Ibn 'AdilAl‑Jinn · 72:1–19

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Jinn 72:1–19, continued

وقرأ الأعرجُ: «مُلِيتْ» بياء صريحة دون همزة.

قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ، المقاعد: جمع «مقعد» اسم مكان، والضمير في «منها» ، أي: من السماء، والمقاعد مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، وذلك أنَّ مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماءِ فيلقوها إلى الكهنة فحرسها الله - تعالى - حين بعث رسوله بالشهب المحرقةِ، فقالت الجن حينئذ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ يعني بالشهاب الكواكب المحرقة.

قوله «الآن» . هو ظرفٌ حالي، واستعير هنا للاستقبال، كقوله الشاعر: [الوافر]

4899 - ... ... ... ... ... ... ... ... سأسْعَى الآنَ إذ بَلغَتْ إنَاهَا

فاقترن بحرف التنفيس، وقد تقدم هذا في البقرة عند قوله: «فالآن باشروهن» .

و «رصداً» إما مفعول له، وإما صفة له «شهاباً» أي «ذا رصد» وجعل الزمخشري: «الرصد» اسم جمع ك «حرس» ، فقال: والرصد: اسم جمع للراصد ك «حرس» على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم وهم الملائكة ويجوز أن يكون صفة ل «شهاب» بمعنى الراصد، أو كقوله: [الوافر]

4900 - ... ... ... ... ... ... ... ....... ... ... ... . ومِعَى جَياعَا

فصل في بيان متى كان قذف الشياطين

اختلفوا: هل كانت الشياطينُ تقذف قبل البعث أو كان ذلك أمراً حدث لمبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟

فقال قوم: لم تحرس السماء في زمن الفترة فيما بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - خمسمائة عامٍ، وإنَّما كان من أجل بعثة النبي فلما بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منعوا من السموات كلِّها وحرست بالملائكة والشهب، قاله الكلبيُّ، ورواه عطية عن ابن عباس، ذكره البيهقي.

وقال عبد الله بن عمرو: لما كان اليوم الذي نُبِّىءَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منعتِ الشياطينُ ورموا بالشُّهبِ.

وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى، ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - فلما بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حُرستِ السماءُ ورميتِ الشياطينُ بالشهب، ومنعت من الدنو من السماء.

قال نافع بن جبيرٍ: كانت الشياطين في الفترة تستمع فلا ترى، فلما بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رميت بالشهب، ونحوه عن أبي بن كعبٍ قال: لم يرم بنجم، منذ رفع عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حتى نُبِّىءَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فرُمِيَ بها.

وقيل: كان ذلك قبل البعثِ، وإنِّما زادت بمبعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنذاراً بحاله.

وهو معنى قوله: «قَدْ مُلِئَتْ» ، أي: زيد في حرسها.

وقال أوس بن حجر - وهو جاهلي -: [الكامل]

4901 - فانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ ... نَقعٌ يَثُورُ تَخالهُ طُنُبَا قال الجاحظُ: «هذا البيت مصنوع، لأنَّ الرمي لم يكن قبل البعث» .

والقول بالرمي أصح لهذه الآية، لأنها تخبر عن الجن، أنَّها أخبرت بالزيادة في الحرس وأنها امتلأت من الحرس، والشهب.

وقال بشر بن أبي خازم: [الكامل]

4902 - والعِيرُ يَرْهَقُها الغُبَارُ وجَحْشُهَا ... يَنقَضُّ خَلفَهُمَا انقِضَاضَ الكَوْكَبِ

وروى الزهريُّ عن علي بن الحسين عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قال: بينما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا كُنتُمْ تقُولونَ في مِثْلِ هذا فِي الجَاهليَةِ»

قالوا: كُنَّا نقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ ابنُ عظيمِ، أو يولد عظيم [فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنها لا ترمى لموتِ أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّ رَبَّنَا - تبارك وتعالى - إذَا قَضَى أمْراً فِي السَّماءِ، سبَّح حملةُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ كُلِّ سماءٍ، حتَّى يَنتهِي التَّسبيحُ إلى هذه السَّماءِ، ويَسْتَخْبِر أهْلُ السَّماءِ: ماذا قال ربُّكمْ، فيُخْبَرُون، ويُخبر أهْلُ كُلِّ سماءٍ، حتَّى يَنْتَهِي الخَبَرُ إلى هذه السَّماءِ فتَخْطفُهُ الجنُّ، فيروونه كما جاءُوا به فهو حقٌّ ولكنَّهم يزيدُون فيه»

وهذا يدلُّ على أن هذه الشهب كانت موجودة قبل البعث، وهو قول الأكثرين.

قال الجاحظ: فلو قال قائلٌ: كيف تتعرض الجنُّ لإحراق نفسها بسماع خبرٍ بعد أن صار ذلك معلوماً عندهم؟ .

فالجوابُ: أنَّ الله تعالى ينسيهم ذلك، حتى تعظم المحنة كما ينسى إبليس في كل وقت أنه لا يسلم، وأن الله - تعالى - قال له: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ [الحجر: 35] ، ولولا هذا لما تحقق التكليف.

قال القرطبيُّ: «والرَّصدُ» ، قيل: من الملائكة، أي: ورصداً من الملائكة، وقيل: الرَّصَد هو الشهب، والرصد: الحافظ للشيء، والجمع أرصاد، وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعاً كالحرس، والواحد: راصد.

وقيل: الرَّصَد هو الشهاب، أي: شهاب قد أرصد له ليرجم به فهو «فعل» بمعنى «مفعول» ك «الخَبَط والنفض» .

قوله: ﴿وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض﴾ ، في ﴿أَشَرٌّ أَرِيدَ﴾ وجهان: أحسنهما: الرفع بفعل مضمر على الاشتغال، وإنما كان أحسن لتقدم طالب الفعل وهو أداة الاستفهام.

والثاني: أن الرفع على الابتداءِ.

ولقائل أن يقول: يتعين هذا الرفع بإضمار فعل لمدرك آخر، وهو أنه قد عطف ب «أمْ» فعل، فإذا أضمرنا فعلاً رافعاً، كنا قد عطفنا جملة فعلية على مثلها، بخلاف رفعه بالابتداء فإنه - حينئذٍ - يخرجُ «أمْ» عن كونها عاطفة إلى كونها منقطعة إلا بتأويلٍ بعيدٍ، وهو أن الأصل: أشَرٌّ أريد بهم، أم خيرٌ، فوضع لقوله: «أمْ أراد بِهمْ» موضع خير.

وقوله: «أشَرٌّ» ساد مسدَّ مفعول «ندري» ، بمعنى أنه معلق به، وراعى معنى «مَنْ» في قوله: «بِهمْ ربُّهُمْ» فجمع.

فصل في معنى الآية

قال ابن زيد: معنى الآية: أنَّ إبليس قال: لا ندري هل أراد بهذا المنعِ أن ينزل على أهل الأرض عذاباً، أو يرسل إليهم رسولاً.

وقيل: هو من قول الجنِّ فيما بينهم من قبل أن يسمعوا قراءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض بإرسال محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إليهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا، فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي.

وقيل: لا، بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين، أي: لما آمنوا أشفقوا أن لا يؤمن كثيرٌ من أهل الأرض فقالوا: إنَّا لا ندري، أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون؟ .

قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصالحون وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ .

هذا من قول الجنِّ، أي: قال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون.

قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ، يحتمل وجهين:

أحدهما: يحتمل أن «دُونَ» بمعنى «غير» ، أي: ومنا غير الصالحين، أي: كافرون، وهو مبتدأ، وإنما فتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] فيمن نصب على أحد الأقوال، وإلى هذا نحا الأخفش.

والثاني: أن «دُونَ» على بابها من الظرف، وأنها صفة لمحذوف، تقديره: ومنا فريق أو فوج دون ذلك، وحذف الموصوف مع «مِنْ» التبعيضية يكثر، كقولهم: منَّا ظعنَ ومنَّا أقام، أي: منا فريقٌ ظعن، ومنا فريق أقام.

ومعنى الآية: ومنا صالحون دون أولئك في الصلاح.

قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ﴾ ، فيه أوجه:

أحدها: أن التقدير: كنا ذوي طرائق، أي: ذوي مذاهب مختلفة.

الثاني: أن التقدير: كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائقِ المختلفةِ.

الثالث: أن التقدير: كنا ذوي طرائقَ مختلفةٍ؛ كقوله: [الكامل]

4903 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... كَمَا عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعلَبُ

الرابع: أن التقدير: كانت طريقتنا طرائق قدداً، على حذف المضاف الذي هو الطرائقُ، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه، قاله الزمخشريُّ.

فقد جعل في ثلاثة أوجه مضافاً محذوفاً.

وقال: إنَّه قدر في الأول: «ذَوِي» .

وفي الثاني: مثل.

وفي الثالث: طرائق.

ورد عليه ابو حيَّان قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ﴾ ؛ كقوله: [الكامل]

4904 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... كَمَا عَسَل الطَّريقَ الثَّعلبُ

بأن هذا لا يجوز إلا في ضرورة أو ندور، فلا يخرج القرآنُ عليه، يعني تعدى الفعل بنفسه إلى ظرف المكان المختص.

والقددُ: جمع قددة، والمراد بها الطريقةُ، وأصلها السيرة، يقال: قِدَّة فلان حسنة، أي: سيرته، وهو من قدَّ السير، أي: قطعه على استواء، فاستعير للسيرة المعتدلة.

قال الشاعر: [البسيط]

4905 - ألقَابِضُ البَاسِطُ الهَادِي بطَاعتِه ... في فِتْنَةِ النَّاس إذْ أهْواؤهُم قِدَدُ

وقال آخر: [البسيط]

4906 - جَمعْتُ بالرَّأي منهُمْ كُلَّ رَافضَة ... إذْ هُمْ طَرائقُ في أهوائِهمْ قِدَدُ وقال لبيد في أخيه: [المنسرح]

4907 - لَمْ تَبْلُغِ العَيْنُ كُلَّ نَهْمتهَا ... لَيْلةَ تُمْسِي الجِيادُ كالقِددِ

والقِدُّ - بالكسر - سير يُقَدّ من جلد غير مدبوغ، ويقال: ما له قد ولا قحف، فالقد: إناء من جلد، والقحف: إناء من خشب.

فصل في معنى الآية

قال سعيد بن المسيِّب: معنى الآية «كنا مسلمين، ويهود ونصارى ومجوساً» .

وقال السدي: في الجن مثلكم قدرية، ومرجئة وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسنية.

وقال قوم: إنا بعد استماع القرآنِ مختلفون منا المؤمنون، ومنا الكافرون.

وقيل: أي: ومنا الصالحون ومنا المؤمنون لم يتناهوا في الصلاح.

قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «والأول أحسن، لأنه كان في الجن من آمن بموسى، وعيسى، وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: 30] ، وهذا يدل على إيمان قوم منهم في دعاء من دعاهم إلى الإيمان، وأيضاً لا فائدة في قولهم: نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر، والطرائق: جمع طريقة، وهي مذهب الرجل، أي: كنا فرقاً، ويقال: القوم طرائق أي: على مذاهب شتَّى، والقددُ: نحو من الطرائق وهو توكيد لها واحده: قدَّة، يقال: لكل طريقةٍ قِدَّةٌ» .

قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِي الأرض وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً﴾ .

والظنُّ هنا بمعنى العلم، واليقين، وهو خلاف الظن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً﴾ ، «وأنَّهُم ظنُّوا» ، أي: علماً بالاستدلال والتفكر في آيات الله تعالى، أنا في قبضته، وسلطانه لن نفوته بهرب، ولا غيره.

وقوله: «فِي الأرضِ» ، حال، وكذلك «هَرباً» مصدر في موضع الحالِ، تقديره: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء.

قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى﴾ ، يعني القرآن «آمنَّا بِهِ» ، وباللَّه، وصدقنا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على رسالته، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مبعوثاً إلى الإنس والجنِّ.

قال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بعث محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى الإنس والجن ولم يبعث الله قط رسولاً من الجنِّ ولا من أهل البادية ولا من النِّساء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ [يوسف: 109] .

وفي الحديث: «بُعثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْودِ» ، أي: الإنس والجن. وقد تقدم هذا الكلام في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الآية: 130] .

قوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ .

قال ابنُ عباس: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته؛ لأن البخس: النقصان، والرهق: العدوان، وغشيان المحارمِ، وقد تقدم في بيت الأعشى.

قوله: «فَلا يَخَافُ» ، أي: فهو لا يخافُ، أي فهو غير خائف؛ ولأن الكلام في تقدير مبتدأ وخبر فلذلك دخلت الفاءُ، ولولا ذلك لقيل: لا يخف، قاله الزمشخريُّ.

ثم قال: «فإن قلت: أي فائدة في رفع الفعل، وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبراً له ووجوب إدخال الفاء، وكان كل ذلك مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف؟ .

قلتُ: الفائدة أنَّه إذا فعل ذلك فكأنه قيل:» فهُو لا يخَافُ «، فكان دالاً على تحقيق أن المؤمن ناجٍ لا محالة وأنَّه هو المختص بذلك دُون غيره» .

قال شهاب الدين: «وسببُ ذلك أن الجملة تكون اسمية حينئذٍ، والاسمية أدلُ على التحقيقِ والثبوتِ من الفعلية» .

وقرأ ابن وثاب والأعمشُ: بالجزم، وفيها وجهان:

أحدهما: ولم يذكر الزمخشريُّ غيره، أن «لا» نافية، والفاء حينئذ واجبة.

والثاني: أنها نافية، والفاء حينئذٍ زائدةٌ، وهذا ضعيفٌ.

وقوله «بَخْساً» ، فيه حذف مضاف، أي: جزاء بخس، كذا قرره الزمخشريُّ.

وهو مستغنى عنه.

وقرأ ابن وثاب: «بَخَساً» بفتح الخاء.

قال القرطبيُّ: وقرأ الأعمش ويحيى وإبراهيم: «فَلا يَخفْ» جزماً على جواب الشرط، وإلغاء الفاء أيضاً.

قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون﴾ . أي: وأنا بعد استماع القرآن مختلفون، فمنا من أسلم ومنا من كفر، والقاسط: الجائر لأنه عادل عن الحق، والمقسط: العادل لأنه عادل إلى الحق، قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل؛ قال: [الكامل]

4908 - قَوْمٌ همُ قتلُوا ابنَ هِنْدٍ عَنْوةً ... عَمْراً وهُمْ قَسطُوا على النُّعمَانِ

وقد تقدم في أول «النساء» أن «قَسَطَ» : ثلاثياً بمعنى «جَارَ» ، و «أقسط» الرباعي بمعنى «عَدَل» . وأن الحجاج قال لسعيد بن جبيرٍ: ما تقول فيَّ؟ .

قال: إنَّك قاسط عادل، فقال الحاضرون: ما أحسن ما قال، فقال: يا جهلة، جعلني كافراً جائراً، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ . وقرأ ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] .

قوله: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فأولئك تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾ .

أي: قصدوا طريق الحقِّ، وتوخوه، وطلبوه باجتهاد، ومنه التحري في الشيء.

قال الراغبُ: «حرى الشيء يحري، أي: قصد حراه، أي: جانبه، وتحراه كذلك، وحَرَى الشيء يَحْرِي، نقص، كأنَّه لزم حراه، ولم يمتد؛ قال الشاعر: [الكامل]

4909 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... والمَرْءُ بَعْدَ تمامهِ يَحْرِي

ويقال: رماه الله بأفعى حارية، أي: شديدة» انتهى.

وكأن أصله من قولهم: هو حريٌّ بكذا، أي حقيق به. و «رَشَداً» مفعول به.

والعامة قرأوا: «رشداً» - بفتحتين - والأعرج: بضمة وسكون.

قوله: ﴿وَأَمَّا القاسطون﴾ . أي: الجائرون عن طريق الحق والإيمان ﴿فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ أي: وقوداً، وقوله «فَكانُوا» أي: في علم الله تبارك وتعالى.

فإن قيل: ذكر عقاب القاسطين ولم يذكر ثواب المسلمين.

فالجواب: بل ذكر ثواب المؤمنين بقوله ﴿تَحَرَّوْاْ رَشَداً﴾ أي: تَحرَّوا رشداً عَظِيماً لا يعلم كنهه إلاَّ الله تعالى، ومثل هذا لا يتحقق إلا بالثَّواب.

فإن قيل: فإنَّ الجنَّ مخلوقون من النَّار، فكيف يكونون حطباً للنار؟ .

فالجواب: أنّهم وإن خلقوا من النار لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية فيصيرون لحماً، ودماً هكذا قيل.

وهذا آخر كلام الجن.

قوله ﴿وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة﴾ ، «أنْ» هي المخففة من الثقيلة، وتقدم أنه يكتفي ب «لو» ، فأصله بين «أن» المخففة، وخبرها إذا كان جملة فعلية في سورة «سَبَأ» .

وقال أبو البقاء هنا: «ولو» عوض كالسِّين، وسوف، وقيل: «لَوْ» بمعنى «إن» و «إن» بمعنى اللام، وليست بلازمة كقوله ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ [مريم: 46] ، وقال في موضع آخر: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: 37] ذكره ابن فضالة في البرهان.

قال شهاب الدين: «وهذا شاذٌّ لا يلتفت إليه ألبتة لأنه خلاف النحويين» .

وقرأ العامة: بكسر «وأن لو» على الأصل.

وابن وثَّاب والأعمشُ: بضمها، تشبيهاً بواو الضمير. وقد تقدم تحقيقه في البقرة.

فصل في بيان أن الله أوحى إليهم أن الإيمان بسبب البسطة في الرزق

هذا من كلام الله تعالى، أي لو آمن هؤلاء الكفار لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق، وهذا محمولٌ على الوحي، أي أوحي إليَّ أن لو استقاموا.

قال ابنُ بحر كل ما كان في هذه السروة من «أنَّ» المثقلة فهي حكايةٌ لقول الجن الذين سمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكل ما فيها من «أن» المفتوحة المخففة فهي وحي إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

وقال ابن الأنباريِّ: ومن كسر الحروف، وفتح ﴿وأنْ لو اسْتقَامُوا﴾ أضمر يميناً تأويلها: والله أن لو استقاموا على الطريقة، كما يقال في الكلام: والله إن قمت لقمت، والله لو قمت قمت.

قال الشاعر: [الوافر]

4910 - أمَا - واللَّهِ - أن لَوْ كُنْتَ حُرّاً ... ومَا بالحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ

ومن فتح ما قبل المخففة نسقها على تقدير: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ ، ﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾ أو «على آمنا به» ويستغنى عن إضمار اليمين.

والضمير في قوله ﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾ ، قيل: يرجع إلى الجنِّ الذين تقدم ذكرهم ووصفهم أي: هؤلاء القاسطون لو أسلموا لفعلنا بهم كذا وكذا.

وقيل: بل المراد الإنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماءِ الغدقِ، إنما يليق بالإنس، لا بالجن وأيضاً أن هذه الآية إنَّما نزلت بعد ما حبس الله المطر عن أهل مكة سنين، أقصى ما في الباب أنَّهُ لم يتقدم ذكر الإنس، ولكنه لما كان ذلك معلوماً جرى مَجْرى قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] .

وقال القاضي: الأقرب أن الكل يدخلون فيه.

قال ابن الخطيب: «ويدل على صحة قول القاضي، أنه تعالى أثبت حكماً معللاً بعلة، وهي الاستقامةُ فوجب أن يعم الحكم لعموم العلة» .

والغدق - بفتح الدال وكسرها -: لغتان في الماء الغزير، ومنه الغداق: للماء الكثيرِ وللرجل الكثير الغدق، والكثير النطق.

ويقال: غدقت عينه تغدق أي: هطل دمعها غدقاً.

وقرأ العامة: «غَدَقاً» بفتحتين.

وعاصم فيما يروي عنه الأعشى، بفتح الغين وكسر الدال، وقد تقدم أنهما لغتان.

قوله: ﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾ .

قال ابن الخطيب: إن قلنا: إن الضمير راجعٌ إلى الجنِّ ففيه قولان:

أحدهما: أن المعنى لو ثبت أبوهم على عبادته وسجد لآدم، ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض﴾ [الأعراف: 96] الآية، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [المائدة: 66] الآية، وقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق: 2] . وقوله: ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ﴾ [نوح: 10 - 11] ، إلى قوله: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: 12] الآية.

وإنَّما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافعِ وهذا هو اللائق بالجنِّ لا الماء المشروب.

الثاني: أن المعنى لو استقام الجنُّ أي الذين سمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها، ولم ينتقلوا عن الإسلام لوسعنا عليهم الدنيا كقوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] الآية.

والقول الأول: اختيار الزجاج، قال: لأنَّه تعالى ذكر الطريقة معرفة بالألف واللام فيرجع إلى الطريقة المعروفة، وهي طريقة الهدى.

ومعنى: ﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم هل يقومون بشكرها أم لا، وإن قلنا: إنَّ الضمير يعود على الإنس فالاحتمالان كما هما.

قوله: ﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ، دليلٌ على أنه تبارك وتعالى يضل عباده. وأجاب المعتزلة، بأنَّ الفتنة هي الاختبار، كما يقال: فتنت الذهب بالنار لا خلق الضلالة.

واستدلت المعتزلة بقوله تعالى ﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ على أنه تعالى إنما يفعل لغرض.

وأجيبوا: بأن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلَّت هذه الآية على أن اللام ليست للغرض في حق الله تبارك وتعالى.

فصل في التحذير من الدنيا

روى مسلمُ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» أخْوفُ ما أخَافُ عليْكمْ ما يُخْرجُ اللَّهُ لكم مِنْ زهرةِ الدُّنيَا «قالوا: ومَا زَهْرةُ الدُّنيَا؟ .

قال:» بَركَاتُ الأرْضِ «. وذكر الحديث»

وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «فواللَّهِ مَا الفَقْرَ أخْشَى عليْكُم، وإنَّما أخْشَى علَيكُمْ أنْ يبسِطَ اللَّهُ عَليكُم الدُّنْيَا فتَنَافَسُوا فيها كما تَنَافَسَ فِيهَا مَنْ كَانَ قَبلكُمْ، فيُهلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَهُمْ»

قوله: ﴿وَمَن يُعِرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ ، أي: عن عبادته، أو عن موعظته، أو عن وحيه.

وقال ابن زيدٍ: يعني القرآن، وفي إعراضه وجهان:

الأول: عن القبول إن قيل إنها في الكفار والثاني عن العمل، إن قيل إنَّها في أهل الإيمان.

وقيل: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ ، أي: لم يشكره.

قوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ .

قرأ الكوفيون: «يَسْلكْهُ» - بياء الغيبة - لإعادة الضمير على الله تعالى، وباقي السبعة: بنون العظمة على الالتفات.

وهذا كما تقدم في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾

[الإسراء: 1] ، ثم قال: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ [الإسراء: 1] .

وقرأ مسلم بن جندب: «نسلكه» بنون العظمة مضمومة من «أسلكه» . وبعضهم: بالياء من تحت مضمومة، وهما لغتان، يقال: سلكه وأسلكه.

وأنشد: [البسيط]

4911 - حَتَّى إذَا أسْلكُوهُم فِي قَتائِدَةٍ ... و «سلك، وأسلك» يجوز أن يكونا فيهما ضُمِّنا معنى الإدخال، فلذلك يتعديان لاثنين ويجوز أن يقال: يتعديان إلى أحد المفعولين، بإسقاط الخافض، كقوله تعالى: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ﴾ [الأعراف: 155] .

فالمعنى: ندخله عذاباً، أو نسلكه في عذابٍ، هذا إذا قلنا: إن «صَعَداً» مصدر.

قال الزمخشريُّ: يقال: صَعَداً وصُعُوداً، فوصف به العذاب لأنه يتصعد للمعذب، أي: يعلوه، ويغلبه، فلا يطيقه، ومنه قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ما تصعد شيء ما تصعدتني خطبةُ النِّكاح يقول: ما شقَّ عليَّ، ولا غلبني.

وأما إذا جعلناه اسماً لصخرة في جهنم، كما قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وغيره، فيجوز فيه وجهان:

أحدهما: أن يكون «صعداً» مفعولاً به أي «يسلكه» في هذا الموضع ويكون «عذاباً» مفعولاً من أجله.

الثاني: أن يكون «عذاباً» مفعولاً ثانياً كما تقدم، و «صعداً» بدلاً من عذاباً، ولكن على حذف مضاف أي: عذاب صعد، وقرأ العامة بفتحتين، وقرأ ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وهو صفة تقتضي المبالغة كحُطَم ولُبَد، وقرىء بضمتينِ وهو وصف أيضاً ك «جُنُب» و «شُلُل» .

فصل

ومعنى عذاباً صعداً: أي شاقاً شديداً.

[وقيل عن ابن عباس:] هو جبل في جهنم، قال الخدريُّ: كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت.

وعن ابن عباس: إن المعنى مشقّة من العذاب، لأن الصعد في اللغة هو المشقة، تقول: تصعدني الأمر إذا شقَّ عليك، ومنه قول عمر المتقدم، والمشي في الصعود يشق، وصعود العقبة الكئودِ.

وقال عكرمةُ: هي صخرة في جهنم ملساء يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حُدِر إلى جهنم.

وقال: يكُلَّفُ الوليدُ بن المغيرة أن يصعد جبلاً في النار من صخرةٍ ملساءَ يجذب من أمامه بسلاسل، ويضرب من خلفه بمقامع، حتَّى يبلغ أعلاها ولا يبلغ في أربعين سنة فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف صعودها، فذلك دأبه أبداً، وهو قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر: 17] .

قوله: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ . قد تقدم أن السبعة أجمعت على الفتح، بتقدير: وأوحي إليَّ أن المساجد للَّهِ.

وقال الخليل: أي ولأن المساجد، فحذف الجارُّ، ويتعلق بقوله «فلا تدعُوا» .

وجعلوه كقوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: 1] فإنه متعلق بقوله ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ كقوله: ﴿إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ﴾ [الأنبياء: 92] .

وقرأ طلحة وابن هرمز: «وإنَّ المسَاجِدَ» - بالكسر. .، وهو يحتمل الاستئناف والتعليل، فيكون في المعنى كتقدير الخليل

فصل في المراد ب «المساجد»

المساجدُ: قيل هي جمع «مسجد» - بالكسر - وهو موضع السجود، وقد تقدم أن قياسه الفتح.

وقيل: هو «مسجد» - بالفتح - مراداً بها الأعضاء الواردة في الحديثِ: «الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان» ، وهو قول سعيد بن المسيب.

والمعنى: إن هذه الأعضاء أنعم الله بها عليكم فلا تسجد لغيره فتجحد نعمة الله، وقال عطاء: مساجدك أعضاؤك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها لغير خالقها.

قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» وذكر الحديث، وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إذَا سَجَدَ العَبْدُ سَجَدَ مَعهُ سَبعةُ أعْضَاءٍ» وقيل: بل جمع مسجد، وهو مصدر بمعنى السجودِ، ويكون الجمع لاختلاف الأنواع.

وقال القرطبي: «المراد بها البيوت التي تبنيها أهل المللِ للعبادة» .

قال سعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: قالت الجن: كيف لنا ان نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ ، أي: بنيت لذكر الله ولطاعته.

وقال ابن عبَّاسٍ: المساجد هنا مكة التي هي القبلة، وسميت مكة مساجد، لأن كلَّ أحد يسجد إليها.

قال القرطبيُّ: «والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة، وهذا أظهر الأقوال، وهو مروي عن ابن عباس» .

قال ابن الخطيب: «قال الواحديُّ: وواحد المساجد - على الأقوال كلِّها -» مسجد» - بفتح الجيم - إلا على قول من يقول: إنها المواضع التي بنيت للصلاةِ؛ فإنَّ واحدها «مسجد» - بكسر الجيم - لأن المواضع، والمصادر كلَّها من هذا الباب - بفتح العين - إلا في أحرف معدودة وهي: المسجد، والمطلِع، والمنسِك، والمسكِن، والمنبِت، والمفرِق، والمسقِط، والمجزِر، والمحشِر، والمشرِق، والمغرِب وقد جاء في بعضها الفتح، وهي: المنسك والمطلع والمسكن والمفرق، وهو جائز في كلِّها وإن لم يسمع» .

قوله: «للَّهِ» . إضافة تشريف وتكريم، ثم خص بالذِّكر منها البيت العتيق، فقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ﴾ [الحج: 26] وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلى ثلاثةِ مساجدَ»

وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «صَلاةٌ فِي مَسْجدِي هذا خَيْرٌ مِنْ ألْفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلاَّ المَسجد الحَرامَ»

وقد روي من طريق آخر لا بأس بها «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:» صَلاةٌ في مَسْجدِي هذا خَيْرٌ من ألفِ صلاةٍ فِيمَا سِواهُ إلاَّ فِي المسْجِد الحَرامِ، فإنَّ صلاةٌ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ مائةِ ألفِ صلاةٍ في مَسْجديْ هَذَا» قال القرطبي: «وهذا حديث صحيح» .

فصل في نسبة المساجد إلى غير الله

فإن قيل: المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنَّها قد تنسب إلى غيره تعالى تعريفاً كما قيل في الحديث:

«سابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق» .

ويقال: مسجد فلان، لأنه حبسه، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجدِ والقناطرِ والمقابرِ، وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك.

فصل في معنى الآية

معنى: ﴿وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ﴾ لا يذكرُ فيها إلا اللَّهُ تعالى فإنَّه يجوز قسمةُ الأموالِ فيها، ويجوز وضعُ الصدقات فيها، على رسم الاشتراك بين المساكين، والأكل فيها، ويجوز حبسُ الغريمِ فيها والنوم، وسكن المريضِ فيه، وفتح الباب للجار إليها وإنشاد الشعر فيه إذا عري عن الباطل.

قوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً﴾ . وهذا توبيخٌ للمشركين، في دعواهم مع الله غيره في المسجد الحرام.

وقال مجاهد: كانت اليهودُ، والنصارى إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم أشركوا بالله تعالى، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة الحق إذا دخلوا المساجد كلها، فلا تشركوا فيها صنماً وغيره مما يعبد.

وقيل: المعنى أفردوا المساجدَ لذكر الله، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيباً، وفي الحديث: «مَنْ نَشدَ ضالَّةً في المسجد فقولوا: لا ردَّها اللَّه عليكَ، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا»

وقال الحسن: من السنة إذا دخل رجل المسجد أن يقول: لا إله إلا الله، لأن قوله تعالى ﴿فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً﴾ في ضمنه أمر بذكر الله ودعائه.

وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا دخل المسجد قدَّم رجله اليمنى وقال:» وأنَّ المسَاجِدَ لِلَّهِ فلا تَدْعُوا مع اللَّهِ أحداً، اللَّهُمَّ إني عبدُكَ وزائِرُكَ وعلى كُلِّ مزُورٍ حقٌّ لزائره، وأنْتَ خَيْرُ مزُورٍ، فأسْألُكَ بِرحْمتكَ أنْ تَفُكَّ رقَبَتِي من النَّارِ «فإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال:» اللَّهُمْ صُبَّ عليَّ الخَيْرَ صباً ولا تَنزِعْ عنِّي صالحَ ما أعْطَيْتنِي أبداً، ولا تَجْعَلْ معِيْشتِي كدّاً، واجعل لِي في الأرضِ جداً «» .

قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ .

يجوز الفتحُ، أي: أوحى الله إليه أنه، ويجوز الكسر على الاستئناف، و «عَبْدُ اللَّهِ» هو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن حسب ما تقدم أول اسورة. «يَدعُوهُ» ، أي: يعبده.

وقال ابن جريج: «يَدْعوهُ» ، أي: قام إليهم داعياً إلى الله تعالى، فهو في موضع الحالِ، أي: يوحد الله.

﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ .

قال الزُّبيرُ بن العوام: هم الجنُّ حين استمعوا القرآن من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: كاد يركب بعضهم بعضاً ازدحاماً عليه ويسقطون حرصاً على سماع القرآنِ العظيم.

وقيل: كادوا يركبونه حرصاً، قاله الضحاكُ.

وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: رغبة في سماع القرآن.

يروى عن مكحول: أن الجنَّ بايعوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في هذه الليلة، وكانوا سبعين ألفاً، وفرغوا من بيعته عند الفجر.

وعن ابن عباس أيضاً: أن هذا من قول الجنِّ لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وائتمامهم به في الركوع والسجود.

وقيل: كاد الجنُّ يركب بعضهم بعضاً حرصاً على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

وقال الحسن وقتادة وابن زيد: «لمَّا قَامَ عبدُ اللَّهِ» محمد بالدعوة تلبدت الإنس، والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى اللَّهُ تعالى إلاَّ أن ينصره ويتم نوره، واختار الطبريُّ أن يكون المعنى كادت العربُ يجتمعون على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويتظاهرون على إطفاء النورِ الذي جاء به.

قال مجاهد: اللِّبَد: الجماعات.

قوله «لِبَداً» : قرأ هشام: بضم اللام، والباقون: بكسرها.

فالأولى: جمع «لُبْدَة» - بضم اللام - نحو «غُرفَة وغُرَف» .

وقيل: بل هو اسم مفرد صفة من الصفات نحو «حطم» وعليه قوله تعالى ﴿مَالاً لُّبَداً﴾ [البلد: 6] .

وأما الثانية: فجمع «لِبْدة» - بالكسر - نحو «قربة وقِرَب» .

واللبدة: الشيء المتلبد، أي: المتراكب بعضه على بعض، ومنه قولهم «لبدة الأسد» . كقول زهير: [الطويل]

4912 - لَدَى أسَدٍ شَاكٍ السِّلاحِ مُقذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أظفَارُهُ لم تُقلَّمِ

ومنه: اللبد؛ لتلبُّد بعضه فوق بعض، ولبد: اسم نسر لقمان بن عاد، عاش مائتي سنةٍ، حتى قالوا: أطال اللَّهُ الأمد على لبد.

والمعنى: كادت الجنُّ يكونون عليه جماعات متراكمة متزاحمين عليه كاللبد.

وقرأ الحسن والجحدريُّ: «لُبُداً» - بضمتين - ورواها جماعة عن أبي عمرو.

وهي تحتمل وجهين:

أحدهما: أنه جمع «لَبْد» نحو «رَهْن» جمع «رُهُن» .

والثاني: أنه جمع «لَبُود» نحو «صَبُور، وصُبُر» وهو بناء مبالغة أيضاً.

وقرأ ابن محيصن: بضمة وسكون، فيجوز أن تكون هذه مخففة من القراءة التي قبلها ويجوز أن يكون وصفاً برأسه.

وقرأ الحسن والجحدريُّ أيضاً: «لُبَّداً» - بضم اللام وتشديد الباء، وهي غريبة جداً.

وقيل: وهو جمع «لابد» ك «ساجد وسُجَّد، وراكع ورُكَّع» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском