Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
المزمل
Аль-Муззаммиль
Закутавшийся · Мекканская · 20 аятов
سُورَةُ ( المُزَّمِّلِ )
مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ كَما ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ الآيَتَيْنِ مِنها ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 10] واَلَّتِي تَلِيها وحُكِيَ في البَحْرِ عَنِ الجُمْهُورِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 20] إلى آخِرِها وتَعَقَّبَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بَعْدَ أنْ نَقَلَ الِاسْتِثْناءَ عَنْ حِكايَةِ ابْنِ الفُرْسِ بِقَوْلِهِ ويَرُدُّهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ وذَلِكَ حِينَ فُرِضَ قِيامُ اللَّيْلِ في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وآيُها ثَمانِي عَشْرَةِ آيَةً في المَدَنِيِّ الأخِيرِ وتِسْعُ عَشْرَةَ في البَصَرِيِّ وعِشْرُونَ فِيما عَداهُما ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ سُورَةَ الجِنِّ بِذِكْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ افْتَتَحَ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ بِما يَتَعَلَّقُ بِخاتَمِهِمْ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو وجْهٌ في المُناسَبَةِ وفي تَناسُقِ الدُّرَرِ لا يَخْفى اتِّصالُ أوَّلِها ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 2] إلَخِ بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ تِلْكَ ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [اَلْجِنِّ: 19] وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [اَلْجِنِّ: 18] الآيَةَ.
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) وقالَ الأخْفَشُ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ المُتَزَمِّلُ مِن تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ إذا تَلَفَّفَ بِها فَأُدْغِمَ التّاءُ في الزّايِ وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ عَلى الأصْلِ وعِكْرِمَةُ «المُزَمِلُ» بِتَخْفِيفِ الزّايِ وكَسْرِ المِيمِ أيِ المُزَمِلُ جِسْمَهُ أوْ نَفْسَهُ وبَعْضُ السَّلَفِ «المُزَمَلُ» بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ المِيمِ اسْمُ مَفْعُولٍ ولا تَدافُعَ بَيْنَ القِراءاتِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو زَمَلَ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ لَكِنْ إذا نُظِرَ إلى أنَّ كُلَّ أفْعالِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ زَمَلَهُ
صفحة 101
غَيْرُهُ ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ إنَّهُ ﷺ زَمَلَ نَفْسَهُ أوَّلًا ثُمَّ نامَ فَزَمَلَهُ غَيْرُهُ أوْ أنَّهُ زَمَلَهُ غَيْرُهُ أوَّلًا ثُمَّ سَقَطَ عَنْهُ ما زُمِلَ بِهِ فَزَمَلَ هو نَفْسَهُ، والجُمْهُورُ عَلى «أنَّهُ ﷺ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءَ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ وعَلى أثَرِها نَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾» .
وأخْرَجَ البَزّارُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ فَقالُوا: سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النّاسُ عَنْهُ فَقالُوا كاهِنٌ قالُوا لَيْسَ بِكاهِنٍ قالُوا مَجْنُونٌ قالُوا لَيْسَ بِمَجْنُونٍ قالُوا ساحِرٌ قالُوا لَيْسَ بِساحِرٍ قالُوا يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَبِيبِ وحَبِيبِهِ فَتَفَرَّقَ المُشْرِكُونَ عَلى ذَلِكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ فِيها فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا أيُّها المُزَّمِّلُ يا أيُّها المُدَّثِّرُ»
ونِداؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ تَأْنِيسٌ لَهُ ومُلاطَفَةٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ في اشْتِقاقِ اسْمٍ لِلْمُخاطَبِ مِن صِفَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها
«كَقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ غاضَبَ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأتاهُ وهو نائِمٌ لَصِقٌ بِجَنْبِهِ التُّرابُ «قُمْ أبا تُرابٍ»»
قَصْدًا لِرَفْعِ الحِجابِ وطَيِّ بِساطِ العِتابِ وتَنْشِيطًا لَهُ لِيَتَلَقّى ما يَرِدُ عَلَيْهِ بِلا كَسَلٍ:
وكُلُّ ما يَفْعَلُ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نُودِيَ بِذَلِكَ تَهَجِّيَنًا لِلْحالَةِ الَّتِي عَلَيْها مِنَ التَّزَمُّلِ في قَطِيفَةٍ واسْتِعْدادِهِ لِلِاسْتِثْقالِ في النَّوْمِ كَما يَفْعَلُ مَن لا يُهِمُّهُ أمْرٌ ولا يَعْنِيهِ شَأْنٌ إلى آخَرِ ما قالَ مِمّا يُنادِي عَلَيْهِ كَما قالَ الأكْثَرُونَ بِسُوءِ الأدَبِ ووافَقَهُ في بَعْضِهِ مَن وافَقَهُ وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ أرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وُصِفَ بِما هو مُلْتَبِسٌ بِهِ يُذَكِّرُهُ تَقاعُدَهُ فَهو مِن لَطِيفِ العِتابِ المَمْزُوجِ بِمَحْضِ الرَّأْفَةِ ولِيُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ مُسْتَعِدًّا لِما وعَدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 5] ولا يَرْبَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ مِثْلِ هَذا النِّداءِ فَقَدْ خُوطِبَ بِما هو أشَدُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عَبَسَ: 1] ومِثْلُ هَذا مِن خِطابِ الإدْلالِ والتَّرَؤُّفِ لا يَتَقاعَدُ ما في ضِمْنِهِ مِنَ البِرِّ والتَّقْرِيبِ عَمّا في ضِمْنِ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ [اَلْأنْفالِ: 64] وغَيْرِها. (يا أيُّها الرَّسُولُ ) [اَلْمائِدَةِ: 41، 67] مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّرْحِيبِ انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَنْدَفِعُ بِهِ سُوءُ أدَبِ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَعْبِيرِهِ فَإنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ لَهُ أنْ يُخاطِبَ حَبِيبَهُ بِما شاءَ لَكِنّا نَحْنُ لا نَجْرِي عَلى ما عامَلَهُ سُبْحانَهُ بِهِ بَلْ يَلْزَمُنا الأدَبُ والتَّعْظِيمُ لِجَنابِهِ الكَرِيمِ ولَوْ خاطَبَ بَعْضَ الرَّعايا الوَزِيرَ بِما خاطَبَهُ بِهِ السُّلْطانُ طَرَدَهُ الحُجّابُ ورُبَّما كانَ العِقابُ هو الجَوابَ وقِيلَ كانَ ﷺ مُتَزَمِّلًا بِمَرْطٍ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها يُصَلِّي فَنُودِيَ بِذَلِكَ ثَناءً عَلَيْهِ وتَحْسِينًا لِحالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها ولا يَأْباهُ الأمْرُ بِالقِيامِ بَعْدُ إمّا لِأنَّهُ أمْرٌ بِالمُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ والمُواظَبَةِ عَلَيْهِ أوْ تَعْلِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيانٌ لِمِقْدارِ ما يَقُومُ عَلى ما قِيلَ نَعَمْ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّما =بَنِيَ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِالمَدِينَةِ مَعَ أنَّ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ مُتَضافِرَةٌ بِأنَّ النِّداءَ المَذْكُورَ كانَ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَيْتِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ويُعْلَمُ مِنهُ حالُ ما رُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها سُئِلَتْ ما كانَ تَزْمِيلُهُ ﷺ قالَتْ كانَ مَرْطًا طُولُهُ أرْبَعُ عَشْرَةَ ذِراعًا نِصْفُهُ عَلَيَّ وأنا نائِمَةٌ ونِصْفُهُ عَلَيْهِ وهو يُصَلِّي وكانَ سُداهُ شَعْرًا ولُحْمَتُهُ وبَرًا» .
وتَكَلَّفَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ الجَوابُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقَدَ في مَكَّةَ فَلَعَلَّ المَرْطَ بَعْدَ العَقْدِ صارَ إلَيْهِ ﷺ نَعَمْ دَلَّ أنَّهُ بَعْدَ وفاةِ خَدِيجَةَ إنَّما إشْكالٌ في قَوْلِ عائِشَةَ نَصِفُهُ عَلَيَّ إلَخِ وجَوابُهُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ باتَ ﷺ في بَيْتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذاتَ لَيْلَةٍ وكانَ المَرْطُ عَلى عائِشَةَ وهي طِفْلَةٌ والباقِي لِطُولِهِ عَلى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَحَكَتْ ذَلِكَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ إذْ لا دَلالَةَ عَلى أنَّها حِكايَةُ ما بَعْدَ البِناءِ فَهَذا ما يُتَكَلَّفُ لِصِحَّةِ هَذا القَوْلِ انْتَهى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَمْ يَقَعْ في الكُتُبِ الصَّحِيحَةِ
صفحة 102
كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ بَلْ هو مُخالِفٌ لَها ومِثْلُ الِاحْتِمالاتِ لا يُكْتَفى بِها بَلْ قالَ أبُو حَيّانٍ إنَّهُ كَذِبٌ صَرِيحٌ وعَنْ قَتادَةَ «كانَ ﷺ قَدْ تَزَمَّلَ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ لَها فَنُودِيَ بَيا أيُّها المُزَّمِّلُ» عَلى مَعْنى يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى يا أيُّها المُزَّمِّلُ لِلنُّبُوَّةِ وأعْبائِها والزِّمْلُ كالحِمْلِ لَفْظًا ومَعْنى ويُقالُ ازْدَمَلَهُ أيِ احْتَمَلَهُ وفِيهِ تَشْبِيهُ إجْراءِ مَراسِمِ النُّبُوَّةِ بِتَحَمُّلِ الحِمْلِ الثَّقِيلِ لِما فِيهِما مِنَ المَشَقَّةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُتَثاقِلِ لِعَدَمِ التَّمَرُّنِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ نَحْوَ ما أوْرَدَ عَلى وجْهِ الزَّمَخْشَرِيِّ ومَعَ صِحَّةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ واعْتِضادِهِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ لا حاجَةَ إلى غَيْرِهِ كَما قِيلَ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ أيْ قُمْ إلى الصَّلاةِ وقِيلَ داوِمْ عَلَيْها وأيًّا ما كانَ فَمَعْمُولُ ﴿قُمِ﴾ مُقَدَّرٌ ( واللَّيْلَ ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى التَّوَسُّعِ والإسْنادِ المَجازِيِّ ونُسِبَ هَذا إلى الكُوفِيِّينَ وما قِيلَ إلى البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ القِيامُ مُسْتَعارٌ لِلصَّلاةِ ومَعْنى ﴿قُمِ﴾ صِلْ فَلا تَقْدِيرَ وقَرَأ أبُو السَّمالِ بِضَمِّ المِيمِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ القافِ وقُرِئَ بِفَتْحِها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ والكَسْرُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنِينَ ﴿إلا قَلِيلا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ﴿اللَّيْلَ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿قَلِيلا﴾ بَدَلُ الكُلِّ والضَّمِيرُ لِلَّيْلِ وفي هَذا الإبْدالِ رَفْعُ الإبْهامِ وفي الإتْيانِ بِقَلِيلٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّصْفَ المَغْمُورَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ
اَلْكُلِّ والنِّصْفَ الفارِغَ وإنْ ساواهُ في الكَمِّيَّةِ لا يُساوِيهِ في التَّحْقِيقِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الأمْرِ السّابِقِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّيْلِ أيْضًا مُقَيَّدًا بِالِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ وقِيلَ لِلنِّصْفِ لِقُرْبِهِ ﴿قَلِيلا﴾ أيْ نَقْصًا قَلِيلًا أوْ مِقْدارًا قَلِيلًا بِحَيْثُ لا يَنْحَطُّ عَنْ نِصْفِ النِّصْفِ.
73:4Страница 574
أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤
или чуть больше того, и читай Коран размеренным чтением.
﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ عَطْفٌ كَما سَبَقَ وكَذا الكَلامُ في الضَّمِيرِ ولا يَخْتَلِفُ المَعْنى عَلى القَوْلَيْنِ فِيهِ وهو تَخْيِيرُهُ ﷺ بَيْنَ أنْ يَقُومَ نِصْفَ اللَّيْلِ أوْ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ أوْ أكْثَرَ بَيْدَ أنَّهُ رَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ فِيهِ جَعْلَ مِعْيارِ النَّقْصِ والزِّيادَةِ النِّصْفَ المُقارِنَ لِلْقِيامِ وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ لِلنِّصْفِ العارِي مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ وإنْ تَساوَيا كَمِّيَّةً وجَهِلَ بَعْضُهُمِ الإبْدالَ مِنَ اللَّيْلِ الباقِي بَعْدَ الثُّنْيا والضَّمِيرَيْنِ لَهُ وقالَ في الإبْدالِ مِن قَلِيلٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِهَذا ولِأنَّ الحَقِيقِيَّ بِالِاعْتِناءِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الإبْدالُ هو الجُزْءُ الباقِي بَعْدَ الثُّنْيا المُقارِنِ لِلْقِيامِ لا لِلْجُزْءِ المُخْرَجِ العارِي عَنْهُ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى طَرَفِ التَّمامِ.
وكَذا اعْتَرَضَ أبُو حَيّانٍ ذَلِكَ الإبْدالَ بِقَوْلِهِ: إنَّ ضَمِيرَ ﴿نِصْفَهُ﴾ حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ أوْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهو ( اللَّيْلَ ) لا جائِزَ أنْ يَعُودَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْناءَ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ إذِ التَّقْدِيرُ إلّا قَلِيلًا نِصْفَ القَلِيلِ، وهَذا لا يَصِحُّ لَهُ مَعْنى البَتَّةَ ولا جائِزَ أنْ يَعُودَ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ لِأنَّهُ يَلْغُو فِيهِ الِاسْتِثْناءُ إذْ لَوْ قِيلَ قُمِ اللَّيْلَ نَصِفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ أفادَ مَعْناهُ عَلى وجْهٍ أخْصَرَ وأوْضَحَ وأبْعَدَ عَنِ الإلْباسِ وفِيهِ أنّا نَخْتارُ الثّانِي وما زَعَمَهُ مِنَ اللُّغَوِيَّةِ قَدْ أشَرْنا إلى دَفْعِهِ وأوْضَحَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِقَوْلِهِ: إنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى تَخْفِيفِ القِيامِ وتَسْهِيلِهِ لِأنَّ قِلَّةَ أحَدِ النِّصْفَيْنِ تُلازِمُ قِلَّةَ الآخَرِ وتَنْبِيهًا عَلى تَفاوُتِ ما شُغِلَ بِالطّاعَةِ وما خَلا مِنها الإشْعارُ بِأنَّ البَعْضَ المَشْغُولَ بِمَنزِلَةِ الكُلِّ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ الدّاعِي لِلتَّمَكُّنِ في الذَّهَبِ وزِيادَةِ التَّشْوِيقِ وتَعَقَّبَ السَّمِينُ الشِّقَّ الأوَّلَ أيْضًا بِأنَّ قَوْلَهُ اسْتِثْناءُ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ ( اللَّيْلَ ) مَعْلُومٌ وكَذا بَعْضُهُ مِنَ النِّصْفِ وما دُونَهُ وما فَوْقَهُ ولا ضَيْرَ في اسْتِثْناءِ المَجْهُولِ مِنَ المَعْلُومِ نَحْوَ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 249] بَلْ لا ضَمِيرَ في إبْدالِ مَجْهُولٍ مِن مَجْهُولٍ كَجاءَنِي جَماعَةٌ بَعْضُهم مُشاةٌ ومَعَ هَذا المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما سَلَفَ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِن ﴿اللَّيْلَ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ والِاسْتِثْناءُ مِنهُ والكَلامُ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والأصْلُ ثُمَّ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا وضَمِيرُ مِنهُ وعَلَيْهِ لِلْأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ المَفْهُومِ مِن مَجْمُوعِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ بِأنْ تَقُومَ ثُلْثَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ قَلِيلًا بِأنْ تَقُومَ رُبْعَ اللَّيْلِ أوْ زِدْ عَلى ذَلِكَ الأقَلِّ بِأنْ تَقُومَ النِّصْفَ فالتَّخْيِيرُ عَلى هَذا بَيْنَ الأقَلِّ مِنَ النِّصْفِ والأقَلِّ مِنَ الأقَلِّ وإلّا زِيدَ مِنهُ وهو النِّصْفُ
صفحة 103
بِعَيْنِهِ ومَآلُهُ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلْثِ والرُّبْعِ، فالفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وما ذَكَرَ قِيلَ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ وفي الكَشّافِ ما يُفْهَمُ مِنهُ عَلى ما قِيلَ إنَّ التَّخْيِيرَ فِيما وراءَ النِّصْفِ أيْ فِيما يَقِلُّ عَنِ النِّصْفِ ويَزِيدُ عَلى الثُّلْثِ فَلا يَبْلُغُ بِالزِّيادَةِ النِّصْفَ ولا بِالنُّقْصانِ الثُّلْثَ. قالَ في الكَشْفِ وإنَّما جَعَلَ الزِّيادَةَ دُونَ النِّصْفِ والنُّقْصانَ فَوْقَ الثُّلْثِ لِأنَّهُما لَوْ بَلَغا إلى الكَسْرِ الصَّحِيحِ لَكانَ الأشْبَهُ أنْ يُذْكَرَ بِصَرِيحِ اسْمَيْهِما وأيْضًا إيثارُ القِلَّةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى التَّقْرِيبِ مِن ذَلِكَ الأقَلِّ وما انْتَهى إلى كَسْرٍ صَحِيحٍ فَلَيْسَ بِناقِصٍ قَلِيلٍ في ذَوْقِ هَذا المَقامِ وذا القَوْلُ في جانِبِ الزِّيادَةِ كَيْفَ وقَدْ بَنى الأمْرَ عَلى كَوْنِهِ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ انْتَهى وهو وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ ونَحْوَهُ فِيما أرى ما سَمِعْتُ قَبِيلَهُ وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ ذِكْرَ الثُّلُثِ والرُّبْعِ والنِّصْفِ فِيهِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا أنَّ الأقَلَّ والأنْقَصَ والأزْيَدَ مَحْصُوراتٌ فِيما ذَكَرَ.
وجَوَّزَ أيْضًا كَوْنَ الكَلامِ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَما مَرَّ آنِفًا لَكِنْ مَعَ جَعْلِ الضَّمِيرَيْنِ لِلنِّصْفِ لا لِلْأقَلِّ مِنهُ كَما في ذَلِكَ والمَعْنى التَّخْيِيرُ بَيْنَ أمْرَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ وبَيْنَ أنْ يَخْتارَ أحَدَ الأمْرَيْنِ وهُما النُّقْصانُ مِنَ النِّصْفِ والزِّيادَةُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ أقَلَّ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ عَلى البَتِّ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ تَخْيِيرًا قِيلَ ولِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الأقَلِّ لِأنَّهُ الأصْلُ الواجِبُ كُرِّرَ عَلى نَحْوِ أكْرِمْ إمّا زَيْدًا وإمّا زَيْدًا أوْ عَمْرًا وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا لِأنَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلى البَدَلِ ظاهِرٌ في أنَّ البَدَلَ مِنَ الحاصِلِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ في تَقْدِيرِ تَأْخِيرِ الِاسْتِثْناءِ عُدُولًا عَنِ الأصْلِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
ولِأنَّ الظّاهِرَ عَلى هَذا رُجُوعُ الضَّمِيرَيْنِ إلى النِّصْفِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ السّابِقُ لا النِّصْفُ المُطْلَقُ وأيْضًا الظّاهِرَ أنَّ النُّقْصانَ رُخْصَةٌ لِأنَّ الزِّيادَةَ نَفْلٌ والِاعْتِناءَ بِشَأْنِ العَزِيمَةِ أوْلى ثُمَّ فِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ قِيامُ النِّصْفِ ويَرُدُّهُ القِراءَةُ الثّابِتَةُ في السَّبْعَةِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ [اَلْمُزَّمِّلِ: 20] بِالجَرِّ فَإنِ اسْتَدَلَّ مِن جَوازِ الأقَلِّ عَلى جَوازِهِ لِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ لَزِمَ أنَّ يُلْغُوا التَّعَرُّضَ لِلزِّيادَةِ عَلى النِّصْفِ لِذَلِكَ أيْضًا ولا يَخْفى أنَّ بَعْضَ هَذا يُرَدُّ عَلى الوَجْهِ المارِّ آنِفًا واعْتُرِضَ قَوْلُهُ الظّاهِرُ أنَّ النُّقْصانَ رُخْصَةٌ بِأنَّهُ مَحَلُّ نَظَرٍ إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [اَلْقَصَصِ: 27] فالتَّخْيِيرُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ وفِيهِ بَحْثٌ.
وجَوَّزَ أيْضًا كَوْنَ الإبْدالِ مِن ﴿قَلِيلا﴾ الثّانِي بِمَعْنى نِصْفِ النِّصْفِ وهو الرُّبْعُ وضَمِيرُ عَلَيْهِ لِهَذا القَلِيلِ وجَعَلَ المَزِيدَ عَلى هَذا القَلِيلِ أعْنِي الرُّبْعَ نِصْفَ الرُّبْعِ كَأنَّهُ قِيلَ قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا نِصْفَهُ أوْ زِدْ عَلى هَذا القَلِيلِ قَلِيلًا نِصْفَهُ ومَآلُهُ قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أوْ نِصْفَ أوْ زِدْ عَلى نِصْفِ النِّصْفِ نِصْفَ نِصْفِ النِّصْفِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيما إذا كانَ اللَّيْلُ سِتَّ عَشْرَةَ ساعَةً مَثَلًا بَيْنَ قِيامِ ثَمانِي ساعاتٍ وأرْبَعٍ وسِتٍّ ولا يَخْفى أنَّ الإطْلاقَ في أوْ زِدْ عَلَيْهِ ظاهِرُ الإشْعارِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِقَلِيلًا إذْ لَوْ كانَ لِلِاسْتِغْناءِ لاكْتَفى في أوِ انْقُصْ إلَخِ بِالأوَّلِ أيْضًا ومِن هُنا قِيلَ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الزِّيادَةُ لِكَوْنِها مُطْلَقَةً تَتِمَّةً لِلثُّلْثِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ النِّصْفِ والثُّلْثِ والرُّبْعِ وفِيهِ أنَّ جَعْلَها تَتِمَّةَ الثُّلْثِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ سِوى مُوافَقَةِ القِراءَةِ بِالجَرِّ في نِصْفِهِ وثُلْثِهِ بَعْدُ. وجَوَّزَ الإمامُ أنْ يُرادَ بِقَلِيلًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا قَلِيلا﴾ الثُّلُثَ وقالَ إنَّ ﴿نِصْفَهُ﴾ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ أوْ قُمْ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ وأطالَ في بَيانِ ذَلِكَ والذَّبِّ عَنْهُ ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُهُ وذَكَرَ أيْضًا وجْهًا ثانِيًا لا يَخْفى أمْرُهُ عَلى مَن أحاطَ بِما تَقَدَّمَ خَبَرًا نَعَمْ تَفْسِيرُهُ القَلِيلَ بِالثُّلْثِ مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِي ومُقاتِلٍ وعَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ تَفْسِيرُهُ بِما دُونَ المِعْشارِ والسُّدْسِ وهو عَلى ما قَدَّمْنا نِصْفٌ.
واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِجَوازِ اسْتِثْناءِ النِّصْفِ وما فَوْقَهُ عَلى ما فُصِّلَ في الأُصُولِ وقالَ التَّبْرِيزِيُّ الأمْرُ بِالقِيامِ والتَّخْيِيرِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وقَعَ عَلى الثُّلْثَيْنِ مِن آخَرِ اللَّيْلِ لِأنَّ الثُّلْثَ الأوَّلَ وقْتُ العَتَمَةِ والِاسْتِثْناءَ وارِدٌ عَلى المَأْمُورِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ قُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ ( إلّا ) قَلِيلًا ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَهُ
صفحة 104
بَدَلًا مِن قَلِيلًا فَصارَ القَلِيلُ مُفَسَّرًا بِالنِّصْفِ مِنَ الثُّلْثَيْنِ وهو قَلِيلٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أوِ انْقَصْ مِنهُ أيْ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ وهو قِيامُ الثُّلْثَيْنِ قَلِيلًا أيْ ما دُونَ نِصْفِهِ أوْ زِدْ عَلَيْهِ فَكانَ التَّخْيِيرُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ واقِعًا عَلى الثُّلْثَيْنِ انْتَهى.
وهُوَ كَما تَرى وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مِن أعْدادِ اللَّيْلِ لا مِن أجْزائِهِ فَإنَّ تَعْرِيفَهُ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لا عَهْدَ فِيهِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِخْدامًا أوْ شِبْهَهُ والتَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ والنّاقِصِ عَنْهُ والزّائِدِ عَلَيْهِ وهو بِمَكانٍ مِنَ البُعْدِ وبِالجُمْلَةِ قَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ حَتّى ذَكَرُوا ما لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلَيْهِ وأظْهَرُ الوُجُوهِ عِنْدِي وأبْعَدُها عَنِ التَّكَلُّفِ وألْيَقُها بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما في كِتابِهِ الجَلِيلِ الجَزِيلِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ إلَخِ ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ﴾ أيْ في أثْناءِ ما ذَكَرَ مِنَ القِيامِ أيِ اقْرَأْهُ عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ وتَبْيِينِ حُرُوفٍ ﴿تَرْتِيلا﴾ بَلِيغًا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن عَدِّها مِن قَوْلِهِمْ ثَغْرٌ رَتْلٌ بِسُكُونِ التّاءِ ورَتِلٌ بِكَسْرِها إذا كانَ مُفَلَّجًا لَمْ تَتَّصِلْ أسْنانُهُ بَعْضُها بِبَعْضٍ
وأخْرَجَ العَسْكَرِيُّ في المَواعِظِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا ولا تَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقْلِ ولا تَهُذَّهُ هَذا الشِّعْرِ قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخَرَ السُّورَةِ» .
73:5Страница 574
إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا ٥
Мы непременно ниспошлем тебе весомые слова.
﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾ أيْ سَنُوحِي إلَيْكَ وإيثارُ الإلْقاءِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ فَإنَّهُ لِما فِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ ثَقِيلٌ عَلى المُكَلَّفِينَ سِيَّما عَلى الرَّسُولِ ﷺ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَأْمُورٌ بِتَحَمُّلِها وتَحْمِيلِها لِلْأُمَّةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الأمْرِ بِالقِيامِ وتَعْلِيلِهِ الآتِي لِتَسْهِيلِ ما كَلَّفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ القِيامِ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ سَيَرِدُ عَلَيْكَ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها سَهْلٌ فَلا تُبالِ بِهَذِهِ المَشَقَّةِ وتَمَرَّنَ بِها لِما بَعْدَها وأدْخَلَ بَعْضُهم في الِاعْتِراضِ جُمْلَةَ ﴿ورَتِّلِ﴾ إلَخِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ وقِيلَ مَعْنى كَوْنِهِ ﴿ثَقِيلا﴾ أنَّهُ رَصِينٌ لِإحْكامِ مَبانِيهِ ومَتانَةِ مَعانِيهِ والمُرادُ أنَّهُ راجِحٌ عَلى ما عَداهُ لَفْظًا ومَعْنى لَكِنْ تُجُوِّزَ بِالثَّقِيلِ عَنِ الرّاجِحِ لِأنَّ الرّاجِحَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ المُرادُ كَلامٌ لَهُ وزْنٌ ورُجْحانٌ لَيْسَ بِالسَّفْسافِ وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهُ ثَقِيلٌ عَلى المُتَأمِّلِ فِيهِ لِافْتِقارِهِ إلى مَزِيدِ تَصْفِيَةٍ لِلسِّرِّ وتَجْرِيدٍ لِلنَّظَرِ، فالثَّقِيلُ مَجازٌ عَنِ الشّاقِّ وقِيلَ ثَقِيلٌ في المِيزانِ والثِّقْلُ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ عَنْ كَثْرَةِ ثَوابِ قارِئِهِ وقالَ أبُو =العَلِيَّةِ والقُرْطُبِيُّ ثِقَلُهُ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ وقِيلَ ثَقِيلٌ تَلَقِّيهِ يَعْنِي يَثْقُلُ عَلَيْهِ ﷺ والوَحْيُ بِهِ بِواسِطَةِ المَلَكِ فَإنَّهُ كانَ يُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْحاءٍ مِنها أنْ لا يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ ويُخاطِبُهُ بَلْ يُعْرَضُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالغَشْيِ لِشِدَّةِ انْجِذابِ رُوحِهِ الشَّرِيفَةِ لِلْمَلَأِ ( الأعْلى بِحَيْثُ يَسْمَعُ ما يُوحِي بِهِ إلَيْهِ ويُشاهِدُهُ ويُحِسُّهُ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ مَن مَعَهُ وفي هَذِهِ الحالَةِ كانَ يُحِسُّ في بَدَنِهِ ثِقَلًا حَتّى كادَتْ فَخِذُهُ ﷺ أنْ تَرُضَّ فَخِذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وقَدْ كانَتْ عَلَيْها وهو يُوحى إلَيْهِ
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ نَصْرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ وضَعَتْ جُرّانَها فَما تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَحَرَّكَ حَتّى يُسَرّى عَنْهُ وتَلَتْ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾» .
ورَوى الشَّيْخانِ ومالِكٌ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ عَنْها أنَّها قالَتْ ولَقَدْ «رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا»
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ثَقِيلا﴾ صِفَةً لِمَصْدَرٍ حُذِفَ فَأُقِيمَ مَقامَهُ وانْتَصَبَ انْتِصابَهُ أيْ إلْقاءً ثَقِيلًا ولَيْسَ صِفَةً قَوْلًا وقِيلَ ذَلِكَ عَنْ بَقائِهِ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ لِأنَّ الثَّقِيلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَبْقى في مَكانِهِ.
وقِيلَ ثِقَلُهُ بِاعْتِبارِ ثِقَلِ حُرُوفِهِ حَقِيقَةً في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ في اللَّوْحِ أعْظَمُ مِن جَبَلِ
صفحة 105
قافٍ، وأنَّ المَلائِكَةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلى الحَرْفِ أنْ يُقِلُّوهُ ما أطاقُوهُ حَتّى يَأْتِيَ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَلَكُ اللَّوْحِ فَيَرْفَعُهُ ويُقِلُّهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا بِقُوَّتِهِ ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ طَوَّقَهُ ذَلِكَ وهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ عَنِ الصّادِقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا أظُنُّ وُجُودَهُ. والجُمْلَةُ قِيلَ عَلى مُعْظَمِ هَذِهِ الأوْجُهِ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ فَإنَّ التَّهَجُّدَ يُعَدُّ النَّفْسَ لِأنْ تُعالِجُ ثِقَلَهُ فَتَأمَّلْ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ سُورَةٌ خَفِيفَةٌ لِما أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى فِيها القُرْآنَ كُلَّهُ ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ وهَذا مِن بابِ الِاحْتِياطِ كَما لا يَخْفى.
73:6Страница 574
إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا ٦
Воистину, молитвы после пробуждения среди ночи тяжелее и яснее по изложению.
﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ إنَّ النَّفْسَ الَّتِي تَنْشَأُ مِن مَضْجَعِها إلى العِبادَةِ أيْ تَنْهَضُ مِن نَشَأ مِن مَكانِهِ ونَشَرَ إذْ نَهَضَ وأنْشَدَ قَوْلَهُ:
نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرى فِيها السُّرى وأشْرَفَ مِنها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ
وظاهِرُ كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنْ نَشَأ بِهَذا المَعْنى لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ وقالَ الكِرْمانِيُّ في شَرْحِ البُخارِيِّ هي لُغَةٌ حَبَشِيَّةٌ عَرَّبُوها وأخْرَجَ جَماعَةٌ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وحَكاهُ أبُو حَيّانٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ وجَعَلَ ﴿ناشِئَةَ﴾ جَمْعَ ناشِئٍ فَكَأنَّهُ أرادَ النُّفُوسَ النّاشِئَةَ أيِ القائِمَةَ ووَجْهُ الإفْرادِ ظاهِرٌ والإضافَةُ إمّا بِمَعْنى في أوْ عَلى نَحْوِ سَيِّدِ =غَضِّيٍّ وهَذا أبْلَغُ أوْ أنَّ قِيامَ اللَّيْلِ عَلى أنَّ النّاشِئَةَ مَصْدَرُ نَشَأ بِمَعْنى قامَ كالعاقِبَةِ وإسْنادُها إلى اللَّيْلِ مَجازٌ كَما يُقالُ: قامَ لَيْلَهُ وصامَ نَهارَهُ، وخَصَّ مُجاهِدٌ هَذا القِيامَ بِالقِيامِ مِنَ النَّوْمِ وكَذا عائِشَةُ ومَنَعَتْ أنْ يُرادَ مُطْلَقُ القِيامِ وكانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الإضافَةَ إلى اللَّيْلِ في قَوْلِهِمْ قِيامُ اللَّيْلِ تُفْهِمُ القِيامَ مِنَ النَّوْمِ فِيهِ أوِ القِيامَ وقْتَ النَّوْمِ لِمَن قالَ اللَّيْلُ كُلُّهُ أوْ أنَّ العِبادَةَ الَّتِي تَنْشَأُ أيْ تَحْدُثُ بِاللَّيْلِ عَلى أنَّ الإضافَةَ اخْتِصاصِيَّةٌ أوْ بِمَعْنى في أوْ عَلى نَحْوَ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سَبَأٍ: 33] وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ساعاتِهِ لِأنَّها تَنْشَأُ أيْ تَحْدُثُ واحِدَةً بَعْدَ واحِدَةٍ أيْ مُتَعاقِبَةً والإضافَةُ عَلَيْهِ اخْتِصاصِيَّةٌ أوْ ساعاتِهِ الأُوَلِ مِن نَشَأ إذا ابْتَدَأ وقالَ الكِسائِيُّ ناشِئَةَ أوَّلِهِ وقَرِيبٌ مِنهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هي ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ أيْ هي خاصَّةً دُونَ ناشِئَةِ النَّهارِ أشَدُّ مُواطَأةً يُواطِئُ قَلْبُها لِسانَها إنْ أُرِيدَ بِالنّاشِئَةِ النَّفْسُ المُتَهَجِّدَةُ أوْ يُواطِئُ فِيها قَلْبُ القائِمِ لِسانَهُ إنَّ أُرِيدَ بِها القِيامُ أوِ العِبادَةُ أوِ السّاعاتُ والإسْنادُ عَلى الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى هَذا مَجازِيٌّ واعْتِبارُ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ لَيْسَ بِذاكَ أوْ أشَدَّ مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنَ الإخْلاصِ فَلا مَجازَ عَلى جَمِيعِ المَعانِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ والعَرَبِيّانِ وِطاءً بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ مَمْدُودًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ واطَأ وِطاءً كَقاتَلَ قِتالًا وقَرَأ قَتادَةُ وشِبْلٌ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ والهَمْزِ مَقْصُورًا وقَرَأ ابْنُ مُحْصَنٍ بِفَتْحِ الواوِ مَمْدُودًا ﴿وأقْوَمُ قِيلا﴾ أيْ وأسْوَأُ مَقالًا أوْ أثْبَتُ قِراءَةً لِحُضُورِ القَلْبِ وهَدُّوِ الأصْواتِ وقِيلًا عَلَيْهِما مَصْدَرٌ لَكِنَّهُ عَلى الأوَّلِ عامٌّ لِلْأذْكارِ والأدْعِيَةِ وعَلى الثّانِي مَخْصُوصٌ بِالقِراءَةِ ونَصْبُهُ ونَصْبُ وطْأً عَلى التَّمْيِيزِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ «وأصْوَبَ قَلِيلًا» فَقالَ لَهُ رَجُلٌ إنّا نَقْرَؤُها «وأقُومُ قَلِيلًا» فَقالَ إنَّ أصْوَبَ وأقْوَمَ وأهْيَأ وأشْباهَ هَذا واحِدٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии