Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
الفرقان
Аль-Фуркан
аль-Фуркан · Мекканская · 77 аятов
25:1Страница 359
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Благословен Тот, Кто ниспослал Своему рабу Различение (Коран), чтобы он предостерег миры.
سُورَةُ الفُرْقانِ
أطْلَقَ الجُمْهُورُ القَوْلَ بِمَكِّيَّتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفَرْقانُ: 68- 70]، وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ إلّا أوَّلَها إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا نُشُورًا﴾ [الفَرْقانُ: 3] فَهو مَكِّيٌّ، وعَدَدُ آياتِها سَبْعٌ وسَبْعُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ كَما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ والدّانِيُّ في كِتابِ العَدَدِ، ولَمّا ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في آخِرِ السُّورَةِ السّابِقَةِ وُجُوبَ مُتابَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ ومَدَحَ المُتابِعِينَ وحَذَّرَ المُخالِفِينَ افْتَتَحَ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يَدُلُّ عَلى تَعالِيهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَمّا سِواهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ أوْ عَلى كَثْرَةِ خَيْرِهِ تَعالى ودَوامِهِ وأنَّهُ أنْزَلَ الفَرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا إطْماعًا في خَيْرِهِ وتَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وفي هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا مِن تَأْكِيدِ ما في السّابِقَةِ مِن مَدْحِ الرَّسُولِ ﷺ ما فِيها فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أيْ تَعالى جَلَّ شَأْنُهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأبْلَغِهِ كَما يَشْعُرُ بِهِ إسْنادُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ إلَيْهِ وهَذا الفِعْلُ لا يُسْنَدُ في الأغْلَبِ إلى غَيْرِهِ تَعالى ومِثْلُهُ- تَعالى- ولا يَتَصَرَّفُ فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا أمْرٌ ولا في الأغْلَبِ أيْضًا وإلّا فَقَدَ قَرَأ أُبَيٌّ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلِها، وجاءَ كَما في الكَشْفِ تَبارَكَتِ النَّخْلَةُ أيْ تَعالَتْ، وحَكى الأصْمَعِيُّ أنَّ أعْرابِيًّا صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ: تَبارَكَتْ عَلَيْكُمْ، وقالَ الشّاعِرُ:
إلى الجِذْعِ جِذْعِ النَّخْلَةِ المُتَبارِكِ
وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى تَبارَكَ تَمَجَّدَ، وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ وهو قَرِيبٌ مِن قَرِيبٍ، وعَنِ الحُسْنِ والنَّخْعِيِّ أنَّ المَعْنى تَزايَدَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وتَكاثَرَ وهي إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ثانِيَتَهُما أنَّ المَعْنى لَمْ يَزَلْ، ولا يَزالُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ تَبارَكَ مِنَ البَرَكَةِ وهي في الأصْلِ مَأْخُوذَةٌ مِن بَرَكَ البَعِيرُ وهو صَدْرُهُ ومِنهُ بَرَكَ البَعِيرُ إذا ألْقى بَرْكَهُ عَلى الأرْضِ واعْتَبَرَ فِيهِ مَعْنى اللُّزُومَ فَقِيلَ بَراكاءِ الحَرْبِ وبَرَكاؤُها لِلْمَكانِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الأبْطالُ وسُمِّيَ مَحْبَسُ الماءِ بَرَكَةً كَسِدْرَةٍ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ثُبُوتِ الخَيْرِ الإلَهِيِّ في الشَّيْءِ ثُبُوتِ الماءِ في البَرَكَةِ، وقِيلَ: لِما فِيهِ ذَلِكَ الخَيْرُ مُبارَكٌ ولَمّا كانَ الخَيْرُ الإلَهِيُّ يَصْدُرُ مِن حَيْثُ لا يُحِسُّ وعَلى وجْهٍ لا يُحْصى ولا يُحْصَرُ قِيلَ لِكُلِّ ما يُشاهِدُهُ فِيهِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ هو مُبارَكٌ وفِيهِ بَرَكَةٌ فَمَنِ اعْتَبَرَ مَعْنى اللُّزُومَ كابْنِ عَبّاسٍ بِناءً عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ عَنْهُ قالَ: المَعْنى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ومَنِ اعْتَبَرَ مَعْنى التَّزايُدِ انْقَسَمَ إلى طائِفَتَيْنِ فَطائِفَةٌ جَعَلُوهُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الذّاتِ في نَفْسِها ونُقْصانِ ما سِواها فَفَسَّرُوا ذَلِكَ
صفحة 231
بِالتَّعالِي ونَحْوِهِ وطائِفَةٍ جَعَلُوهُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الفِعْلِ فَفَسَّرُوهُ بِتَزايُدِ الخَيْرِ وتَكاثُرِهِ ولا اعْتِبارٍ لِلتَّغَيُّرِ المَبْنِيِّ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى اللُّزُومِ لِقِلَّةِ فائِدَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وعَدَمُ مُناسِبَةِ ذَلِكَ المَعْنى لِما بَعْدُ، ومِن هُنا رَدَّدَ الجُمْهُورُ المَعْنى بَيْنَ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومَن مَعَهُ وتَرْتِيبُ وصْفِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تَبارَكَ﴾ بِالمَعْنى الأوَّلِ عَلى إنْزالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ الفَرْقانِ لَمّا أنَّهُ ناطِقٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وسُمُوِّ صِفاتِهِ وابْتِناءِ أفْعالِهِ عَلى أساسِ الحُكْمِ والمَصالِحِ وخُلُوِّها عَنْ شائِبَةِ الخَلَلِ بِالكُلِّيَّةِ وتَرْتِيبِ ذَلِكَ بِالمَعْنى الثّانِي عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأنَّهُ هِدايَةٌ ورَحْمَةٌ لِلْعالِمِينَ، وفِيهِ ما يَنْتَظِمُ بِهِ أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ ورَجَّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِهِ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ في اخْتِصاصِ النَّذِيرِ دُونَ البَشِيرِ سُلُوكُ طَرِيقَةِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ والإيذانِ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُعانِدِينَ المُتَّخِذِينَ لِلَّهِ تَعالى ولَدًا وشَرِيكًا الطّاعِنِينَ فى ( كُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمُ الآخِرِ ) [النِّساءُ: 136]، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ تَبارَكَ بِتَزايُدٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وتَعالى عَنْهُ في صِفاتِهِ وأفْعالِهِ جَلَّ وعَلا لِإفادَتِهِ صِفَةَ الجَلالِ والهَيْبَةِ وإيذانِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِتَعالِيهِ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ، و(الفُرْقانَ ) مَصْدَرُ فَرَّقَ الشَّيْءَ وعَنْهُ إذا فَصَلَهُ، ويُقالُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ فَرَقَّتْ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا فَصَلَتْ بَيْنَهُما سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِفَصْلٍ يُدْرِكُهُ البَصَرُ أوْ بِفَصْلٍ تُدْرِكُهُ البَصِيرَةُ، والتَّفْرِيقُ بِمَعْناهُ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ دُونَهُ، وقِيلَ إنَّ الفَرْقَ في المَعانِي والتَّفْرِيقُ في الأجْسامِ والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ لِفَصْلِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِما فِيهِ مِنَ البَيانِ أوْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ أوْ لِكَوْنِهِ مَفْصُولًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ في نَفْسِهِ أوْ في الإنْزالِ حَيْثُ لَمْ يَنْزِلُ دُفْعَةً كَسائِرِ الكُتُبِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ في ذَلِكَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ هي إقْبالٌ وإدْبارٌ فَلا تَغْفُلْ.
والمُرادُ بِعَبْدِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَشْرِيفِهِ والإيذانِ بِكَوْنِهِ صَلَواتِ اللَّهِ تَعالى وسَلامِهِ عَلَيْهِ في أقْصى مَراتِبِ العُبُودِيَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا عَبْدًا لِلْمُرْسَلِ رَدًّا عَلى النَّصارى، وقِيلَ: المُرادُ بِالفُرْقانِ جَمِيعُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِأنَّها كُلُّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وبِعَبْدِهِ الجِنْسِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، وأيَّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «عَلى عِبادِهِ»، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ، والمُرادُ بِالعِبادِ في قِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمَتُّهُ، والإنْزالُ كَما يُضافُ إلى الرَّسُولِ ﷺ يُضافُ إلى أُمَّتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ [الأنْبِياءُ: 10، النُّورُ: 34] لِأنَّهُ واصِلٌ إلَيْهِمْ ونُزُولَهُ لِأجْلِهِمْ فَكَأنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ إنْزالُهُ حَقِيقَةً عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ المُرادُ بِالجَمْعِ هو ﷺ وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ تَعْظِيمًا، وضَمِيرُ يَكُونُ عائِدٌ عَلى عَبْدِهِ، وقِيلَ عَلى ﴿الفُرْقانَ﴾ وإسْنادُ الإنْذارِ إلَيْهِ مَجازٌ، وقِيلَ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْهُ تَعالى، ورَجَّحَ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلَ والإنْذارَ مِن صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدُّخانُ: 3] وقِيلَ عَلى التَّنْزِيلِ المَفْهُومِ مِن ( نَزَّلَ ) والمُتَبادِرِ إلى الفَهْمِ هو الأوَّلُ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما بَعْدُ، والنَّذِيرُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرٍ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى إنْذارٍ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى إنْكارِ وحُكْمُ الأخْبارِ بِالمَصْدَرِ شَهِيرٌ، والإنْذارُ إخْبارٌ فِيهِ تَخْوِيفٌ ويُقابِلُهُ التَّبْشِيرُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لِما مَرَّ آنِفًا، والمُرادُ بِالعالَمِينَ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ العالَمِينَ الإنْسِ والجِنِّ مِمَّنْ عاصَرَهُ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِلْعالَمِينَ لِلْجِنِّ والإنْسِ وإرْسالِهِ ﷺ إلَيْهِمْ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وكَذا المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كالسُّبْكِيِّ ومَن تَبِعَهُ ورَدَّ عَلى مَن
صفحة 232
خالَفَ ذَلِكَ، وادَّعى بَعْضُهم دَلالَةَ الآيَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ العالِمَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ العَلِيِّ فَيَشْمَلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وصِيغَةُ جَمِيعِ العُقَلاءِ لِلتَّغْلِيبِ أوْ جَمْعٍ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالعُقَلاءِ.
ومِن قالَ كالبارِزِيِّ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْسَلَ حَتّى إلى الجَماداتِ بَعْدَ جَعْلِها مُدْرِكَةً لِظاهِرِ خَبَرٍ مُسْلِمٌ «وأُرْسِلَتْ إلى الخَلْقِ كافَّةً» لَمْ يُخَصَّصْ، واكْتَفى بِالتَّغْلِيبِ وفائِدَةُ الإرْسالِ لِلْمَعْصُومِ وغَيْرِ المُكَلِّفِ طَلَبَ إذْعانِهِما لِشَرَفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ودُخُولِهِما تَحْتَ دَعْوَتِهِ واتِّباعِهِ تَشْرِيفًا عَلى سائِرِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلتَّشْوِيقِ ومُراعاةِ الفَواصِلِ ولِلْحَصْرِ أيْضًا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في العالَمِينَ، وإبْرازُ تَنْزِيلِ الفَرْقانِ في مَعْرِضِ الصِّلَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُولِ عِنْدَ السّامِعِ مَعَ إنْكارِ الكَفَرَةِ لَهُ لِإجْرائِهِ مَجْرى المَعْلُومِ المُسْلِمِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ دَلائِلِهِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْهَلُهُ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البَقَرَةُ: 2، وغَيْرُها] وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ مِنَ الصِّلاتِ الَّتِي يُنْكِرُها الكَفَرَةُ: وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ لِما ذُكِرَ إذْ يَكْفِي في الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلسّامِعِ المُخاطَبِ بِها ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِكُلِّ سامِعٍ، والمُخاطِبُ بِها هُنا هو رَسُولًا لِلَّهِ ﷺ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عالِمٌ بِثُبُوتِها لِلْمَوْصُولِ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ فِيها، أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وإنَّ تَعْرِيفَ المَوْصُولِ كَتَعْرِيفِ ألْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ والجِنْسِ وأنَّهُ قَدْ تَكُونُ صِلَتُهُ مُبْهَمَةً لِلتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ:
فَإنْ أسْتَطِعْ أغْلَبَ وأنْ يَغْلِبَ الهَوى ∗∗∗ فَمِثْلُ الَّذِي لاقَيْتُ يَغْلِبُ صاحِبَهُ
وما ذَكَرَ أوَّلًا مِن تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ المَعْلُومِ أبْلَغُ لِكَوْنِهِ كِنايَةً عَمّا ذَكَرَ مُناسِبَةً لِلرَّدِّ عَلى مَن أنْكَرَ النُّبُوَّةَ وتَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى.
25:2Страница 359
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢
Ему принадлежит власть над небесами и землей. Он не взял Себе сына и ни с кем не делил власть. Он сотворил всякую вещь и придал ей соразмерную меру (или предопределил ее).
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا السُّلْطانُ القاهِرُ والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ عَلَيْهِما المُسْتَلْزِمُ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيما إيجادًا وإعْدامًا وإحْياءً وإماتَةً وأمْرًا ونَهْيًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحُكْمِ والمَصالِحِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلِها أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وما بَيْنَهُما لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ لِأنَّهُ مِن تَمامِ الصِّلَةِ ومُتَعَلِّقٌ بِها فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِهِ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ كَما في البَحْرِ أوْ مَحَلِّهِ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرٍ هو أوْ أمْدَحُ.
واخْتارَ الطِّيبِيُّ أنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ عَلى الإبْدالِ وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِأنَّ مِن حَقِّ الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ المُخاطَبِ وتَكُ الصِّلَةُ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً عِنْدَ المُعانِدِينَ فَأبْدِلْ ( الَّذِي لَهُ ) إلَخْ بَيانًا وتَفْسِيرًا وهو بَعِيدٌ مِن مِثْلِهِ وسُبْحانَهُ مَن لا يُعابُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ أيْ لَمْ يَنْزِلْ أحَدٌ مَنزِلَةَ الوَلَدِ، وقِيلَ أيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ كَما يَزْعُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ في حَقِّ المَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَقُولُونَ فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلِها مِنَ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ أيْ مُلْكِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأفْرَدَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ ما ذَكَرَ مِنِ اخْتِصاصِ مَلِكِهِما بِهِ تَعالى مُسْتَلْزِمٌ لَهُ قَطْعًا لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ زَعْمِ الثَّنَوِيَّةِ القائِلِينَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ والرَّدِّ في نُحُورِهِمْ وتَسَيُّطِ نَفْيِ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَيْنَهُما لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِهِ وأصالَتِهِ
صفحة 233
والِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمٍ كَوْنُهُ تَتِمَّةً لِلْأوَّلِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ أحْدَثَهُ إحْداثًا جارِيًا عَلى سُنَنِ التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ إرادَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ كَخِلْقَةِ الإنْسانِ مِن مَوادٍّ مَخْصُوصَةٍ وصُوَرٍ وأشْكالٍ مُعَيَّنَةٍ ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أيْ هَيَّأهُ لِما أرادَ بِهِ مِنَ الخَصائِصِ والأفْعالِ اللّائِقَةِ بِهِ واسْتِنْباطِ الصَّنائِعِ المُتَنَوِّعَةِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ المُخْتَلِفَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَلا تَكْرارَ في الآيَةِ لِما ظَهَرَ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ الدّالَّ عَلَيْهِ الخَلْقُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ والمُعَبَّرِ عَنْهُ بِلَفْظِهِ بِمَعْنى التَّهْيِئَةِ وهُما غَيْرانَ والخَلْقُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ مَجازًا بَلْ مَنقُولًا عُرْفِيًّا في مَعْنى الإحْداثِ والإيجادُ غَيْرُ مُلاحَظٍ فِيهِ التَّقْدِيرُ وإنْ لَمْ يَخْلُ عَنْهُ ولِهَذا صَحَّ التَّجَوُّزُ ويَكُونُ التَّصْرِيحُ بِالتَّقْدِيرِ دَلالَةً عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ فَكَأنَّهُ قِيلَ وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ لَمْ يُوجِدْهُ مُتَفاوِتًا بَلْ أوْجَدَهُ مُتَناصِفًا مُتَناسِبًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ الثّانِي هو التَّقْدِيرُ لِلْبَقاءِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَكَأنَّهُ قِيلَ وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ عَلى سُنَنِ التَّقْدِيرِ فَأدامَهُ إلى الأجَلِ المُسَمّى والقَوْلُ الأوَّلُ مُخْتارُ الزَّجّاجِ وهو كَما في الكَشْفِ أظْهَرُ والفاءُ عَلَيْهِ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرْتِيبِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ قَلْبًا وهو عَلى ما فِيهِ لا يَدْفَعُ لُزُومَ التَّكْرارِ بِدُونِ أحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ كَما لا يَخْفى، وجُمْلَةُ( خَلَقَ ) إلَخْ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ وفِيها رَدٌّ عَلى الثَّنَوِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ خالِقَ الشَّرِّ غَيْرُ خالِقِ الخَيْرِ ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ مَعْلُومًا مِمّا تَقَدَّمَ لِأنَّها تُفِيدُ فائِدَةً جَدِيدَةً لِما فِيها مِنَ الزِّيادَةِ، وقِيلَ: هي رَدٌّ عَلى ما يَعْتَقِدُ اعْتِقادَ المُعْتَزِلَةِ في أفْعالِ الحَيَواناتِ الِاخْتِيارِيَّةِ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّها جارِيَةٌ مَجْرى العَلِيلِ لِما قَبْلِها مِنَ الجُمَلِ المُنْتَظِمَةِ في سِلْكِ الصِّلَةِ فَإنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ عَلى النَّمَطِ البَدِيعِ كَما يَقْتَضِي اسْتِقْلالَهُ تَعالى بِاتِّصافِهِ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ يَقْتَضِي انْتِظامَ كُلِّ ما سِواهُ كائِنًا ما كانَ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ القاهِرِ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ كَوْنُهُ ولَدًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ شَرِيكًا في مُلْكِهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ وأرْدَفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لِما أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ بَدِيعُ السَّمَواتِ والأرْضِ وفاطِرُهُما ومالِكُهُما مُنافٍ لِاِتِّخاذِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ قالَ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ [الأنْعامُ: 101] الآيَةُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ قَبْلُ لِيَكُونَ التَّشْنِيعُ عَلى المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
25:3Страница 360
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣
Они стали поклоняться вместо Него другим божествам, которые ничего не создают, хотя сами были сотворены. Они не властны принести вред или пользу даже самим себе и не распоряжаются ни смертью, ни жизнью, ни воскрешением.
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أظْهَرُ، وضَمِيرُ ( اتَّخَذُوا ) لِلْمُشْرِكِينَ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ أوْ مِنَ المَقامِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿نَذِيرًا﴾، وقالَ الكَرْمانِيُّ: لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ والمُرادُ حِكايَةُ أباطِيلِهِمْ في أمْرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وإظْهارِ بُطْلانِها بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سُبْحانِهِ حَقِيقَةَ الحَقِّ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أيِ اتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ آلِهَةً لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ تَعالى أوْ هم يَخْتَلِقُهم عَبَدَتْهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، ورَجَّحَ المَعْنى الأوَّلُ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أشْمَلُ ولا يَخْتَصُّ بِالأصْنامِ بِخِلافِهِ عَلى الثّانِي ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ عَلَيْهِ في ﴿يَخْلُقُونَ﴾ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِمُشاكَلَةِ ﴿يَخْلُقُونَ﴾ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ مَعَ اسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ، ورَجَّحَ المَعْنى الثّانِي بِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ الَّذِينَ أنْذَرَهم نَبِيُّنا ﷺ
صفحة 234
شَفاها عَبَدَةُ الأصْنامِ وأنَّ الأحْكامَ الآتِيَةَ أوْفَقُ بِها، نَعَمْ فِيهِ تَفْسِيرُ الخَلْقِ بِالِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ لِأنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ نِسْبَتُهُ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وكَذا الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضَ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
والمُتَبادِرُ مِنهُ إيجادُ الشَّيْءِ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ كَما هو المُرادُ مِن سابِقِهِ، وتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ أيْضًا كَما فَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعِيدٌ كَذا قِيلَ: وتَعَقَّبَ أنَّهُ يَجُوزُ أنَّ يُرادَ مِنهُ هَذا المُتَبادِرُ والأصْنامُ بِذَواتِها وصُوَرِها وأشْكالِها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ويَنْشَأُ مِنها مِنَ الآثارِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَهم كَما حَقَّقَ بَلْ لَوْ قِيلَ بِتَعَيُّنِ هَذِهِ الإرادَةِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ لَمْ يَبْعُدْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ خَلْقِهِمْ ووُجُودِهِمْ، والمُرادُ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في ضُرٍّ ما لِيَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا في نَفْعٍ ما حَتّى يَجْلِبُوهُ إلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ دَفْعُ الضُّرِّ أهَمُّ أفْيَدُ أوَّلًا عَجْزِهِمْ عَنْهُ وقِيلَ: ﴿لأنْفُسِهِمْ﴾ لِيَدُلَّ عَلى غايَةِ عَجْزِهِمْ لِأنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ في حَقِّ نَفْسِهِ لِأنَّ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ في حَقِّ غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى. ومَن خَصَّ الأحْكامَ في الأصْنامِ قالَ: إنَّ هَذا لِبَيانِ ما لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن مَراتِبِ عَجْزِهِمْ وضَعْفِهِمْ فَإنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ العاجِزِينَ عَنِ الخَلْقِ رُبَّما يَمْلِكُ دَفْعَ الضُّرِّ وجَلْبَ النَّفْعِ في الجُمْلَةِ كالحَيَوانِ، وقَدْ يُقالُ: التَّصَرُّفُ في الضُّرِّ والنَّفْعِ بِالدَّفْعِ والجَلْبِ عَلى الإطْلاقِ لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعْرافُ: 188] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في شَيْءٍ مِنها بِإماتَةِ الأحْياءِ وإحْياءِ المَوْتى في الدُّنْيا وبَعْثِهِمْ في الأُخْرى لِلتَّصْرِيحِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ عَلى التَّفْصِيلِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ المَوْتِ لِمُناسَبَةِ الضُّرِّ المُقَدَّمِ.
25:4Страница 360
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤
Неверующие говорят: «Это - всего лишь ложь, которую он выдумал с помощью других людей». Воистину, они поступают несправедливо и лгут.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ﴾ القائِلُونَ- كَما أخْرَجَهُ جَمْعٌ عَنْ قَتادَةَ - هم مُشْرِكُو العَرَبِ لا جَمِيعَ الكَفّارِ بِقَرِينَةِ ادِّعاءٍ إعانَةِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ سُمِّيَ مِنهم في بَعْضِ الرِّواياتِ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غَلّاتُهم كَهَؤُلاءِ ومِن ضامَّهُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ ما يُؤَيِّدُهُ، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ القائِلَ هو النَّضِرُ والجَمْعُ لِمُشايَعَةِ الباقِينَ لَهُ في ذَلِكَ، ومَن خَصَّ ضَمِيرَ ( اتَّخَذُوا ) بِمُشْرِكِي العَرَبِ وجَعَلَ المَوْصُولَ هُنا عِبارَةً عَنْهم كُلَّهم جَعَلَ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإيذانِ بِأنَّ ما تَفَوَّهُوا بِهِ كُفْرٌ عَظِيمٌ، وفي كَلِمَةِ ﴿هَذا﴾ حَطٌّ لِرُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ أيْ قالُوا ما هَذا إلّا كَذِبٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ ﴿افْتَراهُ﴾ يُرِيدُونَ أنَّهُ اخْتَرَعَهُ رَسُولًا لِلَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى افْتِرائِهِ واخْتِراعِهِ اِفْتِرائِهِ أوْ عَلى الإفْكِ ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يَعْنُونَ اليَهُودَ بِأنْ يُلْقُوا إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبارَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُعَبِّرُ عَنْها بِعِبارَتِهِ، وقِيلَ: هم عَدّاسٌ، وقِيلَ: عائِشٌ مَوْلى حُوَيْطَبِينَ عَبَدَ العُزّى ويَسارُ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَعَهَّدُهم فَقِيلَ ما قِيلَ، وقالَ المِبْرَدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، وفِيهِ أنَّ الِاشْتِراكَ في الوَصْفِ غَيْرُ لازِمٍ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى
صفحة 235
كافِرَةٌ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 13] ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو الظّاهِرُ ﴿ظُلْمًا﴾ مَنصُوبٌ بِجاءُوا فَإنْ جاءَ وأتى يُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى فِعْلٍ فَيَتَعَدِّيانِ تَعْدِيَتَهُ كَما قالَ الكِسائِيُّ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ الطَّبَرْسِيُّ وأنْشَدَ قَوْلَ طُرْفَةَ:
عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ جِئْتُهُ غَيْرَ َأنَّنِي نَشَدْتُ فَلَمْ أغْفُلْ حُمُولَةَ مَعْبَدِ
وقالَ الزَّجّاجُ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ فَهو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا أيْ ظالِمِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ جاؤُوا بِما قالُوا ظُلْمًا هائِلًا عَظِيمًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ حَيْثُ جَعَلُوا الحَقَّ البَحْتَ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ إفْكًا مُفْتَرًى مِن قِبَلِ البَشَرِ وهو مِن جِهَةِ نَظْمِهِ الرّائِقِ وطِرازِهِ الفائِقِ بِحَيْثُ لَوِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى مُباراتِهِ لَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ آيَةٍ مِن آياتِهِ ومِن جِهَةِ اشْتِمالِهِ عَلى الحِكَمِ الخَفِيَّةِ والأحْكامِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلسِّعاداتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ عُقُولُ البَشَرِ ولا تُحِيطُ بِفَهْمِهِ القُوى والقَدَرِ، وكَذا التَّنْوِينُ في ﴿وزُورًا﴾ أيْ وكَذِبًا عَظِيمًا لا يَبْلُغُ غايَتَهُ حَيْثُ قالُوا ما لا احْتِمالَ فِيهِ لِلصِّدْقِ أصْلًا، وسُمِّيَ الكَذِبُ زُورًا لِازْوِرارِهِ أيْ مَيْلِهِ عَنْ جِهَةِ الحَقِّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها لَكِنْ لا عَلى أنَّهُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ حَقِيقَةً يَقَعُ أحَدُهُما عُقَيْبَ الآخَرِ أوْ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَلْ عَلى أنَّ الثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ حَقِيقَةً وإنَّما التَّرْتِيبُ بِحَسْبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ، وقَدْ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى فَإنَّ ما جاءَهُ مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ هو عَيْنُ ما حُكِيَ عَنْهم لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُغايِرًا لَهُ في المَفْهُومِ وأظْهَرُ مِنهُ بُطْلانًا رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ تَرْتِيبَ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وقِيلَ:
ضَمِيرُ ﴿جاءُوا﴾ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، والجُمْلَةُ مِن مَقُولِ الكُفّارِ وأرادُوا أنَّ أُولَئِكَ المُعَيَّنِينَ جاؤُوا ظُلْمًا بِإعانَتِهِمْ وزُورًا بِما أعانُوا بِهِ وهو كَما تَرى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии