Ibn 'AdilAl‑Jumu'ah · 62:1–8

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

الجمعة

Al-Jumu'ah

The Congregation, Friday · Medinan · 11 ayahs

62:1–4Page 553

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh,1 the Sovereign, the Pure, the Exalted in Might, the Wise.2

هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢

It is He who has sent among the unlettered [Arabs] a Messenger from themselves reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the sunnah] - although they were before in clear error -

وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

And [to] others of them who have not yet joined them. And He is the Exalted in Might, the Wise.

ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤

That is the bounty of Allāh, which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

وعنه قال: قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له، قال: يوم الجمعة، فاليوم لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى ". بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ تقدم الكلام فيه.

وقوله: ﴿الملك القدوس العزيز الحكيم﴾ .

وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة: «سبَّحَ للَّهِ» بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقبل، فقال في أول هذه السورة بلفظ [المستقبل] ليدل على التسبيح في الزمن الحاضر والمستقبل.

وأما تعلق الأول بالآخر، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا غالبين على الكُفَّار وذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق ومنزه عما يخطر ببال الجهلة، وفي أول هذه السورة ذكر على ما يدل على كونه مقدساً، ومنزّهاً عما لا يليق بحضرته العليَّة ثم إذا كان خلق السماوات والأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة الله تعالى فله الملك، ولا ملك أعظم من هذا على الإطلاق، ولما كان الملك كله له تعالى فهو الملك على الإطلاق، ولما كان الكل خلقه فهو المالك على الإطلاق.

قوله: ﴿الملك القدوس﴾ .

قرأ العامة: بجر «الملكِ» وما بعده نعتاً لله، والبدل ضعيف لاشتقاقهما.

وقرأ أبو وائل وسلمة بن محارب ورؤبة بالرفع على إضمار مبتدأ مقتضٍ للمدح.

وقال الزمخشري: «ولو قرىء بالنصب على حدّ قولهم: الحمد لله أهل الحمد، لكان وجهاً» .

وقرأ زيد بن علي: «القَدُّوس» بفتح القاف، وقد تقدم ذلك. و «يُسَبِّحُ» من جملة ما يجري فيه اللفظان، ك «شكره وشكر له ونصحه ونصح له وسبحه وسبح له» .

فإن قيل: «الحَكِيمُ» يطلق أيضاً على الغير كما يقال في لقمان: إنه حكيم.

فالجواب: أن الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء مواضعها، والله تعالى حكيم بهذا المعنى.

قوله: ﴿هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ .

تقدم الكلام في «الأميّ والأميين» جمعه.

و «يَتْلُو» وما بعده صفة ل «رسول» صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

قال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «الأميّون» العرب كلهم من كتب منهم ومن لم يكتب؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب.

وقيل: الأميّون الذين لا يكتبون، وكذلك كانت قريش.

وروى منصور عن إبراهيم قال: «الأمّي» الذي لا يقرأ ولا يكتب.

وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - الأميون الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم، وقيل: الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه.

وقرىء: «الأمين» بحذف ياء النَّسب.

قوله: ﴿رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ .

يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما من حيّ من العرب إلا ولرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيهم قرابة وقد ولدوه.

وقال ابن إسحاق: إلا بني تغلب، فإن الله طهَّر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منهم لنصرانيتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة، وكان أميًّا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلّم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

قال الماورديُّ: فإن قيل: فما وجه الامتنان بأن بعث اللَّهُ نبيًّا أميًّا؟ .

فالجواب من ثلاثة أوجه:

أحدها: لموافقته ما تقدم من بشارة الأنبياء.

الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم فيكون أقرب لموافقتهم.

الثالث: لينفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعى إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها.

قال القرطبي: «وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته» .

قوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني القرآن «ويُزكِّيهم» أي: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان. قاله ابن عباس.

وقيل: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب. قاله ابن جريج ومقاتل.

وقال السديُّ: يأخذ زكاة أموالهم، «ويُعَلِّمُهُم الكِتابَ» يعني: القرآن، «والحكمة» يعني السُّنة. قاله الحسن.

وقال ابن عباس: «الكتاب» الخط بالقلم، لأن الخط إنما نشأ في العرب بالشَّرع لما أمروا بتقييده بالخط.

وقال مالك بن أنسٍ: «الحكمة» الفقه في الدين.

وقد تقدم في البقرة.

﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبله وقبل أن يُرسل إليهم ﴿لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق.

فصل في الرد على بعض الشبه

قال ابن الخطيب: احتج أهل الكتاب بهذه الآية، فقالوا: قوله تعالى: ﴿بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ يدل على أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان رسولاً إلى الأميين وهم العرب خاصَّة، قال: وهذا ضعيف، فإنه [لا] يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48] أنه لا يفهم منه أنه لا يخطه بشماله، ولأنه لو كان رسولاً إلى العرب خاصة، كان قوله تعالى ﴿كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ: 28] لا يناسب ذلك، وقد اتفقوا على صدق الرسالة المخصوصة فيكون قوله: ﴿كَآفَّةً لِّلنَّاسِ﴾ دليلاً على أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان رسولاً إلى الكل.

قوله: ﴿وآخرين منهم﴾ فيه وجهان:

أحدهما: أنه مجرور عطفاً على «الأميين» ، أي: وبعث في آخرين من الأميين و ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ صفة ل «آخرينَ» .

والثاني: أنه منصوب عطفاً على الضَّمير المنصوب في «يُعلِّمُهُم» .

أي: ويعلم آخرين لم يلحقوا بهم وسيلحقون، فكلّ من تعلم شريعة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى آخر الزَّمان فرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معلمه بالقوة؛ لأنه أصل ذلك الخير العظيم والفضل الجسيم.

قوله: ﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ .

أي: لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم.

قال ابن عمر وسعيد بن جبير: هم العجم.

وفي «صحيح البخاري» ومسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «كنا جلوساً عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثاً قال: وفينا سلمان الفارسي قال: فوضع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يده على سلمان ثم قال:» لَوْ كَانَ الإيمانُ عِندَ الثُّريَّا لناله رجالٌ مِنْ هؤلاءِ «، وفي رواية:» لَوْ كَانَ الدِّينُ عندَ الثُّريَّا لذهب بِهِ رجُلٌ من فارسَ، أو قال: مِنْ أبْناءِ فِارِسَ حتَّى يتناولهُ «لفظ مسلم.

وقال عكرمة: هم التابعون.

وقال مجاهد: هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

وقاله ابن زيد ومقاتل بن حيان، قالا: هم من دخل الإسلام بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى يوم القيامة.

قال سهل بن سعد الساعدي: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:» «إنَّ في أصْلاب أمَّتِي رجالاً ونِساءً يدخُلونَ الجنَّة بغيرِ حسابٍ» ثم تلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾» والقول الأول أثبتُ.

» وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «رأيتُني أسْقِي غَنَماً سُوداً ثُمَّ أتبعتُهَا غَنَماً عُفْراً أوِّلْها يَا أبا بَكْر» ، قال: يا نبِيَّ الله، أما السُّودُ فالعربُ، وأمَّا العُفْرُ فالعجمُ تتبعُك بعد العربِ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كَذِلكَ أوَّلها الملك يا أبا بكر» «يعني: جبريل عليه السلام، رواه ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ .

قال ابن عباس: حيث ألحق العجم بقريش.

وقيل: يعني: الإسلام فضل الله يؤتيه من يشاء. قاله الكلبي.

وقال مقاتل: يعني الوحي والنبوة.

وقيل: إنه المال ينفق في الطاعة، لما روى أبو صالح عن أبي هريرة:» أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقالوا: ذهب أهل الدُّثُور بالدَّرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: «ومَا ذَاكَ» ، فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أفَلاَ أعلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْركُونَ بِهِ من سَبَقكُمْ وتَسبقُونَ من بَعْدكُمْ ولا يكُونُ أحَدٌ أفضل مِنكُمْ إلاَّ من صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ» قالوا بلى يا رسول الله، قال: «تُسَبِّحُونَ وتُكبِّرُونَ وتحْمدُونَ دُبر كُلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثينَ مرَّةً» ، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: سمع إخواننا من أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾»

وقيل: إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ودخولهم في دينه ونصرته.

62:5Page 553

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥

The example of those who were entrusted with the Torah and then did not take it on1 is like that of a donkey who carries volumes [of books].2 Wretched is the example of the people who deny the signs of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

قوله: ﴿مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة﴾ .

هذه قراءة العامَّة.

وقرأ زيد بن علي ويحيى بن يعمر: «حَمَلُوا» مخففاً مبنياً للفاعل.

قوله: ﴿كَمَثَلِ الحمار﴾ .

هذه قراءة العامة.

وقرأ عبد الله: «حِمَارٍ» منكراً، وهو في قوة قراءة الباقين، لأن المراد بالحمار: الجِنْس ولهذا وصف بالجملة بعده، كما سيأتي.

وقرأ المأمون بن هارون الرشيد: «يُحَمَّل» مشدداً مبنيًّا للمفعول.

والجملة من «يَحْمِلُ أو يُحَمَّلُ» فيها وجهان:

أشهرهما: أنه في موضع الحال من «الحمار» .

والثاني: أنها في موضع الصفة للحمار، لجريانه مجرى النكرة، إذ المراد به الجنس.

قال الزمخشري: أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم، في قوله: [الكامل]

4767 - وَلقَدْ أمُرُّ على اللَّئيمِ يسُبُّنِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... .

وتقدم تحرير ذلك وأن منه عند بعضهم: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ﴾ [يس: 37] ، وأن «نسلخ» نعت لليل، والجمهور يجعلونه حالاً للتعريف اللفظي.

وأما على قراءة عبد الله: فالجملة وصف فقط، ولا يمتنع أن تكون حالاً عند سيبويه. والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب المجتمع الأوراق.

فصل في تفسير هذا المثل

هذا مثل ضرب لليهود لما تركوا العمل بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «حُمِّلُوا التَّوراةَ» أي: كلفوا العمل بها. قاله ابن عباس.

وقال الجرجاني: هو من الحمالة بمعنى الكفالة، أي: ضمنوا أحكام التوراة.

وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ .

لم يعملوا بما فيها ولم يؤدّوا حقها ﴿كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ أي: كتباً من العلم، واحدها سفر.

قال الفرَّاء: هي الكتب العظام، لأنها تسفر عما فيها من المعاني إذا قرئت، ونظيره: شبر وأشبار.

يعني كما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود يقرأون التوراة ولا ينتفعون بها، لأنهم خالفوا ما فيها.

قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل، كذلك اليهود، وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه ويعمل به لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء.

قال الشاعر: [الطويل]

4768 - لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي البَعِيرُ إذَا غَدَا ... بأوسَاقِهِ أوْ رَاحَ مَا فِي الغَرَائِرِ قوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القوم﴾ فيه أوجه:

أحدها: وهو المشهُور أن «مثَلُ القَوْمِ» فاعل «بِئْسَ» والمخصوص [بالذم الموصول بعده، وهذا مشكل؛ لأنه لا بد من تصادق فاعل «نعم وبئس» والمخصوص هنا: «المثل» ليس بالقوم المكذبين]

والجواب: أنه على حذف مضاف، أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا.

الثاني: أن «الَّذينَ» صفة للقوم فيكون مجرور المحلّ، والمخصوص بالذَّم محذوف لفهم المعنى، تقديره: بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء، وهو قريب من الأول.

الثالث: أن الفاعل محذوف، وأن «مثل القوم» هو المخصوص بالذَّم، وتقديره: بئس المثل مثل القوم، ويكون الموصول نعتاً للقوم أيضاً، وإليه ينحو كلام ابن عطية فإنه قال: والتقدير ﴿بئس المثل مثل القوم﴾ .

وهذا فاسد: لأنه لا يحذف الفاعل عند البصريين إلاَّ في مواضع ثلاثة ليس هذا منها، اللهم إلا أن يقول بقول الكوفيين.

الرابع: أن يكون التمييز محذوفاً، والفاعل المفسر به مستتر، تقديره: «بئس مثلاً مثل القوم» وإليه ينحو كلام الزمخشري فإنه قال: «بئس مثلاً مثل القوم» .

فيكون الفاعل مستتراً مفسراً ب «مَثَلاً» ، و «مثلْ القَوْمِ» هو المخصوص بالذم، والموصول صفة له، وحذف التمييز، وهذا لا يجيزه سيبويه وأصحابه ألبتة.

نصوا على امتناع حذف التمييز، وكيف يحذف وهو مبين.

فصل

قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما الحكمة في تعيين الحمار من دون سائر الحيوانات؟ .

فالجواب من وجوه:

أحدها: أنه تعالى خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، كما قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 87] ، والزينة في الخيل أظهر وأكثر بالنسبة إلى الركوب والحمل عليه، وفي البغال دون الخيل، وفي الحمير دون البغال، فالحمار كالمتوسط في المعاني الثلاثة، وحينئذ يكون الحمار في معنى الحمل أظهر

62:6–7Page 553

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦

Say, "O you who are Jews, if you claim that you are allies of Allāh, excluding the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."

وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧

But they will not wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال وغيرهما من الحيوانات.

وثانيها: أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة لأولئك القوم، والحمار يمثل به في الجهل والبلادة.

وثالثها: أن في الحمار من الحقارة ما ليس في غيره من الحيوانات. والغرض من الكلام هاهنا تحقير القوم وتعييرهم، فيكون تعيين الحمار أليق.

ورابعها: أن حمل الأسفار على الحمار أسهل وأعمّ وأسهل لسرعة انقياده، فإنه ينقاد للصبي الصغير من غير كلفة، وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره.

وخامسها: أن رعاية الألفاظ والمناسبة من لوازم الكلام [وبين] لفظ الأسفار والحمار مناسبة لفظة [لا توجد] في غيره من الحيوانات فيكون ذكره أولى.

فصل

قال القرطبي: «معنى الكلام: بئس مثل القوم المثل الذي ضربناه لهم فحذف المضاف ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء يعني من سبق في علمه أنه يكون كافراً» .

قوله

: ﴿قُلْ يا أيها الذين هادوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناس﴾ . أي: من دون محمَّد وأصحابه. لما ادعت اليهود الفضيلة، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18] ، قال الله تعالى: ﴿إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناس﴾ فللأولياء عند الله الكرامة ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت﴾ لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله.

قوله: ﴿أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ﴾ .

سادّ مسد المفعولين أو المفعول على الخلاف، و «لله» متعلق ب «أولياء» أو بمحذوف نعتاً ل «أولياء» ، و ﴿من دون الناس﴾ كذلك.

قوله: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت﴾ . جواب الشَّرط.

والعامة: بضم الواو وهو في الأصل واو الضمير.

وابن السميفع وابن يعمر وابن إسحاق: بكسرها، وهو أصل التقاء السَّاكنين.

وابن السميفع أيضاً: بفتحها وهذا طلب للتخفيف.

وتقدم نحوه في: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: 16] .

وحكى الكسائي إبدال الواو همزة.

قوله: ﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ﴾ ، وقال في البقرة: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ [البقرة: 95] .

قال الزمخشري: لا فرق بين «لا» و «لن» في أنَّ كل واحد منهما نفي للمستقبل إلا أن في «لن» تأكيداً وتشديداً ليس في «لا» فأتي مرة بلفظ التأكيد «ولن يتمنوه» ومرة بغير لفظه «ولا يتمنونه» .

قال أبو حيان: «وهذا رجوع عن مذهبه وهو أن» لن «تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة وهو أنها لا تقتضيه» .

قال شهاب الدين: وليس فيه رجوع، غاية ما فيه أنه سكت عنه، وتشريكه بين «لا» و «لن» في نفي المستقبل لا ينفي اختصاص «لن» بمعنى آخر.

وتقدم الكلام على هذا مشبعاً في «البقرة» .

فصل

المعنى: «ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم» أي: أسلفوه من تكذيب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلو تمنوه لماتوا، فكان ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية.

«قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لما نزلت هذه الآية:» والذي نفسي بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات «» .

وفي هذا إخبار عن الغيب ومعجزة للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقد مضى الكلام على هذه الآية في «البقرة» عند قوله: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت﴾ [البقرة: 94] .

62:8Page 553

قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

Say, "Indeed, the death from which you flee - indeed, it will meet you. Then you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you about what you used to do."

قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ .

في هذه الفاء وجهان:

أحدهما: أنها داخلةٌ لما تضمنه الاسم من معنى الشرط، وحكم الموصوف بالموصول حكم الموصول في ذلك.

قال الزجاج: ولا يقال: إنَّ زيداً فمنطلق، وهاهنا قال: «فإنَّهُ مُلاقِيكُمْ» لما في معنى «الذي» من الشرط والجزاء، أي: فررتم منه فإنه ملاقيكم، وتكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه.

الثاني: أنها مزيدة محضة لا للتضمين المذكور.

وأفسد هؤلاء القول الأول بوجهين:

أحدهما: أن ذلك إنما يجوز إذا كان المبتدأ أو اسم إن موصولاً، واسم «إن» هنا ليس بموصول، بل موصوفاً بالموصول.

والثاني: أن الفرار من الموت لا ينجي منه فلم يشبه الشرط يعني أنه متحقق فلم يشبه الشرط الذي هو من شأنه الاحتمال.

وأجيب عن الأول: بأن الموصوف مع صفته كالشيء الواحد؛ ولأن «الذي» لا يكون إلا صفة، فإذا لم يذكر الموصوف دخلت الفاء، والموصوف مراد، فكذلك إذا صرح بها.

وعن الثاني: بأن خلقاً كثيراً يظنون أن الفرار من أسباب الموت ينجيهم إلى وقت آخر.

وجوز مكي: أن يكون الخبر قوله: ﴿الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ وتكون الفاء جواب الجملة قال: كما تقول: «زيد منطلق فقم إليه» .

وفيه نظر؛ لأنها لا ترتب بين قوله: ﴿إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ وبين قوله ﴿فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ فليس نظيراً لما مثله.

قال القرطبي: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: ﴿الذي تَفِرُّونَ﴾ ثم يبدأ بقوله ﴿فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ .

وقرأ زيد بن علي: «إنَّهُ» بغير فاء.

وفيها أوجه:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском