Ibn 'AdilAn‑Naba · 78:1–20

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

النبإ

An-Naba

The Tidings · Meccan · 40 ayahs

78:1–3Page 582

عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ١

About what are they asking one another?

عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ٢

About the great news1 -

ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ ٣

That over which they are in disagreement.

مكية، وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية، ومائة وثلاثة وسبعون كلمة، وسبعمائة وسبعون حرفا. قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ قد تقدم أن البزي يدخل هاء السكت عوضاً من ألف «ما» الاستفهامية في الوقف.

ونقل عن ابن كثير أنه يقرأ «عمه» - بالهاء - وصلاً، أجرى الوصل مجرى الوقف.

وقرأ عبد الله، وأبي، وعكرمة وعيسى: «عمّا» بإثبات الألف، وقد تقدم أنه يجوز ضرورة وفي قليل من الكلام؛ ومنه قوله: [الوافر]

5067 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمنِي لَئيمٌ ... كَخِنْزيرٍ تَمرَّغَ في رَمَادِ

وتقدم أن الزمخشري جعل منه ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: 27] في «يس» ، و «عم» فيه قولان:

أظهرهما: أنه متعلق ب «يَتَساءَلون» .

قال أبو إسحاق: الكلام تام في قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ ، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب، فيقول: يتساءلون عن النبأ العظيم فاقتضى إيجاز القرآن، وبلاغته أن يبادر المحتجّ بالجواب الذي يقتضيه الحال والمجاورة اقتضاءً بالحجة، وإسراعاً إلى موضع قطعهم.

والثاني: أنه متعلق بفعل مقدر، ويتعلق «عن النبأ العظيم» بهذا الفعل الظاهر.

قال الزمخشري: «وعن ابن كثير: أنه قرأ» عمّه «بهاء السكت، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف، ويبتدئ ب» يتساءلون عن النبأ العظيم «على أن يضمر» يتساءلون «؛ لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ثم يفسر» .

فصل في لفظ عم

قال ابن الخطيب: «عم» أصله: «عن ما» ؛ لأنه حرف جر دخل على «ما» الاستفهامية.

قال حسان بن ثابت: [الوافر]

5068 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ ... ... ... ... ... ... ... ..... ... .

والاستعمال الكثير على الحذف، وعلى الأصل قليل، وذكروا في سبب الحذف وجوهاً:

أحدها: قال الزجاج: لأن الميم تشرك النون في الغُنَّة في الأنف فصارا كالحرفين المتماثلين. وثانيها: قال الجرجاني: أنهم إذا وضعوها في استفهام حذفوا ألفها تفرقةً بينها وبين أن يكون اسماً، كقولهم: فيمَ ولِمَ وبِمَ وحتام.

وثالثها: قالوا: حذفت الألف لاتصال «ما» بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه لينبئ عن شدة الاتصال.

ورابعها: حذف للتخفيف في الكلام، فإنه لفظ كثير التَّرداد على اللسان.

فصل في أن السائل والمجيب هو الله تعالى

قال ابن الخطيب: قوله تعالى ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ سؤال، وقوله: «عن النبأ العظيم» جواب، والسائل والمجيب هو الله تعالى، وذلك يدلّ على علمه بالغيب، بل بجميع المعلومات، وفائدة ذكره في معرض السؤال والجواب؛ لأنه أقرب إلى التفهيم والإيضاح، ونظيره قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .

فصل في لفظ ما

«ما» لفظة وضعتْ لطلب ماهيَّات الأشياء، وحقائقها، تقول: ما الملك؟ وما الروح؟ وما الجن؟ والمراد طلب ماهياتها، وشرح حقائقها، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولاً، ثم إنَّ الشيء العظيم الذي يكون لفظه مزيَّة يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول، فحصل بين الشيء المطلوب، وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، فلذلك سُئل عنه بما استعاره، وكأنه مجهول، ومنه

﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين: 8] ، و ﴿مَا العقبة﴾ [البلد: 12] وشبهه.

فصل

قال الفراء: السؤال هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل، وقد يستعمل أيضاً في أن يتحدثوا به، وإن لم يكن بينهم سؤال، قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: 50، 51] الآية، وهذا يدل على التحدث.

فصل في نزول الآية

والضمير في ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾ ل «قريش» .

روى أبو صالح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: كانت قريش تجلس لمَّا نزل القرآن، فتتحدث فيما بينهم، فمنهم المصدقُ، ومنهم المكذبُ به، فنزلت ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ .

وقيل: «عم» قسم، فشدد المشركون أين يختصمون، بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 4، 5] وهذا تهديد، والتهديد لا يليق إلا بالكفار.

فإن قيل: فما تصنع بقوله: ﴿الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ مع أنَّ الكفَّار كانوا متفقين في إنكار الحشر؟ فالجواب: لا نسلم اتفاقهم في إنكار الحشر؛ لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني، وهم جمهور النصارى، وأما المعاد الجسماني، فمنهم من كان شاكَّا فيه لقوله: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً﴾ [فصلت: 50] ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .

ومنهم من ينكرهُ، ويقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29] .

ومنهم من يُقرُّ بهِ لكنه ينكر نبوَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد حصل اختلافهم.

وأيضاً فهبْ أنَّهم كانوا منكرين له، لكن لعل اختلافهم في كيفية إنكاره، فمنهم من أنكر؛ لإنكاره الصانع المختار، ومنهم من ينكره؛ لاعتقاده أنَّ إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها، والقادر المختار إنما يكون قادراً على الممكن في نفسه.

وقيل: الضمير في «يتَساءَلُونَ» هم الكفَّار والمؤمنون كانوا جميعاً يتساءلون عنه، فأما المسلمُ فيزداد يقيناً وبصيرةً في دينه، وأمَّا الكافر فاستهزاءٌ وسخريةً، وعلى سبيل إيراد الشكوك، والشُّبهاتِ.

قال ابن الخطيب: ويحتملُ أنهم يسألون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويقولون: ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة؟

قوله: ﴿عَنِ النبإ﴾ يجوز فيه ما جاء في قوله تعالى: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: 12] في البدليَّة، والتعلُّق بفعلٍ مقدرٍ، ويزيد عليه ها هنا أنَّه يتعلق بالفعل الظاهر، ويتعلق ما قبله بمضمرٍ كما تقدم عن الزمخشري.

وقال ابن عطية: قال أكثر النحاة: «عن النَّبأ العظيم» يتعلق ب «يَتَسَاءَلُونَ» الظاهر كأنه قال: لم يتساءلون عن النبأ، وقوله «عَمَّ» هو استفهام توبيخ وتعظيم.

وقال المهدوي: «هن» ليس تتعلق ب «يَتَسَاءَلُونَ» الذي في التلاوة؛ لأنه كان يلزمُ دخول حرف الاستفهام، فيكون «أعن النبأ العظيم» ؟ كقولك: كم مالك أثلاثون أم أربعون؟ فوجب لما ذكرنا امتناع تعلقه ب «يتساءلون» الذي في التلاوة، وإنما يتعلق ب «يتساءلون» آخر مضمر، وحسُن ذلك لتقدم «يَتَسَاءَلُونَ» .

قال القرطبي: «وذكر بعضهم أن الاستفهام في قوله:» عن» مكرر إلا أنَّه مضمر كأنه قال: «عمَّ يَتَساءَلُون أعنِ النَّبَأ العَظيمِ» ، فعلى هذا يكون متصلاً بالآية الأولى، والنبأ العظيم، أي: الخبر الكبير،» الذي هم فيه مختلفون «أي: يخالف فيه بعضهم بعضاً فيصدقُ واحدٌ ويكذبُ آخر» .

قوله: ﴿مُخْتَلِفُونَ﴾ خبر «هم» والجار متعلق ب «هم» ، والموصول يحتمل الحركات الثلاث إتباعاً وقطعاً رفعاً ونصباً.

فصل في المراد بهذا النبأ

قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «النَّبَأُ» هو القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ فالقرآن نبأ وخبر وقصص، وهو نبأ عظيم، وكانوا يختلفون فيه، فجعله بعضهم سحراً، وبعضهم شعراً، وبعضهم قال: أساطيرُ الأولين.

وقال قتادة: هو البعث بعد الموت اختلفوا فمصدِّق ومكذِّب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً﴾ [النبأ: 17] .

وروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه أَمْرُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، لأنه لما بعث سأله اليهود عن أشياء كثيرة، فأخبره الله باختلافهم، وأيضاً فجعل الكفار يتساءلون فيما بينهم، ما هذا الذي حدث؟ فأنزل الله - تعالى - «عَمَّ يتسَاءَلُون» وذلك أنَّهُم عجبُوا من إرسال محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، قال تعالى: ﴿بَلْ عجبوا أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الكافرون هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2] ، وعجبوا أن جاءهم بالتوحيد أيضاً كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] ، فحكى الله - تعالى - عن مسألة بعضهم بعضاً على سبيل التعجب بقوله: «عم يتساءلون» .

78:4–16Page 582

كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٤

No! They are going to know.

ثُمَّ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٥

Then, no! They are going to know.

أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ٦

Have We not made the earth a resting place?

وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ٧

And the mountains as stakes?1

وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا ٨

And We created you in pairs

وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا ٩

And made your sleep [a means for] rest

وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا ١٠

And made the night as clothing1

وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا ١١

And made the day for livelihood

وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ١٢

And constructed above you seven strong [heavens]

وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا ١٣

And made [therein] a burning lamp

وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا ١٤

And sent down from the rain clouds pouring water

لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا ١٥

That We may bring forth thereby grain and vegetation

وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا ١٦

And gardens of entwined growth.

قوله: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ ؛ التكرار للتوكيد.

وزعم ابن مالك: أنَّه من باب التوكيد اللفظي، ولا يضر توسّط حرف العطف، والنحويون يأبون هذا، ولا يسمونه إلا عطفاً وإن أفاد التأكيد، والعامة: على الغيبة في الفعلين.

والحسن ابن دينار وابن عامر بخلاف عنه بتاء الخطاب فيهما.

والضحاك: قرأ الأول كالحسن، والثاني كالعامة. والغيبة والخطاب واضحان.

فصل في لفظ كلا

قال القفالُ: «كلا» لفظة وضعت للردع، والمعنى: ليس الأمر كما يقوله هؤلاء في النبأ العظيم، إنه باطل، وإنه لا يكون.

وقيل: معناه: حقَّا، ثم إنه - تعالى - كرر الردع والتهديد، فقال سبحانه ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ وهو وعيدٌ بأنهم سوف يعلمون أنَّ ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق لا دافع له، وأما تكرير الردع، فقيل: للتأكيد، ومعنى «ثُمَّ» الإشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الوعيد الأول وأشد.

وقيل: ليس بتكرير.

قال الضحاك: الأولى للكفار، والثانية للمؤمنين أي: سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم.

وقال القاضي: يحتمل أن يريد بالأول سيعلمون معنى العذاب إذا شاهدوه، وبالثاني: سيعلمون العذاب.

وقيل: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ ما الله فاعل بهم يوم القيامة ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمر ليس كما كانوا يتوهَّمون من أن الله غير باعث لهم.

قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً﴾ لمَّا حكى الله - تعالى - عنهم إنكار البعث والحشر، وأراد إقامة الدلائل على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة في بيان كونه - تعالى - قادراً على جميع الممكنات عالماً بجميع المعلومات؛ لأنه إذا ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث، فأثبت هذين الأصلين بأن عدَّد أنواعاً من مخلوقاته المتقنةِ المحكمة؛ فإنَّ هذه الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم، وإذا ثبت هذان الأصلان، وثبت أن الأجسام متساوية في قبول الصفات والأعراض ثبت لا محالة كونه قادراً على تخريب الدنيا بسمواتها وكواكبها وأرضها، وعلى إيجاد عالم الآخرة، فهذا وجه النظم.

قوله: «مِهَاداً» . مفعول ثان؛ لأنَّ الجعل بمعنى التصيير، ويجوز ان يكون بمعنى الخلق، فتكون «مِهَاداً» حالاً مقدرة.

وقرأ العامة: «مهاداً» .

ومجاهد وعيسى وبعض الكوفيين «مهداً» ، وتقدمت هاتان القراءتان في سورة «طه» ، وأن الكوفيين قرأوا «مهداً» في «طه» و «الزخرف» فقط، وتقدم الفرق بينهما ثمَّة.

قوله تعالى: ﴿والجبال أَوْتَاداً﴾ ، والكلام عليها كالكلام في «مِهَاداً» في المفعوليَّة والحاليَّة، ولا بُدَّ من تأويلها بمشتق أيضاً، أي مثبتات.

والمهاد: الوطاء، وهو الفراش، لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ [البقرة: 22] ، ومعنى «مَهْداً» أي: كمهدِ الصَّبي، وهو ما يمهد للصبي فينوّم عليه، و «أوتاداً» أي: لتسكن ولا تميل بأهلها.

قوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾ . أي: أصنافاً، ذكراً وأنثى.

وقيل: ألواناً.

وقيل: يدخل كل زوجٍ بهيج، وقبيح، وحسن، وطويل وقصير، لتختلف الأحوال، فيقع الاعتبار.

قوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ الظاهر أنَّه مفعول ثانٍ، ومعناه: راحةً لأبدانكم، ومنه السبتُ أي: يوم الراحة، أي: قيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، ولا تعملوا فيه شيئاً.

وأنكر ابن الأنباري هذا، وقال: لا يقال للراحة: سباتاً.

وقيل: أصله التمدُّد، يقال: سبتت المرأة شعرها: إذا حلَّته وأرسلته، فالسُّبات كالمد، ورجل مسبوتُ الخلق، أي ممدود، وإذا أراد الرجل أن يستريح تمدد، فسميت الراحة سبتاً.

ةقيل: أصله القطع، يقال: سبت شعره سبتاً، أي: حلقه، وكأنه إذا نام انقطع عن الناس، وعن الاشتغالِ، فالسُّبات يشبه الموت، إلا أنه لم تفارقه الروح، ويقال: سيرٌ سبتٌ، أي سهلٌ ليِّن.

قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً﴾ . فيه استعارة حسنة؛ وعليه قول المتنبي: [الطويل]

5069 - وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِندكَ من يَدٍ ... تُخَبِّرُ أنَّ المانَويَّة تَكذِبُ

والمعنى: يُلبسُكُمْ ظُلْمتَهُ وتَغْشَاكُمْ. قاله الطبري قال القفال: أصل اللباس هو الشيء الذي يلبسه الإنسان، ويتغطّى به، فيكون ذلك مُغَطِّياً، فلمَّا كان الليل يغشى الناس بظلمته جعل لباساً لهم، فلهذا سمي الليل لباساً على وجه المجاز، ووجه النعمة في ذلك هو أنَّ ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هرباً من عَدُو، أو إخفاء ما لا يجب اطِّلاع غيره عليه.

وقال ابن جبير والسدي: أي: أسْكنَّاكُمْ.

قوله: ﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً﴾ . فيه إضمار، أي: وقت معاش، فيكون مفعولاً، وظرفاً للتبعيض، أي: منصرفاً لطلب المعاش، وهو كل ما يعاش به من المطعمِ، والمشربِ مصدراً بمعنى العيش على تقدير حذف مضاف، يقال: عاش عيشاً ومعاشاً ومعيشةً، ومعنى كون النهار معيشة أن الخلق إنما يمكنهم التقلب في حوائجهم ومكاسبهم في النهار.

قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ . أي: سبع سماوات محكمات، أي: محكمة الخلق وثيقة البنيان.

وشداداً: جمع شديدة، أي: قوية لا يؤثِّر فيها مرور الأزمان لا فطور فيها ولا فروج، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] .

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ . أي: وقَّاداً، وهو الشمس، و «جَعَلَ» هنا بمعنى «خلق» ؛ لأنها تعدت لمفعول واحد، والوهَّاج: المُضيء المتلألئ، من قولهم: وهج الجوهر أي: تلألأ.

وقيل: الوهَّاج: الذي له وهج، يقال: وَهَجَ يَوْهَجُ، ك «وَحَلَ يَوحَلُ» ، «ووهَجَ يَهِجُ» ك «وَعَدَ يَعِدُ» وهجاً.

قال ابن عباس: وهَّاجاً: منيراً أي: مُتلألِئاً.

قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات﴾ . يجوز في «من» أن تكون على بابها من ابتداءِ الغاية، وأن تكون للسببية، وتدل على قراءة عبد الله بن زيد وعكرمة وقتادة: «بالمعصرات» بالباء بدل «من» ، وهذا على الخلاف في «المعصرات» ما المراد بها، فعن ابن عباس: أنها السَّحاب، وهو قول سفيان والربيع وأبي العالية والضحاك، أي: السحاب التي تنعصر بالماء، ولم تمطر بعد كالمرأة المُعْصِر التي قد دَنَا حيْضُهَا ولمْ تَحِضْ، يقال: أعْصرتِ السَّحابُ، أي: جاء وقت أن يعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع، إذا جاز له أن يجز؛ وأنشد ابن قتيبة أبي النَّجْم: [الرجز]

5070 - تَمْشِي الهُوَيْنَى مَائِلاً خِمارُهَا ... قَدْ أعْصَرتْ وقَدْ دَنَا إعْصَارُهَا

ولولا تأويل «أعْصرَتْ» بذلك لكان ينبغي أن تكون «المُعصَرات» - بفتح الصَّاد - اسم مفعول؛ لأن الرياح تعصرها.

وقال الزمخشري: وقرأ عكرمة: «بالمعصرات» .

وفيه وجهان:

أحدهما: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ لأنه إذا كان الإنزال منها، فهو بها كما تقول: أعطى من يده درهماً، وأعطى بيده.

وعن ابن عباس ومجاهد: «المعصرات» الرياح ذوات الأعاصيرِ كأنها تعصر السحاب.

وعن الحسن وقتادة: هي السماوات وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى السَّحاب، وكأنَّ السماوات يعصرن، أي: يحملن على العصر، ويمكن منه.

فإن قلت: فما وجه من قرأ «من المعصراتِ» وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطرُ لا ينزل الرياح؟ .

قلت: الرياح هي التي تُنشِئُ السَّحاب، وتدرُّ أخلافه، فصحَّ أن تجعل مبدأ للإنزال، وقد جاء: إنَّ الله تبارك وتعالى يَبعثُ الرِّياح فَتَحْمِلُ المَاءَ من السَّماءِ إلى السَّحابِ.

فإن صحَّ ذلك فالإنزال منها ظاهر.

فإن قلت: ذكر ابن كيسان أنه جعل «المعصرات» بمعنى المُغيثَات، والعاصر المغيث لا المعصر، يقال: عصره فاعتصر.

قلت: وجهه أن يريد اللاتي أعصرت، أي: حان لها أن تعصر، أي: تغيث.

يعني أن «عصر» بمعنى الإغاثة: ثلاثي، فكيف قال هنا: «معصرات» بهذا المعنى وهو من الرباعي؟ .

فأجابه عنه بما تقدم: يعني: أن الهمزة بمعنى الدخول في الشيء.

قال القرطبي: «ويجوز أن تكون الأقوال واحدة، ويكون المعنى: وأنزلنا من ذوات الرياح المعصرات ﴿مَآءً ثَجَّاجاً﴾ ، وأصح الأقوال أن المعصرات: السحاب، كذا المعروف أن الغيث منها، ولو كان» بالمعصرات «لكان الريح أولى» .

وفي «الصِّحاح» : والمعصرات: السحائب تعصر بالمطر، وأعصر القوم أي: مطروا، ومنه قراءة بعضهم: ﴿وفيه تُعْصَرُون﴾ [يوسف: 49] ، والمعصر: الجارية التي قربتْ سنَّ البلوغ، والمعصر: السحابة التي حان لها أن تمطر، فقد أعصرت، ومنه «العَصَرُ» - بالتحريك - للملجأ الذي يلجأ إليه، والعصرُ - بالضم - أيضاً: الملجأ، وأنشد أبو زيد: [الخفيف]

5071 - صَادِياً يَسْتَغيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ... ولقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ

قوله: ﴿مَآءً ثَجَّاجاً﴾ : الثَّجُّ: الانصبابُ بكثرةٍ وبشدةٍ.

وفي الحديث: «أحَبُّ العملِ إلى اللهِ العَجُّ والثَّجُّ» .

فالعَجُّ: رفع الصوت بالتلبية.

والثَّجُّ: إراقة دماءِ حجج الهدي، يقال: ثجَّ الماء بنفسه، أي: انصبَّ، وثَجَجْتُه أنا: أي: صَبَبْتُه ثجَّا وثُجُوجاً، فيكون لازماً ومتعدياً؛ وقال الشاعر: [الطويل]

5072 - إذَا رَجَفَتْ فِيهَا رَحا مُرْجَحِنَّةٌ ... تَبَعَّقَ ثَجَّاجاً غَزِيرَ الحَوافِلِ

وقرأ الأعمش: «ثَجَّاحاً» - بالحاء المهملة - أخيراً.

قال الزمخشري: «ومثاجح الماء: مصابُّه، والماء يثجح في الوادي» .

وكان ابن عبَّاس مثجًّا، يعني يثج الكلام ثجًّا في خُطبته.

قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ﴾ أي: بذلك الماء «حَبَّا» كالحِنْطَةِ والشعير وغير ذلك.

«ونَبَاتاً» من الإنبات، وهو ما تأكله الدواب من الحشيش.

«وجَنَّاتٍ» أي: بساتين «ألْفَافاً» أي: مُلتفَّا بعضها ببعض كتشعيب أعضائها.

وفي الألفاف وجوه:

أحدها: أنه لا واحد له.

قال الزمخشري: «ألْفافاً» : مُلتفَّة، ولا واحد له ك «الأوزاع» والأخْيَاف.

والثاني: أنَّه جمعُ «لِفٍّ» - بكسر اللام - فيكون نحو: «سِرّ وأسرار» ؛ وأنشد أبو عليٍّ الطوسِيُّ: [الرمل]

5073 - جَنَّةٌ لِفٌ وعَيْشٌ مُغْدِقٌ ... ونَدامَى كُلُّهمْ بِيضٌ زُهُرْ

وهذا قول أكثر أهل اللغة، ذكره الكسائي.

الثالث: أنه جمع «لَفِيفٍ» . قاله الكسائي، وأبو عبيدة ك «شريف» و «أشراف» ، و «شهيد» و «أشهاد» ؛ قال الشاعر: [الطويل]

5074 - أحَابيشُ ألْفَافٍ تَبايَنَ فَرْعهُمْ ... وحَزْمُهُمْ عَنْ نِسْبَةِ المُتعَرفِ

الرابع: أنَّه جمعُ الجميع، وذلك أنَّ الأصل: «لُفّ» في المذكر، و «لَفَّاء» في المؤنث ك «أحْمَر وحَمْرَاء» ، ثُمَّ جمع «لُف» على «ألفَاف» إذ صار «لف» زنة «فعل» جمع جمعه قاله ابن قتيبة.

إلا أنَّ الزمخشري قال: وما أظنه واجداً له نظيراً من نحو: «خضر وأخضار، وحمر وأحمار» .

قال شهاب الدين: كأنه يستبعد هذا القول من حيث إنَّ نظائرهُ لا تجمع على «أفْعَال» إذ لا يقال: «خضر ولا حمر» ، وإن كانا جمعين ل «أحمر وحمراء، وأخضر وخضراء» ، وهذا غير لازم؛ لأن جمع الجمع لا ينقاس، ويكفي أن يكون له نظير في المفردات، كما رأيت من أن «لفَّاء» صار يضارع «فَعْلاء» ، ولهذا امتنعوا من تكسير «مفَاعِل ومفَاعِيْل» لعدم نظيره في المفردات يحملان عليه.

الخامس: قال الزمخشريُّ: «ولو قيل: هو جمع:» ملتفّة «بتقدير حذف الزوائد لكان قولاً وجيهاً» .

وهذا تكلُّف لا حاجة إليه.

وأيضاً: فغالب عبارات النحاة في حذف الزوائد إنما هو في التصغير، يقولون: تصغير الترخيم بحذف الزوائد، وفي المصادر يقولون: هذا المصدر على حذف الزوائد.

قال القرطبي: ويقال: شجرة لفَّاء، وشجر لفٌّ، وامرأة لفَّاء، أي: غليظةُ السَّاقِ مجتمعة اللحم.

وقيل: التقدير: ونُخْرِجُ به جنَّاتٍ ألفافاً، ثم حذف لدلالة الكلام عليه.

78:17–20Page 582

إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا ١٧

Indeed, the Day of Judgement is an appointed time -

يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ١٨

The Day the Horn is blown and you will come forth in multitudes

وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ١٩

And the heaven is opened and will become gateways

وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ٢٠

And the mountains are removed and will be [but] a mirage.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً﴾ . أي: وقتاً ومجمعاً وميعاداً للأولين والآخرين؛ لما وعد اللهُ الجزاء والثواب، وسمِّي يوم الفصل؛ لأنَّ الله - تعالى - يفصل فيه بين خلقِه.

قوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «يَوْمِ الفَصْلِ» ، أو عطف بيان له، أو منصوباً بإضمار «أعني» .

و «أفواجاً» حال من فاعل «تَأتُونَ» .

وقرأ أبو عياض: «في الصُّوَرِ» بفتح الواو وتقدم مثله.

فصل في النفخة الآخرة

هذا النفخ هو النفخة الأخيرة التي عندها يكون الحشر، وهذا هو النفخ للأرواح.

وقيل: هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه للبعث.

«فتأتون» أي: إلى موضع العرض.

«أفواجاً» أي: أمَماً كُل أمَّةٍ مع إمامهم.

روى معاذُ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «قلت: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» يَا مُعَاذُ، لَقَدْ سَألْتَنِي عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ» ، ثم أرسل عينيه باكياً - ثم قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «يُحْشَرُ عَشَرَةُ أصْنَافٍ مِنْ أمَّتِي أشْتَاتاً قَدْ مَيَّزهمُ اللهُ - تَعَالَى - مِنْ جَمَاعَاتِ المُسْلِمِيْنَ وبَدَّلَ صُورَهُمْ، فَمِنْهُمْ على صُورةِ القِرَدَةِ، وبَعْضهُمْ عَلى صُورَةِ الخَنَازِيرِ، وَبَعْضُهُمْ مُنَكَّسِيْنَ أرْجُلهُمْ أعلاهُمْ وَوُجُوهُم يُسْحَبُونَ عليْهَا، وبَعضُهمْ عُمْياً، وبَعْضهُم صُمًّا، وبَعْضُهُمْ يَمْضُغُونَ ألْسنَتَهُمْ فَهِيَ مُدَلاَّة على صُدورِهِمْ، يَسِيلُ القَيْحُ مِنْ أفْواهِهِم، يَتقذَّرهمُ الجَمْعُ، وبَعَْضهُمْ مُقطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجٌُلهمْ مُصلَّبين على جذُوع مِنْ نَارٍ، وبَعضُهم أشَدُّ نَتْناً مِنَ الجِيفِ، وبَعْضُهمْ مُلْبَسِينَ جَلابِيبَ لاصقةً بِجُلوْدهِمْ، فأمَّا الذينَ على صُورةِ القِردَةِ: فالقَتَّاتُ مِنَ النَّاسِ - يَعْنِي: النَّمَّامَ - وأمَّا الَّذينَ عَلى صُورةِ الخَنَازِيرِ فأهْلُ السُّحْتِ والحَرامِ والمَكْسِ، وأمَّا المُنكِسُونَ رُءوسَهُمْ وَوُجوهمْ فأكلَةُ الرِّبَا، وأمَّا العُمْيُ: فالَّذيْنَ يَجُورُونَ في الحُكْمِ، وأمَّا الصُمُّ البُكْمُ: فالمُعْجَبُونَ بأعْمالِهمْ، وأمَّا الَّذِينَ يَمْضُغُونَ ألْسِنَتَهُمْ، فالعُلمَاءُ الَّذينَ يُخَالفُ قَوْلهُم فِعلهُمْ، وأمَّا الَّذينَ قُطِعَتْ أيْديهِمْ وأرْجُلهُمْ فالَّذينَ يُؤذُونَ الجِيرانَ، وأمَّا المُصَلَّبُونَ فِي جُذوْعِ النَّارِ، فالسَّعاة بالنَّاسِ إلى السُّلطانِ، وأمَّا الَّذينَ أشَدُّ نَتْناً مِنَ الجِيَفِ، فالَّذينَ يَتَّبعُنَ الشَّهواتِ واللَّذَّاتِ، ويَمْنعُونَ حَقَّ اللهِ فِي أمْوالِهمْ، وأمَّا الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الجَلابِيْبَ فأهْلُ الكِبْرِ والفَخْرِ والخُيَلاء» .

قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ .

قرأ أبو عامر وحمزة والكسائي: «فُتِحَتْ» خفيفة، والباقون بالتثقيل.

والمعنى: كُسرتْ أبوابها المفتَّحةُ لنزول الملائكة كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] .

وقيل: تقطَّعت، فكانت قطعاً كالأبواب، فانتصاب الأبواب على هذا بحذف الكاف.

وقيل: التقدير: كانت ذات أبواب؛ لأنها تصير كلها أبواباً.

وقيل: أبوابها: طرقها.

وقيل: إنَّ لكل عبد باباً في السماء لعمله، وباباً لرزقه، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب.

قال القاضي: هذا الفتح هو معنى قوله: ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ [الانشقاق: 1] ، ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ [الانفطار: 1] إذ الفتح والتشقق تتقارب.

قال ابنُ الخطيب: وهذا ليس بقوي؛ لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التَّشقُّق والتفطُّر، فربما تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق ولا تفطر، بل الدلائل الصحيحة دلت على أن حصول فتح هذه الأبواب بحصول التفطُّر والتشقُّق بالكلِّية.

فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ يفيد أنَّ السَّماء بكليتها تصير أبواباً بفعل ذلك.

فالجواب من وجوه:

أحدها: أنَّ تلك الأبواب لمَّا كثرت جدًّا صارت كأنَّها ليست إلا أبواباً؛ كقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً﴾ [القمر: 12] أي: صارت كلها عيوناً تتفجَّر.

وثانيها: قال الواحديُّ: هذا من باب حذف المضاف، أي: فكانت ذات أبواب.

وثالثها: أنَّ الضمير في قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ يعود إلى السماء، والتقدير: فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً لنزول الملائكة.

قوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ .

أي: لا شيء كما أن السراب كذلك يظنه الرائي ماء وليس بماء.

وقيل: نُسفَتْ من أصُولِهَا.

وقيل: أزيلتْ عن مواضعها.

قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - ذكر أحوال الجبال بوجوهٍ مختلفةٍ، ويمكن الجمع بينها بوجوه، بأن تقول:

أول أحوالها: الاندِكَاكُ، وهو قول تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14] .

والحالة الثانية: أن تصير كالعهنِ المنفوش، وهو قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: 5] .

والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء، وهو قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 5، 6] .

والحالة الرابعة: أن تنسف؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة تارة في مواضعها في الأرض، فترسل الرياح، فتنسفها عن وجه الأرض، فتطيِّرها في الهواء كأنها مارة، فمن نظر إليها يحسبها لتكاثفها أجساداً جامدة، وهي في الحقيقة مارة، إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها مندكة منتسفة.

والحالة الخامسة: أن تصير سراباً، أي: لأي شيء كما رؤي السراب من بعد.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском