Ibn 'AdilSad · 38:1–11

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

ص

Sad

The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs

38:1–3Page 453

صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ ١

Ṣād.1 By the Qur’ān containing reminder...2

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢

But those who disbelieve are in pride and dissension.

كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣

How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.

مكية وهي خمس وثمانون آية وسبعمائة واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ص﴾ قرأ العامة بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور وقد مر ما فيه.

وقرأ أبيٌّ والحسنُ وابن أبي إسحاق وابن أبي عَبْلَة وأبو السّمَال بكسر الدال من غير تنوين وفيه وجهان:

أحدهما: أنه كسر لالتقاء الساكنين وهذا أقرب.

والثاني: أنه (أمر) من المصاداة وهي المعارضة ومنه صوت الصَّدَى لمعارضته لصوتك، وذلك في الأماكن الصُّلبة الخالية.

والمعنى عارض القرآن بعملك فاعل بأوامره (وانته عن نواهيه قاله الحسن. وعنه أيضاً أنه من صَادَيْتُ أي حَادَثْتُ) والمعنى حَادِث النَّاسَ بالقرآن، وقرأ ابنُ أبي إسْحَاقَ كذلك إلاَّ أنه نونه وذلك على أنه مجرور بحرف قسم مقدر حذف وبقي عمله كقولهم: اللَّهِ لاَفْعَلَنَّ بالجر إلا أن الجر يقل في غير الجلالة، وإنما صرفه ذهاباً به إلى معنى الكتاب أو التنزيل وعن الحسن أيضاً وابن السميقع وهَارونَ الأَعْورض صادُ ومنع من الصرف للعملية والتأنيث وكذلك قرأ ابن السَّمَيْقَع وهارُون قافُ ونونُ بالضم على ما تقدم وقرأ عيسى وأبو عمرو - في رواية محبوب - صَادَ بالفتح من غير تنوين وهي تحتمل ثلاثة أوجه: البناء على الفتح تخفيفاً كأينَ وكَيْفَ، والجر بحرف القسم المقدر وإنما منع من الصرف للعملية والتأنيث كما تقدم. والنصب بإضمار فعل أو على حذف حرف القسم نحو قوله:

4232 - فَذَالكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ ... وامتنعت من الصرف لما تقدم. وكذلك قرأ قاف ونون بالفتح فيهما وهما كما تقدم ولم يحفظ التنوين مع الفتح والضم.

فصل

قيل: هذا قسم، وقيل: اسم للسورة كما ذكر في الحروف المقطعة في أوئل السور قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: (ص) اسم الصّمد وصادق الوعد وقال الضحاك: معناه صدق الله وروي عن ابن عباس صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها وسلتم قادرين على معارضته.

فإن قيل: قوله ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾ قسم فأين المقسم عليه؟ .

فالجواب من وجوه:

أحدهما: قال الزجاج والكوفيون غير الفراء: هو قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: 64] قال الفراء: لا نجده مستقيماً لتأخيره جداً عن قوله ﴿والقرآن﴾ وقال ثعلب والفراء هو قوله: «كَمْ أَهْلَكْنَا» والأصل: «لكم أهلكنا» فحذف اللام كما حذفها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] بعد قوله: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ، لما طال الكلام.

الثالث: قال الأخفش هو قوله: «إنْ كُلُّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ» كقوله: ﴿تالله إِن كُنَّا﴾ [الشعراء: 97] وقوله: ﴿والسمآء والطارق﴾ ﴿إِن كُلُّ﴾ [الطارق: 1و 4]

الرابع: قوله: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا﴾ [ص: 54] .

الخامس: هو قوله: « (ص) » لأن المعنى والقرآن لقد صدق محمد قاله الفراء وثعلب أيضاً؛ وهذا بناء منهما على جواز تقديم جواب القسم وأن هذه الحرف مقتطع من جملة دالّ هو عليها وكلاهما ضعيف.

السادس: أنه محذوف واختلفوا في تقديره فقال الحَوْفيُّ تقديره: «لَقَدْ جَاءَكُم الحَقُّ» ونحوه وقدره ابن عطية: ما الأمر كما تزعمون. ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ والزمخشري: أنه لمعجز، وأبو حيان: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ. قال: لأنه نظير: ﴿يس والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: 1 - 3] .

وللزمخشري هنا عبارة بشعة جداً قال: فإن قلت: قوله: «ص. والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق» كلام ظاهر متناف غير منتظم فما وجه انتظامه؟ .

قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحديث والتنبيه على الإعجاز كما مر في أول الكتاب ثم أتبعه القسم محذوف الجواب بدلالة التَّحدِّي عليه كأنه قال: والقرآن ذِي الذِّكْر إنه لكلام معجز.

والثاني: أن يكون (صاد) خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة كأنه قال: هذه «ص» يعني هذه السورة التي أعجزت العرب وَالقُرآنِ ذي الذكر كما تقول: «هذا حَاتمٌ واللَّهِ» تريد هو المشهور بالسخاء واللَّهِ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمتُ بصاد والقرآنِ ذي الذكر إنه لمعجز. ثم قال: بلِ الذَّينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف (بالحق) وشِقَانِ لله ورسوله (و) جعلتها مقسماً بها وعطفت عليها «والقرآن ذي الذكر» جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها ومعناه: أُقْسِمُ بالسُّورةِ الشًّرِيفة والقرآنِ ذِي الذِّكر كما تقول: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الكَرِيم وبالنِّسْبَة المُبَارَكَةِ، ولا تريد بالنّسبة غيرَ الرجل. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره بل الذين كفروا في عِزَّةٍ وشقاق والقرآنِ ذي الذكر.

(والمراد بكون القرآن ذي الذكر) أي ذي الشرف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] وقال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] كما تقول: «لِفُلاَنٍ ذٍكْرٌ فِي النَّاسِ» ويحتمل أن يكون معناه ذو النبأ أي فيه أخبرا الأولين والآخرين وبيان العلوم الأصلية والفرعية.

قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ إضراب انتقال من قصةٍ إلى أخرى. وقرأ الكسائي - في رواية سَوْرَةَ - وحماد بن الزِّبرقَان وأبو جعفر وَالجَحْدَريّ: في غَرَّة بالغين المعجمة والراء وقد نقل أن حَمَّاداً الراوية قرأها كذلك تصحيفاً فلما رُدّت عليه قال: ما ظننت أن الكافرين في عِزّةٍ. وهو وَهَمٌ منه، لأن العزة المشار إليها حمية الجاهلية. والتنكير في (عزة وشقاق) دلالة على شدّتهما وتفاقمهما.

فصل

قالت المعتزلة دل قوله: (ذِي الذّكْر) على أنه مُحْدَث، ويؤيده قوله: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: 50] ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69] والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى ما نقرأه نحن به.

فصل

قال القُتَيْبيُّ: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم بصاد والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة وحَمِيَّة جاهلية وتَكَبُّر عن الحق وشِقَاق خلاف وعداوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مجاهد: في عزة وتغابن.

قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) مفعول «أَهْلَكْنَا» و «مِنْ قَرْنٍ» تَمْييزٌ، و «مِنْ قَبْلِهِمْ» لابتداء الغاية والمعنى كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني من الأمم الخالية فنادوا استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النِّقْمَة. وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب.

قوله: ﴿وَّلاَتَ حِينَ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحل من فاعل «نَادَوْا» أي استغاثوا والحال أنه مَهْرَبَ ولا مَنْجِى.

وقرأ العامة «لاَتَ» بفتح التاء وحينَ منصوبة وفيها أوجه:

أحدها وهو مذهب سيبويه: أن لا نافية بمعنى ليس والتاء مزيدة فيها كزيادتها في رُبَّ وثُمّ، كقولهم: رُبَّت وثُمَّت وأصلها «ها» وُصِلَتْ بلا فقالوا «لاَه» كما قالوا ثُمّهْ «ولا يعمل إلا في الزمان خاصة نحو: لات حين، ولات أوان كقوله:

4233 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاَتَ أَوَانٍ ... فَأجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاء

وقوله الآخر:

4234 - نَدِمَ البُغَاةُ لاَتَ سَاعَةَ مَنْدَم ... والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ

والأكثر حينئذ حذف مرفوعها تقديره: وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع وقد قرأ هنا بذلك بعضهم لقوله:

4235 - مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا ... فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ

أي لا براح لي. ولا تعمل في غير الأحيان على المشهور، وقد تمسك بإعمالها في غير الأحيان في قوله:

4236 - حَنًّتْ نَوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّت ... وَبدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ

فإن» هنّا «من ظروف الأمكنة، وفيه شذوذ من ثلاثة أوجه: أحدهما: عملها في اسم الإشارة وهو معرفة ولا تعمل إلا في النكرات.

والثاني: كونه لا ينصرف.

الثالث: كونه غير زمان. وقد رد بعضهم هذا بأن» هنا «قد خرجت عن المكانية واستعملت في الزمان كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: 11] وقوله:

4237 - (وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمتْ وَتَشَاكَلَتْ)

فَهُنضاك يَعْتَرِفُون أَيْنَ المَفْزَعُ

كما تقدم في سورة الأحزاب.

إلا أن الشذوذين الأخيرين باقيان. وتأول بعضهم البيت أيضاً بتأويل آخر وهو أن» لات «هنا مُجْمَلَةٌ لا عمل لها، و» هنا» ظرف خبر مقدم و «حنت» مبتدأ بتأويل حذف» أن «المصدرية تقديره» أَنْ حَنَّت «نحو:» تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّي خَيْرٌ مِنْ أنْ ترَاهُ «وفي هذا تكلف وبعد ألى أن فيه الاستراحة من الشذوذات المذكورة أو الشذوذين وفي الوقف عليها مذهبان: أشهرهما عند [علماء] العربية وجماهير القراء السبعة بالتاء المجبورة اتباعاً لمرسوم الخط، والكسائي وحْدَهُ من السبعة بالهاء.

والأول: مذهب الخليل وسِيبوَيْهِ والزَّجَّاج والفراءِ وابْنِ كَيْسَانَ.

والثاني: مذهب المبرد.

وَأَغْرَبَ أبو عبيدة فقال: الوقف على» لا «والتاء متصلة بحين فيقولون: قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعل كذا، وقال: رأيتها في الإمام كذا» وَلاَ تَحِينَ «متصلةً، وأنشد على هذا أيضاً قول أبي وَجْزَة السَّعديِّ:

4238 - العَاطِفونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ ... وَالمُطْعِمونَ زَمَانَ لاَ مِنْ مُطْعِمِ ومنه حديث ابن عمر وسأله رجل من عثمان فذرك مناقبهُ ثم قال: «اذْهَبْ تَلاَنَ إلَى أَصْحَابِكَ» يريد «الآن» والمصاحف إنما هي لات حين. وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنَظَائِرَ له مرت. فأما البيت فقيل فيه: إنه شاذ لا يلتفت إليه وقيل: إنه إذا حذف الحين المضاف إلى الجملة التي فيها «لات حين» جاز أن يحذف (لا) وحدها ويستغنَى عنها بالتاء، والأصل: العاطفُونَ حِينَ لاَتَ حِينَ لاَ من عاطف، فحذف الأول ولا وحدها كما أنه قد صرح بإضافة حين إليها في قوله الآخر: _ _

4239 - وَذَلِكَ حِينَ لاَتَ أَوَانِ حِلْمٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ...

ذكر هذا الوجه ابن مالك؛ وهو متعسف جداً وقد يقدر إضافة «حين» إليها من غير حذف لها كقوله:

4240 - تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاَتَ حِينَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

أي حين لات حين. وأيضاً فكيف يصنع أبو عبيدة بقوله: «وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ، ولات أوانِ» فإِنه قد وجدت التاء من «لا» دُونَ حِينَ؟!

الوجه الثاني من الأوجه السابقة: أنها عالمة عمل «أن» يعني أها نافية للجِنْس فيكون «حِينَ مَنَاصٍ» اسمها، وخبرها مقدر تقديره ولات حِينَ مَنَاصٍ لَهُمْ، كقولك: لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ لَكَ. واسمُها معربٌ لكونه مضافاً.

الثالث: أنّ بعدها فعلاً مقدّراً ناصباً حلين مناص بعدها أي لات أرى حينَ مناص لهم بمعنى لَسْتُ أرى ذلك، ومثله: «لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ولا أهْلاً ولا سَهْلاً» أي لا أتوا مرحباً ولا وَطِئُوا سهلاً ولا لَقُوا أهلاً.

وهذا الوجهان ذهب إليهما الأخفش وهما ضعيفان وليس إضمار الفعل هنا نظير إضماره في قوله:

4241 - ألاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً..... ... ... ... ... ... ... ... ... . .

لضرورة أن اسمها المفرد النكرة مبني على الفتح فلما رأينا هنا معرباً قدرنا له فعلاً خلافاً للزجَّاج فإنه يجوز تنوينه في الضرورة ويدعي أن فتحته للإِعراب، وإنما حذف التنوين لتخفيف ويَسْتَدِلُّ بالبيت المذكور وقد تقدم تحقيق هذا.

الرابع: أن لات هذه ليست هي ليس فأبدلت السين تاء، وقد أبدل تمنها في مواضع قالواك النَّاتُ يريدون الناسَ ومنه سُتٌّ وأصله سُدْسٌ، وقال:

4242 - يَا قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاَتِ ... عَمْرٌو بْنُ يَرْبُوع شِرار النَّاتِ

لَيْسُوا بأخْيَارٍ وَلاَ أَليَاتِ ... وقرئ شاذاً: «قل أعوذُ بربِّ النّاتِ» إلى آخرها [الناس: 1 - 6] يريد شِرار الناسِ ولا أكياس فأبدل، ولما أبدل السين تاءً خاف من التباسها بحرف التمني فقلب الياء ألفاً فبقيت تاء «لات» وهو من الاكتفاء بحرف العلة، لأن حرف العلة لا يبدل ألفاً إلاّ بشرطٍ منها أن يتحركَ، وأن ينفتحَ ما قبله فيكون «حين مناص» خبرها والاسم محذوف على ما تقدم والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعيَّةِ.

وقرأ عيسى بن عمر: ولاتِ حينِ مناص بكسر التاء وجر حين. وهي قارءة مشكلةٌ جداً، زعم الفراء أن لات يجر بها وأنشد:

4243 - وَلَتَنْدمُنَّ وَلاَتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ ... وأنشد غيره:

4244 - طَلَبُوا صُلحَنَا وَلاَتَ أوان ... وقال الزمخشري: ومثله قول أبي زَبيد الطَّائِي:

4245 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ... ... ... ... . ... البيت قال: فإن قلت: ما وجه الجر في أوانٍ» ؟ .

قلت: شُبّه بإذْ في قَولِهِ:

4246 - وَأَنْتَ إِذْ صَحِيح ... في أنه زمان قطع عنه المضاف إليه وعوض منه التنوين لأن الأصل: وَلاَت أوانَ صلح. فإن قلت: فما تقول في «حِينَ مَنَاص» والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من «مناص» لأن أصله حين مناصهم منزلة قطعه من «حين» لاتّحاد المضاف والمضاف إليه وجعل تنوينه عوضاً عن المضاف المحذوف، ثم بين الجهة لكونه مضافاً إلى غير متمكن انتهى.

وخرجها أبو حيان على إضمار» من «والأصل ولات مِنْ حين ماص فحذفت» مِنْ «وبقي عملها نحو قولهم:» عَلَى كَمْ جذع بنيتَ بَيْتكَ «أي مِنْ جذعٍ في أصحِّ القولين وفيه قول آخر: بالإضافة مثل قوله:

4247 - ألاَ رَجُلٍ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً ... أنشده بجرّ رجلٍ أي ألا مِن رجلٍ.

4248 - ... ... ... ... ... ... ... ... وقال أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيل إلى هِنْدِ

قال: ويكون موضع (من حين مناص) رفعاً على أنه اسم لات بمعنى ليس، كما تقول: لَيْسَ مِنْ رَجُلِ قائماً والخبر محذوف، وهذا على قول سيبويه، (و) على أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول الأخفش» ولات أوان «على حذف مضاف يعني أن (هـ) حذف المضاف وبقي المضاف إليه مجرواً على ما كان والأصل ولات حين أوان.

وقدر هذا الوجه مكي بأنه كان ينبغي أن يقوم المضاف إليه مُقَامه في الإِعراب فيرفع.

قال شهاب الدين: قد جاء بقاءُ المضاف إليه على جرِّه وهو قسمان قليلٌ وكثيرٌ: فالكثير أن يكون في اللفظ مثل المضاف نحو قوله:

4249 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا

أي وكل نار، والقليل أن لا يكون كقراءة من قرأ: «وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ» بجر الآخرة فليكن هذا منه. على أن المبرد رواه بالرفع على إقامته مُقَام المضاف، وقال الزجاج: الأصل ولات أواننا، فحذف المضاف إليه فوجب أن لا يعرف وكَسَرَهُ لالتقاء الساكني.

وقال أبو حيان: وهذا هو الوجه الذي قرره الزمخشري أخذه من أبي إسحاق يعني الوجه الأول وهو قوله ولات أوان صلح. هذا ما يتعلق بجر» حين «وأما كسرة لاَتِ فعلى أصل التقاء الساكينن كحِين إلا أنه لا يعرف تاء تأنيث إلاّ مفتوحةً وقرأ عيس أيضاً بكسر التاء فقط ونصب حين كالعامة.

وقرأ ايضاً ولات حينُ بالرفع. مناص بالفتح وهذه قراءة مشكلة جداً لا تبعد عن الغلط من راويها عن عيسى فإنه بمكان من العِلم المانع له من مثل هذه القراءة. وقد خرجها أبو الضل الرازي في لوامحه على التقديم والتأخير وأن» حين» أُجْرِيَ مُجْرَى «قَبْلُ وبَعْدُ» في بنائه على الضم عند قطعه عن الإضافة بجامع ما بينه وبينها من الظرفية الزمانية و «مناص» اسمها مبين على الفتح فصل بينه وبينها بحين المقطوع عن الإضافة والأصل: ولات مَنَاصَ حينُ كذا، ثم حذفت المضاف إليه حين وبني على الضم وقدم فاصلاً بين لات واسمها قال: وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه وقد ريو في تار لات الفَتْحُ والكسرُ والضمُّ.

(قوله) : ﴿فَنَادَواْ﴾ لا مفعول له لأن الأصل فَعَلُوا النداء من غير قصد منادًى وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطربوا نادى بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفراء فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله لهم: وَلاَت حِينَ مناص قال القشيري فعلى هذا يكون التقدير نفادوا فحذف لدلالة ما بعده (عليه) .

قال شهاب الدين: فيكون قد حذف المنادى وهو بعضاً وما ينادون به وهو «مناص» أي نادوا بعضهم بهذا اللفظ وقال الجُرْجَانيّ: أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا مَنْجَى ولا فَوْتَ، فلما قدم «لا» وأخر «حين» اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبراً مثل ما تقول: جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم نقول: جاء وهُوَ رَاكبٌ، «فحين» طفرف لقوله: ﴿فَنَادَواْ﴾ (وقال أبو حيان: وكون أصْل هذه الجملة فنادوا حين لا مناص وأن حين ظرف لقوله) : فنادوا دعوى أعجمية في نظم القرآن والمعنى على نظمه في غاية الوضوح قال شهاب الدين: الجُرْجَانيّ لا يعني أن «حين» ظرف «لِنَادَوْا» في التركيب الذي عليه القرآن الآن إنما يعني بذلك في أصل المعنى والتركيب كما شبه ذلك بقوله: «جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم جَاءَ زَيْدٌ وَهُو راكبٌ» «فراكباً» في التركيب الأول حال وفي الثاني خبراً مبتدأ حين كان (في الأصل) ظرف للنداء، ثم صار خبر «لات» أو اسمها على حَسبِ الخلاف المتقدم.

و «المَنَاص» مَفْعَلٌ من نَاصَ يَنُوصُ أي هرَبَ فهو مصدر يقال نَاصَهُ يَنُوصُهُ إذا فَاَهُ فهو متعدٍّ، ونَاصَ يَنُوصُ أي تأخر، ومنه نَاصَ عن قِرْنِهِ أي تأخر عنه جبناً. قاله الفراء وأنشد قَوْلَ امْرئِ القيسل: [من الطويل]

4250 - أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى إِنْ نأَتْكَ تَنُوصُ ... فَتَقْصُرَ عَنْهَا حِقْبَةً وتَنُوصُ

قال أبو جعفر النحاس: نَاصَ يَنُوصُ إذا تقدم فيكون من الأضْدَاد، واسْتَنَاص طلب المَنَاصَ، قال حارثة بن بدر:

4251 - غَمْرُ الجِرَاءِ إِذَا قَصَرْتُ عِنَانَهُ ... بِيدي اسْتَنَاصَ وَرَامَ جَرْيَ المِسْحَلِ

ويقال: نَاصَ إلى كَذَا يَنُوصُ نَوْصاً إذَا التَجأ إليه. قال بعضهم المناص المَنْجَى والغَوْثُ، يقال نَاصَهُ ينُوصُهُ إذا أغاثه قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطربوا في الحب قال بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخُذُوا حذْرَكم، فلما نزل بهم العذاب ببدر، وقالوا مناص فانزل الله تعالى: ولات حين مناص أي ليس حين هذا القول.

38:4–11Page 453

وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤

And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.

أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥

Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."

وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦

And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1

مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧

We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.

أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨

Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.

أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩

Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1

أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠

Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1

جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١

[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح.

فصل

لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان:

الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام.

قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه.

قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» .

قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى.

وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا.

ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف.

فصل

لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم.

قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه.

قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان:

أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به.

والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم.

قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب.

(قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة.

فصل

المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) .

قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.

قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى.

قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر.

وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون.

قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا.

قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان:

أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان:

أحدهما: أنها مزيدة.

والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس:

4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ...

وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ

وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه:

أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي.

الثاني: أن يكون صفة لجند.

الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان:

أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر.

والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح.

و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك.

الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي.

قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون.

فصل

المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح.

وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском