Аль-АлусиАс‑Саффат · 37:1–7

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

الصافات

Ас-Саффат

Выстроившиеся в ряды · Мекканская · 182 аята

37:1–3Страница 446

وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفّٗا ١

Клянусь выстроившимися в ряды,

فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا ٢

гонящими упорно,

فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكۡرًا ٣

читающими напоминание!

سُورَةُ الصّافّاتِ

مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَحْكُوا في ذَلِكَ خِلافًا وهي مِائَةٌ وإحْدى وثَمانُونَ آيَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وفِيها تَفْصِيلُ أحْوالِ القُرُونِ المُشارِ إلى إهْلاكِها في قَوْلِهِ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾، وفِيها مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ أعْدائِهِمُ الكافِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ما هو كالإيضاحِ لِما في تِلْكَ السُّورَةِ مِن ذَلِكَ، وذُكِرَ فِيها شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَواكِبِ لَمْ يُذْكَرْ فِيما تَقَدَّمَ، ولِمَجْمُوعِ ما ذُكِرَ ذُكِرَتْ بَعْدَها. وفي البَحْرِ مُناسِبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ سُورَةِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهُمْ، وأنَّهُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - هُنا وحْدانِيَّتَهُ سُبْحانَهُ إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ إيجادًا وإعْدامًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وأبى أبُو مُسْلِمٍ ذَلِكَ وقالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ - وكَذا ما بَعْدُ - عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالتَّأْنِيثِ والمَلائِكَةُ مُبَرَّأُونَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وفِيهِ أنَّ هَذا في مَعْنى جَمْعِ الجَمْعِ فَهو جَمْعُ صافَّةٍ أيْ طائِفَةٍ أوْ جَماعَةٍ صافَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْنِيثَ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ ذاتٌ ونَفْسٌ، والتَّأْنِيثُ المَعْنَوِيُّ هو الَّذِي لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمْ، وأمّا اللَّفْظِيُّ فَلا مانِعَ مِنهُ، كَيْفَ وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالمَلائِكَةِ! والوَصْفُ المَذْكُورُ مُنَزَّلٌ مُنَزَّلَةَ اللّازِمِ عَلى أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَفْعُولِ أيِ الفاعِلاتِ لِلصُّفُوفِ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ الصّافّاتِ أنْفُسَها أيِ النّاظِماتِ لَها في سَلْكِ الصُّفُوفِ بِقِيامِها في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ تُقَدُّمِ الرُّتْبَةِ والقُرْبِ

صفحة 65

مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ، أوِ الصّافّاتِ أنْفُسَها القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أقْدامَها لِلصَّلاةِ، وقِيلَ: الصّافّاتِ أجْنِحَتَها في الهَواءِ مُنْتَظَراتٍ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّافّاتِ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ ولا يُعَوَّلُ عَلى ذَلِكَ، و﴿صَفًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وكَذا ﴿زَجْرًا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ وقِيلَ: صَفًّا مَفْعُولٌ بِهِ وهو مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أيِ الصّافّاتِ صُفُوفَها ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ بِالزّاجِراتِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْضًا عِنْدَ الجُمْهُورِ، والزَّجْرُ في الأصْلِ الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسَلُّطٍ وصِياحٍ وأنْشَدُوا:

زَجَرَ أبِي عُرْوَةَ السُّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ

ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّوْقُ والحَثِّ وبِمَعْنى المَنعِ والنَّهْيِ وإنْ لَمْ يَكُنْ صِياحٌ، والوَصْفُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيِ الفاعِلاتِ لِلزَّجْرِ، أوِ الزّاجِراتِ ما نِيطَ بِها زَجْرُهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وغَيْرِها عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِالمَزْجُورِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ زَجْرُ العِبادِ عَنِ المَعاصِي بِإلْهامِ الخَيْرِ وزَجْرِ الشَّياطِينِ عَنِ الوَسْوَسَةِ والإغْواءِ وعَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَنْ قَتادَةَ المُرادُ بِالزّاجِراتِ آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِها النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ ما زَجَرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعُوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وكَذا المُرادُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

و(ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو بِمَعْنى المَذْكُورِ المَتْلُوِّ، وفُسِّرَ بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ أبُو صالِحٍ: هُمُ المَلائِكَةُ يَجِيئُونَ بِالكِتابِ والقُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى النّاسِ فالمُرادُ بِتِلاوَتِهِ تِلاوَتُهُ عَلى الغَيْرِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالآياتِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والمَلائِكَةُ يَتْلُونَهُما عَلى الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في بابِ الإشارَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِتِلاوَةِ المَلائِكَةِ ذَلِكَ عَلى الأوْلِياءِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وقالَ بَعْضٌ: أيْ فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وكُتُبَهُ المُنَزَّلَةَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وغَيْرَها مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ، ولَعَلَّ التِّلاوَةَ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ التِّلاوَةِ عَلى الغَيْرِ وغَيْرِها، وقِيلَ (ذِكْرًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ اللَّفْظِ لِتَكُونَ المَنصُوباتُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كِتابَهُ تَعالى المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ الصّافّاتِ أنْفُسَها في صُفُوفِ الجَماعاتِ أوْ أقْدامَها في الصَّلَواتِ، الزّاجِراتِ بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ تَعالى، الدّارِساتِ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، أوْ بِطَوائِفِ قُوّادِ الغُزاةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَصُفُّ الصُّفُوفَ في مُواطِنِ الحُرُوبِ، الزّاجِراتِ الخَيْلَ لِلْجِهادِ سَوْقًا أوِ العَدُوَّ في المَعارِكِ طَرْدًا، التّالِياتِ آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ المُرَتَّبَةِ كالصُّفُوفِ المَرْصُوصَةِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والنُّفُوسِ المُدَبِّرَةِ لِتِلْكَ الأجْرامِ بِالتَّحْرِيكِ ونَحْوِهِ، والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ المُسْتَغْرِقَةِ في بِحارِ القُدْسِ يَسْبَحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ الكَرُوبِيُّونَ ونَحْوُهُمْ، وهَذا بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ الصّالِحِ بَلْ عَنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى، والفاءُ العاطِفَةُ لِلصِّفاتِ قَدْ تَكُونُ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها الوَصْفِيَّةِ في الوُجُودِ الخارِجِيِّ إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها واحِدَةً كَما في قَوْلِهِ:

يا لَهَفَ زَيابَةَ لِلْحادِثِ السْـ ∗∗∗ سابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ

صفحة 66

أيِ الَّذِي سَبَحَ فَغَنِمَ فَآبَ ورَجَعَ، أوْ لِتَرْتِيبِ مَعانِيها في الرُّتْبَةِ إذا كانَتِ الذّاتُ واحِدَةً أيْضًا كَما في قَوْلِكَ: أتَمُّ العَقْلِ فِيكَ إذا كُنْتَ شابًّا فَكَهْلًا، أوْ لِتَرْتِيبِ المَوْصُوفاتِ بِها في الوُجُودِ كَما في قَوْلِكَ: وقَفْتُ كَذا عَلى بَنِيَّ بَطْنًا فَبَطْنًا، أوْ في الرُّتْبَةِ نَحْوُ رَحِمَ اللَّهُ تَعالى المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ، وكِلاهُما مَعَ تَعَدُّدِ المَوْصُوفِ، والتَّرْتِيبُ الرُّتْبِيُّ إمّا بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي أوْ بِاعْتِبارِ التَّدَلِّي، وهي إذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِالصِّفاتِ هُنا واحِدَةً وهُمُ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأسْرِهِمْ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي؛ فالصَّفُّ في الرُّتْبَةِ الأُولى لِأنَّهُ عَمَلٌ قاصِرٌ، والزَّجْرُ أعْلى مِنهُ لِما فِيهِ مِن نَفْعِ الغَيْرِ، والتِّلاوَةِ أعْلى وأعْلى لِما فِيها مِن نَفْعِ الخاصَّةِ السّارِي إلى نَفْعِ العامَّةِ بِما فِيهِ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ، أوْ لِلتَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ مِن حَيْثُ وُجُودُ ذَواتِ الصِّفاتِ؛ فالصَّفُّ يُوجَدُ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ كَمالٌ لِلْمَلائِكَةِ في نَفْسِها، ثُمَّ يُوجَدُ بَعْدَهُ الزَّجْرُ لِلْغَيْرِ لِأنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلْغَيْرِ يَسْتَعِدُّ بِهِ الشَّخْصُ ما لَمْ يَكْمُلْ في نَفْسِهِ لا يَتَأهَّلُ لِأنْ يُكْمِلَ غَيْرَهُ، ثُمَّ تُوجَدُ التِّلاوَةُ بِناءً عَلى أنَّها إفاضَةٌ عَلى الغَيْرِ المُسْتَعِدِّ لَها وذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ الَّذِي هو مِن آثارِ الزَّجْرِ، وإذا كانَتِ الذّاتُ المُتَّصِفَةُ بِها مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَعَدِّدَةً بِمَعْنى أنَّ صِنْفًا مِنهم كَذا وصِنْفًا آخَرَ كَذا، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بِاعْتِبارِ التَّرَقِّي كَما في الشِّقِّ الأوَّلِ، فالجَماعاتُ الصّافّاتُ كامِلُونَ، والزّاجِراتُ أكْمَلُ مِنها، والتّالِياتُ أكْمَلُ وأكْمَلُ كَما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِعَكْسِ ذَلِكَ بِأنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ صافّاتٌ مِن حَوْلِ العَرْشِ قائِماتٌ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ وهُمُ الكُرُوبِيُّونَ المُقَرَّبُونَ أوْ مَلائِكَةٌ آخَرُونَ يُقالُ لَهم كَما ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ المُهَيَّمُونَ مُسْتَغْرِقُونَ بِحُبِّهِ تَعالى لا يَدْرِي أحَدُهم أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خَلَقَ غَيْرَهُ، وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِاسْتِغْراقِهِمْ بِهِ تَعالى وأنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالعالِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾، وبِالزّاجِراتِ جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتَسْخِيرِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِياتِ وتَدْبِيرِها لِما خُلِقَتْ لَهُ وهي في الفَضْلِ عَلى ما لَها مِنَ النَّفْعِ لِلْعِبادِ دُونَ الصّافّاتِ، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا جَماعاتٌ أُخَرُ أُمِرَتْ بِتِلاوَةِ المَعارِفِ عَلى خَواصِّ الخَلْقِ وهي لِخُصُوصِ نَفْعِها دُونَ الزّاجِراتِ، أوِ المُرادُ بِالزّاجِراتِ الزّاجِراتُ النّاسَ عَنِ القَبِيحِ بِإلْهامِ جِهَةِ قُبْحِهِ وما يُنَفِّرُ عَنِ ارْتِكابِهِ وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا المُلْهِماتِ لِلْخَيْرِ والجِهاتِ المُرَغِّبَةِ فِيهِ، ولِكَوْنَ دَفْعِ الضُّرِّ أوْلى مِن جَلْبِ الخَيْرِ ودَرْأِ المَفاسِدِ أهَمَّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ ولِذا قِيلَ التَّخْلِيَةُ بِالخاءِ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ - كانَتِ التّالِياتُ دُونَ الزّاجِراتِ، وحالُ الفاءِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في الصِّفاتِ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ، ويَجُوزُ عِنْدِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنْ يُرادَ بِالصّافّاتِ المُصْطَفُّونَ لِلْعِبادَةِ مِن صَلاةٍ ومُحارَبَةِ كَفَرَةٍ - مَثَلًا - مَلائِكَةً كانُوا أمْ أناسِيَّ أمْ غَيْرَهُما، وبِالزّاجِراتِ الزّاجِرُونَ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي بِأقْوالِهِمْ أوْ أفْعالِهِمْ كائِنِينَ مَن كانُوا، وبِالتّالِياتِ ذِكْرًا التّالُونَ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى الغَيْرِ لِلتَّعْلِيمِ أوْ نَحْوِهِ كَذَلِكَ، ولا عِنادَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ فَتَجْتَمِعُ في بَعْضِ الأشْخاصِ، ولَعَلَّ التَّرْتِيبَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي بِاعْتِبارِ نَفْسِ الصِّفاتِ فالِاصْطِفافُ لِلْعِبادَةِ كَمالٌ، والزَّجْرُ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي أكْمَلُ، والتِّلاوَةُ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّعْلِيمِ لِتَضَمُّنِهِ الأمْرَ بِالطّاعاتِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والتَّخَلِّي عَنِ الرَّذائِلِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ إلى أُمُورٍ أُخَرَ أكْمَلُ وأكْمَلُ، وجَعْلُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى ما مَرَّ بِأنَّ تَكُونَ جَماعاتٌ مِنهم صافّاتٍ بِمَعْنى صافّاتٍ أنْفُسَها في سِلْكِ الصُّفُوفِ بِالقِيامِ في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ أوِ القائِماتِ صُفُوفًا لِلْعِبادَةِ وتالِياتٍ ذِكْرًا بِمَعْنى تالِياتٍ الآياتِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ فِيما أرى، عَلى

صفحة 67

أنَّ تَعَدُّدَ المَلائِكَةِ التّالِينَ لِلْوَحْيِ سَواءٌ كانَ صِنْفًا مُسْتَقِلًّا أمْ لا مِمّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الأمِينَ عَلى الوَحْيِ التّالِي لِلذِّكْرِ عَلى الأنْبِياءِ هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا غَيْرَ، نَعَمْ مِنَ الآياتِ ما يَنْزِلُ مُشَيَّعًا بِجَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ونَطَقَ الكِتابُ الكَرِيمُ بِالرَّصْدِ عِنْدَ إبْلاغِ الوَحْيِ، وهَذا أمْرٌ والتِّلاوَةُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أمْرٌ آخَرُ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وفي المُرادِ بِالصِّفاتِ المُتَناسِقَةِ احْتِمالاتٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ فَلا تَغْفُلْ. وأيًّا ما كانَ فالقَسَمُ بِتِلْكَ الجَماعاتِ أنْفُسِها ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَلَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ورَبِّ الصّافّاتِ مَثَلًا، والآيَةُ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في مِثْلِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ مِن أنَّ الواوَ الثّانِيَةَ وما بَعْدَها لِلْعِطْفِ خِلافًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِما مِن أنَّها لِلْقَسَمِ لِوُقُوعِ الفاءِ فِيها مَوْقِعَ الواوِ إلّا أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَ فِيما يَلِيها لِلتَّقارُبِ فَإنَّها مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا.

37:4–5Страница 446

إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ ٤

Воистину, ваш Бог - Единственный.

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥

Он - Господь небес, земли и того, что между ними, Господь восходов.

﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ وقَدْ جَرَتْ عادَتُهم عَلى تَأْكِيدِ ما يُهْتَمُّ بِهِ بِتَقْدِيمِ القَسَمِ ولِذا قُدِّمَ هاهُنا، فَلا يُقالُ: إنَّهُ كَلامٌ مَعَ مُنْكِرٍ مُكَذِّبٍ فَلا فائِدَةَ في القَسَمِ، وما قِيلَ مِن أنَّ وحْدَةَ الصّانِعِ قَدْ ثَبَتَتْ بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بَعْدَ ثُبُوتِها بِالعَقْلِ فَفائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ هُنا - غَيْرُ تامٍّ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مَن لا يَعْتَرِفُ بِالتَّوْحِيدِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى البُرْهانِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَإنَّ وُجُودَها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى وحْدَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بَلْ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ:

وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ

و”رَبُّ“ خَبَرٌ ثانٍ لِـ”إنَّ“ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الأخْبارِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ هو رَبُّ السَّماواتِ إلَخْ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن ”واحِدٌ“ فَهو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ، أيْ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ، ويَدْخُلُ في عُمُومِ المَوْصُولِ أفْعالُ العِبادِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى، ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنَ قُدْرَةِ العَبْدِ مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ السَّلَفِ حَتّى الأشْعَرِيُّ نَفْسُهُ في آخِرِ الأمْرِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرَّبَّ هُنا بِالمَلِكِ وبِالمُرَبِّي، ولَعَلَّ الأوَّلَ أظْهَرُ. وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ أفْعالِ العِبادِ مَخْلُوقَةً لَهُ عَلى ذَلِكَ بَحْثٌ، والمُرادُ بِالمَشارِقِ - عِنْدَ جَمْعٍ - مَشارِقُ الشَّمْسِ لِأنَّها المَعْرُوفَةُ الشّائِعَةُ فِيما بَيْنَهم وهي بِعَدَدِ أيّامِ السَّنَةِ فَإنَّها في كُلِّ يَوْمٍ تُشْرِقُ مِن مَشْرِقٍ وتَغْرُبُ مِن مَغْرِبٍ فالمَغارِبُ مُتَعَدِّدَةٌ تَعَدُّدَ المَشارِقِ، وكَأنَّ الِاكْتِفاءَ بِها لِاسْتِلْزامِها ذَلِكَ مَعَ أنَّ الشُّرُوقَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأبْلَغُ في النِّعْمَةِ. ولِهَذا اسْتَدَلَّ بِهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ مُحاجَّةِ النُّمْرُوذِ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ مَشارِقَ الشَّمْسِ مِائَةٌ وثَمانُونَ، ووَفَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ هَذا وما يَقْتَضِيهِ ما تَقَدَّمَ مِن مُضاعَفَةِ العَدَدِ بِأنَّ مَشارِقَها مِن رَأْسِ السَّرَطانِ وهو أوَّلُ بُرُوجِ الصَّيْفِ إلى رَأْسِ الجَدْيِ وهو أوَّلُ بُرُوجِ الشِّتاءِ مُتَّحِدَةٌ مَعَها مِن رَأْسِ الجَدْيِ إلى رَأْسِ السَّرَطانِ فَإنِ اعْتُبِرَ ما كانَتْ عَلَيْهِ وما عادَتْ إلَيْهِ واحِدًا كانَتْ مِائَةً وثَمانِينَ، وإنْ نُظِرَ إلى تَغايُرِهِما كانَتْ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ، وفي هَذا إسْقاطُ الكَسْرِ فَإنَّ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ تَزِيدُ عَلى ذَلِكَ العَدَدِ بِنَحْوِ سِتَّةِ أيّامٍ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ، وفُسِّرَتِ المَشارِقُ أيْضًا بِمَشارِقِ الكَواكِبِ، ورُجِّحَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿إنّا زَيَّنّا﴾ إلَخْ، وهي لِلسَّيّاراتِ مِنها مُتَفاوِتَةٌ في العَدَدِ، وأكْثَرُها مَشارِقَ عَلى ما هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ زُحَلُ، ومَشارِقُهُ إلى أنْ يُتِمَّ دَوْرَتَهُ أكْثَرُ مِن مَشارِقِ الشَّمْسِ إلى أنْ تُتِمَّ دَوْرَتَها بِأُلُوفٍ، ومَشارِقُ الثَّوابِتِ إلى أنْ تَتِمَّ الدَّوْرَةُ أكْثَرُ وأكْثَرُ فَلا تَغْفُلْ وتَبَصَّرْ، وتَثْنِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾

صفحة 68

عَلى إرادَةِ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما، وإعادَةُ ﴿رَبُّ﴾ هُنا مَعَ المَشارِقِ لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ فِيها وتَجَدُّدِها كُلَّ يَوْمٍ

37:6Страница 446

إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦

Мы украсили ближайшее небо красотой звезд (или звездами)

﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيْ أقْرَبَ السَّماواتِ مِن أهْلِ الأرْضِ فالدُّنْيا هُنا مُؤَنَّثُ أدْنى بِمَعْنى أقْرَبَ - أفْعَلُ تَفْضِيلٍ.

﴿بِزِينَةٍ﴾ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ ﴿الكَواكِبِ﴾ بِالجَرِّ بَدَلٌ مِن ”زِينَةٍ“ بَدَلُ كُلٍّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها الِاسْمُ - أيْ ما يُزانُ بِهِ - لا المَصْدَرُ، فَإنَّ الكَواكِبَ بِأنْفُسِها وأوْضاعِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ زِينَةٌ وأيُّ زِينَةٍ:

فَكَأنَّ أجْرامَ النُّجُومِ لَوامِعًا دُرَرٌ نُثِرْنَ عَلى بِساطٍ أزْرَقِ

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ. وقَرَأ الأكْثَرُونَ ”بِزِينَةِ الكَواكِبِ“ بِالإضافَةِ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ لِما أنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ صادِقَةٌ عَلى كُلِّ ما يُزانُ بِهِ فَتَقَعُ ”الكَواكِبِ“ بَيانًا لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامِيَّةً عَلى أنَّ الزِّينَةَ لِلْكَواكِبِ أضْواؤُها أوْ أوْضاعُها، وتَفْسِيرُها بِالأضْواءِ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الزِّينَةَ مَصْدَرًا كالنِّسْبَةِ وإضافَتُها مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ أيْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بَتَزْيِينِنا الكَواكِبَ فِيها، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ أيْ زَيَّنّاها بِأنْ زَيَّنَتْها الكَواكِبُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ومَسْرُوقٌ بِخِلافٍ عَنْهُما والأعْمَشُ وطِلْحَةُ وأبُو بَكْرٍ ”بِزِينَةٍ“ مُنَوَّنًا ”الكَواكِبَ“ نَصْبًا فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”زِينَةٍ“ مَصْدَرًا و”الكَواكِبَ“ مَفْعُولًا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ ولَيْسَ هَذا مِنَ المَصْدَرِ المَحْدُودِ كالضَّرْبَةِ حَتّى يُقالَ: لا يَصِحُّ إعْمالُهُ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ لِأنَّهُ وُضِعَ مَعَ التّاءِ كالكِتابَةِ والإصابَةِ ولَيْسَ كُلَّ تاءٍ في المَصْدَرِ لِلْوَحْدَةِ، وأيْضًا لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ صِيغَةَ الوَحْدَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”الكَواكِبَ“ بَدَلًا مِن ﴿السَّماءَ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ، واشْتِراطُ الضَّمِيرِ مَعَهُ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ إذا لَمْ يَظْهَرُ اتِّصالُ أحَدِهِما بِالآخَرِ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ﴾ .

وقِيلَ: اللّامُ بَدَلٌ مِنهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِن مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ أوِ المَجْرُورِ وحْدَهُ عَلى القَوْلَيْنِ، وكَوْنَهُ مَنصُوبًا بِتَقْدِيرٍ أعْنِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ”بِزِينَةٍ“ مُنَوَّنًا ”الكَواكِبُ“ رَفْعًا عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي الكَواكِبُ أوْ فاعِلُ المَصْدَرِ ورَفْعُهُ الفاعِلَ قَدْ أجازَهُ البَصْرِيُّونَ عَلى قِلَّةٍ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الكَواكِبَ في السَّماءِ الدُّنْيا، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ وإنِ اخْتَلَفَتْ حَرَكاتُها وتَفاوَتَتْ سُرْعَةً وبُطْأً لِجَوازِ أنْ تَكُونَ في أفْلاكِها، وأفْلاكُها في السَّماءِ الدُّنْيا وهي ساكِنَةٌ ولَها مِنَ الثِّخَنِ ما يُمْكِنُ مَعَهُ نَضْدُ تِلْكَ الأفْلاكِ المُتَحَرِّكَةِ بِالحَرَكاتِ المُتَفاوِتَةِ وارْتِفاعُ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ. وحَكى النَّيْسابُورِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّكْوِيرِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الكَواكِبَ في قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ وتِلْكَ السَّلاسِلُ بِأيْدِي المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو مِمّا يُكَذِّبُهُ الظّاهِرُ ولا أُراهُ إلّا حَدِيثَ خُرافَةٍ. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُلَّ الفَلاسِفَةِ مِن أنَّ القَمَرَ وحْدَهُ في السَّماءِ الدُّنْيا وعُطارِدًا في السَّماءِ الثّانِيَةِ والزَّهْرَةَ في الثّالِثَةِ والشَّمْسَ في الرّابِعَةِ والمِرِّيخَ في الخامِسَةِ والمُشْتَرِيَ في السّادِسَةِ وزُحَلَ في السّابِعَةِ والثَّوابِتَ في فَلَكٍ فَوْقَ السّابِعَةِ هو الكُرْسِيُّ بِلِسانِ الشَّرْعِ - فَمِمّا لا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرِهانٌ يُفِيدُ اليَقِينَ، وعَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ لا يَقْدَحُ في الآيَةِ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ كَوْنِ السَّماءِ الدُّنْيا مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ - كَوْنُها كَذَلِكَ في رَأْيِ العَيْنِ.

37:7Страница 446

وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧

и оберегаем его от всякого мятежного дьявола.

﴿وحِفْظًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿زَيَّنّا﴾ أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا أوْ عُطِفَ عَلى ”زِينَةٍ“ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّهُ مَعْنى مَفْعُولٍ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا لَها، والعَطْفُ عَلى المَعْنى كَثِيرٌ وهو غَيْرُ العَطْفِ عَلى المَوْضُوعِ وغَيْرُ عَطْفِ التَّوَهُّمِ

صفحة 69

وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لَهُ بِزِيادَةِ الواوِ أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ أيْ ولِحِفْظِها زَيَّنّاها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ”حِفْظِنا“ المَحْذُوفِ أوْ بِـ ”حِفْظًا“، والمارِدُ كالمَرِيدِ المُتَعَرِّي عَنِ الخَيِّراتِ مِن قَوْلِهِمْ شَجَرٌ أمْرَدُ إذا تَعَرّى مِنَ الوَرَقِ، ومِنهُ قِيلَ رَمَلَةٌ مَرْداءُ إذا لَمْ تُنْبِتْ شَيْئًا، ومِنهُ الأمْرَدُ لِتَجَرُّدِهِ عَنِ الشَّعْرِ، وفُسِرَ هُنا أيْضًا بِالخارِجِ عَنِ الطّاعَةِ وهو في مَعْنى التَّعَرِّي عَنْها،

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English