Ibn 'AdilAl‑Fajr · 89:1–14

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

الفجر

Al-Fajr

The Dawn · Meccan · 30 ayahs

89:1–5Page 593

وَٱلۡفَجۡرِ ١

By the dawn

وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢

And [by] ten nights1

وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣

And [by] the even [number] and the odd

وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤

And [by] the night when it passes,

هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥

Is there [not] in [all] that an oath [sufficient] for one of perception?1

مكية، وهي ثلاثون آية، ومائة وتسع وثلاثون كلمة، وخمسمائة وسبعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والفجر﴾ ، قيل: جواب القسم مذكور، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] ، قاله ابن الأنباري.

وقيل: محذوف، لدلالة المعنى عليه، أي: ليجازي كل واحد بما عمل، بدليل ما فعل بالقرون الخالية.

وقدَّره الزمخشريُّ: ليُعذبنَّ، قال: يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلى قوله «فصبَّ» .

وقدره أبو حيَّان: بما دلت عليه خاتمة السورة قبله، أي: لإيابهم إلينا وحسابهم علينا.

وقال مقاتل: «هل» هنا: في موضع «إنَّ» تقديره: «إنَّ في ذلك قسماً لذي حجر، ف» هل «هذا في موضع جواب القسم. انتهى.

وهذا قول باطل؛ لأنه لا يصلح أن يكون مقسماً عليه تقدير تسليم أنَّ التركيب هكذا، وإنما ذكرناه للتنبيه على سقوطه.

وقيل: ثم مضاف محذوف، أي: صلاة الفجر، أو ربِّ الفجر.

والعامة: على عدم التنوين في:» الفَجْرِ، والوَتْرِ، ويَسْرِ» .

وأبو الدينار الأعرابي: بتنوين الثلاثة.

قال ابن خالويه: هذا ما روي عن بعض العرب أنه يقف على آخر القوافي: بالتنوين، وإن كان فعلاً، وإن كان فيه الألف واللام؛ قال الشاعر: [الوافر]

5189 - أقِلِّي اللَّوْمَ عَاذلَ والعِتابَنْ ... وقُولِي إنْ أصَبْتُ لَقدْ أصَابَنْ

يعني: هذا تنوين الترنُّم، وهو أن العربي إذا أراد ترك الترنُّم - وهو: مدّ الصوت - نوَّن الكلمة، وإنما يكن في الروي المطلق.

وقد عاب بعضهم النحويين تنوين الترنم، وقال: بل ينبغي أن يسموه بتنوين تركه، ولهذا التنوين قسيم آخر، يسمى: التنوين الغالي وهو ما يلحقُ الرويَّ المقيد؛ كقوله: [الرجز]

5190 - خَاوِي المُختَرَقْنْ ... على أن بعض العروضيين أنكروا وجوده، ولهذين التنوينين أحكام مخالفة لحكم التنوين مذكورة في علم النحو.

والحاصل: أن هذا القارئ أجرى الفواصل مجرى القوافي، وله نظائر منها: «الرَّسُولا، والسَّبِيلا، والظُّنُونَا» » في الأحزاب 10 و66 و67 «و» المتعال» في الرعد و «عَشْرٍ» هنا.

قال الزمخشري: فإن قيل: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من نفس جنس الليالي العشر بعض منها، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها، فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد؛ لأنها ليال معلومة معهودة؟ .

قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير؛ ولأن الأحسن أن تكون الكلمات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الإلغاز والتَّعميَة.

يعني بتجانس اللامات، أن تكون كلها إمَّا للجنس، وإما للعهد والغرض الظاهر أن اللامات في: «الفجر» وما معه، للجنس، فلو جيء بالليالي معرفة بلام العهد لفات التجانس.

أقسم سبحانه: بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر: أقسام خمسة.

واختلف في «الفجرِ» ، فقال عليٌّ وابنُ الزُّبيرِ وابنُ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «الفَجْر» هنا: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم.

قال ابنُ الخطيب: أقسم تعالى بما يحصل فيه، من حصول النور، وانتشار الناس، وسائر الحيوان في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى، وفيه عبرة لمن تأمل، كقوله تعالى: ﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18] ، ومدح بكونه خالقاً، فقال سبحانه: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: 96] .

وعن ابن عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه: النهار كله، وعبر عنه بالفجر؛ لأنه أوله.

وروى ابن محيصن عن عطيَّة عن ابن عبَّاسٍ: يعني: فجر المحرم.

قال قتادةُ: هو فجر أول يوم من المحرم منه تنفجر السنة، وعنه أيضاً: صلاة الصبح.

وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد صبيحة يوم النحر؛ لأن الله تعالى جعل لكل يوم ليلة قبله إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف الليلة التي بعد عرفة فقد أدرك الحج إلى طلوع فجر يوم النحر، وهذا قول مجاهد.

وقال عكرمة: «والفجر» قال: انشقاق الفجر من يوم الجمعة.

وعن محمد بن كعب القرظي: «والفجر» قال: آخر أيام العشر إذا رفعت أو دفعت من جمع.

وقال الضحاك: فجر ذي الحجة؛ لأن الله تعالى قرن به الأيام، فقال تعالى: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أي ليال عشر من ذي الحجة.

وقيل: هي العيون التي تنفجر منها المياه.

قوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ .

العامة: على «ليالٍ» بالتنوين، «عشر» صفة لها.

وقرأ ابنُ عباسٍ: «وليالِ عشرٍ» بالإضافة.

فبعضهم قال: «ليال» في هذه القراءة دون ياء، وبعضهم قال: «وليالي عشر» بالياء، وهو القياس.

وقيل: المراد: ليالي أيام عشر، وكان من حقه على هذا أن يقال: عشرة؛ لأن المعدود مذكر.

ويجاب عنه: بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان، ومنه: «وأتْبعَهُ بِستٍّ مِنْ شوَّالٍ» .

وسمع الكسائي: صمنا من الشهر خمساً.

فصل في المراد بالعشر

قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ والسديُّ والكلبيُّ: هو عشر ذي الحجة.

وقال مسروقٌ: هي العشرة المذكورة في قوله - تعالى - في قصة موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] ، وهي أفضل أيام السنةِ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا مِنْ أيَّام العَملِ الصَّالحُ فِيهِنَّ أحَبُّ إلى الله - تعَالَى - مِنْ عَشْرِ ذِي الحجَّةِ» ؛ ولأن ليلة يوم النَّحرِ داخلة فيه رخّصه الله تعالى موفقاً لمن يدرك الموقف يوم عرفة.

وعن ابن عبَّاسٍ أيضاً: هي العشرُ الأواخر من رمضان.

وقال الضحاكُ: أقسم الله - تعالى - بها لشرفها بليلة القدرِ، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان، شد المئزرَ، وأيقظ أهله للتهجد.

وعن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - ويمان والطبريُّ: هو العشر الأول من المحرم؛ لأن آخرها يوم عاشوراء، ولصومه فضل عظيم.

قوله: ﴿والشفع والوتر﴾ .

قرأ الأخوان: بكسر الواو من: «الوِتْرِ» .

والباقون: بفتحها، وهما لغتان، كالحَبْرِ والحِبْر، والفتح: لغة قريش ومن والاها، والكسر: لغة تميم.

وهاتان اللغتان في: «الوتر» ، مقابل «الشفع» ، فأما في «الوتر» بمعنى: التِّرة، فبالكسر وحده.

قال الزمخشريُّ: ونقل الأصمعي فيه اللغتين أيضاً.

وقرأ أبو عمرو في رواية يونس عنه: بفتح الواو وكسر التاء، فيحتملُ أن تكون لغة ثالثة، وأن يكون نقل كسرة الراء إلى التاء، إجراءً للوصل مجرى الوقف.

فصل في الشفع والوتر

قال ابنُ الخطيب: «الشَّفْعُ والوتْرُ» : هو الذي تسميه العرب، الخساء والركاء، وتسميه العامة: الزَّوجُ والفَرْدُ.

قال يونس: أهل العالية يقولون: «الوَتْرُ» بالفتح في العدد، و «الوِتْر» بالكسر في الذحل، وتميم يقولون: بكسر الواو فيهما، تقول: «أوترت أوتر إيتاراً» أي: جعلته وتراً، ومنه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من اسْتَجْمرَ فليُوتِرْ» .

واختلف في الشفع والوتر، فروى عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «الشَّفعُ والوتر: الصَّلاة مِنْها شَفعٌ، ومِنهَا وتْرٌ» .

قال جابر بن عبد الله: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ﴿والفَجْرِ وليَالٍ عَشْرٍ﴾ قال: «هُو الصُّبْحُ وعَشْرُ النَِّحْرِ، والوترُ: يومُ عرفَة، والشَّفعُ: يومُ النَّحْرِ» » .

وهو قول ابن عباس وعكرمة، واختاره النحاس وقال: حديث ابن الزبير عن جابر، وهو الذي صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو أصح إسناداً من حديث عمران بن حصين، فيوم عرفة: وتر؛ لأنه تاسعها، ويوم النحر: شفع؛ لأنه عاشرها.

وعن أبي أيوب، قال: «سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ ، قال:» الشَّفْعُ: يَومُ عَرفَةَ ويوْمُ النَِّحْرِ، والوترُ: ليْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ» .

وقال مجاهدٌ وابنُ السميفع وابنُ عباسٍ: الشفع: خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النبأ: 8] ، والوتْرُ: هو الله عَزَّ وَجَلَّ.

فقيل لمجاهد: أترويه عن أحد؟ قال: نعم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن رسول الله عليه وسلم.

ونحوه قال محمدُ بن سيرين، ومسروق، وأبُو صالحٍ وقتادةُ، قالوا: الشَّفع: الخلقُ، قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] : الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والسماء والأرض، والإنس والجن، والوَتْر: هو الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ [الإخلاص: 1، 2] .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ للهِ تِسْعَة وتسْعِينَ اسْماً، واللهُ وترٌ يُحِبُّ الوِتْرِ» .

وعن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: الشَّفعُ: صلاة الصبح، والوَتْرُ: صلاة المغرب.

وقال الربيعُ بنُ أنس وأبو العالية: هي صلاة المغرب فالشفع منها: الركعتان الأوليان، والوتر: الثالثة.

وقال ابنُ الزبير: الشفع: الحادي عشر، والثاني عشر من أيَّام منى، والوتر: اليوم الثالي، قال تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] .

وقال عطاءٌ والضحاكُ: الشفعُ: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى الثلاثة.

وقيل: الشفع والوتر: آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان وتراً، فشفع بزوجته حواء، رواه ابن أبي نجيحٍ، وحكاه القشيريُّ عن ابن عباس [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما. وفي رواية: الشفع آدم وحواء، والوتر هو الله تعالى.

وقيل: الشفع درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر هي دركات النار، وهي سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار. قاله الحسين بن الفضل.

وقيل: الشفع: الصفا والمروة، والوتر: الكعبة.

وقال مقاتل بن حيان: الشفع الأيام والليالي، والوتر الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة.

وقيل غير ذلك] .

قال ابنُ الخطيبِ: كل هذه الوجوه محتملة، والظاهر لا شعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين، فإن ثبت في شيء منها خبرٌ عن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، أو إجماع من أهل التأويل، حكم بأنه المراد، وإن لم يثبت، وجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز؛ لا على القطع، ولقائل أن يقول: إني أحمل الكلام على الكل؛ لأن الألف واللام في: «الشفع والوتر» يفيد العموم.

قوله: ﴿والليل إِذَا يَسْرِ﴾ ، هذا قسم خامس، بعدما أقسم بالليالي العشر على الخصوص، أقسم بالليل علىلعموم، ومعنى «يَسْر» أي: يسرى فيه، كما يقال: ليل نائم، ونهار صائم؛ قال: [الطويل]

5191 - لَقدْ لُمْتِنَا يا أم غِيلانَ في السُّرَى ... ونِمْتِ، ومَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنائمِ

ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ﴾ [سبأ: 33] ، وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتيبي والأخفش.

وقال أكثر المفسرين: معنى «يَسْر» : سار فذهب.

وقال قتادةُ وأبو العاليةِ: جاء وأقبل.

وقيل: المراد: ينقص، كقوله: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: 33] ، ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17] .

و «يَسْرِ» : منصوب بمحذوف، هو فعل القسم، أي: أقسم به وقت سراه، وحذف ياء «يَسْري» وقفاً، وأثبتها وصلاً، نافع وأبو عمرو، وأثبتها في الحالين ابن كثير، وحذفها في الحالين الباقون لسقوطها في خط المصحف الكريم.

وإثباتها هو الأصل؛ لأنها لام فعل مضارع مرفوع، وحذفها لموافقة المصحف، وموافقة رءوس الآي، وجرياً للفواصل مجرى القوافي.

ومن فرق بين حالتي الوقف والوصل؛ فلأن الوقف محل استراحة.

قال الزمخشري: «وياء» يسري «تحذف في الدَّرج اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة» .

وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم، والجواب محذوف، [تقديره:] ليعذبن، بدليل قوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: 6] ، إلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 13] وقد تقدم الكلام على ذلك.

قوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ .

قيل: «هل» على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير، كقولك: ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت.

وقيل: المراد بذلك: التوحيد، لما أقسم به وأقسم عليه، والمعنى: بل في ذلك مقنع لذي حجر، ومعنى «لذي حجر» : لذي لبٍّ وعقلٍ؛ فقال الشاعر: [الطويل]

5192 - وكَيْفَ يُرَجَّى أنْ تَتُوبَ وإنَّمَا ... يُرَجَّى مِنَ الفِتْيَانِ من كَانَ ذَا حِجْرِ

وقال أبو مالك: «لذِي حِجْرٍ» : أي: لذي ستر من الناس.

وقال الحسن: لذِي حِلْم.

قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد: لذي حِجْر، ولذي عَقْل ولذي حِلْم، ولذي ستر، الكل بمعنى العقل.

وأصل الحِجْر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها إنه لذو حجر.

[ومنه سمي الحجر: المنع، لامتناعه بصلابته، ومنه: حجر الحاكم على فلان أي: منعه من التصرف، ولذلك سميت الحجرة حجرة، لامتناع ما فيها بها] .

وقال الفراء: العرب تقول: إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها، كأنه أخذ من قولك: حجرت على الرجل.

والمعنى: أن كلَّ ذلك دال على أن كل ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه دلائل وعجائب على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه.

قال القاضي: وهذه الآية تدل على أن القسم واقع برب هذه الأمور؛ لأن الآية دالة على أن هذه مبالغة في القسم، والمبالغة لا تحصل إلا في القسم بالله تعالى؛ ولأن النهي قد ورد بأن يحلف العاقل بغير الله تعالى.

89:6–14Page 593

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦

Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -

إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧

[With] Iram1 - who had lofty pillars,2

ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨

The likes of whom had never been created in the land?

وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩

And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?

وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠

And [with] Pharaoh, owner of the stakes?1

ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١

[All of] whom oppressed within the lands

فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢

And increased therein the corruption.

فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣

So your Lord poured upon them a scourge of punishment.

إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤

Indeed, your Lord is in observation.

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ﴾ .

قرا العامة: «بعاد» : مصروفاً، «إرم» بكسر الهمزة، وفتح الراء، والميم.

ف «عاد» اسم لرجل في الأصل، ثم أطلق على القبيلة أو الحي، وقد تقدم في الكلام عليه، وأما: «إرَمَ» فقيل: اسم قبيلة. وقيل: اسم مدينة [اختلفوا في تعيينها، فقيل: «إسكندرية» ، وقيل: «دمشق» ، وهذان القولان ضعيفان؛ لأنها منازل كانت من «عمان» إلى «حضرموت» ، وهي بلاد الرمال والأحقاف، وأما «الإسكندرية» و «دمشق» ، فليستا من بلاد الرمال] .

فإن كانت اسم قبيلة كانت بدلاً، أو عطف بيان، أو منصوبة بإضمار: «أعني» ، وإن كانت اسم مدينة، فتعلق الإعراب من: «عاد» وتخريجه على حذف مضاف، كأنه قيل: بعاد أهل إرم. قاله الزمخشري.

وهو حسن، ويبعد أن يكون بدلاً من: «عاد» ، بدل اشتمال، إذ لا ضمير، وتقديره قلق وقد يقال: إنه لما كان المراد ب «عاد» : مدينتهم؛ لأن «إرم» قائمة مقام ذلك، صح البدل.

وإرَمَ: اسم جد عاد، وهو عادُ بنُ عوصِ بنِ إرمَ بْنِ نوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ قال زهيرٌ: [البسيط] 5193 - وآخَرينَ تَرَى المَاذيَّ عُدَّتهُمْ ... مِنْ نسْجٍ دَاوُد أوْ مَا أوْرثَتْ إرَمْ

وقال ابن قيس الرقيات: [المنسرح]

5194 - مَجْداً تَلِيداً بَناهُ أوَّلهُ ... أدْركَ عاداً وقَبْلهَا إرَمَا

وقرأ الحسن: «عاد» غير مصروف.

قال أبُو حيَّان: مضافاً إلى «إرَمَ» ، فجاز أن يكون «إرَمَ» أباً، أو جداً، أو مدينة.

قال شهاب الدين: يتعين أن يكون في قراءة الحسن، غير مضاف، بل يكون كما كان منوناً، ويكون «إرَمَ» بدلاً أو بياناً أو منصوباً بإضمارِ: أعني، ولو كان مضافاً لوجب صرفه وإنما منع «عاد» اعتباراً بمعنى: القبيلة، أو جاء على أحد الجائزين في: «هند» وبابه.

وقرأ الضحاكُ في رواية: «بِعادَ أرَمَ» ممنوع الصرف، وفتح الهمزة من: «أرم» .

قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام التي هي الأعلام.

وعنه أيضاً: فتح الهمزة، وسكون الراء، وهو تخفيف «أرِم» بكسر الراء، وهي لغة في اسم المدينة، كما قرئ: ﴿بِوَرِقْكُمْ﴾ [الكهف: 19] ، وهي قراءة ابن الزبير، وعنه في: «عاد» مع هذه القراءة: الصرف وتركه.

وعنه - أيضاً - وعن ابن عباسٍ: «أرَمَّ» بفتح الهمزة والراء والميم المشددة جعلاه فعلاً ماضياً، [يقال: أرم العظم أي بَلِيَ، وأرم وأرمه غيره، فأفعل يكون لازماً ومتعدياً في هذا] .

و «ذات» على هذه القراءة مجرورة صفة ل: «عاد» ويكون قد راعى لفظها تارة في قوله: «إرَمَ» ، فلم تلحق علامة التأنيث، ويكون: «أرم» معترضاً بن الصفة والموصوف، أي: أرمت هي، بمعنى: رمَتْ وبَليتْ، وهو دعاء عليهم، ويجوز أن يكون فاعل: «أرم» ضمير الباري تعالى، والمفعول محذوف، أي: أرمها الله تعالى، والجملة الدعائية معترضة - أيضاً - وراعى معناها أخرى في: «ذات» فأنث.

وروي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «ذاتَ» بالنَّصْب، على أنها مفعول ب « أرم» وفاعل «أرم» ضمير يعود على الله - تعالى -، أي: أرمها الله، ويكون: «أرم» بدلاً من: «فعَل ربُّك» وتبييناً له.

وقرأ ابنُ الزُّبيرِ: «بعادِ أرمَ» بإضافة: «عاد» إلى: «أرمِ» مفتوح الهمزة مكسور الراء، وقد تقدم أنه اسم مدينة.

وقرأ: «إرمَ ذَات» ، بإضافة: «إرم» إلى: «ذات» .

وروي عن مجاهدٍ: «أرَم» يعني: بفتحتين، مصدر «أرَمَ، يَأرم» ، أي: هلك، فعلى هذا يكون منصوباً ب: «فَعَلَ ربُّك» نصب المصدر التشبيهي، والتقدير: كيف أهلك ربك عاداً إهلاك ذات العماد؟ وهذا أغرب الأقوال.

و «ذَاتِ العمادِ» : إن كان صفة لقبيلة، فمعناه: أنهم أصحاب خيام لها أعمدة يظعنون بها، أو هو كناية عن طول أبدانهم [كقولهم: رفيع العماد طويل النجاد قاله ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما] ، وإن كان صفة للمدينة، فمعناه: أنها ذات عُمُد من الحجارة.

قوله: ﴿التي لَمْ يُخْلَقْ﴾ : يجوز أن يكون: تابعاً، وأن يكون: مقطوعاً، رفعاً ونصباً.

والعامة على: «يُخْلَق» مبنياً للمفعول، «مِثْلُهَا» مرفوع على ما لم يسم فاعله.

وعن ابن الزُّبيرِ: «يَخْلقُ» مبنياً للفاعل، «مِثْلها» منصوب به، وعنه أيضاً: «نَخْلقُ» بنون العظمة.

فصل في الكلام على إرم وعاد

قال القرطبيُّ: من لم يضف جعل «إرم» : اسم «عاد» ، ولم يصرفه؛ لأنه جعل «عاداً» اسم أبيهم، و «إرم» : اسم القبيلة، وجعله بدلاً منه، أو عطف بيان.

ومن قرأه بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم، أو اسم بلدتهم، وتقديره: بعادٍ أهل إرمَ، كقوله: ﴿وَسْأَلِ القرية﴾ [يوسف: 82] ، ولم تنصرف - قبيلة كانت، أو أرضاً - للتعريف والتأنيث.

والإرم: العلم، أي: بعاد أهل ذات العلم، والخطاب للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، والمراد عام، وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهوراً، إذا كانوا في بلاد العرب، وحجر ثمود موجود اليوم، وأمر فرعون يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب.

قوله: «بعَادٍ» ، أي: بقوم عاد.

قال أبو هريرة: كان الرجل من قوم عادٍ، يتخذ المصراع من حجارة، لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة، لم يستطيعوا أن يقلوه.

[وإرم قال ابن إسحاق: هو سام بن نوح عليه السلام.

وعن ابن عباس وابن إسحاق أيضاً قال: عاد بن إرم بن عاص بن سام بن نوح عليه السلام.

قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد منهم إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام؛ فمن ولد إرم بن سام العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك والطغاة والعصاة] .

وإرم: قال مجاهد: «إرم» هي أمة من الأمم، وعنه أيضاً: ان معنى «إرم» : القديمة، وعنه أيضاً: القوية.

وقال قتادةُ: هي قبيلة من عاد.

وقيل: هما عادان، فالأولى: هي «إرم» ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى﴾ [النجم: 50] ، فقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد كما يقال لبني هاشم: هاشم، ثم يقال للأولين منهم: عاداً الأولى، وإرم: تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة؛ قال ابن الرقيَّات: [المنسرح]

5195 - مَجْداً تَلِيداً بَناهُ أوَّلهُ ... أدْركَ عاداً وقَبْلهَا إرَمَا

وقال معمر: «إرم» : إليه مجمع عاد وثمود، وكان يقال: عاد وإرم، وعاد وثمود، وكانت القبائل تنسب إلى إرم، «ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد» .

قال ابنُ عبَّاسٍ في رواية عطاء: كان الرَّجل منهم، طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم، طوله ثلاثمائة ذراع بذراع نفسه.

وعن ابن عبَّاسٍ أيضاً: أن طول الرجل منهم، كان سبعين ذراعاً.

قال ابن العربي: وهو باطل؛ لأن في الصحيح: «أنَّ اللهَ خَلقَ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِراعاً في الهواءِ، فَلم يزل الخَلْقُ يَنْقصُ إلى الآنَ» .

وزعم قتادةُ: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعاً.

قال أبو عبيدة: «ذَاتِ العمادِ» : أي: ذات الطول، يقال: رجل معمد إذا كان طويلاً ونحوه عن ابن عباس، ومجاهد.

وعن قتادة: كانوا عماداً لقومهم، يقال: فلان عميد القوم وعمودهم: أي: سيدهم، وعنه أيضاً: كانوا أهل خيام وأعمدة ينتجعون الغيوث، ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم.

وقيل: المعنى: ذات الأبنية المرفوعة على العمد، وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور.

وقال ابن زيد: ذَاتِ العِمادَ «يعني: إحكام البنيان بالعمد.

قال الجوهري:» والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر وتؤنث، والواحدة: عمادة» .

وقال الضحاك: «ذات العماد» أي ذات الشدة والقوة مأخوذة من قوة الأعمدة بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15] .

فصل في الضمير في «مثلها»

والضمير في: «مِثلُهَا» يرجع إلى القبيلة، أي: لم يخلق مثل القبيلة في البلاد قوة وشدة، وعظم أجساد.

وعن الحسن وغيره: وفي حرف عبد الله: «التي لم يخلق مثلهم في البلاد» .

وقيل: يرجع إلى المدينة، والأول أظهر وعليه الأكثر.

فصل

قال القرطبيُّ: «رُويَ عن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن كتاباً وجد ب» الاسكندرية «فلم يدر ما فيه، فإذا فيه» أنَا شدَّادُ بنُ عادٍ، الذي رفَعَ العِمَادَ، بنيتها حين لا شَيْبَ ولا مَوْتَ «قال مالك: إن كان لتمرُّ بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة» .

وروي: أنه كان لعاد ابنان: شدَّاد، وشديد، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا، ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن، في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزَّبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تمَّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا.

وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل مما قدر عليه مما هنا، وبلغ خبره معاوية، فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت، فأبصر ابن قلابة، وقال: هذا والله ذلك الرجل.

فصل في إجمال القول في الكفار هاهنا

ذكر الله - تعالى - هاهنا - قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين، وهم: عاد، وثمود، وقوم فرعون، على سبيل الإجمال حيث قالوا: «فَصَبَّ عَليْهَم ربُّكَ سوْطَ عذابٍ» ، ولم يبين كيفية ذلك العذاب، وبين في سورة: «الحاقَّة» ، ما أبهم في هذه السورة، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: 5، 6] إلى قوله: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة: 9] .

قوله: ﴿وَثَمُودَ﴾ .

قرأ العامة بمنع الصرف.

وابنُ وثابٍ: يصرفه، والذي يجوز فيه ما تقدم في: «التي لم يخلق» .

و «جَابُوا» أي: قطعوا، ومنه: فلان يجوب البلاد، أي: يقطعها سيراً؛ قال: [البسيط]

5196 - مَا إنْ رَأيْتُ قَلُوصاً قَبْلَهَا حَملتْ ... سِتِّينَ وسْقاً ولا جَابتْ بِهِ بَلدَا

وجَابَ الشيء يجوبه: أي: قطعه، ومنه سمي جيب القميص؛ لأنه جيب، أي: قطع.

وقوله: «بالوَادِ» : متعلق إما ب «جابوا» أي: فيه، وإما بمحذوف على أنه حال من «الصَّخْر» ، أو من الفاعلين.

وأثبت في الحالين: ابنُ كثيرٍ وورشٌ بخلاف عن قنبل، فروي عنه إثباتها في الحالين، وروي عنه: إثباتها في الوصل خاصة، وحذفها الباقون في الحالين، موافقة لخط المصحف، ومراعاة للفواصل كما تقدم في «يسر» .

فصل في تفسير الآية

قال ابنُ عبَّاسٍ: كانوا يجوبون البلادن ويجعلون من الجبال بيوتاً، لقوله - تعالى -: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾ [الحجر: 82] .

وقيل: أول من نحت من الجبال، والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة، كلها من الحجارة.

وقوله تعالى: ﴿بالواد﴾ أي: بوادي القرى. قاله محمد بن إسحاق.

[وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة، قال: «أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في غزاة» تبوك «على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال:» أسرعوا السير؛ فإنكم في واد ملعون «» .

وقيل: الوادي بين جبال، وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكاً للسيل، ومنفذاً، فهو واد] .

قوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ ، أي: الجنود والعساكر والجموع. قاله ابن عباس.

وسمي «ذي الأوتاد» لكثرة مضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا.

وقيل: ذي الأتاد، أي: ذي الملك الثابت.

كقوله: [الرجز]

5197 - في ظِلِّ مَلكٍ رَاسخِ الأوْتَادِ ... وقيل: كان يشدّ الناس بالأوتاد إلى أن يموتوا، تجبّراً منه وعتواً، كما فعل بامرأته آسية، وماشطتها.

قال عبدُ الرحمنِ بن زيدٍ: كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ له الإنسان، فيوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه.

وروى قتادةُ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عن ابنِ عباسٍ: أن تلك الأوتاد، كانت ملاعب يلعبون تحتها.

قوله: ﴿الذين طَغَوْاْ﴾ : يجوز فيه ما جاز في: «الذين» قبله، من الإتباع والقطع على الذم.

قال ابن الخطيب: يحتمل أن يرجع الضَّمير إلى فرعون خاصة؛ لأنه يليه، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم، وهو الأقرب. وأحسن الوجوه في إعرابه: أن يكون في محل نصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على: «هم الذين طغوا» مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يعني: عاداً، وفرعون، وثموداً طغوا، أي: تمردوا وعتوا، وتجاوزا القدر في الظلم والعدوان، ثم فسر تعالى طغيانهم بقوله: ﴿فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد﴾ .

قال الكلبيُّ: القتل، والمعصية لله تعالى.

قال القفال: والجملة أن الفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم، فمن عمل بغير أمر الله، وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد.

قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ . أي: أفرغ عليهم، وألقى، يقال: صبَّ على فلان خلعة، أي: ألقاها عليه؛ قال النابغة: [الطويل]

5198 - فَصبَّ عَليْهِ اللَّهُ أحْسنَ صُنْعهِ ... وكَانَ لَهُ بَيْنَ البَريَّةِ نَاصِراً

وقوله تعالى: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: نصيب عذاب؛ وقيل: شدته؛ لأن السوط عندهم ما يعذب به.

قال الشاعر: [الطويل]

5199 - ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أظهرَ دينهُ ... وصَبَّ على الكُفَّارِ سوْطَ عذابِ

والسوط: هو الآلة المعروفة.

قيل: سمي سوطاً؛ لأن يساط به اللحم عند الضرب أي: يختلط؛ قال كعب بن زهير: [البسيط]

5200 - لَكنَّهَا خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ منْ دَمِهَا ... فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخلافٌ وتَبْديلُ

وقال آخر: [الطويل]

5201 - أحَارِثُ إنَّا لو تُسَاطُ دِماؤُنَا ... تَزايلنَ حتَّى لا يَمَسُّ دَمٌ دَمَا

[وقيل: هو في الأصل مصدر: ساطه يسوطه سوطاً، ثم سميت به الآلة] .

وقال أبو زيد: أموالهم بينهم سويطة، أي: مختلطة.

فالسَّوطُ: خلط الشيء بعضه ببعض، ومنه سمي: المسواط، وساطه: أي خلطه، فهو سائط، وأكثر من ذلك، يقال: سوط فلان أموره؛ قال: [الطويل]

5202 - فَسُطْهَا ذَمِيمَ الرَّأي غَيْرَ مُوفَّقٍ ... فَلست عَلى تَسْويطهَا بمُعَانِ

قال الفرَّاء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أن السَّوطَ: هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه غاية العذاب.

وقال الزجاج: أي: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.

[ويقال: ساط دابته يسوطها أي: ضربها بسوطه.

وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن الله تعالى عنده أسواط كثيرة فأخذهم بسوط منها] .

قال قتادة: كل شيء عذب الله به، فهو سوط عذاب.

[واستعمال الصب في السوط استعارة بليغة شائعة في كلامهم.

قال القاضي: وشبه بصبّ السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه] .

قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ ، أي: يرصد عمل كل إنسان، حتى يجازيه به.

قال الحسن وعكرمة: والمِرْصادَ: كالمرصد، وهو: المكان الذي يترقب فيه الرَّصد، جمع راصد كحرس، فالمرصاد «مفعال» من: «رصده» ، كميقات من وقته، قاله الزمخشري.

وجوَّز ابنُ عطيَّة في المرصاد: أن يكون اسم فاعل، قال: كأنه قيل: «لبالراصد» ، فعبر ببناء المبالغة.

ورده أبو حيَّان: بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه الباء، إذ ليس هوفي موضع دخولها، لا زائدة، ولا غير زائدة.

قال شهابُ الدِّين: قد وردت زيادتها في خبر: «إنَّ» كهذه الآية؛ وفي قول امرئ القيس: [الطويل]

5203 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... فإنَّكَ ممَّا أحْدثَتْ بالمُجرِّبِ

إلاَّ أنَّ هذه ضرورة، لا يقاس عليه الكلام، فضلاً عن أفصحه.

فصل

تقدم الكلام في: «المرصاد» ، عند قوله: ﴿كَانَتْ مِرْصَاداً﴾ [النبأ: 21] ، وهذا مثلٌ لإرصاده العصاة بالعقاب بأنهم لا يفوتونه، كما قيل لبعض العرب: أين ربك؟ قال: بالمرصاد.

وقال الفراء: معناه: إليه المصير.

وقال الزجاج: يرصد من كفر به وعاند طاعته بالعذاب.

وقال الضحاك: يرصد أهل الظلم، والمعصية.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском