Ibn 'AdilAl‑Muddaththir · 74:1–10

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

المدثر

Al-Muddaththir

The Cloaked One · Meccan · 56 ayahs

74:1–7Page 575

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ١

O you who covers himself [with a garment],1

قُمۡ فَأَنذِرۡ ٢

Arise and warn

وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ٣

And your Lord glorify

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤

And your clothing purify

وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ٥

And uncleanliness1 avoid

وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ٦

And do not confer favor to acquire more1

وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ ٧

But for your Lord be patient.

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام.

وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه.

وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم.

وعنه أيضاً: فتح الثاء.

ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» .

و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال.

ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به.

قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل]

4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... .

وقوله: [الوافر]

4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ...

في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً.

قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار.

فصل في معنى الآية

المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام.

وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه:

أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن.

روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ .

وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ .

وثالثها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له.

وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه:

الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم.

قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» .

الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ.

الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك.

فصل في لطف الخطاب في الآية

قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل.

فصل في معنى «فأنذر»

ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا.

وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة.

وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود.

وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة.

قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به.

قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» .

ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] .

قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب» ، قالوا: تقديره: «تنبَّهْ فاضرب زيداً» فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» .

قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة.

وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده.

فصل في معنى الآية

معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر.

قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل» ، فقال: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ» ، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ» ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك.

والمنقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في التكبير في الصلاة هو لفظ «اللَّهُ أكبَرُ» .

وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري.

وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان.

قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر.

وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة.

فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة.

فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث.

قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ .

قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح.

وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي.

ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]

4946 - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ

أي: قلبي من قلبك.

قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان:

أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة.

الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل]

4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ

ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل]

4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ

وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل]

4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا

أي: ركبوها فرموها بأنفسهم.

ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] .

قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان:

الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف.

الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر.

قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» .

ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل]

4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا

والسبب في حسن هذه الكناية وجهان:

الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره.

الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر.

جاء في الصحيح: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» .

وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل]

4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي.

وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة.

ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ:

الأول: وثيابك فأنق.

الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس.

الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء.

الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام.

وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر.

قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين:

أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى.

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ» قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء» » .

والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر.

قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل.

قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ:

الأول: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس.

وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات.

وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات.

قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها.

فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما.

وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ.

وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد.

وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 10] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم.

وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة.

وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] .

وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: 163] .

قوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام.

وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] .

والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف.

قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان:

أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت.

وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت.

الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل]

4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ...

في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ.

ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان:

أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر.

والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي.

وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد.

إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» .

والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» .

وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» .

وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل]

4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا

ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] .

الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري.

يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع]

4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ

بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن.

وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ .

فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء.

الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً.

يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ.

قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» .

فصل في تعلق الآية بما قبلها

في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه.

قال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بحسناتك، فتستكثرها.

وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها.

وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ .

وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك.

وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك.

وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته.

وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي.

وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس.

فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو يتناول الأمة؟ .

فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة.

وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك.

فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟

فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم.

فصل في المقصود من الآية

قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى.

قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال:

«مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «.

قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم.

﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان:

أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما.

والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام.

والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن» ، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48] .

74:8–10Page 575

فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ٨

And when the trumpet is blown,

فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ٩

That Day will be a difficult day

عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ ١٠

For the disbelievers - not easy.

قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ .

قال الزمخشري: «الفاء» في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ لتسبيب، كأنه قال: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. والفاء في «فإذا» متعلقة ب «أنذر» ، أي: فأنذرهم إذا نقر في الناقور. قاله الحوفيُّ.

وفيه نظر من حيث أن الفاء تمنع من ذلك، ولو أراد تفسير المعنى لكان سهلاً، لكنه في معرض تفسير الإعراب لا تفسير المعنى.

الثاني: أن ينتصب بما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ .

قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب «إذا» ، وكيف صح أن يقع «يومئذ» ظرفاً ل «يوم عسير» ؟ .

قلت: انتصب «إذا بما دل عليه الجزاء؛ لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين والذي أجاز وقوع» يومئذ «ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، إذ المعنى فذلك يوم النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يقع، ويأتي حين يُنقر في النَّاقُور، انتهى.

ولا يجوز أن يعمل فيه نفس» عسير «؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل موصوفها عند البصريين، ولذلك رد على الزمخشري قوله: أن» في أنفسهم «متعلق ب» بَلِيغاً «في سورة» النساء «في قوله تعالى ﴿وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء: 63] والكوفيون يجوزون ذلك وتقدم تحريره.

الثالث: أن ينتصب بما دل عليه» فذلك» ؛ لأنه إشارة إلى النقر، قاله أبو البقاء، ثم قال: «و» يومئذ» بدل من «إذا» ، و «ذلك» مبتدأ، والخبر ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، أي: نقر يوم «.

الرابع: أن يكون» إذا «مبتدأ، و» فذلك «خبره، والفاء مزيدة فيه، وهو رأي الأخفش.

وأما» يَومَئذٍ «ففيه أوجه:

أحدها: أن يكون بدلاً من» إذا» ، وقد تقدم ذلك في الوجه الثالث.

الثاني: أن يكون ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ كما تقدم في الوجه الثاني.

الثالث: أن يكون ظرفاً ل «ذلك» ، لأنه أشار به إلى النقر.

الرابع: أنه بدل من «فذلك» ولكنه مبنيّ لإضافته إلى غير متمكن.

الخامس: أن يكون» فذلك «مبتدأ، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره، والجملة خبر» فَذلِكَ» .

قوله: «نُقِرَ» ، أي: صوت، يقال: نقرت الرجل إذا صوت له بلسانك، وذلك بأن تلصق لسانك بنقرة حنكك، ونقرتُ الرجل: إذا خصصته بالدعوة كأنك نقرت له بلسانك مشيراً إليه، وتلك الدعوة يقال لها: النقرى، وهي ضد الدعوة الجفلى؛ قال الشاعر: [الرمل] 4955 - نَحْنُ فِي المشْتَاةِ نَدْعُو الجَفلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ

وقال امرؤ القيس: [الرجز]

4956 - أنَا ابْنُ مَاويَّةَ إذْ جَدَّ النَّقُرْ ... يريد: النقر، أي الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت؛ قال امرؤ القيس: [الطويل]

4957 - أخَفِّضُهُ بالنَّقْر لمَّا عَلوْتهُ ... ويَرْفعُ طَرْفاً غَيْرَ جَافٍ غَضِيضِ

والناقور: «فاعول» منه كالجاسوس من التجسس، وهو الشيء المصوّت فيه.

قال مجاهد وغيره: وهو كهيئة البوق، وهو الصور الذي ينفخ فيه الملك.

والنقير: فرع الشيء الصلب، والمنقار: الحديدة التي ينقر بها، ونقرت عينه: بحثت على أخباره استعارة من ذلك، ونقرته: أعبته.

ومنه قول امرأة لزوجها: مر بي على بني نظر، ولا تمر بي على بنات نقر، أرادت: ببني نظر الرجال لأنهم ينظرون إليها، وبينات نقر: النساء، لأنهن يعبنها وينقرن عن أحوالها.

قوله: ﴿عَلَى الكافرين﴾ . فيه خمسة أوجه:

أحدها: أن يتعلق ب «عسير» .

الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه نعت ل «عَسِيرٌ» .

الثالث: أنه في موضع نصب على الحال من الضمير المستكنّ في «عَسِيرٌ» .

الرابع: أن يتعلق ب «يسير» ، أي: غير يسير على الكافرين قاله أبو البقاء.

إلا أن فيه تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، وهو ممنوع، وقد جوزه بعضهم إذ كان المضاف «غير» بمعنى النفي، كقوله: [البسيط]

4958 - إنَّ امْرَأ خَصَّنِي يَوْماً مودَّتهُ ... عَلى التَّنَائِي لعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ وتقدم تحرير هذا آخر الفاتحة.

الخامس: أن يتعلق بما دل عليه «غَيرُ يَسيرٍ» ، أي: لا يسهل على الكافرين.

قال الزمخشريُّ: فإن قلت: فما فائدة قوله: «غير يسير» ، و «عسير» مغن عنه؟ .

قلت: لما قال - سبحانه وتعالى -: «على الكافرين» فقصر العسر عليهم، قال: «غَيرُ يَسِيرٍ» ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيراً هيناً، ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غيظهم، وتيسيراً للمؤمنين، وتسليتهم، ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا.

فصل في تعلق الآية بما بعدها

لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر بعده وعيد الأشقياء قيل: المراد بهذه الآية هو النفخة الثانية.

وقيل: الأولى، قال الحليمي في كتاب «المنهاج» : إنه تعالى سمى الصور اسمين، وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان معاً، فإن نفخة الإصعاق غير نفخة الإحياء، وجاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلِّها، وأنها تجمع في ذلك الثقب في النفخة الثانية، فيخرج عن النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزع منه، فيعود الجسد حياً بإذن الله تعالى.

قال ابن الخطيب: وهذا مردود، لأن الناقور اسم لما ينقر فيه لا لما ينقر فيه، ويحتمل أن يكون الصور محتوياً على ثقبين: ينقر في إحداهما، وينفخ في الأخرى، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر، والنفخ، لتكون الصيحة أشد، وأعظم، وإذا نفخ فيه للإحياء، لم ينقر فيه بل يقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها بنقرها من أجسادها بالنفخة الأولى للنقير، وهو نظير صوت الرعد؛ فإنه إذا اشتد فربما مات بسماعه، والصيحة الشديدة التي يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت.

قال ابن الخطيب: وفيه إشكال، وهو أن هذا يقتضي أن يكون النقر إنما يحصل عند صيحة الإصعاق وذلك اليوم غير شديد على الكافرين؛ لأنهم يموتون في تلك الساعة، إنما اليوم الشديد على الكافرين صيحة الإحياء، ولذلك يقول: ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ [الحاقة: 27] ، أي: يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى.

وقوله: «فَذلِكَ» ، أي: فذلك اليوم يوم شديد على الكافرين «غير يَسيرٍ» أي: غير سهل، ولا هين وذلك أن عقدهم لا تنحل، إلا إلى عقد أشد منها، فإنهم يناقشون الحساب ويعطون كتبهم بشمائلهم، وتسودُّ وجوههم، ويحشرون زرقاً، وتتكلم جوارحهم، ويفضحون على رؤوس الأشهاد بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف، حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى فإنهم لا يناقشون الحساب، ويحشرون بيض الوجوه، ثِقال الموازين.

قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون عسيراً على المؤمنين، والكافرين، على ما روي أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يفزعون يومئذ، وأن الولدان يشيبون، إلا أنه يكون على الكفار أشد فعلى الأول: لا يحسن الوقف على قوله ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، فإن المعنى: إنه على الكافرين عسير وغير يسير.

وعلى الثاني: يحسن الوقف، لأنه في المعنى: أنه في نفسه عسير على الكل ثم الكافر فيه مخصوص بزيادة تخصه، وهي أنه عليه عسير.

فصل في دليل الخطاب

قال ابن الخطيب: استدل بهذه الآية القائلون بدليل الخطاب، قالوا: لولا أن دليل الخطاب حجة وإلا فما فهم ابن عباس من كونه غير يسير على الكافرين كونه يسيراً على المؤمنين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском