Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
الرحمن
Ар-Рахман
Милостивый · Мединская · 78 аятов
سُورَةُ (الرَّحْمَنِ ) وسُمِّيَتْ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا ««عَرُوسَ القُرْآنِ»» ورَواهُ مُوسى بْنُ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ آبائِهِ الأطْهارِ كَذَلِكَ
«وهِيَ مَكَّيَّةٌ» في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وابْنُ النَّحّاسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ، وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا، وحَكى أيْضًا قَوْلًا آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو أنَّها مَدَنِيَّةٌ سِوى قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة 97
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 29] الآيَةُ، وحُكِيَ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في جَمالِ القُرّاءِ عَنْ بَعْضِهِمْ ولَمْ يُعَيِّنْهُ، وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، وسَبْعُ وسَبْعُونَ في الحِجازِيِّ، وسِتُّ وسَبْعُونَ في البَصْرِيِّ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: أنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ في آخِرَ ما قِيلَ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القَمَرِ: 46] ثُمَّ وصَفَ عَزَّ وجَلَّ حالَ المُجْرِمِينَ ﴿فِي سَقَرَ﴾ [القَمَرِ: 48] وحالَ المُتَّقِينَ ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القَمَرِ: 54] فَصَّلَ هَذا الإجْمالَ في هَذِهِ السُّورَةِ أتَمَّ تَفْصِيلٍ عَلى التَّرْتِيبِ الوارِدِ في الإجْمالِ فَبَدَأ بِوَصْفِ مَرارَةِ السّاعَةِ، والإشارَةِ إلى ( شِدَّتِها)، ثُمَّ وصَفَ النّارَ وأهْلَها، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرَّحْمَنِ: 41] ولَمْ يَقُلِ الكافِرُونَ، أوْ نَحْوَهُ لِاتِّصالِهِ مَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ [القَمَرِ: 47] ثُمَّ وصَفَ الجَنَّةَ وأهْلَها ولِذا قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ وذَلِكَ هو عَيْنُ التَّقْوى ولَمْ يُقِلْ ولِمَن آمَنَ، أوْ أطاعَ، أوْ نَحْوَهُ لِتَتَوافَقَ الألْفاظُ في التَّفْصِيلِ والمُفَصَّلِ؛ ويُعْرَفُ بِما ذُكِرَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كالشَّرْحِ لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها، وقالَ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هُناكَ مَقَرَّ المُجْرِمِينَ في سُعُرٍ، ومَقَرَّ المُتَّقِينَ ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: 54] ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُنا شَيْئًا مِن آياتِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا مَقَرَّ الفَرِيقَيْنِ عَلى جِهَةِ الإسْهابِ إذْ كانَ ذِكْرُهُ هُناكَ عَلى جِهَةِ الِاخْتِصارِ، ولَمّا أبْرَزَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ بِصُورَةِ التَّنْكِيرِ فَكَأنَّ سائِلًا يَسْألُ ويَقُولُ مِنَ المُتَّصِفِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الجَلِيلَتَيْنِ ؟ فَقِيلَ: «الرَّحْمَنُ» إلَخْ، والأوْلى عِنْدِي أنْ يُعْتَبَرَ في وجْهِ المُناسِبَةِ أيْضًا ما في الإرْشادِ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن ضُرُوبِ نِقَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيَّنَعُقَيْبَ كُلِّ ضَرْبٍ مِنها أنَّ القُرْآنَ قَدْ يُسِّرَ لِتَذَكُّرِ النّاسِ واتِّعاظِهِمْ ونَعى عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنْ ذَلِكَ عَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما أفاضَ عَلى كافَّةِ الأنامِ مِن فُنُونِ نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأنْفُسَيَّةِ والآفاقِيَّةِ وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ إثْرَ كُلِّ فَنٍّ مِنها إخْلالَهم بِمُواجِبِ شُكْرِها، وهَذا التَّكْرارُ أحْلى مِنَ السُّكَّرِ إذْ تَكَرَّرَ، وفي الدُّرَرِ والغُرَرِ لِعَلَمِ الهُدى السَّيِّدِ المُرْتَضى التَّكْرارُ في سُورَةِ «الرَّحْمَنِ» إنَّما حَسُنَ لِلتَّقْرِيرِ بِالنِّعَمِ المُخْتَلِفَةِ المُعَدَّدَةِ، فَكُلَّما ذَكَرَ سُبْحانَهُ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها وبَّخَ عَلى التَّكْذِيبِ بِها كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ خَوَّلْتُكَ في الأمْوالِ ؟ ألَمْ أُحْسِنْ إلَيْكَ بِأنْ فَعَلْتُ بِكَ كَذا وكَذا ؟ فَيَحْسُنُ فِيهِ التَّكْرِيرُ لِاخْتِلافِ ما يُقَرِّرُ بِهِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِهَمْ كَقَوْلِ مُهَلْهَلٍ يُرْثِي كُلَيْبًا:
عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ إذا ما ضِيمَ جِيرانُ المُجِيرِ
عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا رَجَفَ العِضاةُ مِنَ الدَّبُورِ
عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خَرَجَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ
عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما أُعْلِنَتْ نَجْوى الأُمُورِ
عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا خِيفَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ
عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ تَأثُّلِ الأمْرِ الكَبِيرِ
عَلى أنْ لَيْسَ عَدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا ما خارَ جَأْشُ المُسْتَجِيرِ
ثُمَّ أنْشَدَ قَصائِدَ أُخْرى عَلى هَذا النَّمَطِ ولَوْلا خَوْفُ المَلَلِ لأوْرَدْتُها، ولا يُرَدُّ عَلى ما ذَكَرَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ ذُكِرَتْ بَعْدَ ما لَيْسَ نِعْمَةً لِما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحَلِّهِ، وقُسِّمَ في الإتْقانِ التَّكْرارُ إلى أقْسامٍ، وذُكِرَ أنَّ مِنهُ ما هو لِتَعَدُّدِ المُتَعَلِّقِ بِأنْ يَكُونَ المُكَرَّرُثانِيًا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِ ما تُعَلِّقَ بِهِ الأوَّلُ ثُمَّ قالَ: وهَذا القِسْمُ يُسَمّى بِالتَّرْدِيدِ وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) مِن سُورَةِ الرَّحْمَنِ فَإنَّها وإنْ تَكَرَّرَتْ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً فَكُلُّ واحِدَةٍ
صفحة 98
تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها ولِذَلِكَ زادَتْ عَلى ثَلاثَةٍ ولَوْ كانَ الجَمِيعُ عائِدًا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ لَما زادَ عَلى ثَلاثَةٍ لِأنَّ التَّأْكِيدَ لا يَزِيدُ عَلَيْها كَما قالَ ابْنُ عَبْدُ السَّلامِ وغَيْرُهُ، وهو حَسَنٌ إلّا أنَّهُ نَظَرَ في إطْلاقِ قَوْلِهِ: إنَّ التَّأْكِيدَ إلَخْ بِأنَّ ذَلِكَ في التَّأْكِيدِ الَّذِي تابِعٌ أمّا ذِكْرُ الشَّيْءِ في مَقاماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةٍ فَلا يُمْتَنَعُ وإنْ لُزِمَ مِنهُ التَّأْكِيدُ فافْهَمْ، وبَدَأ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ النِّعَمِ شَأْنًا وأرْفَعُها مَكانًا كَيْفَ لا وهو مَدارٌ لِلسَّعادَةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وعِيارٌ عَلى الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ما مِن مَرْصَدٍ تَرْنُو إلَيْهِ أحْداقُ الأُمَمِ إلّا وهو مَنشَؤُهُ ومَناطُهُ، ولا مَقْصَدٌ تَمْتَدُّ نَحْوَهُ أعْناقُ الهِمَمِ إلّا وهو مَنهَجُهُ وصِراطُهُ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ - لِعَلَّمَ - ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ - أيْ عَلَّمَ الإنْسانَ القُرْآنَ - وهَذا المَفْعُولُ هو الَّذِي كانَ فاعِلًا قَبْلَ نَقْلِ فَعِلَ الثُّلاثِيِّ إلى فَعَّلَ المُضَعَّفِ، وسَها الإمامُ فَحَسِبَ أنَّ المَحْذُوفَ المَفْعُولُ الثّانِي حَيْثُ قالَ: عَلَّمَ لا بُدَّ لَهُ مِن مَفْعُولٍ ثانٍ وتُرِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ النِّعْمَةَ في التَّعْلِيمِ لا في تَعْلِيمِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ:
أرادَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن مَفْعُولٍ آخَرَ مَعَ هَذا المَفْعُولِ فَلا جَزْمَ بِسَهْوِهِ، وقِيلَ: المُقَدَّرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلى القَوْلَيْنِ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ، ولِي في تَعْلِيمِ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَلائِكَةِ الكِرامِ تَرَدُّدٌ ما بِناءً عَلى ما في الإتْقانِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الصَّلاحِ مِن أنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ كَرامَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ تَعالى بِها البَشَرَ فَقَدْ ورَدَ أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُعْطُوا ذَلِكَ وأنَّهم حَرِيصُونَ لِذَلِكَ عَلى اسْتِماعِهِ مِنَ الإنْسِ، وإنَّما لَمْ أعْتَبِرْ عُمُومَهُ لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ وكَأنِّي بِكَ لا تُسَلِّمُ صِحَّةَ ما ذُكِرَ وإنِ اسْتُثْنِيَ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ( عَلَّمَ ) مِنَ العَلامَةِ ولا تَقْدِيرَ أيْ جُعِلَ القُرْآنُ عَلامَةً وآيَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ، أوْ عَلامَةً لِلنُّبُوَّةِ ومُعْجِزَةً، وهَذا عَلى ما قِيلَ: يُناسِبُ ما ذُكِرَ في مُفْتَتَحِ السُّورَةِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: 1] وتَتَناسَبُ السُّورَتانِ في المُفْتَتَحِ حَيْثُ افْتُتِحَتِ الأوْلى بِمُعْجِزَةٍ مِن بابِ الهَيْبَةِ وهَذِهِ بِمُعْجِزَةٍ مِن بابِ الرَّحْمَةِ.
وقَدْ أبْعَدَ القائِلُ ولَوْ أبْدى ألْفَ مُناسَبَةٍ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مِنَ التَّعْلِيمِ، والمُرادُ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ قِيلَ:
إفادَةُ العِلْمِ بِهِ لا بِمَعْنى إفادَةُ العِلْمِ بِألْفاظِهِ فَقَطْ بَلْ بِمَعْنى إفادَةِ ذَلِكَ والعِلْمُ بِمَعانِيهِ عَلى وجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ وهو مُتَفاوِتٌ وقَدْ يَصِلُ إلى العِلْمِ بِالحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ مِن إشاراتِهِ ورُمُوزِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَغْفِلْ شَيْئًا فِيهِ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في كِتابِ العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««إنَّ اللَّهَ لَوْ أغْفَلَ شَيْئًا لَأغْفَلَ الذَّرَّةَ والخَرْدَلَةَ والبَعُوضَةَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ ولَكِنَّ عِلْمَنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: وقالَ المُرْسِي: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ بِحَيْثُ لَمْ يَحُطْ بِها عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ وأعْلامُهم كالخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُمُ التّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ وفَتَرَتِ العَزائِمُ وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ وضَعَفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّعْلِيمَ بِتَنْبِيهِ النَّفْسِ لِتَصَوُّرِ المَعانِي، وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا جُعِلَ الشَّخْصُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ القُرْآنَ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القَمَرِ: 17، 22، 32، 40] وهو بِهَذا المَعْنى مَجازٌ كَما لا يَخْفى، ( والرَّحْمَنُ ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ كَما هو الظّاهِرُ، وإسْنادُ
صفحة 99
تَعْلِيمِهِ إلى اسْمِ ( الرَّحْمَنُ ) لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وأحْكامِها، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ إمّا لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِلْحَصْرِ، وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ ما فِيهِ، وقِيلَ: ( الرَّحْمَنُ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيِ اللَّهُ الرَّحْمَنُ، أوِ الرَّحْمَنُ رَبُّنا وما بَعْدُ مُسْتَأْنَفٌ لِتَعْدِيدِ نِعَمِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
55:3–4Страница 531
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣
создал человека
عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤
и научил его изъясняться.
ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ نِعْمَةَ تَعْلِيمِ القُرْآنِ بِخَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ لِأنَّ أصْلَ النِّعَمِ عَلَيْهِ، وإنَّما قُدِّمَ ما قُدِّمَ مِنها لِأنَّهُ أعْظَمُها، وقِيلَ: لِأنَّهُ مُشِيرٌ إلى الغايَةِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ وهو كَمالُهُ في قُوَّةِ العِلْمِ والغايَةِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى ذِي الغايَةِ ذِهْنًا وإنْ كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ خارِجًا، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ وبِخَلْقِهِ إنْشاؤُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، ثُمَّ أتْبَعَ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ تَعْلِيمِالبَيانَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ لِأنَّ البَيانَ هو الَّذِي بِهِ يُتَمَكَّنُ عادَةً مِن تَعَلُّمِ القُرْآنِ وتَعْلِيمِهِ، والمُرادُ بِهِ المَنطِقُ الفَصِيحُ المُعْرِبُ عَمّا في الضَّمِيرِ.
والمُرادُ بِتَعْلِيمِهِ نَحْوَ ما مَرَّ، وفي الإرْشادِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ تَعْيِينٌ لِلْمُتَعَلِّمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ تَبْيِينٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ، والمُرادُ بِتَعْلِيمِ البَيانِ تَمْكِينُ الإنْسانِ مِن بَيانِ نَفْسِهِ، ومِن فَهْمِ بَيانِ غَيْرِهِ إذْ هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ تَعْلِيمُ القُرْآنِ.
وقِيلَ: بِناءً عَلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ إنَّ تَقْدِيمَ تَعْلِيمِ القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ وُقُوعًا فَهم قَدْ عَلِمُوهُ قَبْلَ خَلْقِ الإنْسانِ ورُبَّما يَرْمُزُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: 77 - 79] وفي النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلَيْهِ حَسَنٌ زائِدٌ حَيْثُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُمُورًا عُلْوِيَّةً وأُمُورًا سُفْلِيَّةً وكُلُّ عُلْوِيٍّ قابَلَهُ بِسُفْلِيٍّ ويَأْتِي هَذا عَلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا؛ وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿البَيانَ﴾ الخَيْرُ والشَّرُّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَبِيلُ الهُدى وسَبِيلُ الضَّلالَةِ، وقالَ يَمانُ: الكِتابَةُ والكُلُّ كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بَيانًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذا بَيانٌ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 138] وأُعِيدَ لِيُكُونَ الكَلامُ تَفْصِيلًا لِإجْمالِ عِلْمِ القُرْآنِ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ وقالَ قَتادَةُ: ( الإنْسانَ ) آدَمُ، ( والبَيانَ ) عِلْمُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: ﴿البَيانَ﴾ أسْماءُ الأشْياءِ كُلِّها. وقِيلَ: التَّكَلُّمُ بِلُغاتٍ كَثِيرَةٍ، وقِيلَ: الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي عُلِمَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ، ونُسِبَ هَذا إلى جَعْفَرِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ( الإنْسانَ ) مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلَيْهِ قِيلَ: المُرادُ بِالبَيانِ بَيانَ المَنزِلِ والكَشْفَ عَنِ المُرادِ بِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: 44] أوِ الكَلامُالَّذِي يُشْرَحُ بِهِ المُجْمَلُ والمُبْهَمُ في القُرْآنِ أوِ القُرْآنُ نَفْسُهُ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُناسِبُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَلِيقُ بِهِ مِنَ المَعانِي السّابِقَةِ، ولَعَلَّ ابْنَ كَيْسانَ يُقَدِّرُ مَفْعُولَ عَلَّمَ الإنْسانَ مُرادًا بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا، وهَذِهِ أقْوالٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، والمُتَبادَرُ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لا يَخْفى عَلَيْكَ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن تَبادُرِ ما ذَكَرْناهُ فِيها أوَّلًا. ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنَ الجُمْلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ كَجُمْلَةِ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:
55:5Страница 531
ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ ٥
Солнце и луна движутся согласно рассчитанному порядку.
﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ والجارُ والمَجْرُورُ فِيهِ خَبَرٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَرْيِ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ ﴿بِحُسْبانٍ﴾ أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ والجارُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْ يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ وهو مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ بِمَعْنى الحِسابِ - كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ - أيْ هُما يَجْرِيانِ ﴿بِحُسْبانٍ﴾ مُقَدَّرٍ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما بِحَيْثُ يَنْتَظِمُ بِذَلِكَ أُمُورُ الكائِناتِ السُّفْلِيَّةِ وتَخْتَلِفُ الفُصُولُ والأوْقاتُ ويُعْلَمُ السُّنُونُ والحِسابُ، وقالَ الضَّحّاكُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ حِسابٍ كَشِهابٍ وشُهْبانَ أيْ هُما يَجْرِيانِ بِحِساباتٍ شَتّى في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ الفَلَكُ المُسْتَدِيرُ مِن حُسْبانِ الرَّحا وهو ما أحاطَ بِها مِن أطْرافِها المُسْتَدِيرَةِ، وعَلَيْهِ فالباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ
صفحة 100
الخَبَرِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ كُلٌّ مِن ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) في فَلَكٍ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ وجَرَيانُ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ.
وفَلاسِفَةُ العَصْرِ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّمْسَ لا تَجْرِي أصْلًا، وأنَّ القَمَرَ يَجْرِي عَلى الأرْضِ، والأرْضَ تَجْرِي عَلى الشَّمْسِ، وقَدْ سَمِعْنا أنَّهم عَدِلُوا مُنْذُ أعْوامٍ عَنْ ذَلِكَ، فَزَعَمُوا أنَّ لِلشَّمْسِ حَرَكَةً عَلى كَوْكَبٍ آخَرَ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم بُرْهانٌ عَلى دَعْواهُمُ الأُولى كَما كانَ يَقُولُهُ مَن كانَ يَنْتَصِرُ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ حالَهُمُ اليَوْمَ بَلْ وغْدًا مِثْلُ حالِهِمْ بِالأمْسِ، ونَحْنُ مَعَ الظَّواهِرِ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ عَلى خِلافِها وحِينَئِذٍ نَمِيلُ إلى التَّأْوِيلِ وبابُهُ واسِعٌ، ومِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ
55:6Страница 531
وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ ٦
Травы (или звезды) и деревья совершают поклоны.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ فَإنَّ المَعْطُوفَ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ، والمُرادُ - بِالنَّجْمِ - النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ أيْ يَظْهَرُ ويَطْلَعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ، وبِالشَّجَرِ النَّباتُ الَّذِي لَهُ ساقٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي رَزِينٍ؛ والمُرادُ بِسُجُودِهِما انْقِيادِهِما لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبْعًا، شَبَهُ جَرْيِهِما عَلى مُقْتَضى طَبِيعَتَيْهِما بِانْقِيادِ السّاجِدِ لِخالِقِهِ وتَعْظِيمِهِ لَهُ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْمُ المُشَبَّهِ بِهِ في المُشَبَّهِ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ - النَّجْمُ - نَجْمَ السَّماءِ وسُجُودَهُ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ وسُجُودَ الشَّجَرِ بِالظِّلِّ واسْتِدارَتِهِ عِنْدَ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ سُجُودَهُما عِبارَةٌ عَنِ انْقِيادِهِما لِما يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِما طَبْعًا، والجُمْهُورُ عَلى تَفْسِيرِ النَّجْمِ بِما سَمِعْتَ أوَّلًا قَبْلَ لِأنَّ اقْتِرانَهُ بِالشَّجَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ تَقَدُّمُ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) يُتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّهُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ فَفِيهِ تَوْرِيَةٌ ظاهِرَةٌ، وإخْلاءُ الجُمَلِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ والرّابِعَةِ عَنِ العاطِفِ لِوُرُودِها عَلى نَهْجِ التَّعْدِيدِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِمّا تَضَمَّنَتْهُ نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ، وقَدْ قَصَرُوا في أدائِهِ ولَوْ عُطِفَتْ مَعَ شِدَّةِ اتِّصالِها وتَناسُبِها رُبَّما تُوهِّمَ أنَّ الكُلَّ نِعْمَةٌ واحِدَةٌ.
وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ الرّابِعَةِ والخامِسَةِ رِعايَةٌ لِتَناسُبِهِما مِن حَيْثُ التَّقابُلِ لِما أنَّ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) عُلْوِيّانِ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ﴾ سُفْلِيّانِ، ومِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن حالِ العُلْوِيِّينَ وحالِ السُّفْلِيَّيْنِ مِن بابِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وخُلُّوِهِما عَنِ الرّابِطِ اللَّفْظِيِّ مَعَ كَوْنِهِما خَبَرَيْنِ لِلْتَعْوِيلِ عَلى كَمالِ قُوَّةِ الِارْتِباطِ المَعْنَوِيِّ إذْ لا يُتَوَهَّمُ ذَهابُ الوَهْمِ إلى كَوْنِ حالُ ( الشَّمْسُ والقَمَرُ ) بِتَسْخِيرِ غَيْرِهِ تَعالى، ولا إلى كَوْنِ سُجُودُ النَّجْمِ والشَّجَرِ لِسِواهُ سُبْحانَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانِهِ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ لَهُ كَذا قالُوهُ، وفي الكَشْفِ: تَبْيِينًا لِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ أخْلى الجُمَلَ أيِ الَّتِي قَبْلَ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ عَنِ العاطِفِ لِأنَّ الغَرَضَ تَعْدِيدُ النِّعَمِ وتَبْكِيتُ المُنْكِرِ كَما يُقالُ: زَيْدٌ أغْناكَ بَعْدَ فَقْرٍ، أعَزَّكَ بَعْدَ ذُلٍّ، كَثَّرَكَ بَعْدَ قِلَّةٍ، فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ فَما تَنَكَّرَ مِن إحْسانِهِ كَأنَّهُ لَمّا عَدَّ نِعْمَةً حَرَّكَ مِنهُ حَتّى يَتَأمَّلَ هَلْ شَكَرَها حَقَّ شُكْرِها أمْ لا، ثُمَّ يَأْخُذُ في أُخْرى ولَوْ جِيءَ بِالعاطِفِ صارَتْ كَواحِدَةٍ ولَمْ يَكُنْ مِنَ التَّحْرِيكِ في شَيْءٍ، ولَمّا قُضِيَ الوَطَرُ مِنَ التَّعْدِيدِ المُحَرِّكِ والتَّبْكِيتِ بِذَكْرِ ما هو أصْلُ النِّعَمِ عَلى نَمَطِ رَدِّ الكَلامِ عَلى مِنهاجِهِ الأصْلِيِّ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ واحِدَةٍ بَعْدَ أُخْرى عَلى التَّناسُبِ والتَّقارُبِ بِحَرْفِ النَّسَقِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النِّعَمَ لا تُحْصى فَلْيَكْتَفِ بِتَعْدِيدِ أجَلَّها رُتْبَةً لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ لَيْسَتْ مِن أخْبارِ المُبْتَدَأِ، والزَّمَخْشَرِيُّ إنَّما سَألَ عَنْ وجْهِ الرَّبْطِ، وأجابَ بِأنَّ الرَّبْطَ حاصِلٌ بِالوَصْلِ المَعْنَوِيِّ كَأنَّهُ بَعْدَ ما بَكَّتْ ونَبَّهْ أخَذَ يَعُدُّ عَلَيْهِ أُصُولَ النِّعَمِ لِيَثْبُتَ عَلى ما طَلَبَ مِنهُ مِنَ الشُّكْرِ، وهَذا كَما تَقُولُ في المِثالِ السّابِقِ بَعْدَ قَوْلِكَ: فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ دانَتْ لَهُ أقْرانُكَ وأطاعَتْهُ إخْوانُكَ وبَسَطَ نَوالَهُ فَيْمَن تَحْتَ مِلْكَتِهِ ولَمْ يُخْرَجْ أحَدٌ مِن حِياطَةِ عَدْلِهِ ونَصَفَتِهِ، فَلا يَشُكُّ ذُو أرَبٍ أنَّها جُمَلٌ
صفحة 101
مُنْقَطِعَةٌ عَنِ الأوْلى إعْرابًا مُتَّصِلَةٌ بِها اتِّصالًا مَعْنَوِيًّا أوْرَثَها قَطْعَها لِأنَّها سِيقَتْ لِغَرَضٍ وهَذِهِ لِآخَرَ، وقَرِيبٌ مِن هَذا الِاتِّصالِ اتِّصالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: 6] الآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: 3] الآيَةُ انْتَهى. وقَدْ أُبْعِدالمَغْزى فِيما أرى إلّا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ الكَشّافِ يَقْتَضِي كَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ مِنَ الأخْبارِ فَتَأمَّلْ
55:7–8Страница 531
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧
Он возвысил небо и установил весы,
أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ ٨
чтобы вы не преступали границы дозволенного на весах.
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ أيْ خَلَقَها مَرْفُوعَةً ابْتِداءً لا أنَّها كانَتْ مَخْفُوضَةً ورَفَعَها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِرَفْعِها الرَّفْعُ الصُّورِيُّ الحِسِّيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُ الصُّورِيَّ والمَعْنَوِيَّ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ عِنْدَ مَن يَرى جَوازَهُ. ورَفْعُها المَعْنَوِيُّ الرُّتْبِيُّ لِأنَّها مَنشَأُ أحْكامِهِ تَعالى وقَضاياهُ ومَنزِلُ أوامِرِهِ سُبْحانَهُ ومَحَلُّ مَلائِكَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ( والسَّماءَ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ولا إشْكالَ فِيهِ لِأنَّ الجُمْلَةَ عَلَيْهِ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها، وإنَّما الإشْكالُ في النَّصْبِ لِأنَّهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ أيْ ورَفْعَ السَّماءَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ فِعْلِيَّةً فَإنْ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ - الكُبْرى لَزِمَ تَخالُفُ الجُمْلَتَيْنِ الِمَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها بِالِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ وهو خِلافُ الأُولى، وإنْ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَسْجُدانِ﴾ الصُّغْرى لَزِمَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا - لِلنَّجْمِ والشَّجَرِ - مِثْلَها، وذَلِكَلا يَصِحُّ إذْ لا عائِدَ فِيها إلَيْهِما، وكَذا يُقالُ في العَطْفِ عَلى كُبْرى وصُغْرى ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ وأجابَ أبُو عَلِيٍّ بِاخْتِيارِ الثّانِي، وقالَ: لا يَلْزَمُ في المَعْطُوفِ عَلى الشَّيْءِ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ حالُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وتَلا بابَ قَوْلِهِمْ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا، وبَعْضُهم بِاخْتِيارِ الأوَّلِ ويَحْسُنُ التَّخالُفُ إذا تَضَمَّنَ نُكْتَةً، وقالَ الطَّيِّبِيُّ:
الظّاهِرُ أنْ يُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ لِيُؤْذَنَ بِأنَّ الأصْلَ أجْرى الشَّمْسَ والقَمَرَ، وأسْجَدَ النَّجْمَ والشَّجَرَ، فَعَدَلَ إلى مَعْنى دَوامِ التَّسْخِيرِ والِانْقِيادِ في الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ومَعْنى التَّوْكِيدِ في الأخِيرَةِ والكَلامُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ فِيما إذا ولِيَ العاطِفُ جُمْلَةً ذاتَ وجْهَيْنِ مُفَصَّلٌ في كُتُبِ النَّحْوِ ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ أيْ شَرَّعَ العَدْلَ وأمَرَ بِهِ بِأنْ وفَّرَ عَلى كُلِّ مُسْتَعِدٍّ مُسْتَحَقَّهُ، ووَفّى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ حَتّى انْتَظَمَ أمْرُ العالَمِ واسْتَقامَ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««بِالعَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ»» أيْ بَقِيَتا عَلى أبْلَغَ نِظامٍ وأتْقَنَ إحْكامٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بَقاءُ مَن فِيهِما مِنَ الثَّقَلَيْنِ إذْ لَوْلا العَدْلُ أهْلَكَ أهْلُ الأرْضِ بَعْضَهم بَعْضًا، وأمّا المَلَأُ الأعْلى فَلا يَقَعُ بَيْنَهم ما يَحْتاجُ لِلْحُكْمِ والعَدْلِ، فَذِكْرُهم لِلْمُبالَغَةِ، والَّذِي اخْتارَهُ أنَّ المُرادَ بِالسَّماواتِ والأرْضِ العالِمُ جَمِيعُهُ ولا شَكَّ أنَّهُ لَوْلا العَدْلُ لَمْ يَكُنِ العالَمُ مُنْتَظِمًا. ومَنشَأُ ما ذَكَرَهُ القائِلُ ظَنَّ أنَّ المُرادَ بِالعَدْلِ في الحَدِيثِ العَدْلُ في الحُكْمِ لِفَصْلِ الخُصُوماتِ ونَحْوِهِ ولَيْسَ كَما ظَنَّ بَلِ المُرادُ بِهِ عَدْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْطاؤُهُ سُبْحانَهُ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. وتَفْسِيرُ المِيزانِ بِما ذُكِرَ هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ والطَّبَرَيِّ والأكْثَرِينَ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْعَدْلِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ أنَّ المُرادَ بِهِ ما يُعْرَفْ بِهِ مَقادِيرُ الأشْياءِ مِنَ الآلَةِ المَعْرُوفَةِ والمِكْيالِ المَعْرُوفِ ونَحْوِهِما، فالمَعْنى خَلَقَهُ مَوْضُوعًا مَخْفُوضًا عَلى الأرْضِ حَيْثُ عَلَّقَ بِهِ أحْكامَ عِبادِهِ وقَضاياهُمُ المُنَزَّلَةَ مِنَ السَّماءِ وما تَعَبَّدَهم بِهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ في أخْذِهِمْ وإعْطائِهِمْ، والمَشْهُورُ أنَّهُ بِهَذا المَعْنى مَجازٌ أيْضًا مِنَ اسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ، وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ فالواضِعُ لَمْ يَضَعْهُ إلّا لِما يُعْرَفُ بِهِ المَقادِيرُ عَلى أيِّ هَيْئَةٍ ومِن أيِّ جِنْسٍ كانَ، والنّاسُ لَمّا ألِفُوا المَعْرُوفَ لا يَكادُ يَتَبادَرُ إلى أذْهانِهِمْ مِن لَفْظِ ( المِيزانَ ) سِواهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعْرُوفُ واللَّفْظُ فِيهِ حَقِيقَةٌ ولا يَسْلَمُ الوَضْعُ لِلْعامِ.
صفحة 102
ورُجِّحَ القَوْلانِ الأخِيرانِ بِأنَّ ما بَعْدَ أشَدُّ مُلاءَمَةً لَهُما وبَيْنَ الوَضْعِ والرَّفْعِ عَلَيْهِما تُقابِلٌ، وقَدْ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - وخَفَّضَ المِيزانَ - والأوَّلُ بِأنَّهُ أتَمُّ فائِدَةٍ فَزِنْذَلِكَ بِمِيزانِ ذِهْنِكَ ﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ أيْ لِئَلّا تَطْغَوْا فِيهِ أيْ حَقِّهِ وشَأْنِهِ بِأنْ تَعْتَدُوا وتَتَجاوَزُوا ما يَنْبَغِي فِيهِ عَلى أنَّ (أنْ) ناصِبَةٌ و(لا) نافِيَةٌ ولامَ العِلَّةِ مُقَدَّرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وضَعَ المِيزانَ ) وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةً و(لا) ناهِيَةً.
واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَمْ يُتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها مَعْنى القَوْلِ وهو شَرْطٌ في صِحَّةِ جَعْلِ (أنْ) مُفَسِّرَةً، وأُجِيبَ بِأنَّ وضْعَ المِيزانِ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ بِالوَحْيِ وإعْلامِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّفْسِيرَ مُتَعَيَّنٌ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِوَضْعِ المِيزانِ لِئَلّا تَطْغَوْا في المِيزانِ إذِ المُناسِبُ المَوْزُونُ ونَحْوُهُ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، وفي البَحْرِ قَرَأ إبْراهِيمُ «ووَضْعَ المِيزانِ» بِإسْكانِ الضّادِ، وخَفْضِ المِيزانِ عَلى أنَّ ( وضَعَ ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى ما بَعْدَهُ ولَمْ يُبَيِّنْ هَلْ ( وضَعَ ) مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ، فَإنْ كانَ مَرْفُوعًا فالظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و(ألّا تَطْغَوْا ) بِتَقْدِيرِ الجارِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وإنْ كانَ مَنصُوبًا فالظّاهِرُ أنَّ عامِلَهُ مُقَدَّرٌ أيْ وفَعَلَ «وضْعَ المِيزانِ» أوْ ووَضَعَ وضْعَ المِيزانِ ﴿ألا تَطْغَوْا﴾ إلَخْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - لا تَطْغَوْا - بِغَيْرِ (أنْ) عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قائِلًا، أوْ نَحْوَهُ لا قُلْ - كَما قِيلَ - و(لا) ناهِيَةٌ بِدَلِيلِ الجَزْمِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии