Ibn 'AdilAl‑Jinn · 72:1–19

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

الجن

Al-Jinn

The Jinn · Meccan · 28 ayahs

72:1–19Page 572

قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١

Say, [O Muḥammad], "It has been revealed to me that a group of the jinn listened and said, 'Indeed, we have heard an amazing Qur’ān [i.e., recitation].

يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢

It guides to the right course, and we have believed in it. And we will never associate with our Lord anyone.

وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا ٣

And [it teaches] that exalted is the nobleness of our Lord; He has not taken a wife or a son

وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤

And that our foolish one [i.e., Iblees]1 has been saying about Allāh an excessive transgression.

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥

And we had thought that mankind and the jinn would never speak about Allāh a lie.

وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦

And there were men from mankind who sought refuge in men from the jinn, so they [only] increased them in burden [i.e., sin].

وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧

And they had thought, as you thought, that Allāh would never send anyone [as a messenger].

وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨

And we have sought [to reach] the heaven but found it filled with powerful guards and burning flames.

وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩

And we used to sit therein in positions for hearing,1 but whoever listens now will find a burning flame lying in wait for him.

وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠

And we do not know [therefore] whether evil is intended for those on earth or whether their Lord intends for them a right course.

وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١

And among us are the righteous, and among us are [others] not so; we were [of] divided ways.1

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢

And we have become certain that we will never cause failure to Allāh upon earth, nor can we escape Him by flight.

وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣

And when we heard the guidance [i.e., the Qur’ān], we believed in it. And whoever believes in his Lord will not fear deprivation or burden.1

وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤

And among us are Muslims [in submission to Allāh], and among us are the unjust.1 And whoever has become Muslim - those have sought out the right course.

وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥

But as for the unjust, they will be, for Hell, firewood.'

وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦

And [Allāh revealed] that if they had remained straight on the way, We would have given them abundant rain [i.e., provision]

لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧

So We might test them therein. And whoever turns away from the remembrance of his Lord1 He will put into arduous punishment.

وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨

And [He revealed] that the masjids1 are for Allāh, so do not invoke2 with Allāh anyone.

وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩

And that when the Servant [i.e., Prophet] of Allāh stood up supplicating Him, they almost became about him a compacted mass."1

مكية، وهي ثمان وعشرون آية ومائتان وخمس وثمانون كلمة وثمانمائة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ ، هذه قراءةُ العامة، أعني كونها من «أوْحَى» رباعياً.

وقرأ العتكي عن أبي عمرو وابن أبي عبلة وأبو إياس: «وَحَى» ثلاثياً.

وهما لغتان، يقال: وَحَى إليه كذا وأوحى إليه بمعنى واحد، فقلبت الواو همزة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] ؛ وأنشد العجاج: [الرجز]

4892 - وحَى لَهَا القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ ... وقرأ زيد بن علي والكسائي في رواية وابن أبي عبلة أيضاً: «أُحي» بهمزة مضمومة لا واو بعدها، وخرجت على أن الهمزة بدلٌ من الواو المضمومة، نحو «أعد» في «وَعَد» فهذا فرع قراءة «وَحَى» ثلاثياً.

قال الزمخشريُّ: وهو من القلب المطلق جواباً في كل واو مضومة، وقد أطلقه المازنيُّ في المكسورة أيضاً: ك «إشاح، وإسادة» ، و «إعاء أخيه» [يوسف: 76] .

قال أبو حيَّان: وليس كما ذكر بل في ذلك تفصيل، وذلك أن الواو المضمومة قد تكون أولاً، وحشواً، وآخراً، ولكل منها أحكام، وفي بعض ذلك خلاف، وتفصيل مذكور في كتب النحو. وتقدم الكلام في ذلك مشبعاً في أول الكتاب.

ثم قال أبو حيَّان بعدما تقدم عن المازنيِّ: وهذا تكثير وتبجح.

قوله: ﴿أَنَّهُ استمع﴾ ، هذا هو القائمُ مقام الفاعل لأنَّه هو المفعول الصريحُ، وعند الكوفيين والأخفش يجوز أن يكون القائمُ مقامه الجار، والمجرور، فيكون هذا باقياً على نصبه، والتقدير: أوحي إليَّ استماع نفرٍ «من الجن» صفة ل «نَفَر» .

فصل في تفسير الآية

قال ابن عباس وغيره: قل يا محمد لأمَّتك أوحِيَ إليَّ على لسانِ جبريل، أنَّه استمع نفرٌ من الجنِّ، والنَّفرُ: الجماعةُ ما بين الثلاثة إلى العشرة، واختلفوا، هل رآهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أم لا؟ .

فظاهرُ القرآن يدل على أنَّه لم يرهم لقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ استمع﴾ ، وقوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ [الأحقاف: 29] .

وفي صحيح مسلم، والترمذي عن ابن عباسٍ قال: انطلق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشيطان، وبين خبر السماء، وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطينُ إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ .

فقالوا: حِيْلَ بيننا وبين خبر السماءِ، وأرسلت علينا الشهب قالوا: ما ذلك إلا من شيء حدث، فاضربوا في مشارق الأرض ومغاربها، فمرَّ النفرُ الذين أخذوا نحو «تهامة» وهو وأصحابه بنخلة قاصدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه الفجر فلمَّا سمعوا القرآن قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يهدي إِلَى الرشد فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾ فأنزل الله على نبيه المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن﴾ الآية.

قال القرطبيُّ: وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يرَ الجنَّ ولكن حضروه وسمعوا قرآنه.

فإن قيل: الذين رموا بالشُّهب هم الشياطينُ والذين سمعوا القرآن هم الجنُّ، فما وجه الجمع؟ فالجواب من وجهين:

الأول: أنَّ الجن كانوا مع الشياطين، فلما رمي الشياطين أخذوا الجنَّ الذين كانوا منهم في تجسس الخبرِ.

الثاني: أن الذين رموا بالشهبِ كانوا من الجن، إلا أنهم قيل لهم: شياطين كما قيل: شياطين الإنس والجنِّ، فإنَّ الشيطان كل متمرد، وبعيد من طاعة الله تعالى.

قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: واختلف في أولئك الجنِّ الذين سمعوا القرآن من هم؟ .

فروى عاصم عن ذر قال: قدم رهطُ زوبعة وأصحابه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم انصرفوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ .

وقيل: كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم.

وقيل: كانوا سبعة، ثلاثة من أرض «حرَّان» وأربعة من أرض «نَصِيبينَ» ،: قريِةٌ من قرى اليمن غير التي بالعراق رواه أيضاً عنهم عاصم عن ذر.

وقيل: إنَّ الجنَّ الذين أتوه بمكةَ جنُّ نصيبين، والذين أتوه بنخلة جنُّ نينَوى.

وقال عكرمةُ: كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل.

ومذهب ابن مسعود أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم ويدعوهم إلى الإسلام، روى ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «أمِرْتُ أن أتْلُوَ القُرآنَ على الجِنِّ فمَنْ يَذْهَبُ مَعِي؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الثانية: ثُمَّ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الثالثة، فقلتُ: أنَا أذْهَبُ مَعَكَ يا رسُولَ اللَّهِ، فانطلقَ، حتى أتى الحَجُونَ عند شعب ابن أبي دب خط عليَّ خطّاً فقال: لا تجاوزه، ثُمَّ مضَى إلى الحَجُونِ فاتَّخَذُوا عليه أمْثَالَ الحجل كأنَّهُم رِجالُ الزُّطِّ، قال ابنُ الأثير في «النهاية» : «الزّطّ: قومٌ من السودان والهنود» يقرعون في دُفُوفهِمْ، كما تَقرَعُ النِّسوةُ في دُفُوفِها، حتَّى غشاهُ، فغَابَ عنْ بَصرِي، فقُمْتُ، فأوْمَأ بيدِه إليَّ أن اجْلِسْ ثُمَّ تلا القرآن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلم يزلْ صوتهُ يَرتفِعُ، ولصقوا في الأرضِ، حتَّى صِرْتُ لا أرَاهُمْ» .

وفي رواية أخرى، «قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: مَنْ أنْتَ؟ .

قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أنَا نَبِيٌّ، قالوا: فَمنْ يَشهَدُ لَكَ على ذَلِكَ؟ .

فقال الحبيب المجتبى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: هذه الشَّجرةُ، تعالي يا شجرةُ فجَاءتْ تجرُّ عُروقهَا لها قعاقعُ، حتى انتصبتْ بين يديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال لها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: على ماذا تشهدين فيَّ؟ .

فقالت أشْهَدُ أنَّك رسُولُ الله قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لها: اذْهَبِي، فَرجعَتْ فذهبت مكانها كَمَا جاءتْ، حتى صارتْ كما كانتْ.

وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فلمَّا عاد إليَّ قال: أردت أن تأتيني، قلت: نعم يا رسول الله قال: مَا كَانَ ذلكَ لَكَ، قال: هؤلاءِ الجِنُّ أتَوا يَسْتمعُونَ القُرآنَ ثُمَّ ولَّوا إلى قَومِهِم مُنْذرينَ، فَسألُونِي الزَّادَ، فزوَّدتهُم العَظْمَ والبَعْرَ، فلا يَسْتطِيبنَّ أحدكُمْ بعَظْمٍ، ولا بَعْر» .

وفي رواية: «أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما فرغ وضع رأسهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على حِجْرِ ابن مسعودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فرقد، ثُمَّ استيقظ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: هَلْ مِنْ وُضُوءٍ؟

قال: لا، إلاَّ أنَّ معي إداوة نبيذٍ، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: هَلْ هُو إلاَّ تمرٌ وماء» فَتوضَّأ مِنْهُ» .

قال ابن الخطيب: وطريقُ الجمع بين المذهبين مذهب ابن عباس ومذهب ابن مسعود من وجوه:

أحدها: لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولاً فأوحى الله تعالى إليه بهذه السورةِ، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما.

وثانيها: أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة إلا أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما رآهم، وما عرف أنَّهم ماذا قالوا، وأي شيءٍ فعلوا، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا وكذا، وقالوا كذا.

وثالثها: أن الواقعة كانت مرة واحدة، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رآهم، وسمع كلامهم، وهم آمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم، قالوا لقومهم على سبيل الحكايةِ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ وكان كذا وكذا فأوحى اللَّهُ تعالى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما قالوه لأقوامهم.

قال ابن العربي: «ابن مسعود أعرفُ من ابن عباس، لأنه شاهده، وابن عباس سمعهُ، وليس الخبرُ كالمعاينة» .

قال القرطبي: وقيل: إن الجنَّ أتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دفعتين.

أحدهما: بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود.

والثانية: بنخلة وهي التي ذكرها ابن عباس.

قال البيهقيُّ: الذي حكاه عبد الله إنما هو في أول ما سمعت الجنُّ قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه عبد الله بن عباس ثم أتاه داعي الجنِّ مرة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود.

فصل في لفظ «قل»

قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ قوله تعالى: قُلْ» أمر لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يظهر لأصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ما أوحى إليه تعالى في واقعة الجنِّ، وفيه فوائد.

أحدها: أن يعرفوا بذلك أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بُعث إلى الجن، كما بعث إلى الإنس.

وثانيها: أن تعلم قريش أنَّ الجنَّ مع تمردهم لما سمعُوا القرآن عرفوا إعجازه فآمنوا بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

وثالثها: أن يعلم القومُ أنَّ الجنَّ مكلفون كالإنس.

ورابعها: أن تعلم أنَّ الجنَّ يستمعون كلاماً تفهمه من لغتنا.

وخامسها: أن يظهر المؤمنُ منهم بدعوى غيره من الجنِّ إلى الإيمان، وفي هذه الوجوه مصالحُ كثيرة إذا عرفها الناس.

فصل في بيان أصل الجن

اختلف العلماءُ في أصل الجنِّ، فروى الحسنُ البصريُّ أنَّ الجنَّ ولد إبليس، والإنس ولد آدمَ - صلوات الله وسلامه عليه - ومن هؤلاء وهؤلاءِ مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثَّواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرٌ فهو شيطانٌ، روى الضحاك عن ابن عباس أن: الجن هم ولد الجان، وليسوا شياطين ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين ولد إبليس، لا يموتون إلاَّ مع إبليس، وروي أن ذلك النفر كانوا يهوداً.

وذكر الحسن أنَّ منهم يهوداً ونصارى ومجوساً ومشركين.

فصل في دخول الجِنة الجَنة

اختلفوا في دخول الجنِّ الجنةِ على حسب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم أنهم من الجانِّ لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنَّة بإيمانهم، ومن قال: إنهم من ذرية إبليس فله فيهم قولان:

أحدهما: وهو قول الحسن: يدخلونها.

الثاني: وهو قولُ مجاهد: لا يدخلونها

فصل فيمن أنكر الجن

قال القرطبيُّ: وقد أنكر جماعةٌ من كفرة الأطباءِ والفلاسفة: الجن، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله والقرآن والسنة ترد عليهم، وليس في المخلوقات بسائط مركب من زوج، إنما الواحد سبحانه وتعالى، وغيره مركب، ليس بواحد كيفما تصرف حاله، وليس يمتنع أن يراهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في صورهم كما يرى الملائكة وأكثر ما يتصورون هنا في صور الحياتِ.

ففي الحديثِ: «أن رجلاً حديث عهدٍ بعرسٍ استأذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأنصاف النَّهارِ أن يرجع إلى أهله» الحديث.

وفيه: «فإذا حية عظيمة مطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها» وذكر الحديث.

وفي الحديث: «أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:» إنَّ لهذه البيوتِ عوامر فإذا رأيتمْ منها شَيْئاً فحَرِّجُوا عليْها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر»

وقال: «اذهبوا فادفنوا صاحبكم» » .

وذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة كقوله في الصحيح: «إنِّ بالمدينة جنّاً قد أسْلمُوا» ، وهذه لفظ مختص بها فتختص بحكمها.

قال القرطبي: قلنا: هذا يدل على أنَّ غيرها من البيوت مثلها؛ لأنه لم يعلل بحرمة «المدينة» ؛ فيكونُ ذلك الحكمُ مخصوصاً بها وإنَّما علل بالإسلام وذلك عام في غيرها، ألا ترى قوله في الحديث مخبراً عن الجنِّ الذين لقي وكانوا من جنِّ الجزيرة وعضد هذا قوله: «ونَهَى عَن عوامِر البيوتِ» وهذا عام وقد مضى في سورة البقرة.

قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ ، أي: قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كقوله تعالى ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب: 37] ، ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ [القصص: 29] ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29] ، ووصف القرآن ب «عَجَباً» إما على المبالغة، أي: خارجاً عن حد أشكاله إما في فصاحة كلامه، وإما في بلاغة مواعظه، أو عجباً من عظم بركته، أو عزيزاً لا يوجد مثله وإما على حذف مضاف أي ذا عجب، وإمَّا بمعنى اسم الفاعل، أي: معجب. قوله «يَهْدِي» صفة أخرى، أي: هادياً.

﴿إِلَى الرشد﴾ . قرأ العامةُ: «الرشد» بضمة وسكون، وابن عمر: بضمها وعنه أيضاً: فتحهما. وتقدم هذا في الأعراف. والمعنى: يهدي إلى الصواب.

وقيل: إلى التوحيد.

قوله تعالى: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ ، أي: بالقرآن، أي: فاهتدينا به، وصدقنا أنه من عند الله، ﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾ ، أي: لا نرجع إلى إبليس، ولا نطيعه، ولا نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، وهذا يدل على أنَّ أولئك الجنِّ كانوا مشركين.

قوله: ﴿وَأَنَّهُ تعالى﴾ . قرأ الأخوان وابن عامر وحفص: بفتح «أنَّ» ، وما عطف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمة، والباقون: بالكسر.

وقرأ أبو بكر وابن عامرٍ: «وإنَّهُ لمَّا قَامَ عبد الله يدعوه» بالكسر، والباقون: بالفتح.

واتفقوا على الفتح في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ .

وتلخيص هذه أن «أنَّ» المشددة في هذه السورة على ثلاثة أقسام:

قسم: ليس معه واو العطف، فهذا لا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية، كقوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن﴾ ، لا خلاف في فتحه لوقوعه موقع المصدر، وكقوله ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ ، لا خلاف في كسره لأنه محكي بالقول.

القسم الثاني: أن يقترن بالواو، وهوأربع عشرة كلمة، إحداها: لا خلاف في فتحها وهو قوله: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ وهذا هو القسمُ الثاني.

والثالث: «وأنه لما قام» يكسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون. كما تقدم تحرير ذلك كله.

والاثنتا عشرة: وهي قوله ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ﴾ [الجن: 3] ، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾ [الجن: 4] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: 5] ، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ [الجن: 6] ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ [الجن: 7] ، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾ [الجن: 8] ، ﴿وَأَنَّأ كُنَّا﴾ [الجن: 9] ، ﴿وَأَنَّا لاَ ندريا﴾ [الجن: 10] ، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصالحون﴾ [الجن: 11] ، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ [الجن: 12] ، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾ [الجن: 13] ، ﴿وَأَنَّا مِنَّا المسلمون﴾ [الجن: 14] .

فهذا ضبطها من حيثُ القراءات، وأما توجيه ذلك فاختلف الناسُ فيه.

فقال أبو حاتم في الفتح: هو معطوف على مرفوع «أوحِيَ» ، فتكون كلها في موضع رفع لما لم يسم فاعله.

ورد ذلك من حيث أنَّ أكثرها لا يصح دخولها تحت معمول «أوحِيَ» ، ألا ترى أنه لو قيل «أوحي إلينا أنا لمسنا السماء، وأنا كنا، وأنا لا ندري وأنا منا الصالحون، وأنا لما سمعنا الهدى، وأنا منا المسلمون» لم يستقم معناه.

وقال مكيٌّ: وعطف «أن» على «آمنَّا بِهِ» أتم في المعنى من العطف على «أنَّهُ اسْتمَعَ» لأنَّك لو عطفت «وأنا ظننا، وأنا لما سمعنا، وأنه كان رجال من الإنس، وأنا لمسنا» وشبه ذلك على «أنَّهُ اسْتمَعَ» لم يجز؛ لأنه ليس مما أوحي إليه إنَّما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم، والكسر في هذا أبينُ وعليه جماعة من القُرَّاءِ.

الثاني: أن الفتح في ذلك عطف على محل «بِهِ» من «آمنَّا بِهِ» .

قال الزمخشريُّ: «كأنه قال: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه يقول سفيهنا، وكذلك البواقي» .

إلا أن مكياً ضعف هذا الوجه فقال: «والفتح في ذلك على الجمل على معنى:» آمنَّا بِهِ «، فيه بعدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يخبروا أنهم آمنوا، بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به، ولم يخبروا أنَّهم آمنوا أنه كان رجال، إنما حكى الله عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين به عن أنفسهم لأصحابهم، فالكسر أولى بذلك»

وهذا الذي قاله غير لازم، فإن المعنى على ذلك صحيح، وقد سبق الزمخشري إلى هذا التخريج الفرَّاء والزجاج، إلا أن الفراء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: فتحت «أن» لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض فلا يمنع من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح «أن» نحو: صدقنا، وشهدنا، كما قالت العرب: [الوافر]

4893 - وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا ... فنصب «العيونَ» لإتباعها «الحواجب» ، وهي لا تزجج إنما تكحل، فأضمر لها الكحل. انتهى فأشار إلى شيء مما ذكره وأجاب عنه.

وقال الزجاج: «لكن وجهه أن يكون محمولاً على» آمنَّا بِهِ «وصدقناه وعلمناه، فيكون المعنى: صدقنا أنه تعالى جد ربِّنا ما اتخذ صاحبة» .

الثالث: أنه معطوف على الهاء في «بِهِ» ، أي: آمنا به وبأنه تعالى جد ربنا، وبأنه كان يقول - إلى آخره - وهو مذهب الكوفيين.

وهو، وإن كان قوياً من حيثُ المعنى، إلا أنه ممنوع من حيث الصناعة لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، إلا بإعادة الجار.

وتقدم تحرير هذين القولين في سورة «البقرة» عند قوله:

﴿وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾ [البقرة: 217] على أن مكياً قد قوى هذا المدرك، وهو حسن جداً، فقال: هو يعني العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار في «أن» أجود منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر «إلى» مع «أن» .

ووجه الكسر: العطف على «إن» في قوله: «إنَّا سَمعْنَا» فيكون الجميع معمولاً للقول فقالوا: «إنَّا سَمِعْنَا» ، وقالوا: «إنَّه تعَالى جَدُّ ربِّنَا» إلى آخرها.

وقال بعضهم: الجملتان من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس﴾ ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ معترضتان بين قول الجن، وهما من كلام الباري تعالى.

والظاهر أنه من كلامهم قاله بعضهم لبعض.

ووجه الكسرِ والفتح في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله﴾ ما تقدم.

ووجه إجماعهم على فتح ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ وجهان:

أحدهما: أنه معطوف على «أنَّه اسْتَمَعَ» فيكون موحى أيضاً.

والثاني: أنه على حذف حرف الجر، وذلك الحرف متعلق بفعل النهي، أي: فلا تدعوا مع الله احداً، لأن المساجد لله. ذكرهما أبو البقاء.

وقال الزمخشريُّ: «أنَّهُ اسْتَمَع» - بالفتح - لأنه فاعل «أوْحِيَ» ، و «إنَّا سَمِعْنَا» بالكسر لأنه مبتدأ، محكي بعد القول، ثُمَّ يحمل عليهما البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجنِّ كسر، وكلهم من قولهم الثنتين الأخريين وهما: «وأن المساجد، وأنه لما قام عبد الله يدعوه» ، ومن فتح كلهن، فعطفاً على محلّ الجار والمجرور في «آمنَّا بِهِ» ، أي: صدقناه وصدقنا به.

والهاء في ﴿أَنَّهُ استمع نَفَرٌ﴾ ، وأنه تعالى وما بعد ذلك ضمير الأمر والشأن، وما بعده خبر «أن» .

قوله: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ . قرأ العامة: ﴿جَدّ رَبَّنَا﴾ بالفتح ل «رَبَّنَا» .

والمراد به هنا العظمة.

وقيل: قدرته وأمره.

وقيل: ذكره.

والجدُّ أيضاً: الحظُّ، ومنه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «وَلاَ ينفعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» والجدُّ أيضاً: أبو الأب، والجدُّ أيضاً - بالكسر - ضد التواني في الأمر.

وقرأ عكرمة: بضم ياء «ربُّنا» وتنوين «جدٌّ» على أن يكون «ربنا» بدلاً من «جد» .

والجد: العظيمُ. كأنه قيل: وأنه تعالى عظم ربنا، فأبدل المعرفة من النكرة.

وعنه أيضاً: «جداً» على التمييز و «ربنا» فاعل ب «تعَالى» ، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير: «جد ربنا» ثم صار تعالى ربنا جداً أي عظمة نحو تصبب زيداً عرقاً أي عرق زيد، وعنه أيضاً وعن قتادة كذلك إلا انه بكسر الجيم، وفيه وجهان:

أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف، وربنا فاعل ب «تعالى» ، والتقدير: تعالى ربُّنا تعالياً جداً، أي: حقاً لا باطلاً.

والجِدُّ - بكسر الجيم - ضد الهزل.

والثاني: أنه منصوب على الحال، أي: تعالى ربنا حقيقة وتمكناً، قاله ابن عطية.

وقرأ حميد بن قيس: «جُدُّ ربِّنا» - بضم الجيم - مضافاً ل «ربِّنا» ، وهو بمعنى العظيم حكاه سيبويه.

وهو في الأصل من إضافة الصفة لموصوفها؛ إذ الأصل: ربنا العظيم، نحو: «جرد قطيفة» الأصل: قطيفةُ جرد، وهو مؤولٌ عن البصريين.

وقرأ ابنُ السميقع: «جدا ربنا» بألف بعد الدال مضافاً ل «ربِّنا» .

والجَدَا والجدوى: النفع والعطاء، أي: تعالى عطاء ربِّنا ونفعه.

فصل في معنى «الجد»

قال القرطبيُّ: الجد في اللغة: العظمةُ والجلالُ، ومنه قول أنس - رضي الله عليه -: «كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا» أي: عظم وجل فمعنى «جَدُّ ربِّنَا» أي: عظمته وجلاله، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة، وعن مجاهد أيضاً: ذكره.

وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمةُ أيضاً: غناه.

ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود: أي: محظوظ، وفي الحديث: «وَلا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ منْكَ الجَدُّ» ، قال أبو عبيد والخليل، أي ذا الغنى منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة.

وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: قدرته وقال الضحاك: فعله.

وقال القرظي والضحاك: آلاؤهُ ونعماؤه على خلقه.

وقال أبو عبيد والأخفش: ملكه وسلطانه.

وقال السدي: أمره.

وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا﴾ ، أي: تعالى ربنا.

وقيل: إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب، ويكون هذا من الجنِّ.

وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع: ليس لله تعالى جد وإنما قالته العرب للجهالة فلا يوحدونه.

قال القشيريُّ: ويجوز إطلاق لفظ الجدِّ في حق الله تعالى إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم، فتجنُّبُه أولى.

قال القرطبيُّ: «ومعنى الآية: وأنه تعالى جدُّ ربِّنا أن يتخذ ولداً أو صاحبة للاستئناس بهما، أو الحاجة إليهما، والربُّ يتعالى عن ذلك كما يتعالى عن الأنداد والنظراء» .

وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً﴾ ، مستأنف، فيه تقرير لتعالي جده.

قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً﴾ .

الهاء في «أنه» للأمر أو الحديث، و «سَفِيهُنَا» يجوز أن يكون اسم «كَانَ» و «يقُولُ» الخبر، ولو كان مثل هذه الجملة غير واقعة خبراً ل «كَانَ» لامتنع تقديمُ الخبرِ حينئذ، نحو «سَفِيهُنَا يقُولُ» ، لو قلت: «يَقُولُ سَفيْهُنَا» على التقديم والتأخير، لم يجز فيه والفرق أنه في غير باب «كَانَ» يلتبس بالفعل والفاعل، وفي باب «كَانَ» يؤمن ذلك.

ويجوز أن يكون «سَفِيهُنَا» فاعل «يقُولُ» والجملة خبر «كَانَ» واسمها ضمير الأمر مستتر فيها، وقد تقدم هذا في قوله: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: 137] وقوله تعالى: ﴿شَطَطاً﴾ تقدم في سورة الكهف مثله.

قال القرطبيُّ: «ويجوز أن يكون» كان «زائدة، والسفيه: هو إبليس، في قول مجاهد وابن جريج وقتادة. ورواه أبو بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل: المشركون من الجنِّ.

قال قتادةُ: عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإنس والشططُ والإشطاط: الغلو في الكفر.

قال أبو مالك: هو الجور وقال الكلبي: هو الكذب وأصله البعد ويعبر به عن الجور لبعده عن العدل وعن الكذب لبعده عن الصدق؛ قال الشاعر: [الطويل]

4894 - بأيَّةِ حالٍ حَكَّمُوا فِيكَ فاشْتَطُّوا ... وما ذَاكَ إلاَّ حَيْثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ

قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾ أي: حسبنا ﴿أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً﴾ .

» أنْ «مخففة، واسمها مضمر والجملة المنفية خبرها، والفاعل بينهما هنا حرف النفي، و» كذباً» مفعول به، أو نعت مصدر محذوف، أي: قولاً كذباً.

وقرأ الحسن والجحدري وأبو عبد الرحمن ويعقوب: «تقَوَّل» - بفتح القاف والواو المشددة - وهو مضارع» تقوَّل «أي: كذب، والأصل: تتقوَّل، فحذف إحدى التاءين، نحو» تذكرون «. وانتصب» كَذِباً «في هذه القراءة على المصدر؛ لأن التقول كذب، فهو نحو قولهم:» قَعدْتُ جُلُوساً» .

ومعنى الآية: وأنَّا حسبنا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً، فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولداً حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق.

وقيل: انقطع الإخبار عن الجنِّ - هاهنا - فقال الله تعالى جل ذكره لا إله إلا هو -:

﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس﴾ فمن فتح، وجعله من قول الجنِّ ردَّها إلى قوله: ﴿أَنَّهُ استمع﴾ ، ومن كسرها جعلها من قول الله تعالى.

والمراد به ما كانوا يفعلونه، من قول الرجل إذا نزل بواد: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، قاله الحسن وابن زيد وغيرهما.

وقيل: كانوا في الجاهلية إذ أقحطوا، بعثُوا رائدهم، فإذا وجد مكاناً فيه كلأ وماءٌ رجع إلى أهله فسار بهم حتى إذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذُ بك بربِّ هذا الوادي أن تصيبنا فيه آفةٌ، يعنون من الجن، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا، وإن أفزعهم الجن رجعوا.

قال مقاتل: أول من تعوذ بالجنِّ قومٌ من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلَّما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم.

وقال كردم بن أبي السائب: خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فآواني المبيت إلى راعي غنمٍ، فلما انتصف الليل جاء الذئب، فحمل حملاً من الغنم، فقال الراعي: يا عامر الوادي جارك الله، فنادى منادٍ: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمةٌ، فأنزل الله تعالى على رسوله السيد الكامل المكمل سيدنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمكة: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادوهُمْ رَهَقاً﴾ ، أي: زاد الجنُّ الإنس رهقاً، أي: خطيئة، وإنما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

والرَّهقُ: الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم، ورجل رهق إذا كان كذلك، ومنه قوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 27] ؛ وقال الأعشى: [البسيط]

4895 - لا شَيْءَ يَنْفعُنِي من دوُنِ رُؤْيتها ... هَلْ يَشتفِي عَاشقٌ ما لم يُصِبْ رَهقَا

يعني إثماً، ورجل مرهق، أي: يغشاه السائلون.

قال الواحديُّ: الرَّهَقُ: غشيان الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ .

وأضيفت الزيادةُ إلى الجن إذ كانوا سبباً لها.

وقال مجاهد أيضاً: «فزَادُوهُم» أي: أن الإنس زادوا الجنَّ طغياناً بهذا التعوذ، حتى قالت الجنُّ: «سدنا الإنس والجن» .

وقال قتادة أيضاً، وأبو العالية والربيع وابن زيد: ازداد الإنس بهذا فرقاً وخوفاً من الجن.

وقال سعيد بن جبير: كفراً.

ولا يخفى أنَّ الاستعاذة بالجنِّ دون الاستعاذة بالله شركٌ وكفرٌ.

وقيل: لا يطلق لفظ الرجال على الجنِّ، فالمعنى: وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون من شرِّ الجن برجال من الإنس وكان الرجل من الإنس يقول مثلاً: أعوذ بحذيفة بن بدر من جنِّ هذا الوادي.

قال القشيريُّ: وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق الرِّجالِ على الجن.

وقوله: «مِنَ الإنس» صفة ل «رِجَالٌ» وكذلك قوله «مِنَ الجِنِّ» .

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً﴾ .

الكلام في «أنْ لنْ» كالكلام في الأول، و «أن» وما في خبرها، سادةٌ مسدَّ مفعولي الظن والمسألة من باب الإعمال، لأن «ظنُّوا» يطلب مفعولين، و «ظَننْتُم» كذلك، وهو من إعمال الثاني للحذف من الأول.

والضمير في «أنَّهُم ظنُّوا» للإنس، وفي «ظَنَنْتُمْ» ، للجن، ويجوز العكس

فصل في الخطاب في الآية

هذا من قول الله تعالى للإنس، أي: وإن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم.

قال الكلبيُّ: ظنت الجنُّ كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولاً من خلقه يقيم به الحجة عليهم وكل هذا توكيد للحجة على قريش، أي: إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأنتم أحق بذلك.

قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء﴾ . هذا من قول الجنِّ، أي: طلبنا خبرها كما جرت عادتنا ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ ، أي ملئت حفظاً يعني: الملائكة.

فاللَّمْسُ: المس، فاستعير للطلب، لأن الماس متقرب، يقال: لمسه والتمسه ونحوه الجس يقال: جسوه بأعينهم وتجسسوه.

والمعنى: طلبنا بلوغ السَّماء واستماع كلام أهلها.

قوله: ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾ ، فيها وجهان:

أظهرهما: أنها متعدية لواحد؛ لأن معناها: أصبنا وصادفنا، وعلى هذا فالجملة من قوله «مُلِئَتْ» في موضع نصب على الحال على إضمار «قَدْ» .

والثاني: أنها متعدية لاثنين، فتكونُ الجملة في موضع المفعول الثاني.

و «حَرَساً» نصب على التمييز نحو «امتلأ الإناء ماء» .

والحَرَس: اسم جمع ل «حَارِس» نحو «خَدَم» ل «خَادِم» و «غيب» لغائب، ويجمع تكسيراً على «أحْراس» ؛ كقول امرىء القيس: [الطويل]

4896 - تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً وأهْوَال مَعْشَرٍ ... حِرَاصٍ عليَّ لو يُسِرُّونَ مَقْتَلِي والحارس: الحافظُ الرقيبُ، والمصدر الحراسةُ، و «شديداً» صفة ل «حَرسَ» على اللفظ؛ كقوله: [الرجز]

4897 - أخْشَى رُجَيْلاً أو رُكَيْباً عَادِيَا ... ولو جاء على المعنى لقيل: «شداد» بالجمع، لأن المعنى: مُلئتْ ملائكة شداد، كقولك السلف الصالح، يعني: الصالحين.

قال القرطبيُّ: «ويجوز أن يكون حَرَساً مصدراً على معنى: حرست حراسة شديدة» .

قوله: «وشُهُباً» . جمع «شِهَاب» ك «كِتَابِ وكُتُب» .

وقيل: المراد النجوم، أو الحرسُ أنفسهم، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراقة السمع، وقد تقدم في سورة «الحجر، والصافات» .

وإنَّما عطف بعض الصفات على بعض عند تغاير اللفظ، كقوله: [الطويل]

4898 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وهِنْدٌ أتَى مِنْ دُونهَا النَّأيُ والبُعْدُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском