَلِطٍ مُمْتَزِجٍ، يُقالُ: مَشَجْتَ الشَّيْءَ إذا خَلَطْتَهُ ومَزَجْتَهُ فَهو مَشِيجٌ ومَمْشُوجٌ، وهو صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ ووُصِفَ بِالجَمْعِ وهي مُفْرِدَةٌ لِأنَّ المُرادَ بِها مَجْمُوعُ ماءِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ والجَمْعُ قَدْ يُقالُ عَلى ما فَوْقَ الواحِدِ أوْ بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ المُخْتَلِفَةِ فِيهِما رِقَّةً وغِلَظًا وصُفْرَةً وبَياضًا وطَبِيعَةً وقُوَّةً وضَعْفًا حَتّى اخْتَصَّ بَعْضُها بِبَعْضِ الأعْضاءِ عَلى ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِحِكْمَتِهِ فَخَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ ما كانَ مِن عَصَبٍ وعَظْمٍ وقُوَّةٍ فَمِن ماءِ الرَّجُلِ، وما كانَ مِن لَحْمٍ ودَمٍ فَمِن ماءِ المَرْأةِ»، والحاصِلُ أنَّهُ نَزَلَ المَوْصُوفُ مَنزِلَةَ الجَمْعِ ووُصِفَ بِصِفَةِ أجْزائِهِ وقِيلَ هو مُفْرَدٌ جاءَ عَلى أفْعالٍ كَأعْشارٍ وأكْياشٍ في قَوْلِهِمْ بُرْمَةُ أعْشارٍ أيْ مُتَكَسِّرَةٌ وبُرْدٌ أكْيَشُ أيْ مَغْزُولٌ غَزَلَهُ مَرَّتَيْنِ.
واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والمَشْهُورُ عَنْ نَصِّ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ النُّحاةِ أنَّ أفْعالًا لا يَكُونُ جَمْعًا وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ في العامِ ومَعْنى نُطْفَةٍ مُخْتَلِطَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ نُطْفَةٌ اخْتَلَطَ وامْتَزَجَ فِيها الماءانِ، وقِيلَ: اخْتَلَطَ فِيها الدَّمُ والبَلْغَمُ والصَّفْراءُ والسَّوْداءُ وقِيلَ الأمْشاجُ نَفْسُ الأخْلاطِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ مِن نُطْفَةٍ هي عِبارَةٌ عَنْ أخْلاطٍ أرْبَعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أمْشاجٌ أيْ ألْوانٌ أيْ ذاتُ ألْوانٍ فَإنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ وماءَ المَرْأةِ أصْفَرُ فَإذا اخْتَلَطا ومَكَثا في قَعْرِ الرَّحِمِ اخْضَرّا كَما يَخْضَرُّ الماءُ بِالمُكْثِ، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ وأُخْرِجَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: الأمْشاجُ العُرُوقُ الَّتِي في النُّطْفَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْ ذاتِ عُرُوقٍ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وكَذا ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ «أمْشاجٍ» أطْوارٍ أيْ ذاتِ أطْوارٍ فَإنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً وهَكَذا إلى تَمامِ الخِلْقَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ خَلَقْنا والمُرادُ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ واخْتِبارَهُ بِالتَّكْلِيفِ فِيما بَعْدُ عَلى أنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ أوْ ناقِلِينَ لَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ومَن طَوْرَ إلى طَوْرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ المَنقُولَ يَظْهَرُ في كُلِّ ظُهُورٍ ظُهُورًا آخَرَ كَظُهُورِ نَتِيجَةِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ بَعْدَهُ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَنْحَلُّ ما قِيلَ إنَّ الِابْتِلاءَ بِالتَّكْلِيفِ وهو يَكُونُ بَعْدَ جَعْلِهِ ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ لا قَبْلُ فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وقِيلَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ أيْ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
صفحة 153
لِنَبْتَلِيَهُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ وعَسُفَ لِأنَّ التَّقْدِيمَ لا يَقَعُ في حالِ مَوْقِعِهِ لا لَفْظًا لِأجْلِ الفاءِ ولا مَعْنًى لِأنَّهُ لا يَتَّجِهُ السُّؤالُ قَبْلَ الجَعْلِ والأوْجَهُ الأوَّلُ، وهَذا الجَعْلُ كالمُسَبِّبِ عَنِ الِابْتِلاءِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جَعْلِهِ كَذَلِكَ أنْ يَنْظُرَ الآياتِ الآفاقِيَّةَ والأنْفُسِيَّةَ ويَسْمَعَ الأدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلى الخَلْقِ المُقَيَّدِ بِهِ بِالفاءِ ورَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى.
76:3Страница 578
إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣
Мы повели его путем либо благодарным, либо неблагодарным.
﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ تَعْلِيلِيَّةٌ في مَعْنى لِأنّا هَدَيْناهُ أيْ دَلَلْناهُ عَلى ما يُوَصِّلُهُ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ كالآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ كالآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ وهو إنَّما يَكُونُ بَعْدَ التَّكْلِيفِ والِابْتِلاءِ ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ حالانِ مِن مَفْعُولِ هَدَيْنا وإمّا لِلتَّفْصِيلِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأحْوالِ مَعَ اتِّحادِ الذّاتِ أيْ هَدَيْناهُ ودَلَلْناهُ عَلى ما يُوصِلُ إلى البُغْيَةِ في حالَتَيْهِ جَمِيعًا مِنَ الشُّكْرِ والكُفْرِ أوْ لِلتَّقْسِيمِ لِلْمَهْدِيِّ بِاخْتِلافِ الذَّواتِ والصِّفاتِ أيْ هَدَيْناهُ السَّبِيلُ مَقْسُومًا إلَيْها بَعْضُهم شاكِرٌ بِالِاهْتِداءِ لِلْحَقِّ وطَرِيقِهِ بِالأخْذِ فِيهِ وبَعْضُهم كَفُورٌ بِالأعْراضِ عَنْهُ وحاصِلُهُ دَلَلْناهُ عَلى الهِدايَةِ والإسْلامِ فَمِنهم مُهْتَدٍ مُسْلِمٌ ومِنهم ضالٌّ كافِرٌ وقِيلَ حالانِ مِنَ السَّبِيلِ أيْ عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ إمّا سَبِيلًا شاكِرًا وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا عَلى وصْفِ السَّبِيلِ بِوَصْفِ سالِكِهِ مَجازًا والمُرادُ بِهِ لا يَخْفى وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ السَّبِيلَ هُنا سَبِيلُ الخُرُوجِ مِنَ الرَّحِمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا وقَرَأ أبُو السَّمالِ وأبُو العاجِ أمّا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في المَوْضِعَيْنِ وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ وهي الَّتِي عَدَّها بَعْضُ النّاسِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانٍ في حُرُوفِ العَطْفِ وأنْشَدُوا:
تُلَقِّحُها إمّا شَمالٌ عَرِيَّةٌ وإمّا صَبا جُنْحِ العَشِيِّ هَبُوبُ
وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ أمّا التَّفْصِيلِيَّةَ المُتَضَمِّنَةَ مَعْنى الشَّرْطِ عَلى مَعْنى ﴿إمّا شاكِرًا﴾ فَبِتَوْفِيقِنا ﴿وإمّا كَفُورًا﴾ فَبِسُوءِ اخْتِيارِهِ وهَذا التَّقْدِيرُ إبْرازٌ مِنهُ لِلْمَذْهَبِ قِيلَ ولا عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن بابِ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: 26] كَأنَّهُ قِيلَ ﴿إمّا شاكِرًا﴾ فَبِهِدايَتِنا أيْ دُعائِنا أوْ أقْدارِنا عَلى ما فَسَّرَ بِهِ الهِدايَةَ ﴿وإمّا كَفُورًا﴾ فَبِها أيْضًا لِاخْتِلافِ وجْهِ الدُّعاءِ لِأنَّ الهِدايَةَ هاهُنا لَيْسَتْ في مُقابَلَةِ الضَّلالِ وهَذا جارٍ عَلى المَذْهَبَيْنِ وسالِمٌ عَنْ حَذْفِ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ في الِانْتِصافِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿إمّا شاكِرًا﴾ فَمُثابٌ ﴿وإمّا كَفُورًا﴾ فَمُعاقَبٌ وإيرادُ الكَفُورِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ والإشْعارِ بِأنَّ الإنْسانَ قَلَّما يَخْلُو مِن كُفْرانٍ ما، وإنَّما المُؤاخَذُ عَلَيْهِ الكَفْرُ المُفْرَطُ.
76:4Страница 578
إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤
Мы приготовили для неверующих цепи, оковы и пламя.
﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ هَيَّأْنا ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ مِن أفْرادِ الإنْسانِ الَّذِي هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ﴿سَلاسِلَ﴾ بِها يُقادُونَ ﴿وأغْلالا﴾ بِها يُقَيَّدُونَ ﴿وسَعِيرًا﴾ بِها يُحْرَقُونَ وتَقْدِيمُ وعِيدِهِمْ مَعَ تَأخُّرِهِمْ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 106] الآيَةَ ولِأنَّ الإنْذارَ أنْسَبُ بِالمَقامِ وحَقِيقٌ بِالِاهْتِمامِ ولِأنَّ تَصْدِيرَ الكَلامِ وخَتْمَهُ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ أحْسَنُ عَلى أنَّ وصْفَهم تَفْصِيلًا رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجارِبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ والأعْمَشُ «سَلاسِلًا» بِالتَّنْوِينِ وصَلًا وبِالألِفِ المُبْدَلَةِ مِنهُ وقْفًا وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما أنْ تَكُونَ هَذِهِ النُّونُ بَدَلًا عَنْ حَرْفِ الإطْلاقِ ويَجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ.
والثّانِي أنْ يَكُونَ صاحِبُ القِراءَةِ مِمَّنْ ضَرى بِرِوايَةِ الشِّعْرِ ومَرِنَ لِسانُهُ عَلى صَرْفِ غَيْرِ المُنْصَرِفِ. وفي الأوَّلِ أنَّ الإبْدالَ مِن حُرُوفِ الإطْلاقِ في غَيْرِ الشَّعْرِ قَلِيلٌ كَيْفَ وضُمَّ إلَيْهِ إجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. وفي الثّانِي تَجْوِيزُ القِراءَةِ بِالتَّشَهِّي دُونَ سَدادِ وجْهِها في العَرَبِيَّةِ والوَجْهُ أنَّهُ لِقَصْدِ الِازْدِواجِ والمُشاكَلَةِ فَقَدْ جَوَّزُوا لِذَلِكَ صَرْفَ ما لا يَنْصَرِفُ لا سِيَّما الجَمْعَ فَإنَّهُ سَبَبٌ ضَعِيفٌ لِشَبَهِهِ بِالمُفْرَدِ في جَمْعِهِ كَصَواحِباتِ يُوسُفَ ونَواكِسِي الأبْصارِ ولِهَذا جَوَّزَ بَعْضُهم صَرْفَهُ مُطْلَقًا كَما قِيلَ.
والصَّرْفُ في الجَمْعِ أتى كَثِيرًا حَتّى ادَّعى قَوْمٌ بِهِ التَّخْيِيرا
صفحة 154
وحَكى الأخْفَشُ عَنْ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ أنَّ لُغَتَهم صَرْفُ كُلِّ ما لا يَنْصَرِفُ إلّا أفْعَلَ مِن وصَرْفُ «سَلاسِلًا» ثابِتٌ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ورَوى هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ «سَلاسِلَ» في الوَصْلِ وسَلاسِلًا بِألْفٍ دُونَ تَنْوِينٍ في الوَقْفِ.
76:5Страница 578
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥
А благочестивые будут пить из чаши вино, смешанное с камфарой.
﴿إنَّ الأبْرارَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُسْنِ حالِ الشّاكِرِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ سُوءِ الكافِرِينَ وإيرادُهم بِعُنْوانِ البِرِّ لِلْإشْعارِ بِما اسْتَحَقُّوا بِهِ ما نالُوهُ مِنَ الكَرامَةِ السِّنِّيَّةِ مَعَ تَجْدِيدِ صِفَةِ مَدْحٍ لَهم والأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ كَرَبٍّ وأرْبابٍ أوْ بارٍّ كَشاهِدٍ وأشْهادٍ بِناءً عَلى أنَّ فاعِلًا يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ والبَرُّ المُطِيعُ المُتَوَسِّعُ في فِعْلِ الخَيْرِ وقِيلَ مَن يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ تَعالى ويُوفِي بِالنَّذْرِ وعَنِ الحَسَنِ هو الَّذِي لا يُؤْذِي الذَّرَّ ولا يَرْضى الشَّرَّ ﴿يَشْرَبُونَ﴾ في الآخِرَةِ ﴿مِن كَأْسٍ﴾ هي كَما قالَ الزَّجّاجُ الإناءُ إذا كانَ فِيهِ الشَّرابُ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا وقالَ الرّاغِبُ: الكَأْسُ الإناءُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ ويُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ كَأْسًا والمَشْهُورُ أنَّها تُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلى الزُّجاجَةِ إذا كانَتْ فِيها خَمْرٌ ومَجازًا عَلى الخَمْرِ بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ والمُرادُ بِها هاهُنا قِيلَ الخَمْرُ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ وقِيلَ الزُّجاجَةُ الَّتِي فِيها الخَمْرُ فَ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ أظْهَرُ مُلاءَمَةً لِلْأوَّلِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَلى مِنوالِ ( كانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) [النِّساءِ: 17 وغَيْرِها] والمَجِيءُ بِالفِعْلِ لِلتَّحْقِيقِ والدَّوامِ، وقِيلَ ( كانَ ) تامَّةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البَقَرَةِ: 117 وغَيْرِها] والمِزاجُ ما يُمْزَجُ بِهِ كالحِزامِ لِما يُحْزَمُ بِهِ فَهو اسْمُ آلَةٍ، وكافُورٌ عَلى ما قالَ الكَلْبِيُّ عَلَمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ ماؤُها في بَياضِ الكافُورٍ وعُرْفِهِ وبَرْدِهِ وصُرِفَ لِتَوافُقِ الآيِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ماءَ كافُورٍ والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿كَأْسٍ﴾ وهَذا القَوْلُ خِلافُ الظّاهِرِ ولَعَلَّهُ إنْ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ خَبَرٌ لا يُقْبَلُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «قافُورًا» بِالقافِ بَدَلَ الكافِ وهُما كَثِيرًا ما يَتَعاقَبانِ في الكَلِمَةِ كَقَوْلِهِمْ عَرَبِيٌّ قُحٌّ وكَحٌّ.
76:6Страница 579
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦
Рабы Аллаха будут пить из источника, давая ему течь полноводными ручьями.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَيْنًا﴾ بَدَلٌ مِن كافُورٍ وقالَ قَتادَةُ يَمْزُجُ لَهم بِالكافُورِ ويَخْتِمُ لَهم بِالمِسْكِ وذَلِكَ لِبُرُودَةِ الكافُورِ وبَياضِهِ وطِيبِ رائِحَتِهِ، فالكافُورُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ وقِيلَ إنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ قَدْ أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى إذْ خَلَقَها أوْصافَ الكافُورِ المَمْدُوحَةِ فَكَوْنُهُ مِزاجًا مَجازٌ في الإنْصافِ بِذَلِكَ فَعُيِّنا عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بَدَلَ مِن مَحَلِّ كَأْسٍ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرَ عَيْنٍ أوْ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أخُصُّ كَما قالَ المُبَرِّدُ وقِيلَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿مِزاجُها﴾ وقِيلَ مِن كَأْسٍ وساغَ لِوَصْفِهِ وأُرِيدَ بِذَلِكَ وصْفُها بِالكَثْرَةِ والصَّفاءِ وقِيلَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ يَشْرَبُونَ ماءَ عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها إلَخْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ صِفَةُ ( عَيْنًا ) فَلا يَعْمَلُ فِعْلُها بِها وما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا وأُجِيبُ بِمَنعِ كَوْنِها صِفَةً عَلى هَذا الوَجْهِ والتَّرْكِيبُ عَلَيْهِ نَحْوَ رَجُلًا ضَرَبْتُهُ نَعَمْ هي صِفَةُ عَيْنٍ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ والباءُ لِلْإلْصاقِ، ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ وهي مُتَعَلِّقَةُ مَعْنًى بِمَحْذُوفٍ أيْ يَشْرَبُ الخَمْرَ مَمْزُوجَةً بِها أيْ بِالعَيْنِ ﴿عِبادُ اللَّهِ﴾ وهو كَما تَقُولُ شَرِبْتُ الماءَ بِالعَسَلِ هَذا إذا جُعِلَ كافُورٌ عَلَمَ عَيْنٍ في الجَنَّةِ وأمّا عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ فَقِيلَ وجْهُ الباءِ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مِن بابِ:
يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي لِإفادَةِ المُبالِغَةِ. وقِيلَ: الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ وضُمِّنَ ( يَشْرَبُ ) مَعْنى يُرْوى فَعُدِّيَ بِها وقِيلَ هي بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ والمَعْنى يَشْرَبُها كَما في قَوْلِ الهَزْلِيِّ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتى لُحَجُ خِضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
ويُعَضِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ «يَشْرَبُها» وقِيلَ ضَمِيرُ ( بِها ) لِلْكَأْسِ، والمَعْنى يَشْرَبُونَ العَيْنَ بِتِلْكَ الكَأْسِ وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَيْنًا﴾ مَفْعُولًا لِيَشْرَبُ مُهَدَّمًا عَلَيْهِ ( وعِبادُ اللَّهِ ) المُؤْمِنُونَ أهْلُ الجَنَّةِ ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَيْنًا أيْ يُجْرُونَها حَيْثُ شاؤُوا مِن مَنازِلِهِمْ إجْراءً سَهْلًا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ عَلى
صفحة 155
أنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّنْوِيعِ. أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ شَوْزَبَ أنَّهُ قالَ: مَعَهم قُضْبانُ ذَهَبٍ يُفَجِّرُونَ بِها فَيَتَّبِعُ الماءُ قُضْبانَهم. وفي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ هَذِهِ العَيْنَ في دارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَفَجَّرُ إلى دُورِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ» .
76:7Страница 579
يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧
Они исполняют обеты и боятся дня, зло которого разлетается.
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ يُرْزَقُونَ هَذا النَّعِيمَ مُشْتَمِلٌ عَلى نَوْعِ تَفْصِيلٍ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُ الأبْرارِ إجْمالًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ حَتّى يَنالُوا تِلْكَ المَرْتَبَةَ العالِيَةَ؟ فَقِيلَ: يُوفُونَ إلَخْ، وأُفِيدُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِلْبَيانِ ومَعَ ذَلِكَ عَدَلَ عَنْ أوْفَوْا إلى المُضارِعِ لِلِاسْتِحْضارِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، والوَفاءُ بِالنَّذْرِ كِنايَةً عَنْ أداءِ الواجِباتِ كُلِّها العِلْمُ ما عَداهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وإشارَةُ النَّصِّ فَإنَّ مَن أوْفى بِما أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ كانَ إيفاءُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أهَمَّ لَهُ وأحْرى، وجَعْلُ ذَلِكَ كِنايَةً هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ إبْقاؤُهُ عَلى الظّاهِرِ قالا: أيْ إذا نَذَرُوا طاعَةً فَعَلُوها ﴿ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ﴾ عَذابُهُ ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ فاشِيًّا مُنْتَشِرًا في الأقْطارِ غايَةَ الِانْتِشارِ مِنِ اسْتَطارَ الحَرِيقُ والفَجْرُ وهو أبْلَغُ مِن طارَ لِأنَّ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، ولِلطَّلَبِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ ما يُطْلَبُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُبالَغَ فِيهِ. وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِحُسْنِ عَقِيدَتِهِمْ واجْتِنابِهِمْ عَنِ المَعاصِي.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии