Al-AlusiTaha · 20:90–95

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:90–95

20:90Page 318

وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠

And Aaron had already told them before [the return of Moses], "O my people, you are only being tested by it, and indeed, your Lord is the Most Merciful, so follow me and obey my order."

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ مَعَ ما بَعْدُ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ والتَّشْنِيعِ بِبَيانِ عُتُوِّهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الرَّسُولِ إثْرَ بَيانِ مُكابَرَتِهِمْ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ نَصَحَ لَهم هارُونُ ونَبَّهَهم عَلى كُنْهِ الأمْرِ مِن قَبْلِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ وخِطابِهِ إيّاهم بِما ذُكِرَ مِنَ المَقالاتِ، وإلى اعْتِبارِ المُضافِ إلَيْهِ قَبْلَ ما ذُكِرَ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ قَوْلِ السّامِرِيِّ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ ما أبْصَرَهُ حِينَ طَلَعَ مِنَ الحُفَيْرَةِ تَفَرَّسَ فِيهِما الِافْتِتانَ فَسارَعَ إلى تَحْذِيرِهِمْ، واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ وقالَ: هو أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى تَوْبِيخِهِمْ بِالإعْراضِ عَنْ دَلِيلِ العَقْلِ والسَّمْعِ في ( أفَلا يَرَوْنَ ) . ولَقَدْ قالَ، واخْتارَ بَعْضُهُمِ الأوَّلَ وادَّعى أنَّ الجَوابَ يُؤَيِّدُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ في ذَلِكَ.

وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وجْهَيْنِ: كَوْنَها مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ وقالَ: إنَّ في إيثارِ المُضارِعِ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ في ذِهْنِ السّامِعِ واسْتِدْعاءِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وكَوْنَها في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَرَوْنَ) مُقَرِّرَةً لِجِهَةِ الإنْكارِ أيْ أفَلا يَرَوْنَ والحالُ أنَّ هارُونَ نَبَّهَهم قَبْلَ ذَلِكَ عَلى كُنْهِ الأمْرِ، وقالَ لَهم: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ أوْقَعْتَهم في الفِتْنَةِ بِالعِجْلِ أوْ أضْلَلْتُمْ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ ﴿إنَّما﴾ في أغْلَبِ اسْتِعْمالاتِها إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ القَوْمُ لا إلى قَيْدِهِ المَذْكُورِ بِالقِياسِ إلى قَيْدٍ آخَرَ عَلى مَعْنى إنَّما فَعَلَ بِكُمُ الفِتْنَةَ لا الإرْشادَ إلى الحَقِّ لا عَلى مَعْنى إنَّما فُتِنْتُمْ بِالعِجْلِ لا بِغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَطْفًا عَلى (إنَّما) إلَخْ إرْشادٌ لَهم إلى الحَقِّ إثْرَ زَجْرِهِمْ عَنِ الباطِلِ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ لِلِاعْتِناءِ بِاسْتِمالَتِهِمْ إلى الحَقِّ. وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِتَخْلِيصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ زَمانَ لَمْ يُوجَدِ العِجْلُ. وكَذا عَلى ما قِيلَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مَتى تابُوا قَبْلَهم. وتَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ وإنَّ رَبَّكُمُ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو الرَّحْمَنُ لا غَيْرَ.

وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ( وأنَّ رَبَّكم ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ والأمْرُ أنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما مَرَّ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: التَّقْدِيرُ ولِأنَّ رَبَّكم إلَخْ وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقًا بِاتَّبِعُونِي. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( أنَّما ) ( وأنَّ رَبَّكم ) بِفَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ، وخُرِّجَ عَلى لُغَةِ سُلَيْمٍ

صفحة 250

حَيْثُ يَفْتَحُونَ هَمْزَةَ إنَّ بَعْدَ القَوْلِ مُطْلَقًا. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي في الثَّباتِ عَلى الدِّينِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ فاتَّبِعُونِي إلى الطُّورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ. وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بِصَدَدِ الذَّهابِ إلى الطُّورِ ولَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ وما واعَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أُولَئِكَ المَفْتُونِينَ بِذَهابِهِمْ أنْفُسِهِمْ إلَيْهِ، وقِيلَ: - لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ- أيْ فاتَّبِعُونِي في الثَّباتِ عَلى الحَقِّ وأطِيعُوا أمْرِي هَذا وأعْرِضُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لِعِبادَةِ ما عَرَفْتُمْ أمْرَهُ أوْ كُفُّوا أنْفُسَكم عَنِ اعْتِقادِ أُلُوهِيَّتِهِ وعِبادَتِهِ

20:91Page 318

قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١

They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."

﴿قالُوا﴾ في جَوابِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ أيْ لا نَزالُ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ (عاكِفِينَ) مُقِيمِينَ ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا رُجُوعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وماذا يَقُولُ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهم عَلِقَ في أذْهانِهِمْ قَوْلُ السّامِرِيِّ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ فَغَيُّوا بِرُجُوعِهِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ والتَّسْوِيفِ وأضْمَرُوا أنَّهُ إذا رَجَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُوافِقُهم عَلى عِبادَتِهِ وحاشاهُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُحاوَرَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَتْ بَعْدَ قَوْلِ السّامِرِيِّ المَذْكُورِ فَيَكُونُ (مِن قَبْلُ) عَلى مَعْنى مِن قَبْلِ رُجُوعِ مُوسى، وذُكِرَ أنَّ هَذا الجَوابَ يُؤَيِّدُهُ هَذا المَعْنى لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى عُكُوفِهِمْ حالَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم لَمْ يَعْكُفُوا عَلى عِبادَتِهِ قَبْلَ قَوْلِ السّامِرِيِّ وإنَّما عَكَفُوا بَعْدَهُ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ جَوابَهم هَذا مِن بابِ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ نَقِيضِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ لِأنَّهم قالُوهُ عَنْ قِلَّةِ مُبالاةٍ بِالأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ كَما قالَ نُمْرُوذُ في جَوابِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ فَتَأمَّلْ، واسْتَدَلَّ أبُو حَيّانَ بِهَذا التَّغَيِّي عَلى أنَّ- لَنْ- لا تُفِيدُ التَّأْبِيدَ لِأنَّ التَّغَيِّيَ لا يَكُونُ إلّا حَيْثُ يَكُونُ الشَّيْءُ مُحْتَمَلًا فَيُزالُ الِاحْتِمالُ بِهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القائِلَ بِإفادَتِها ذَلِكَ لا يَدَّعِي أنَّها تُفِيدُهُ في كُلِّ المَوارِدِ وهو ظاهِرٌ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ اعْتَزَلَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَ الصِّياحَ وكانُوا يَسْجُدُونَ إذا خارَ العِجْلُ فَلا يَرْفَعُونَ حَتّى يَخُورَ ثانِيَةً، وفي رِوايَةٍ كانُوا يَرْقُصُونَ عِنْدَ خُوارِهِ، قالَ لِلسَّبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ: هَذا صَوْتُ الفِتْنَةِ حَتّى إذا وصَلَ قالَ لِقَوْمِهِ ما قالَ وسَمِعَ مِنهم ما قالُوا.

20:92–93Page 318

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

From following me? Then have you disobeyed my order?"

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ نَشَأ مِن حِكايَةِ جَوابِهِمُ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى لِهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حِينَ سَمِعَ جَوابَهم وهَلْ رَضِيَ بِسُكُوتِهِ بَعْدَ ما شاهَدَ مِنهم ما شاهَدَ؟

فَقِيلَ: قالَ لَهُ وهو مُغْتاظٌ قَدْ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى دَلِيلِ بُطْلانِها ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ أيْ تَتَّبِعَنِي عَلى أنْ لا سَيْفٌ خَطِيبٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ وإذْ مُتَعَلِّقٌ بِمَنَعَ، وقِيلَ: بِتَتَّبِعَنِي، ورَدَ بِأنَّ ما بَعْدَ- أنْ- لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وأُجِيبُ بِأنَّ الظَّرْفَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِهِ وبِأنَّ الفِعْلَ السّابِقَ لِما طَلَبَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ كانَ مُقَدَّمًا حَكَمًا وهو كَما تَرى أيْ أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ حِينَ رُؤْيَتِكَ لِضَلالِهِمْ مِن أنْ تَتَّبِعَنِي وتَسِيرَ بِسَيْرِي في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى والمُقاتَلَةِ مَعَ مَن كَفَرَ بِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: في الإصْلاحِ والتَّسْدِيدِ ولا يُساعِدُهُ ظاهِرُ الِاعْتِذارِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما مَنَعَكَ مِن أنْ تَلْحَقَنِي إلى جَبَلِ الطُّورِ بِمَن آمَنُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ

صفحة 251

رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى أنَّ مُفارَقَةَ هارُونَ لَهم وخُرُوجَهُ مِن بَيْنِهِمْ بَعْدَ تِلْكَ النَّصائِحِ القَوْلِيَّةِ أزْجَرُ لَهم مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى النَّصائِحِ لِما أنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى الغَضَبِ وأشَدُّ في الإنْكارِ لا سِيَّما وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ مَحْبُوبًا لَدَيْهِمْ، ومُوسى يَعْلَمُ ذَلِكَ ومُفارَقَةُ الرَّئِيسِ المَحْبُوبِ كَراهَةً لِأمْرٍ تَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ وتَسْتَدْعِي تَرْكَ ذَلِكَ الأمْرِ المَكْرُوهِ لَهُ الَّذِي يُوجِبُ مُفارَقَتَهُ وهَذا ظاهِرٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَن أنْصَفَ.

فالقَوْلُ بِأنَّ نَصائِحَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ تَزْجُرْهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَلِأنْ لا تَزْجُرَهم مُفارَقَتُهُ إيّاهم عَنْهُ أوْلى عَلى ما فِيهِ لا يَرُدُّ عَلى ما ذَكَرْنا ولا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ يَلْحَقُهُ ويُخْبِرُهُ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالقِصَّةِ يَخافُونَ رُجُوعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَنْزَجِرُونَ عَنْ ذَلِكَ لِيُقالَ: إنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القَبُولِ كَيْفَ لا وهْمَ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهم عاكِفُونَ عَلَيْهِ إلى حِينِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّ (لا) لَيْسَتْ مَزِيدَةً، والمَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى عَدَمِ الِاتِّباعِ فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ بِسِياسَتِهِمْ حَسَبَ ما يَنْبَغِي فَإنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ بِدُونِ ضَمِّ قَوْلِهِ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُتَضَمِّنٌ لِلْأمْرِ بِذَلِكَ حَتْمًا فَإنَّ الخِلافَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِمُباشَرَةِ الخَلِيفَةِ ما كانَ يُباشِرُهُ المُسْتَخْلَفُ لَوْ كانَ حاضِرًا ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ كانَ حاضِرًا لَساسَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألَمْ تَتْبَعْنِي أوْ أخالَفْتَنِي فَعَصَيْتَ أمْرِي

20:94Page 318

قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤

[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"

﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ﴾ خَصَّ الأُمَّ بِالإضافَةِ اسْتِعْطافًا وتَرْقِيقًا لِقَلْبِهِ لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ فَإنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّهُما كانا شَقِيقَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يا بْنَ أُمِّ ) بِكَسْرِ المِيمِ ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ أيْ بِشَعْرِ رَأْسِي فَإنَّ الأخْذَ أنْسَبُ بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ (لِحْيَتِي) عَلى مَعْنى بِشَعْرِ لِحْيَتِي أيْضًا لِأنَّ أصْلَ وضْعِ اللِّحْيَةِ لِلْعُضْوِ النّابِتِ عَلَيْهِ الشَّعْرُ ولا يُناسِبُهُ الأخْذُ كَثِيرَ مُناسَبَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ اسْتِعْمالُ اللِّحْيَةِ في الشَّعْرِ النّابِتِ عَلى العُضْوِ المَخْصُوصِ، وظاهِرُ الآياتِ والأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِذَلِكَ. رُوِيَ أنَّهُ أخَذَ شَعْرَ رَأْسِهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتِهِ بِشَمالِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدِيدًا مُتَصَلِّبًا غَضُوبًا لِلَّهِ تَعالى وقَدْ شاهَدَ ما شاهَدَ وغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ تَقْصِيرٌ في هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَحِقُّ بِهِ وإنْ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ دائِرَةِ العِصْمَةِ الثّابِتَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ التَّأْدِيبُ فَفَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ وباشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ولا مَحْذُورَ فِيهِ أصْلًا ولا مُخالَفَةَ لِلشَّرْعِ، فَلا يَرُدُّ ما تَوَهَّمَهُ الإمامُ فَقالَ: لا يَخْلُو الغَضَبُ مِن أنْ يُزِيلَ عَقْلَهُ أوَّلًا والأوَّلُ لا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمٌ والثّانِي لا يُزِيلُ السُّؤالَ بِلُزُومِ عَدَمِ العِصْمَةِ. وأجابَ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ ( بِلِحْيَتِي ) بِفَتْحِ اللّامِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ (إنِّي خَشِيتُ) إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ مُوجِبِ النَّهْيِ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ غَيْرُ عاصٍ أمْرَهُ ولا مُقَصِّرٍ في المَصْلَحَةِ أيْ خَشِيتُ لَوْ قاتَلْتُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ وتَفانَوْا وتَفَرَّقُوا أوْ خَشِيتً لَوْ لَحِقْتُكَ بِمَن آمَنَ ﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِرَأْيِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ أبْناءَ واحِدٍ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ذِكْرُهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ القَوْمِ ونَحْوِهِ، واسْتِلْزامُ المُقاتَلَةِ التَّفْرِيقَ ظاهِرٌ، وكَذا اللُّحُوقُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مَن آمَنَ ورُبَّما يَجُرُّ ذَلِكَ إلى المُقاتَلَةِ. وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْرِيقِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ما يَسْتَتْبِعُهُ القِتالُ مِنَ التَّفْرِيقِ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ الِاجْتِماعُ.

(لَمْ تَرْقُبْ) أيْ ولَمْ تُراعِ (قَوْلِي) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (فَرَّقْتَ) أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ

صفحة 252

وتَنْسُبَ إلَيَّ تَفْرِيقَ بَنِي إسْرائِيلَ وعَدَمَ مُراعاةِ قَوْلِكَ لِي ووَصِيَّتَكَ إيّايَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿فَرَّقْتَ﴾ أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَهم غَيْرَ مُراعٍ قَوْلِي أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ مَجْمُوعَ هَذا الكَلامِ، وأرادَ بِقَوْلِ مُوسى المُضافِ إلى الياءِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ إلَخْ، وحاصِلُ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنِّي رَأيْتُ الإصْلاحَ في حِفْظِ الدَّهْماءِ والمُداراةِ مَعَهم وزَجْرِهِمْ عَلى وجْهٍ لا يَخْتَلُّ بِهِ أمْرُ انْتِظامِهِمْ واجْتِماعِهِمْ ولا يَكُونُ سَبَبًا لِلَوْمِكَ إيّايَ إلى أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَتَكُونَ أنْتَ المُتَدارِكُ لِلْأمْرِ حَسْبَما تَراهُ لا سِيَّما والقَوْمُ قَدِ اسْتَضْعَفُونِي وقَرُبُوا مِن أنْ يَقْتُلُونِي كَما أفْصَحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا في آيَةٍ أُخْرى.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ القَوْلِ المُضافِ قَوْلُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجُمْلَةُ (لَمْ تَرْقُبْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَقُولَ) أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ قَوْلِي وبَيانُ حَقِيقَةِ الحالِ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ولَمْ تَرْقُبْ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُضارِعُ أرْقَبَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِنِ اعْتِذارِ القَوْمِ بِإسْنادِ الفَسادِ إلى السّامِرِيِّ واعْتِذارِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ما حُكِيَ مِنَ الِاعْتِذارَيْنِ واسْتِقْرارِ أصْلِ الفِتْنَةِ عَلى السّامِرِيِّ؟ فَقِيلَ قالَ مُوَبِّخًا لَهُ إذا كانَ الأمْرُ هَذا.

20:95Page 318

قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥

[Moses] said, "And what is your case, O Sāmirī?"

﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أيْ: ما شَأْنُكَ والأمْرُ العَظِيمُ الصّادِرُ عَنْكَ وما سُؤالُ عَنِ السَّبَبِ الباعِثِ لِذَلِكَ، وتَفْسِيرُ الخَطْبِ بِذَلِكَ هو المَشْهُورُ، وفي الصَّحّاحِ الخَطْبُ سَبَبُ الأمْرِ.

وقالَ بَعْضُ الثِّقاتِ: هو في الأصْلِ مَصْدَرُ خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ؟ فَمَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ وشاعَ في الشَّأْنِ والأمْرِ العَظِيمِ لِأنَّهُ يُطْلَبُ ويُرْغَبُ فِيهِ، واخْتِيرَ في الآيَةِ تَفْسِيرُهُ بِالأصْلِ لِيَكُونَ الكَلامُ عَلَيْهِ أبْلَغَ حَيْثُ لَمْ يَسْألْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا صَدَرَ مِنهُ ولا عَنْ سَبَبِهِ بَلْ عَنْ سَبَبِ طَلَبِهِ، وجَعَلَ الرّاغِبُ الأصْلَ لِهَذا الشّائِعِ الخَطْبَ بِمَعْنى التَّخاطُبِ أيِ المُراجَعَةِ في الكَلامِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِأنَّ الأمْرَ العَظِيمَ يَكْثُرُ فِيهِ التَّخاطُبُ، وجُعِلَ في الأساسِ الخَطْبُ بِمَعْنى الطَّلَبِ مَجازًا فَقالَ: ومِنَ المَجازِ فُلانٌ يَخْطُبُ عَمَلَ كَذا يَطْلُبُهُ وما خَطْبُكَ ما شَأْنُكَ الَّذِي تَخْطُبُهُ، وفَرَّقَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَيْنَ الخَطْبِ والشَّأْنِ بِأنَّ الخَطْبَ يَقْتَضِي انْتِهارًا ويُسْتَعْمَلُ في المَكارِهِ دُونَ الشَّأْنِ ثُمَّ قالَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُكَ وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِنكَ. انْتَهى.

ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُطَّرِدٍ فَقَدْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ولا يَتَأتّى فِيهِ ما ذُكِرَ.

وزَعَمَ بَعْضُ مَن جَعَلَ اشْتِقاقَهُ مِنَ الخِطابِ أنَّ المَعْنى ما حَمَلَكَ عَلى أنْ خاطَبْتَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما خاطَبْتَ وفَعَلْتَ مَعَهم ما فَعَلْتَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وخِطابُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ بِذَلِكَ لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بُطْلانَ كَيْدِهِ بِاعْتِرافِهِ ويَفْعَلَ بِهِ وبِما أخْرَجَهُ ما يَكُونُ نَكالًا لِلْمَفْتُونِينَ ولِمَن خَلْفَهم مِنَ الأُمَمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском