Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
فصلت
Фуссилят
Разъяснены · Мекканская · 54 аята
41:1–2Страница 477
حمٓ ١
Ха. Мим.
تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢
Ниспосланное от Милостивого, Милосердного
سُورَةُ فُصِّلَتْ
وتُسَمّى سُورَةَ السَّجْدَةِ وسُورَةَ حم السَّجْدَةِ وسُورَةَ المَصابِيحِ وسُورَةَ الأقْواتِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ ولَمْ أقِفْ فِيها عَلى اسْتِثْناءٍ، وعَدَدُ آياتِها كَما قالَ الدّانِيُّ خَمْسُونَ وآيَتانِ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ وثَلاثٌ مَكِّيٌّ ومَدَنِيٌّ وأرْبَعٌ كُوفِيٌّ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ قَبْلُ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافِرَ: 82].. إلَخْ. وكانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا تَهْدِيدًا وتَقْرِيعًا لِقُرَيْشٍ وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا نَوْعًا آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ لَهم وخَصَّهم بِالخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ [فُصِّلَتْ: 13] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ وفِيهِ نَوْعُ بَيانٍ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الآيَةَ، وبَيْنَهُما أوْجَهٌ مِنَ المُناسَبَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ تَبارَكَ وحم السَّجْدَةَ».
( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ) ﴿حم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَهو إمّا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ عَلى المُبالَغَةِ أوِ التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ حم مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ عِنْدَ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن تَتِمَّتِهِ مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ أوْ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِما بَعْدَهُ خَبَرُهُ
41:3Страница 477
كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣
является Писанием, аяты которого разъяснены в виде Корана на арабском языке для людей знающих.
﴿كِتابٌ﴾ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ والحَوْفِيِّ، وهو عَلى الأوْجُهِ الأوَّلِ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكِتابٍ، وإضافَةُ التَّنْزِيلِ إلى
صفحة 95
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن بَيْنَ أسْمائِهِ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَدارٌ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ واقِعٌ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءَ: 107] وتَفْصِيلُ آياتِهِ تَمْيِيزُها لَفْظًا بِفَواصِلِها ومَقاطِعِها ومَبادِئِ السُّوَرِ وخَواتِمِها، ومَعْنى بِكَوْنِها وعْدًا ووَعِيدًا وقَصَصًا وأحْكامًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ بَلْ مِن أنْصَفِ عِلْمٍ أنَّهُ لَيْسَ في بَدْءِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ عِبارَةً وإشارَةً مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وعَنِ السُّدِّيِّ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ بُيِّنَتْ فَفَصَلَ بَيْنَ حَرامِهِ وحَلالِهِ وزَجْرِهِ وأمْرِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقالَ الحَسَنُ: فُصِّلَتْ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ، وما ذَكَرْنا أوَّلًا أعَمُّ ولَعَلَّ ما ذَكَرُوهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ فُصِّلَتْ آياتُهُ في التَّنْزِيلِ أيْ لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً ولَيْسَ بِذاكَ. وقُرِئَ «( فَصَلَّتْ )» بِفَتْحِ الفاءِ والصّادِ مُخَفَّفَةً أيْ فَرَقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن خالَفَهُ عَلى أنَّ فَصَلَ مُتَعَدٍّ أوْ فَصَلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الفَواصِلِ والمَعانِي عَلى أنَّ فَصَلَ لازِمٌ بِمَعْنى انْفَصَلَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ [يُوسُفَ: 94] .
وقُرِئَ «فُصِلَتْ» بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُخَفَّفَةً عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ والمَعْنى عَلى ما مَرَّ ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) نُصِبَ عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ أعْنِي أوْ أمْدَحُ أوْ نَحْوِهِ أوْ عَلى الحالِ فَقِيلَ: مِن ( كِتابٌ ) لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وقِيلَ: مِن ( آياتُهُ ) وجُوِّزَ في هَذِهِ الحالِ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِنَفْسِها وأنْ تَكُونَ مُوَطِّئَةً لِلْحالِ بَعْدَها، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ يَقْرَؤُوهُ قُرْآنًا، وقالَ الأخْفَشُ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، وهو كَما تَرى إنْ لَمْ تَكُنْ أخْفَشَ، وأيًّا ما كانَ فَفي ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ امْتِنانٌ بِسُهُولَةِ قِراءَتِهِ وفَهْمِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانِ مَن نَزَلَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ مَعانِيَهُ لِكَوْنِهِ عَلى لِسانِهِمْ عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ أوْ لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولامُ ( لِقَوْمٍ ) تَعْلِيلِيَّةٌ أوِ اخْتِصاصِيَّةٌ وخَصَّهم بِذَلِكَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا في مَوْضِعِ صِفَةٍ أُخْرى - لِقُرْآنًا - أوْ صِلَةٌ - لِتَنْزِيلٍ - أوْ - لِفُصِّلَتْ - قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ، ولَعَلَّهُ أرادَ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الصِّفَةِ وهي
41:4Страница 477
بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤
Оно возвещает благую весть и предостерегает, однако большинство их отворачивается и не слышит.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ ومَوْصُوفِها وهو ( قُرْآنًا ) بِناءً عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ بِالصِّلَةِ وهي ( لِقَوْمٍ ) عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ - بِتَنْزِيلِ - أوْ - بِفُصِّلَتْ - وبَيْنَ الصِّلَةِ - ومَوْصُولِها بِالصِّفَةِ أيْ ( تَنْزِيلٌ ) أوْ ( فُصِّلَتْ ولِقَوْمٍ ) والجُمَعُ لِلْمُبالَغَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ لِمَن يُفَرِّقُ بَيْنَ آخَرِينَ: لا تَفْعَلْ فَإنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الإخْوانِ مَذْمُومٌ أوْ أرادَ لِئَلّا يُفَرِّقَ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ في الحُكْمِ مَعَ عَدَمِ المُوجِبِ لِلتَّفْرِيقِ وهو أنْ يَتَّصِلَ ( مِنَ اَلرَّحْمَنِ ) بِمَوْصُولِهِ ولا يَتَّصِلُ ( لِقَوْمٍ ) وكَذَلِكَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ وهو ( عَرَبِيًّا ) بِمَوْصُوفِهِ ولا يَتَّصِلُ ( بَشِيرًا ) والجَمْعُ لِذَلِكَ أيْضًا. واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ صِلَةً ( فُصِّلَتْ ) وقالَ: يَبْعُدُ تَعَلُّقُهُ - بِتَنْزِيلِ - لِكَوْنِهِ وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقِهِ إنْ كانَ ( مِنَ اَلرَّحْمَنِ ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أوْ أُبْدِلَ مِنهُ ( كِتابٌ ) أوْ كانَ خَبَرًا - لِتَنْزِيلِ - فَيَكُونُ في ذَلِكَ البَدَلِ مِنَ المَوْصُولِ أوِ الإخْبارِ عَنْهُ قَبْلَ أخْذِهِ مُتَعَلِّقَهُ وهو لا يَجُوزُ ولَعَلَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وكَوْنُ ( بَشِيرًا ) صِفَةً ( قُرْآنًا ) هو المَشْهُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ حالٌ مِن ( كِتابٌ ) أوْ مِن ( آياتُهُ ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بَشِيرٌ» و«نَذِيرٌ» بِرَفْعِهِما وهي رِوايَةٌ شاذَّةٌ عَنْ نافِعٍ عَلى الوَصْفِيَّةِ لِكِتابٍ أوِ الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ أيْ هو بَشِيرٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ ونَذِيرٌ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ عَنْ تَدَبُّرِهِ وقَبُولِهِ، والضَّمِيرُ لِلْقَوْمِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِيَعْلَمُونَ ولِلْكُفّارِ المَذْكُورِينَ حُكْمًا عَلى المَعْنى الثّانِي، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنْ يُرادَ بِهِ
صفحة 96
ما مِن شَأْنِهِمُ العِلْمُ والنَّظَرُ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَقْبَلُونَ ولا يُطِيعُونَ مِن قَوْلِكَ: تَشَفَّعْتُ إلى فُلانٍ فَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلِي ولَقَدْ سَمِعَهُ ولَكِنَّهُ لَمّا لَمْ يَقْبَلْهُ ولَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضاهُ فَكَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ أنْكَرُوا إعْجازَهُ والإذْعانَ لَهُ مَعَ العِلْمِ ولَمْ يَقْبَلُوا بَشائِرَهُ ونُذُرَهُ لِعَدَمِ التَّدَبُّرِ.
41:5Страница 477
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥
Они говорят: «Наши сердца закрыты для того, к чему ты призываешь нас, наши уши поражены глухотой, а между нами и тобой - завеса. Трудись же, и мы будем трудиться».
﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ أغْطِيَةٍ مُتَكاثِفَةٍ ﴿مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ( ومِن ) عَلى ما في البَحْرِ لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وأصْلُهُ الثِّقَلُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بِكَسْرِ الواوِ وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ غَلِيظٌ يَمْنَعُنا عَنِ التَّواصُلِ ومِن لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحِجابَ مُبْتَدَأٌ مِنَ الجانِبَيْنِ بِحَيْثُ اسْتَوْعَبَ ما بَيْنَهُما مِنَ المَسافَةِ المُتَوَسِّطَةِ ولَمْ يَبْقَ ثَمَّتُ فَراغٌ أصْلًا.
وتَوْضِيحُهُ أنَّ البَيْنَ بِمَعْنى الوَسْطِ بِالسُّكُونِ وإذا قِيلَ: بَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ صَدَقَ عَلى حِجابٍ كائِنٍ بَيْنَهُما اسْتَوْعَبَ أوَّلًا، وأمّا إذا قِيلَ: مِن بَيْنِنا فَيَدُلُّ عَلى أنَّ مُبْتَدَأُ الحِجابِ مِنَ الوَسْطِ أعْنِي طَرَفَهُ الَّذِي يَلِي المُتَكَلِّمَ فَسَواءٌ أُعِيدَ ( مِن ) أوْ لَمْ يُعَدْ يَكُونُ الطَّرَفُ الآخَرُ مُنْتَهًى بِاعْتِبارٍ ومُبْتَدَأً بِاعْتِبارٍ فَيَكُونُ الظّاهِرُ الِاسْتِيعابَ لِأنَّ جَمِيعَ الجِهَةِ أعْنِي البَيْنَ جُعِلَ مُبْتَدَأ الحِجابِ فالمُنْتَهى غَيْرُهُ البَتَّةَ، وهَذا كافٍ في الفَرْقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ كَيْفَ وقَدْ أُعِيدَ البَيْنُ لِاسْتِئْنافِ الِابْتِداءِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ أيْضًا إذْ لَوْ قِيلَ: ومِن بَيْنِنا بِتَغْلِيبِ المُتَكَلِّمِ لَكَفى، ثُمَّ ضَرُورَةُ العَطْفِ عَلى نَحْوِ بَيْنِي وبَيْنِكَ إنْ سَلَّمْتَ لا تُنافِي إرادَةَ الإعادَةِ لَهُ فَتَدَبَّرْ، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ تَمْثِيلاتٌ لِنَبْوِ قُلُوبِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ وقَبُولِهِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ وامْتِناعِ مُواصَلَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأرادُوا بِذَلِكَ إقْناطَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ اتِّباعِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى لا يَدْعُوَهم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ لَمّا كانَ القَلْبُ مَحَلَّ المَعْرِفَةِ والسَّمْعُ والبَصَرُ مُعِينانِ عَلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ ذَكَرُوا أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ عَنْ أنْ يَصِلَ إلَيْها مِمّا يُلْقِيهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْءٌ مُؤْلِمٌ يَقُولُوا عَلى قُلُوبِنا أكِنَّةٌ كَما قالُوا: وفي آذانِنا وقْرٌ لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ في جَعْلِ القُلُوبِ والآذانِ مُسْتَقِرَّ الأكِنَّةِ والوَقْرُ وإنْ كانَ أحَدَهُما اسْتِقْرارَ اسْتِعْلاءٍ والثّانِي اسْتِقْرارَ احْتِواءٍ إذْ لا فَرْقَ في المَعْنى بَيْنَ قُلُوبِنا في أكِنَّةٍ وعَلى قُلُوبِنا أكِنَّةٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكَهْفَ: 57] ولَوْ قِيلَ إنّا جَعَلَنا قُلُوبَهم في أكِنَّةٍ لَمْ يَخْتَلِفِ المَعْنى فالمُطابَقَةُ حاصِلَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى والمَطابِيعُ مِنَ العَرَبِ لا يُراعُونَ الطِّباقَ والمُلاحَظَةَ إلّا في المَعانِي، واخْتِصاصُ كُلٍّ مِنَ العِبارَتَيْنِ بِمَوْضِعِهِ لِلتَّفَنُّنِ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ كانَ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ والقَهْرِ أنْسَبَ، وها هُنا لَمّا كانَ حِكايَةً عَنْ مَقالِهِمْ كانَ مَعْنى الِاحْتِواءِ أقْرَبَ، كَذا حَقَّقَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ ودَغْدَغَ فِيهِ، وتَفْسِيرُ الأكِنَّةِ بِالأغْطِيَةِ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَهي جَمْعُ كِنانٍ كَغِطاءٍ لَفْظًا ومَعْنى، وقِيلَ: هي ما يُجْعَلُ فِيها السِّهامُ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ قالُوا كالجَعْبَةِ لِلنَّبْلِ ﴿فاعْمَلْ﴾ عَلى دِينِكَ وقِيلَ في إبْطالِ أمْرِنا ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ عَلى دِينِنا وقِيلَ: في إبْطالِ أمْرِكَ والكَلامُ عَلى الأوَّلِ مُتارَكَةٌ وتَقْنِيطٌ عَنِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَقْصُودُهم أنَّنا عامِلُونَ، والأوَّلُ تَوْطِئَةٌ لَهُ، وحاصِلُ المَعْنى أنّا لا نَتْرُكُ دِينَنا بَلْ نَثْبُتُ عَلَيْهِ
صفحة 97
كَما تَثْبُتُ عَلى دِينِكَ، وعَلى الثّانِي هو مُبارَزَةٌ بِالخِلافِ والجِدالِ، وقائِلُ ما ذُكِرَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ جَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ.
فَفِي خَبَرٍ أخْرَجَهُ أبُو سَهْلٍ السَّرِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ القُدُّوسِ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «أقْبَلَتْ قُرَيْشٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهم: ما يَمْنَعُكم مِنَ الإسْلامِ فَتَسُودُوا العَرَبَ ؟ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَفْقَةُ ما تَقُولُ ولا نَسْمَعُهُ وأنَّ عَلى قُلُوبِنا لَغُلْفًا وأخَذَ أبُو جَهْلٍ ثَوْبًا فَمَدَّهُ فَما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ، وفِيهِ فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أقْبَلَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اعْرِضْ عَلَيْنا الإسْلامَ فَلَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الإسْلامَ أسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِالأمْسِ تَزْعُمُونَ أنَّ عَلى قُلُوبِكم غُلْفًا وقُلُوبَكم في أكِنَّةٍ مِمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وفي آذانِكم وقْرًا وأصْبَحْتُمُ اليَوْمَ مُسْلِمِينَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَذَبْنا واللَّهِ بِالأمْسِ لَوْ كَذَلِكَ ما اهْتَدَيْنا أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى الصّادِقُ والعِبادَ الكاذِبُونَ عَلَيْهِ وهو الغَنِيُّ ونَحْنُ الفُقَراءُ إلَيْهِ»
41:6Страница 477
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦
Скажи: «Я - такой же человек, как и вы. Мне внушено в откровении, что ваш бог - Бог Единственный. Идите к Нему прямым путем и просите у Него прощения. И горе многобожникам,
﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لَسْتُ مَلَكًا ولا جِنِّيًّا لا يُمَكِّنُكُمُ التَّلَقِّي مِنهُ. وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: بَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ ﴿يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ ولا أدْعُوكم إلى ما تَنْبُو عَنْهُ العُقُولُ وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلائِلُ العَقْلِ وشَهِدَتْ لَهُ شَواهِدُ السَّمْعِ، وهَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ فاسْتَوُوا إلَيْهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العِبادَةِ ولا تَتَمَسَّكُوا بِعُرا الشِّرْكِ وتَقُولُوا لِمَن يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ.. إلَخْ.
﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ مِمّا سَلَفَ مِنكم مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ وهَذا وجْهٌ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ في رَبْطِ الأمْرِ بِما قَبْلَهُ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أيْ لَسْتُ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى يَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكم حِجابٌ وتَبايُنٌ مُصَحِّحٌ لِتَبايُنِ الأعْمالِ والأدْيانِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُكم: ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ بَلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم مَأْمُورٌ بِما آمُرُكم بِهِ حَيْثُ أُخْبِرْنا جَمِيعًا بِالتَّوْحِيدِ بِخِطابٍ جامِعٍ بَيْنِي وبَيْنَكم، فَإنَّ الخِطابَ في ( إلَهُكم ) مَحْكِيٌّ مُنْتَظِمٌ لِلْكُلِّ لا أنَّهُ خِطابٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْكَفَرَةِ كَما في مَثَلِكم وهو مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِيارِ الوَجْهِ الأوَّلِ في ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ولا بَأْسَ بِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ نَعَمْ فِيهِ قُصُورٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: لَيْسَ هَذا جَوابًا لِقَوْلِهِمْ إذْ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ، وحاصِلُهُ لا تَتْرُكْهم وما يَدِينُونَ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ المَقْصُودِ مِنهُ أنْ تَتْرُكَهم، سَلَّمْنا أنَّهُ جَوابٌ لَكِنَّ المُرادَ مِنهُ أنِّي بَشَرٌ فَلا أقْدِرُ أنْ أُخْرِجَ قُلُوبَكم مِنَ الأكِنَّةِ وأرْفَعَ الحِجابَ مِنَ البَيْنِ والوَقْرَ مِنَ الآذانِ ولَكِنِّي أُوحِيَ إلَيَّ وأُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ ولِلْإمامِ كَلامٌ قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ التَّسْلِيمِ، وكِلا الكَلامَيْنِ غَيْرُ وافٍ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابًا مِن أنَّ المُشْرِكِينَ طالَما يَتَمَسَّكُونَ في رَدِّ النُّبُوَّةِ بِأنَّ مُدَّعِيَها بَشَرٌ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا ولِذا لا يُصْغُونَ إلى قَوْلِ الرَّسُولِ ولا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ» مِن بابِ القَلْبِ عَلَيْهِمْ لا القَوْلِ بِالمُوجَبِ ولا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ في شَيْءٍ كَما قِيلَ كَأنَّهُ ﷺ قالَ: ما تَمَسَّكْتُمْ بِهِ في رَدِّ نُبُوَّتِي مِن أنِّي بَشَرٌ هو الَّذِي يُصَحِّحُ نُبُوَّتِي إذْ لا يَحْسُنُ في الحِكْمَةِ أنْ يُرْسَلَ إلَيْكُمُ المَلَكُ فَهَذا يُوجِبُ قَبُولَكم لا الرَّدَّ والغُلُوَّ في الإعْراضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكُمْ﴾ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ البِعْثَةِ بَعْدَ إثْباتِ النُّبُوَّةِ أوَّلًا مَفَصَّلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: حم الآياتِ ومُجْمَلًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ ثُمَّ قِيلَ: ﴿أنَّما إلَهُكُمْ﴾ بَيانًا لِلْمَقْصُودِ فَقَوْلُهُ ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ مَسُوقٌ لِلتَّمْهِيدِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى
صفحة 98
إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وهَذا المَعْنى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ مِن ﴿فاعْمَلْ﴾ .. إلَخْ. فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَوَجْهُهُ أنَّ الدِّينَ هو جُمْلَةُ ما يَلْتَزِمُهُ المَبْعُوثُ إلَيْهِ مِن طاعَةِ الباعِثِ تَعالى بِوَساطَةِ تَبْلِيغِ المَبْعُوثِ فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ المُسَبَّبَةِ عَنْ دَلِيلِها فَأظْهَرُوا بِذَلِكَ أنَّهم مُنْقادُونَ لِما قَرَّرَ لَدَيْهِمْ آباؤُهم مِن مُنافاةِ النُّبُوَّةِ لِلْبَشَرِيَّةِ وأنَّهُ دِينُهم فَقِيلَ لَهم ما قِيلَ، وهو عَلى هَذا الوَجْهِ أكْثَرُ طِباقًا وأبْلَغُ، وهَذا حَسَنٌ دَقِيقٌ وما ذُكِرَ أوَّلًا أسْرَعُ تَبادُرًا، وفي الكَشْفِ أنَّ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمُ الإعْجازَ والنُّبُوَّةَ وقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا﴾ يُقابِلُ عَدَمَ القَبُولِ وفِيهِ رَمْزٌ إلى شَيْءٍ مِمّا سَمِعْتَ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( قالَ إنَّما ) فِعْلًا ماضِيًا، وقَرَأ النَّخَعِيُّ والأعْمَشُ «يُوحِي» بِكَسْرِ الحاءِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ أيْ يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ.
﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ مِن شِرْكِهِمْ بِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ
41:7Страница 477
ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧
которые не выплачивают закята и не веруют в Последнюю жизнь».
﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لِبُخْلِهِمْ وعَدَمِ إشْفاقِهِمْ عَلى الخَلْقِ وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الرَّذائِلِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ - وهم - الثّانِي ضَمِيرُ فَصْلٍ ( وبِالآخِرَةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِكافِرُونَ، والتَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ امْتِناعَهم عَنِ الزَّكاةِ لِاسْتِغْراقِهِمْ في الدُّنْيا وإنْكارِهِمْ لِلْآخِرَةِ، وحَمْلُ الزَّكاةِ عَلى مَعْناها الشَّرْعِيِّ مِمّا قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ: الزَّكاةُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ أيْ لا يَفْعَلُونَ ما يُزَكِّي أنْفُسَهم وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
وعَنْ مُجاهِدٍ والرَّبِيعِ لا يُزَكُّونَ أعْمالَهم، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: في ذَلِكَ أيْ لا يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكَذا الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ. وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ فالمَعْنى حِينَئِذٍ لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ، واخْتارَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ قالَ: والمَعْنى عَلَيْهِ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ تَعالى وتُوبُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِمّا سَبَقَ لَكم مِنَ الشِّرْكِ ووَيْلٌ لَكم إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ مَنعُ إيتاءِ الزَّكاةِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ الِاسْتِقامَةَ عَلى التَّوْحِيدِ وإخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى والتَّبَرِّي عَنِ الشِّرْكِ هو تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، وهو أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ حَبْرُ الأُمَّةِ إلّا لِمُراعاةِ النَّظْمِ، وجَعَلَ قَوْلَهُ:
41:8Страница 477
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Воистину, тем, которые уверовали и совершали праведные деяния, уготована неиссякаемая награда.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ مَذْكُورًا عَلى جِهَةِ الِاسْتِطْرادِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ وأنَّ نَصِيبَهم مَقْطُوعٌ حَيْثُ لَمْ ( يُزَكُّوا ) أنْفُسَهم كَما زُكُّوا، واسْتَدَلَّ عَلى الِاسْتِطْرادِ بِالآيَةِ بَعْدُ، وفي الكَشْفِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ والمُشْرِكُونَ باقٍ عَلى عُمُومِهِ لا مِن بابِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ كَهَذا القَوْلِ وأنَّ الجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةٌ كالتَّعْلِيلِ لِما أمَرَهم بِهِ وكَذَلِكَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ وطُوبى لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِما مِنَ التَّحْذِيرِ والتَّرْغِيبِ ما يُؤَكِّدُ أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ والِاسْتِقامَةِ تَأْكِيدٌ لا يَخْفى حالُهُ عَلى ذِي لُبٍّ، وكَذَلِكَ الزَّكاةُ فِيهِ عَلى الظّاهِرِ، وخُصَّ مِن بَيْنِ أوْصافِ الكَفَرَةِ مَنعُها لِما أنَّها مِعْيارٌ عَلى الإيمانِ المُسْتَكِنِّ في القَلْبِ كَيْفَ، وقَدْ قِيلَ: المالُ شَقِيقُ الرُّوحِ بَلْ قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:
وقالُوا شَقِيقُ الرُّوحِ مالُكَ فاحْتَفِظْ بِهِ فَأجَبْتُ المالُ خَيْرٌ مِنَ الرُّوحِ
أرى حِفْظَهُ يَقْضِي بِتَحْسِينِ حالَتِي ∗∗∗ وتَضْيِيعَهُ يُفْضِي لِتَسْآلِ مَقْبُوحِ
والصَّرْفُ عَنِ الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ الشّائِعَةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ لا يَجُوزُ كَيْفَ ومَعْنى الإيتاءِ لا يَقَرُّ قَرارُهُ، نَعَمْ لَوْ كانَ بَدَلَهُ يَأْتُونَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾ [التَّوْبَةَ: 54] لَحَسُنَ لا يُقالُ: إنَّ الزَّكاةَ فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ لِأنّا نَقُولُ: إطْلاقُ الِاسْمِ عَلى طائِفَةٍ مُخْرِجَةٍ مِنَ المالِ عَلى وجْهٍ مِنَ القُرْبَةِ مَخْصُوصٍ كانَ شائِعًا قَبْلَ فَرْضِيَّتِها بِدَلِيلِ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ، عَلى أنَّ هَذا الحَقَّ عَلى هَذا الوَجْهِ المَعْرُوفِ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ،
صفحة 99
وقَدْ كانَ في مَكَّةَ فُرِضَ شَيْءٌ مِنَ المالِ يُخْرَجُ إلى المُسْتَحِقِّ لا عَلى هَذا الوَجْهِ وكانَ يُسَمّى زَكاةً أيْضًا ثُمَّ نُسِخَ. انْتَهى. . ومِنهُ يُعْلَمُ سُقُوطُ ما قالَهُ الطَّيِّبِيُّ. بَقِيَ مُخالَفَةُ الحَبْرِ وهي لا تَتَحَقَّقُ إلّا إذا تَحَقَّقَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ وبَعْدَهُ الأمْرُ أيْضًا سَهْلٌ، ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقْرَأُ لا يَأْتُونَ مِنَ الإتْيانِ إذِ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ تَأْبى ذَلِكَ إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، والعَجَبُ نِسْبَةُ ما ذُكِرَ عَنِ الحَبْرِ في البَحْرِ إلى الجُمْهُورِ أيْضًا، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مَخْلَصُ بَعْضٍ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِتَكْلِيفِ الكَفّارِ بِالفُرُوعِ لَكِنْ لا يَخْفى حالُ الحَمْلِ وهي عَلى المَعْنى المُتَبادَرِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ومِمَّنْ لا يَقُولُ بِهِ قالَ: هم مُكَلَّفُونَ بِاعْتِقادِ حَقِّيَّتِها دُونَ إيقاعِها والتَّكْلِيفُ بِهِ بَعْدَ الإيمانِ فَمَعْنى الآيَةِ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ بَعْدَ الإيمانِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يُقِرُّونَ بِفَرْضِيَّتِها، والقَوْلُ بِتَكْلِيفِ المَجْنُونِ أقْرَبُ مِن هَذا التَّأْوِيلِ، وقِيلَ كَلِمَةُ ( ويْلٌ ) تَدُلُّ عَلى الذَّمِّ لا التَّكْلِيفِ وهو مَذْمُومٌ عَقْلًا، وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، هَذا وقِيلَ: في ( مَمْنُونٍ ) لا يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَنِّ بِمَعْنى تَعْدادِ النِّعَمِ، وأصْلُ مَعْناهُ الثِّقَلُ فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ لِثِقَلِهِ عَلى المَمْنُونِ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَنقُوصِ، وأنْشَدُوا لِذِي الأُصْبُعِ العُدْوانِيِّ:
إنِّي لَعَمْرُكَ ما بابِي بِذِي غَلْقٍ ∗∗∗ عَنِ الصَّدِيقِ ولا زادِي بِمَمْنُونِ
والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ نَزَلَتْ في المَرْضى والهَرْمى إذا عَجَزُوا عَنْ كَمالِ الطّاعاتِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ في المَرَضِ والهَرَمِ مِثْلُ الَّذِي كانَ يُكْتَبُ لَهم وهم أصِحّاءُ وشُبّانٌ ولا تَنْقُصُ أُجُورُهم وذَلِكَ مِن عَظِيمِ كَرَمِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ
41:9Страница 477
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Скажи: «Неужели вы не веруете в Того, Кто создал землю за два дня, и равняете с Ним других? Он же - Господь миров.
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ والكَلامُ فِيها كَثِيرٌ ومِنهُ ما لَيْسَ بِالمَشْهُورِ ولْنَبْدَأْ بِما هو المَشْهُورُ وبَعْدَ التَّمامِ نَذْكُرُ الآخَرَ فَنَقُولُ: هَذا إنْكارٌ وتَشْنِيعٌ لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ اللّامَ إمّا لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَقْدِيمُ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُفْرَهم مِنَ البُعْدِ بِحَيْثُ يُنْكِرُ العُقَلاءُ وُقُوعَهُ فَيَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، وعَلَّقَ سُبْحانَهُ كُفْرَهم بِالمَوْصُولِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ تَعالى واسْتِعْظامِ كُفْرِهِمْ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ الجِسْمُ المَعْرُوفُ، وقِيلَ: لَعَلَّ المُرادَ مِنها ما في جِهَةِ السُّفْلِ مِنَ الأجْرامِ الكَثِيفَةِ واللَّطِيفَةِ مِنَ التُّرابِ والماءِ والهَواءِ تَجَوُّزًا بِاسْتِعْمالِها في لازِمِ المَعْنى عَلى ما قِيلَ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ وحُمِلَتْ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَخْلُوَ الكَلامُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِمُدَّةِ خَلْقِ ما عَدا التُّرابَ، ومِن خَلْقِها في يَوْمَيْنِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ لَها أصْلًا مُشْتَرَكًا ثُمَّ خَلَقَ لَها صُوَرًا بِها تَنَوَّعَتْ إلى أنْواعٍ، واليَوْمُ في المَشْهُورِ عِبارَةٌ عَنْ زَمانِ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأُفُقِ وأُرِيدَ مِنهُ ها هُنا الوَقْتُ مُطْلَقًا لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ والكَواكِبِ والأرْضِ نَفْسِها ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمِقْدارِ اليَوْمِ المَعْرُوفِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أقَلَّ مِنهُ أوْ أكْثَرَ والأقَلُّ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ اليَوْمَيْنِ ظَرْفانِ لِخَلْقِ الأرْضِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَوْزِيعٍ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ أصْلَها ومادَّتَها في يَوْمٍ وصَوَّرَها وطَبَقاتِها في آخَرَ، وقالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ المُرادُ بِخَلْقِ الأرْضِ تَقْدِيرُ وجُودِها أيْ حَكَمَ بِأنَّها سَتُوجَدُ في يَوْمَيْنِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 59] والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ تَعالى إلْحادُهم في ذاتِهِ سُبْحانَهُ وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ وخُرُوجُهم عَنِ الحَقِّ اللّازِمِ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى عِبادِهِ مِن تَوْحِيدِهِ واعْتِقادِ ما يَلِيقُ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَلا يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَنْ صِفاتِ الأجْسامِ ولا يُثْبِتُونَ لَهُ القُدْرَةَ التّامَّةَ والنُّعُوتَ اللّائِقَةَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا يَعْتَرِفُونَ بِإرْسالِهِ تَعالى الرُّسُلَ وبَعْثِهِ سُبْحانَهُ الأمْواتَ حَتّى كَأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ العِبادَ عَبَثًا وتَرَكَهم سُدًى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ عَطْفٌ عَلى تَكْفُرُونَ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ،
صفحة 100
وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( خَلَقَ ) لا يَخْفى حالُهُ، وجَمْعُ الأنْدادِ بِاعْتِبارِ ما هو الواقِعُ لا بِأنْ يَكُونَ مَدارُ الإنْكارِ هو التَّعَدُّدُ أيْ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا وأكْفاءً مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ وغَيْرِهِمْ والحالُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ نِدٌّ واحِدٌ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في العَظَمَةِ، وإفْرادُ الكافِ لِما أنَّ المُرادَ لَيْسَ تَعْيِينَ المُخاطَبِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ ومُرَبِّيها دُونَ الأرْضِ خاصَّةً فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ نِدًّا لَهُ عَزَّ وجَلَّ،
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии