Ibn 'AdilAn‑Nazi'at · 79:1–14

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

النازعات

An-Nazi'at

Those who drag forth · Meccan · 46 ayahs

79:1–5Page 583

وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١

By those [angels] who extract with violence1

وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢

And [by] those who remove with ease1

وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣

And [by] those who glide [as if] swimming1

فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤

And those who race each other in a race1

فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥

And those who arrange [each] matter,1

مكية وهي ست وأربعون آية، ومائة وسبعون كلمة، وسبعمائة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والنازعات غَرْقاً﴾ يجوز في «غرقاً» أن يكون مصدراً على حذفِ الزوائد، بمعنى «إغْرَاقاً» ، وانتصابه بما قبله لملاقاته في المعنى.

وإمَّا على الحال، أي: ذواتُ إغراقٍ، يقال: أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل، وبلغ أقصى غايته، ومنه أغرق النازع في القوس أي: بلغ غاية المد والاستغراق والاستيعاب.

فصل في المراد بالنازعات

أقسم الله تعالى بهذه الأسماء الخمسة على أن القيامة حق.

و «النَّازعات» قيل: هي الملائكة التي تنزع أرواح الكُفَّار، قاله علي، وابن مسعود، ومسروق، ومجاهد.

قال ابن مسعود: يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم، من تحت كل شعرة، ومن تحت الأظافير، وأصول القدمينِ نزعاً، كالسَّفُّود ينزع من الصوف الرَّطب، ثم يغرقُها، يرجعها إلى أجسادهم، ثم ينزعها، فهذا عمله في الكفَّار.

وقال سعيد بن جبر: نُزعَتْ أرْواحُهم، ثم غرقت، ثم حرقت، ثم قذف بها في النار.

وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النَّزع كأنها تغرق.

وقال السدي: «والنَّازِعَات» هي النفوس حين تغرقُ في الصُّدور.

وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفوس.

وقال الحسن وقتادة: هي النَّجوم تنزع من أفق إلى أفق، أي: تذهب، من قولهم: نزع إليها أي ذهب، أو من قولهم: نزعت الخيل، أي: «جرت» ، «غرقاً» أي أنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق آخر، وهو قول أبي عبيدة وابن كيسان والأخفش.

وقال عطاء وعكرمة: «والنَّازعَاتِ» القسيُّ تنزع بالسهام.

«غرقاً» بمعنى: إغراق، وإغراق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدِّ حتى ينتهي إلى النَّصلِ، ويقال لقشرة البيضة الدَّاخلة «غِرقئ» .

وقيل: هم الغُزَاةُ الرُّماة، وهو الذي قبله سواء؛ لأنه إذا أقسم بالقسي فالمراد: النازعون بها تعظيماً لها، كقوله تعالى: ﴿والعاديات ضَبْحاً﴾ [العاديات: 1] .

وقال يحيى بنُ سلام: هي الوحش تنوزع من الكلأ وتنفر.

ومعنى «غرقاً» أي: إبعاداً في النزع.

قوله تعالى: ﴿والناشطات نَشْطاً﴾ .

اعلم أن «نَشْطاً، وسَبْحاً، وسَبْقاً» كلها مصادر.

والنَّشْطُ: الرَّبْطُ، والإنشاطُ: الحل، يقال: نَشَطَ البعير: رَبطهُ، وأنشطهُ: حله.

ومنه: «كأنَّما أنشط من عقال» ، فالهمزة للسَّلب، ونشط: ذهب بسرعةٍ، ومنه قيل لبقر الوحش: النواشط؛ وقال هميانُ بنُ قحافةَ: [الرجز]

5086 - أمْسَتْ هُمومِي تَنْشِطُ المنَاشِطَا ... الشَّام بِي طَوْراً وطَوْراً واسِطَا

ونشط الحبل أنشطه أنشوطة: عقدته، وأنْشَطْتُه: مددته، ونشط ك «أنشط» .

قال الأصمعي: بئرٌ أنشاط: أي: قريبةُ القعرِ، يخرج الدَّلوُ منها بجذبةٍ واحدةٍ، وبئر نشُوط، قال: وهي التي لا تخرج الدلو منها حتى تنشط كثيراً.

فصل في المراد بالناشطات

قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن، فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حلَّ عنه.

وقيل: يعني أنفس الكفار والمنافقين تنشط كما ينشط العقب الذي يعقب به السَّرج.

والنَّشْطُ: الجذبُ بسرعة.

ومنه الأُنشوطةُ: عقدة يسهل انحلالُها إذا جذبتْ مثل عقدة التكّة.

قال الليث: أنشطه بأنشوطة وأنشوطتين أي: أوثقته، وأنشطت العقال، أي: مددت أنشوطته فانحلّت.

ويقال: نشط بمعنى أنشط، لغتان بمعنى.

وعن ابن عباس أيضاً: أن الناشطات الملائكة، لنشاطها تذهب وتجيء بأمر ربها حيثما كان.

وقال مجاهدٌ: هو الموت ينشط نفس الإنسان.

وقال السدي: هي النفوس حين تَنْشَطُ من القدَميْنِ.

وقال قتادةُ، والحسنُ والأخفشُ: هي النجوم تنشط من أفقٍ إلى أفقٍ، أي: تذهب.

قال الجوهريُّ: يعني النجوم تنشطُ من بُرجٍ إلى برجٍ، كالثَّور الناشط من بلدٍ إلى بلدٍ.

وقيل: «النازعات» للكافرين: و «النَّاشطاتِ» للمؤمنين، فالملائكةُ يجْذِبُونَ أرواح المؤمنين برفقٍ.

والنَّزْعُ: جذبٌ بشدَّةٍ.

وقيل: هما جميعاً للكفَّار، والاثنان بعدهما للمؤمنين.

قوله: ﴿والسابحات سَبْحاً﴾ . قال عليٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هي الملائكة تُسبح أرواح المؤمنين.

قال الكلبيُّ: كالذي يسبح في الماء، فأحياناً يَنْغَمِسُ، وأحياناً يرتفع يسلُّونها سلاًّ رفيقاً بسهولة، ثم يدعُونهَا حتى تستريح.

وقال مجاهدٌ وأبو صالحٍ: هي الملائكة ينزِلُونَ من السماء مُسْرِعينَ لأمر الله تعالى، كما يقال للفرس الجواد: سابحٌ إذا أسرع في جريه، وعن مجاهد: السابحات: الموت يسبح في نفوس بني آدم. وقيل: هي الخيل الغزاة.

قال عنترةُ: [مجزوء الكامل]

5087 - والخَيْلُ تَعْلمُ حِينَ تَسْ ... بَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ سَبْحاً

وقال قتادة والحسنُ: هي النجوم تسبحُ في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر.

قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] .

وقال عطاءُ: هي السُّفن تسبحُ في الماءِ.

وقال ابن عباسٍ: أرواح المؤمنين تسبحُ شوقاً إلى لقاء الله تعالى ورحمته حين تخرج.

قوله تعالى: ﴿فالسابقات سَبْقاً﴾ .

قال عليٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هي الملائكة، تسبقُ الشياطينَ بالوَحْيِ إلى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وهو قول مسروق ومجاهد.

وعن مجاهد - أيضاً - وأبي روق: هي الملائكة سبقت بني آدم إلى العملِ الصَّالحِ، فتكتبه.

وعن مجاهد - أيضاً - الموت يسبقُ الإنسان.

وقال مقاتلٌ: هي الملائكة تسبقُ بأرواح المؤمنين إلى الجنَّةِ.

وقال ابنُ مسعودٍ: هي أنفس المؤمنين، تسبقُ إلى الملائكة الذين يقبضونها، وقد عاينت السرور شوقاً إلى لقاءِ الله تعالى.

وقال قتادةُ والحسن ومعمر: هي النجوم تسبق بعضها.

وقال عطاءٌ: هي الخيلُ التي تسبقُ إلى الجهاد.

وقيل: يحتملُ أن تكون «السَّابقات» ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة، أو نار؛ حكاه الماورديُّ.

قال الجرجانيُّ: وذكر «فالسَّابقَاتِ» بالفاء؛ لأنها مشتقة من التي قبلها، أي: واللاتي يَسْبَحْنَ فيسبقن، قام فذهب، فهذا يوجبُ أن يكون القام سبباً للذهابِ.

قال الواحديُّ: قول صاحب النَّظم غير مطرد في قوله: «فالمُدبِّراتِ أمْراً» ؛ لأنه يبعد ان يجعل السَّبقُ سبباً للتَّدبير.

قال ابن الخطيب ويمكن الجواب عن اعتراض الواحديِّ: بأنها لمَّا أمرتْ سبَحتْ، فسَبقَتْ، فدَبَّرتْ ما أمِرَتْ بتَدْبِيرِهِ، فتكون هذه أفعالاً يتَّصِلُ بعضها ببعض، كقولك: قام زيد، فذهب، فضرب عمراً، أو لمَّا سبقُوا في الطَّاعاتِ يُسَارِعُونَ إليها، ظهرت أمانَتهُمْ، ففوَّض إليهم التَّدبيرَ.

قوله: ﴿فالمدبرات أَمْراً﴾ .

قيل: «أمْراً» مفعول بالمُدبِّراتِ.

وقيل: حال، تُدبِّرهُ مأمورات، وهو بعيد.

قال القشيريُّ: أجمعوا على أن المراد: الملائكة.

وقال الماورديُّ: فيه قولان:

أحدهما: الملائكةُ، قاله الجمهور.

والقول الثاني: هي الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل.

وفي تدبيرها الأمور وجهان:

أحدهما: تدبيرُ طُلوعِهَا وأفُولِهَا.

والثاني: في تدبير ما قَضى الله - تعالى - فيها من تقليب الأحوال.

وحكى هذا القول - أيضاً - القشيري في تفسيره، وأن الله - تعالى - علَّق كثيراً من تدبير العالم بحركاتِ النُّجُومِ، فأضيف التدبير إليها، وإن كان من الله - تعالى - كما يُسمَّى الشيء باسم ما يجاوره.

وقال شهاب الدِّين: والمراد بهؤلاء إمَّا طوائفُ الملائكة، وإمَّا طوائفُ خيل الغزاة، وإما النجوم، وإمَّا المنَايَا، وإمَّا بقرُ الوحشِ وما جرى مجراها لسرعتها، وإما أرواح المؤمنين يعني المذكورين في جميع القسم.

فصل في تدبير الملائكة

«تَدْبِيْرُ المَلائِكَة» : نزولها بالحلالِ، والحرام، وتفصيله قال ابن عباس: وقتادة، وغيرهما إلى الله تعالى، ولكن لمَّا أنزلت الملائكةُ سُمِّيت بذلك، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193، 194] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ﴾ [النحل: 102] يعني: جبريل نزَّلهُ على قلب محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والله سبحانه وتعالى هو الذي أنزلهُ.

وروى عطاء عن ابن عباس: «فالمُدبِّراتِ أمْراً» ، هي الملائكة وكلَّت بِتدْبِيْرِ أحوال أهلِ الأرض في الرياح والأمطار، وغير ذلك.

قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ ساباط: تدبير أمر الدنيا إلى أربعة:

جِبْرِيلِ، ومِيْكَائِيلِ، وملكِ الموتِ واسمه عِزْرَائِيلُ، وإسْرَافِيْل، فأمَّا جِبْرِيْل، فمُوكَّلٌ بالرياح، والجنود، وأمَّا مِيْكَائِيْل، فموكَّلُ بالقَطْرِ والنِّباتِ، وأمَّا ملكُ الموتِ فمُوكَّلٌ بقبض الأرْواحِ في البرِّ والبَحْرِ، وأما إسْرَافِيلُ، فهو ينزلُ بالأمر عليهم، وليس في الملائكة أقربُ من إسرافيل وبينه وبين العرش خَمْسمائةِ عامٍ.

وقيل: وُكِّلُوا بأمُورٍ عَرَّفهمُ اللهُ بِهَا.

فإن قيل: لِمَ قَالَ: «أمْراً» ، ولم يَقُلْ: أمُوراً، فإنهم يدبرون أمُوراً كثيرة؟ .

فالجوابُ: أن المرادَ به الجنسُ، فهو قائم مقام الجمعِ.

واعلم أنَّ هذه الكلمات أقسم الله - تعالى - بها، ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا ذلك.

79:6–14Page 583

يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦

On the Day the blast [of the Horn] will convulse [creation],

تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧

There will follow it the subsequent [one].

قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨

Hearts,1 that Day, will tremble,

أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ ٩

Their eyes1 humbled.

يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠

They are [presently] saying, "Will we indeed be returned to [our] former state [of life]?

أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ ١١

Even if we should be decayed bones?"1

قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢

They say, "That, then, would be a losing return."1

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Indeed, it will be but one shout,

فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤

And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة﴾ منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، وهو جوابُ القسمِ: تقديرهُ: لتُبْعَثُنَّ، لدلالةِ ما بعده عليه.

قال الفرَّاءُ: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ ألسْتَ ترى أنه كالجواب لقولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ نُبعث؟ فاكتفى بقوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ ؟ .

وقال الأخفشُ والزجاجُ: يَنْفُخْنَ في الصُّورِ نَفْخَتَيْنِ، بدليل ذكر «الرَّادفة» و «الرَّاجفَةِ» ، وهما النَّفختانِ.

قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف جعلت «يَوْمَ تَرْجفُ» ظرفاً للمضمر الذي هو لَتُبْعَثُنَّ، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟ .

قلت: المعنى: لتبعثن في الوقت الواسع الذي تقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى ودلَّ على ذلك أن قوله: ﴿تَتْبَعُهَا الرادفة﴾ جعل حالاً عن «الرَّاجِفَة» .

وقيل: العامل مقدر، أي: اذكر يوم ترجفُ.

وفي الجواب على هذا التقدير وجوهٌ:

أحدها: قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [النازعات: 26] .

واستقبحه أبو بكر بن الأنباري، لطول الفصل.

الثاني: أنه قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ [النازعات: 15] ؛ لأن «هَلْ» بمعنى: «قَدْ» .

وهذا غلطٌ؛ لأنه كما تقدَّم في «هَلْ أتَى» أنَّها لا تكون بمعنى «قد» إلاَّ في الاستفهام على ما قال الزمخشري.

الثالث: أن الجواب: «تَتْبعُهَا» وإنَّما حذفتِ «اللامُ» ، والأصل: «اليَوْمَ تَرْجفُ الرَّاجفةُ تَتْبعُهَا» ، فحذفت «اللاَّمُ» ، ولم تدخل نون التوكيد على تتبعها للفصل بين «اللام» المقدَّرة، وبين الفعل المقسمِ عليه بالظرف، ومثله: ﴿لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158] .

وقيل: في الكلام تقديم، وتأخير، أي: يَوْمَ تَرْجفُ الرَّاجفةُ، تَتْبعُهَا الرَّادفةُ والنَّازعات.

وقال أبو حاتم: هو على التقديم، والتأخير، كأنه قالأ: فإذا هم بالساهرة والنازعات.

قال ابنُ الأنباريُّ: وهذا خطأ؛ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام.

وقيل: «يَوْمَ» منصوب بما دلَّ عليه «راجِفةٌ» ، أي: يَوْمَ تَرْجفُ رَجَفَتْ.

وقيل: بما دلَّ عليه «خَاشِعَة» أي: يوم ترجف خشعت، وقوله: «تَتْبعُهَا الرَّادفَةُ» يجوز أن يكون حالاً من «الرَّاجِفَةُ» ، وأن يكون مستأنفاً.

فصل في تفسير الآية

قال عبد الرحمن بن زيد: «الرَّاجِفَةُ» أي: المُضطَرِبَةُ، ومعناه: أنَّ الأرض تضطرب، و «الرَّادفة» السَّاعة.

وقال مجاهدٌ: الزلزلةُ تتبعها الرادفة، أي: الصيحة.

وعنه - أيضاً -، وابن عباس والحسن وقتادة: هما الصَّيحتان، أي: النفختان، أمَّا الأولى فتُمِيْتُ كُلَّ شيء بإذنِ الله تعالى، وأمَّا الثانية فتُحْيِي كُلَّ شيءٍ بإذن الله تعالى.

قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «بَيْنَ النَّفْخَتيْنِ أرْبعُونَ سنةً» .

وقال مجاهد: «الرَّاجفَةُ» الرجفة حين تنشقُّ السَّماءُ، وتُحْملُ الأرضُ والجبالُ، فتُدَكُّ دكَّةً واحدةٍ [وذلك بعد الزلزلة وقيل: الرجفة تحرك الأرض والرادفة زلزلة أخرى تفني الأرضين] .

وأصل «الرَّجفَةِ» الحركةُ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض﴾ [المزمل: 14] ، وليست الرجفة هناك من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف الرَّعدُ يرجف رجفاً ورجيفاً، أي: أظهرت الصوت والحركة، ومنه سُمِّيت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة النَّاس فيها.

وقيل: الرجفة هذه منكرة في السحاب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾ [الأعراف: 78] .

وأما الرادفة: فكل شيء جاء بعد شيء آخر، يقال: ردفهُ: أي: جاء بعده.

قوله: ﴿قُلُوبٌ﴾ مبتدأ، و «يومئذ» منصوب ب «وَاجِفَة» ، و «وَاجِفَة» صفة القلوب، وهو المسوغ للابتداء بالنكرة، و «أبْصارُهَا» مبتدأ ثانٍ، و «خَاشِعَة» خبره، وهو وخبره خبر الأول، وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: أبصار أصحاب القلوب.

قال ابن عطية: وجاز ذلك، أي: الابتداء ب «قُلُوب» ؛ لأنها تخصصت بقوله: «يَوْمَئِذ» .

ورد عليه أبو حيان: بأن ظرف الزَّمان لا يخصص الجثث، يعني: لا يوصف به الجثث.

و «الواجِفة» : الخائفة الوجلة، قاله ابن عباس، يقال: وجَفَ يَجِفُ وجِيفاً، وأصله: اضطراب القلب.

قال قيس بن الخطيم: [المنسرح]

5088 - إنَّ بَنِي جَحْجَبَى وأسرتَهُمْ ... أكْبَادُنَا مِنْ وَرائِهمْ تَجِفُ

وقال السديُّ: زَائلةٌ عن أماكنها، ونظيره: ﴿إِذِ القلوب لَدَى الحناجر﴾ [غافر: 18] .

وقال المؤرج، قلقة مستوفزة، مُرتكضةٌ غير ساكنة.

وقال المبرد: مضطربة، والمعنى متقارب، والمراد: قلوب الكفَّار، يقال: وجَفَ القلب يَجِفُ وجِيفاً: إذا خفق، كما يقال: وجَبَ يَجِبُ وَجِيْباً - بالياء الموحدة - بدل الفاء، ومنه وجيف الفرس والنَّاقة في العدوِ.

والإيجاف: حمل الدابة على السير السريع.

قوله: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ أي: مُنْكَسِرةٌ ذليلة من هول ما ترى، نظيره: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: 43] .

قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقول هؤلاء المكذِّبون المنكِرُونَ للبعث إذا قيل لهم: إنكم تُبْعَثُون، قالوا منكرين متعجبين: أنُرَدُّ بعد موتتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء، كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: 49] .

قوله: ﴿فِي الحافرة﴾ «الحافرة» : التي يرجعُ الإنسان فيها من حيث جاء، يقال: رجع في حافرته، ثم يعبر عن الرجوع في الأحوال من آخر الأمر إلى أوله؛ قال: [الوافر]

5089 - أحَافِرةً عَلى صَلعٍ وشَيْبٍ؟ ... مَعاذَ اللهِ من سَفهٍ وعَارِ

يقول: أأرجعُ ما كنت عليه في شبابي مع الغزلِ والصبا بعد أن شبت وصلعت؟ .

وأصله: أنَّ الإنسان إذا رجع في طريقه أثرت قدماه فيها حفراً.

وقال الراغبُ، في قوله تعالى: ﴿فِي الحافرة﴾ مثل لمن يرد من حيث جاء، أي: أنَحْيَا بعد أن نموت؟ .

وقيل: «الحَافرة» ، الأرضُ التي جُعلتْ قبُورهُمْ فيها، ومعناه: أئِنَّا لمردودون ونحن في الحافرة؟ أي: في القبور.

وقوله: «في الحافرة» على هذا في موضع الحال، ويقال: رجع الشيخ إلى حافرته، أي: هرم لقوله تعالى:

﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر﴾ [النحل: 70] .

وقولهم: «النقد عند الحافرة» لما يباع نقداً، وأصله من الفرس إذا بيع، فيقال: لا يزول حافره، أو ينقد ثمنه.

والحفر: تآكل الأسنان، ود حفر فوه حفراً، وقد أحفر المهر للأثناء والأرباع.

والحافرة: «فاعلة» بمعنى: «مفعولة» ، وهي الأرض التي تحفر قبورهم فيها فهي بمعنى: «المحفورة» ، كقوله تعالى: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] ، و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 7] ، والمعنى: أئِنَّا لمردودون في قبورنا.

وقيل: على النسب، أي: ذاتُ حفر.

وقيل: سُمِّيت الأرض الحافرة؛ لأنها مستقر الحوافر، كما سمِّيت القدم أرضاً؛ لأنها على الأرض، لقولهم: الحافرة جمع حافرة بمعنى: القدم أي: نمشي أحياء على أقدامنا، ونطأ بها الأرض.

وقيل: هي أول الأمر.

ويقول التجار: «النقد في الحافرة» أي في أول السّوم؛ وقال الشاعر: [السريع]

5090 - آلَيْتُ لا أنْسَاكُم فاعْلَمُوا ... حَتَّى يُرَدَّ النَّاسُ في الحَافِرَهْ وقال ابن زيدٍ: الحافرة «النَّار» ، وقرأ: «تلك إذا كرَّه خاسرة» .

وقال مقاتلٌ وزيدُ بن أسلم: هي اسم من أسماء النار.

وقال ابنُ عبَّاسٍ: الحافرة في كلام العرب: الأرض التي تغيَّرت وأنتنت بأجسادِ موتاها، من قولهم: حفرت أسنانه، أي: تآكلت، أي: دكها الوسخُ من باطنها وظاهرها، ويجوز تعلقه ب «مردودون» ، أو: بمحذوف على أنه حال.

فصل في تفسير الآية

قال ابن الخطيب: هذه الأحوال المتقدمة هي أحوال القيامة عند جمهور المفسرين.

وقال أبو مسلم: هذه الأحوال ليست هي أحوال القيامة؛ لأنه فسَّر «النَّازعات» بنزعِ القوسِ، و «المُدبِّرات» بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي، والعدو، ثم بنى على ذلك فقال: «الرَّاجفَة» هي خيلُ المشركين، وكذلك «الرَّادفة» ، وهما طائفتان من المشركين غزوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسبقت إحداهما الأخرى، والقلوب الواجفة، هي القلقةُ، والأبصار الخاشعة، هي أبصار المنافقين، كقوله تعالى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] ، كأنَّه قيل: لمَّا جاء خيل العدو ترجف؛ لأنها اضطربت قلوب المنافقين خوفاً، وخشعت أبصارهم جُبْناً وضَعْفاً ثم قالوا: «أئِنَّا لمردودون فِي الحَافِرَةِ» أي: نرجع إلى الدنيا حتى نتحمّل هذا الخوف لأجلها. وقالوا أيضاً: «تِلْكَ إذا كَرَّة خَاسِرةٌ» ، فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من المشركين، وأوسطه حكاية لحال المنافقين، وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر، ثم إنه - تعالى - أجاب عن كلامهم بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بالساهرة﴾ .

قال ابن الخطيب: وكلام أبي مسلم محتملٌ، وإن كان على خلاف قولِ الجمهور.

قوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ .

قرأ الأخوان وأبو بكر: «نَاخِرَةً» بألف.

والباقون: «نَخِرة» بدُونِهَا.

وهما ك «حَاذِرٍ، وحَذِر» فاعل لمن صدر عنه الفعل، و «فعل» لمن كان فيه غريزة أو كالغريزة.

وقيل: ناخِرَة، ونخِرَة بمعنى: بالية.

يقال: نَخِر العظم - بالكسر - أي بلي وتفتَّت.

وقيل: نَاخِرةٌ، أي: صارت الريح تَنْخَر فيها، أيك تصوت، ونَخِرَةٌ أي: ينخر فيها دائماً.

وقيل: ناخرة، أي: بالية، ونخرة: متآكلة.

وعن أبي عمرو: النَّاخرة: التي لم تنخر بعد، والنَّخرةُ: البالية.

وقيل: النَّاخرةُ: المصوت فيها الريح، والنَّاخرة: البالية التي تعفّنت.

قال الزمخشري: «نَخِرَ العَظْمُ فهو نَخِرٌ ونَاخِرٌ، كقولك: طمع، فهو طَمِعٌ وطَامِع، و» فَعِل «أبلغ من فاعل، وقد قُرئ بهما، وهو البالي الأجوف الذي تمرُّ فيه الريح، فيسمع له نخير» .

ومنه قول الشاعر: [الطويل]

5091 - وأخْلَيْتُهَا مِنْ مُخِّهَا فكَأنَّهَا ... قَوارِيرُ في أجْوافِهَا الرِّيحُ تَنْخُرُ

وقال الرَّاجز لفرسه: [الرجز]

5092 - أقْدِمْ سَجاجِ إنَّها الأسَاوِرَهْ ... ولا يَهُولنكَ رُءُوسٌ نَادِرَهْ

فإنَّمَا قَصْرُكَ تُرْبُ السَّاهِرَهْ ... ثُمَّ تَعُودُ بَعْدَهَا في الحَافِرَهْ

مِنْ بَعْدِ مَا كُنت عِظَاماً نَاخِرَهْ ... ونُخْرةُ الريح - بضم النون - شدة هبوبها، والنُّخْرَةُ أيضاً: مقدم أنف الفرس، والحمار، والخنزير، يقال: هشم نخرته، أي: مقدم أنفه.

و «إذَا» منصوبٌ بمُضْمَرٍ، أي: إذَا كُنَّا كذا نُردُّ ونُبعَثُ.

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ .

«تلك» مبتدأ بها إلى الرَّجفةِ والردة في الحافرة، و «كَرَّةٌ» خبرها، و «خاسرة» صفة، أي: ذاتُ خسرانٍ، أو أسند إليها الخسار مجازاً والمراد أصحابُها، والمعنى: إن كان رجوعنا إلى القيامة حقاً، فتلك الرجعة رجعة خاسرة [خائبة] ، وهذا أفادته «إذن» فإنها حرف جواب وجزاء عند الجمهور.

وقيل: قد لا تكون جواباً.

وعن الحسن: أن «خاسرة» بمعنى كاذبة، أي: ليست كائنة.

وقال الربيع بن أنس: خاسرةٌ على من كذَّب بها.

وقيل: كَرَّةُ خُسران، والمعنى: أهْلُهَا خاسرون، كقولك: تِجَارةٌ رابحةٌ، أي: يَرْبَحُ صاحبها.

وقال قتادة ومحمد بن كعب أي: لئن رجعنا أحياءً بعد الموت لنحشرن بالنَّار، وإنَّما قالوا هذا لأنَّهُم أوعدُوا بالنار، و «الكَرُّ» : «الرجوع» ، يقال: كرَّهُ، وكَرَّ بنفسه، يتعدى ولا يتعدَّى.

والكَرَّةُ: المرَّةُ، الجمع: الكرَّات.

قوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ ضمير الكرة، أي: لا تحسبوا تلك الكرَّة صعبة على الله تعالى.

قال الزمخشري: «فإن قلت: بم يتعلق قوله:» فإنما هي» ؟ .

قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها فإنما هي زجرة واحدة، يعني بالتعلُّق من حيث المعنى، وهو العطف.

وقوله: «فإذَا هُمْ» المفاجأة والسبب هنا واضحان.

والزجرة: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: في النَّفخةِ الواحدة» فإذا هُمْ «أي: الخلائق أجمعون،» بالساهرة «أي: على وجه الأرض من الفلاة، وصفت بما يقع فيها، وهو السهر لأجل الخوف.

وقيل: لأن السراب يجري فيها من قولهم:» عين ساهرة» أي: جارية الماء، وفي ضدها نائمة.

[قال الزمخشري: «والساهرةُ: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك؛ لأن السراب يجري فيها] من قولهم: عين ساهرة: أي: جارية الماء، وفي ضدِّها نائمة؛ قال الأشعثُ بن قيسٍ: [الطويل]

5093 - وسَاهِرةٍ يُضْحِي السَّرابُ مُجَلِّلاً ... لأقْطَارِهَا قدْ جُبْتُهَا مُتلثِّماً

أي: ساكنها لا ينام خوف الهلكة انتهى؛ وقال أميَّةُ: [الوافر]

5094 - وفِيهَا لَحْمُ سَاهِرةٍ وبَحْرٍ ... ومَا فَاهُوا به لهُمُ مُقِيمُ

يريد: لحم حيوان أرض ساهرة؛ وقال أبو كبير الهذليُّ: [الكامل]

5095 - يَرْتدْنَ سَاهِرةً كَأنَّ جَمِيمهَا ... وعَمِيمَهَا أسْدافُ ليْلٍ مُظْلِمِ

وقال الراغب: هي وجه الأرض.

وقيل: أرض القيامة، وحقيقتها التي يكثر الوطء بها، كأنَّها سهرت من ذلك.

والأسهران: عرقان في الأنف.

والساهور: غلافُ القمر الذي يدخل فيه عند كسوفه؛ قال: [البسيط]

5096 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... أوْ شُقَّةٌ خَرجتْ مِنْ بَطْنِ سَاهُورِ

أي: هذه المرأة بمنزلة قطعة القمرِ. وقال أمية بن أبي الصلت: [الكامل]

5097 - قَمَرٌ وسَاهُورٌ يُسلُّ ويُغْمَدُ ... وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: «السَّاهرة: أرض من فضَّةٍ لم يُعْصَ اللهُ عليها مُنْذُ خَلقهَا» .

وقيل: أرض يجددها الله يوم القيامة.

وقيل: السَّاهرة: اسم الأرض السابعة يأتي الله بها، فيحاسب عليها الخلائقَ، وذلك حين تبدَّلُ الأرض غير الأرض.

وقال الثَّوري: السَّاهرة: أرضُ «الشَّام» .

وقال وهبُ بن منبه: جبلُ بيتِ المقدسِ.

وقال عثمانُ بنُ أبي العاتكةِ: إنَّه اسم مكان من الأرض بعينه، ب «الشام» ، وهو الصقع الذي بين جبل» أريحَا «وجبل» حسَّان «يمُدُّه الله كيف يشاء.

وقال قتادةُ: هي جهنَّم، أي: فإذا هؤلاءِ الكُفَّار في جهنَّم، وإنَّما قيل لها: ساهرة؛ لأنَّهُم لا ينامون عليها حينئذ.

وقيل: السَّاهرة بمعنى: الصحراء على شفيرِ جهنَّم، أي: يوقفون بأرض القيامة، فيدوم السهر حينئذ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском