Ibn 'AdilAl‑Jinn · 72:20–28

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Jinn 72:20–28

72:20–24Page 573

قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٠

Say, [O Muḥammad], "I only invoke my Lord and do not associate with Him anyone."

قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١

Say, "Indeed, I do not possess for you [the power of] harm or right direction."

قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ٢٢

Say, "Indeed, there will never protect me from Allāh anyone [if I should disobey], nor will I find in other than Him a refuge.

إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣

But [I have for you] only notification from Allāh, and His messages." And whoever disobeys Allāh and His Messenger - then indeed, for him is the fire of Hell; they will abide therein forever.

حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا ٢٤

[The disbelievers continue] until, when they see that which they are promised, then they will know who is weaker in helpers and less in number.

وقرأ أبو رجاء: بكسر اللام، وكسر الباء، وهي غريبة أيضاً.

وقيل: اللُّبَد - بضم اللام وفتح الباء -: الشيء الدائم، واللبد أيضاً: الذي لا يسافر ولا يبرح؛ قال الشاعر: [البسيط]

4913 - من امْرِىءٍ ذِي سماحٍ لا تزَالُ لَهُ ... بَزْلاءُ يَعْيَا بِهَا الجثَّامةُ اللُّبَدُ

ويروى: اللَّبد، قال أبو عبيد: وهو أشبه، ويقال: ألبدت القربة جعلتها في لبيد.

ولبيد: اسم شاعر من بني عامر.

قوله

: ﴿إِنَّمَآ أَدْعُواْ ﴾ ، قرأ عاصم وحمزةُ: بلفظ الأمر التفاتاً، أي: قل يا محمد، والباقون: «قال» إخباراً عن «عبد الله» وهو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

قال الجحدريُّ: وهي في المصحف كذلك. وقد تقدم لذلك نظائر في «قل سبحان ربي» آخر «الإسراء» ، وكذا في أول «الأنبياء» وآخرها، وآخر «المؤمنون» .

قال المفسرون: سبب نزولِ هذه الآية أنَّ كفار قريش قالوا له: إنَّك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا ونحن نجيرك، فنزلت.

قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَدًا﴾ .

قرأ الأعرج: «رُشُداً» - بضمتين -. وجعل الضر عبارة عن الغي؛ لأن الضرر سبب عن الغي وثمرته، فأقام المسبب مقام السبب، والأصل: لا أملك غياً، ولا رشداً، فذكر الأهم.

وقيل: بل في الكلام حذف، والأصل: لا أملكُ لَكُمْ ضراً ولا نَفْعاً ولا غيّاً ولا رشداً فحذف من كل واحدٍ ما يدل مقابله عليه.

فصل في معنى الآية

المعنى لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً ولا أسوق لكم خيراً.

وقيل: ﴿لا أملك لكم ضرّاً﴾ ، أي: كفراً «ولا رَشداً» أي: هُدَى، أي: إنما عليَّ التبليغ.

وقيل: الضَّرُّ: العذاب، والرشدُ: النعيم، وهو الأول بعينه.

وقيل: الضرُّ: الموت، والرشد الحياة.

قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ﴾ ، أي: لن يدفع عني عذابه أحدٌ إن استحفظته وذلك أنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه، ونحن نجيرُك.

وروى أبو الجوزاء عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: انطلقتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليلة الجن حتى أتى الحجُون فخطَّ علينا خطّاً، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد يقال له وِرْدان: أنا أزجلهم عنك، فقال: ﴿إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ﴾ ، ذكره الماورديُّ رحمة الله عليه، قال: ويحتمل معنيين:

أحدهما: لن يجيرني مع إجارة الله لي أحد.

الثاني: لن يجيرني مما قدره الله تعالى علي أحدٌ، ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ أي: ملجأ الجأ إليه، قاله قتادة، وعنه نصيراً ومولى.

وقال السدي: حِرْزاً، وقال الكلبيُّ: مدخلاً في الأرض مثل السِّرب، وقيل: مذهباً ولا مسلكاً، حكاه ابن شجرة؛ قال الشاعر: [البسيط]

4914 - يَا لَهْفَ نَفْسِي ولَهْفِي غَيْرُ مُجْزيَةٍ ... عَنِّي ومَا مِنْ قضَاءِ اللَّهِ مُلتَحَدُ

و «مُلتَحَداً» مفعول «أحد» لأنها بمعنى «أصيب»

قوله ﴿إِلاَّ بَلاَغاً﴾ ، فيه وجوه:

أحدها: أنه استثناء منقطع، أي: لكن إن بلغت عن الله رحمتي، لأن البلاغ من الله - تبارك وتعالى - لا يكونُ داخلاً تحت قوله: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ .

لأنه لا يكون من دون الله - عَزَّ وَجَلَّ - وبعنايته وتوفيقه.

والثاني: أنَّه متصل، وتأويله، أن الإجارة مستعارة للبلاغ، أو هو سببها أو بسبب رحمته تعالى، والمعنى لن أجِدَ شيئاً أميل إليه وأعتصمُ به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني، وإذا كان متصلاً جاز نصبه من وجهين:

أحدهما: أن يكون بدلاً من «مُلتحَداً» لأن الكلام غير موجب، وهذا اختيار الزَّجاجِ.

والثاني: أنه منصوب على الاستثناء.

الثالث: أنه مستثنى منقطع من قوله ﴿لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَراً﴾ .

قال قتادة: أي: لا أملك إلا بلاغاً إليكم، وقرره الزمخشري، فقال: أي: لا أملك لكم إلا بلاغاً من الله، وقيل: ﴿إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله﴾ جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاسطاعة وعلى هذا فالاستثناء منقطع.

الرابع: أنَّ الكلام ليس استثناء، بل شرطاً، والأصل: «إن لا» ف «إنْ» شرطية وفعلها محذوفٌ، لدلالة مصدره، والكلام الأول عليه، و «لا» نافية، والتقدير: «إن لا أبلغ بلاغاً من الله فلن يجيرني من الله أحدٌ» .

وجعلوا هذا كقول الآخر: [الوافر]

4915 - فَطلِّقْهَا فلسْتَ لهَا بِكُفءٍ ... وإلاَّ يَعْلُ مفْرِقَكَ الحُسامُ

أي: وإن لا تطلقها يعلُ، فحذف الشرط ونفى الجواب، وفي هذا الوجه ضعف من وجهين:

أحدهما: أن حذف الشرط دون أدلته قليل جداً.

والثاني: أنَّه حذف الجزءان هنا، أعني الشرط والجزاء.

فيكون كقول الشاعر: [الرجز]

4916 - قَالتْ بنَاتُ العَمِّ: يا سَلْمَى وإنْ ... كَانَ فَقيراً مُعدماً، قالتْ: وإنْ

أي قالت: وإن كان فقيراً معدماً فقد رضيته.

وقد يقال: إن الجواب مذكور عند من يرى جواز تقديمه، وإما في قوة المنطوق به لدلالة ما قبله عليه.

وقال الحسنُ: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ﴾ . فإن فيه النجاة والأمان.

قوله ﴿مِّنَ الله﴾ . فيه وجهان:

أحدهما: أن «مِنْ» بمعنى «عَنْ» لأن «بلغ» يتعدى بها، ومنه قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «ألاَ بلَّغُوا عنِّي» .

والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل «بلاغ» .

قال الزمخشري: «مِنْ» ليست للتبليغ وإنما هي بمنزلة «مِنْ» في قوله تعالى ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1] ، بمعنى: «بلاغاً كائناً من اللَّهِ» .

قوله ﴿وَرِسَالاَتِهِ﴾ . فيه وجهان:

أحدهما: أنها منصوبة نسقاً على «بلاغاً» ، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ، والرسالات ولم يقل الزمخشري غيره.

والثاني: أنها مجرورة نسقاً على الجلالة، أي: إلا بلاغاً عن الله وعن رسالاته، قدره أبو حيَّان وجعله هو الظاهر، ويجوز في جعله «مِنْ» بمعنى «عَنْ» ، والتجوز في الحروف رأي الكوفيين ومع ذلك فغير متعارف عندهم.

قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾ ، في التوحيد، والعبادة ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ، العامة: على كسر «إن» جعلوها جملة مستأنفة بعد فاء الجزاء.

قال الواحديُّ: «إن» مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء.

ولذلك حمل سيبويه قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] ، ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ [البقرة: 126] ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ على أن المبتدأ فيها مضمر تقديره: فجزاؤه أنَّ له نار جهنَّم، أو فحكمه أنَّ له نار جهنَّم.

قال ابن خالويه: «سمعت ابن مجاهد يقول: لم يقرأ به أحدٌ، وهو لحنٌ، لأنه بعد فاء الشرط، قال: سمعتُ ابن الأنباري يقول: هو صواب، ومعناه: فجزاؤه أنَّ لهُ نار جهنَّم» .

قال شهاب الدين: ابن مجاهد، وإن كان إماماً في القراءات إلا أنه خفي عليه وجهها، وهو عجيبٌ جداً كيف غفل عن قراءتي ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] في «الأنعام» ، لا جرم أن ابن الأنباري استصوب القراءة لطول باعه في العربية.

قول «خالدينَ» . حالٌ من الهاء في «له» ، والعامل الاستقرار الذي تعلق به هذا الجار وحمل على معنى «مِنْ» فلذلك جمع؛ لأن المعنى لكل من فعل ذلك فوحد أولاً اللفظ، ثم جمع المعنى.

فصل في رد كلام المعتزلة

استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن فُسَّاق أهل الصراة يخلدون في النار؛ لأن هذا العموم أقوى في الدلالة على المطلوب من سائرِ العمومات، وأيضاً: فقوله «أبداً» ينفي قول المخالف بأن المراد بالخلود المكثُ الطويلُ.

والجوابُ: أنَّ السياقَ في التبليغ عن الله، والرسالة، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وإذا كان هنا محتملاً سقط الاستدلال، أو نقول: هذه الصورة لا بد وأن تندرج في العموم، وترك التبليغ عن الله تعالى أعظم، فلا يجوز أن تساويه الذنوب التي ليست مثله في العقوبة، فلا يتعدى هذا الحكمُ إلى غيره من الذنوب، أو نقول: إن الله تعالى لم يقيد في سائر عمومات الوعيد في القرآن بالتأبيد إلا في هذه الآيةِ الكريمة فلا بد وأن يكون لهذا التخصيص فائدة، ومعنى، وليس المعنى إلا أن يكون هذا الذنب أعظم الذُّنُوبِ، وإذا كان السبب في هذا التخصيصِ هذا المعنى، علمنا أن هذا الوعيد مختص بهذا الذنب، فلا يتعدى إلى غيره من الذنوب فدلت هذه الآيةُ على أن حال سائر المذنبين مخالف لذلك، أو نقول: ﴿وَمَن يَعْصِ الله﴾ إلا في الكفر وإلا في الزنا وإلا في شرب الخمر، فإن مذهب القائلين بالوعيد أنَّ الاستثناءَ إخراج ما لولاه كان داخلاً تحت اللفظ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله تعالى ﴿وَمَن يَعْصِ الله﴾ متناولاً لكل من أتى بكل المعاصي.

فإن قيل: يستحيلُ العموم هنا لأن من جملة المعاصي التجسيم والتعطيل، والقائل بالتجسيم يمتنع أن يكون مع ذلك قائلاً بالتعطيل.

قلنا: يخص هذا بدليل الفعل فيحمل على جميع ما لا يستحيل اجتماعه.

فصل في أن الأمر للوجوب

دلت هذه الآية على أن الأمر مقيد بالوجوب لأن تارك المأمورية عاص لقوله ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: 93] ، ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: 6] ، ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ [الكهف: 69] .

والعاصي مستحق للعقاب لقوله تعالى ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ .

قوله: ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾ .

قال الزمخشريُّ: فإن قلت: بم تعلق حتى، وجعل ما بعده غاية له؟ .

قلت: بقوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن: 19] على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره، ويستقلون عددهم ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾ من بوم بدر، وإظهار الله عليهم، أو من يوم القيامة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذٍ ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً﴾ .

قال: ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من استضعاف الكفار، واستقلالهم لعددهم، كأنه قال لا يزالون على ما هم عليه، حتى إذا رأوا ما يوعدون، قال المشركون: متى هذا الوعد؟ إنكاراً له.

فقال: «قُلْ» : إنه كائن لا ريب فيه.

قال أبو حيان: قوله: بم تعلق، إن عنى تعلق حرف الجر فليس بصحيح لأنها حرف ابتداءٍ، فما بعدها ليس في موضع جر خلافاً للزجاج، وابن درستويه، فإنهما زعما أنها إذا كان حرف ابتداءٍ فالجملة الابتدائية بعدها في موضع جر، وإن عنى بالتعلق اتصال ما بعدها بما قبلها وكون ما بعدها غاية لما قبلها، فهو صحيح، وأما تقديره: أنها تتعلق بقوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ فهو بعيد جداً لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة وقدر بعضهم ذلك المحذوف، فقال: تقديره: دعهم حتَّى إذا رأوا.

وقال التبريزي: جاز أن يكون غاية لمحذوف، ولم يبيِّن ما هو.

وقال أبو حيان: «والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم لكينونة النار لهم كأنه قيل: إن العاصي يحكم له بكينونة النار، والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته لهم فيسعلمون» .

قوله: ﴿مَنْ أَضْعَفُ﴾ . يجوز في «مَنْ» أن تكون استفهامية فترفع بالابتداء، و «أضْعَفُ» خبره، والجملة في موضع نصب سادَّةٌ مسدَّ المفعولين لأنها معلقة للعلم قبلها.

وأن تكون موصولة، و «أضعف» خبر مبتدأ مضمر، أي: هو أضعف، والجملة صلة وعائدٌ وحسن الحذف طول الصلة بالتمييز، والموصول مفعول للعلم بمعنى العِرفَان.

قال القرطبي: «حتى» هنا مبتدأ، أي «حتى أذا رأوا ما يوعدون» من عذاب الآخرة أو ما يوعدون من عذاب الدنيا، وهو القتل يوم بدر ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً﴾ . و «مَنْ» يظهر أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم، بكينونة النار لهم، كأنه قيل: إن العاصي أهم أم المؤمنون؟ و «أقَلُّ عَداداً» معطوف.

72:25–28Page 573

قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا ٢٥

Say, "I do not know if what you are promised is near or if my Lord will grant for it a [long] period."

عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦

[He is] Knower of the unseen, and He does not disclose His [knowledge of the] unseen to anyone

إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا ٢٧

Except whom He has approved of messengers, and indeed, He sends before him [i.e., each messenger] and behind him observers1

لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا ٢٨

That he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] may know1 that they have conveyed the messages of their Lord; and He has encompassed whatever is with them and has enumerated all things in number.

قوله: ﴿قُلْ إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ ، يعني: قيام الساعة لا يعلمه إلاَّ اللَّهُ فهو غيب لا أعلم منه إلا ما يعلمنيه الله تعالى جلت قدرتهُ.

قوله: ﴿أَقَرِيبٌ﴾ ، خبرٌ مقدمٌ، و ﴿مَّا تُوعَدُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، ويجوز أن يكون «قَرِيبٌ» مبتدأ لاعتماده على الاستفهام و «مَا تُوعَدُون» فاعل به، أي: أقريب الذي توعدون، نحو «أقَائِمٌ أبواك» ، و «مَا» يجوز أن تكون موصولة فالعائد محذوف، وأن تكون مصدرية فلا عائد، و «أمْ» الظاهر أنها متصلة.

وقال الزمخشريُّ: «فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربي أَمَداً﴾ ، والأمد يكون قريباً وبعيداً، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً﴾ [آل عمران: 30] ، قلت: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يستقرب الموعد، فكأنه قال: ما أدري أهو حالٌّ متوقع في كُلِّ ساعة، أم مؤجل ضربت له غاية؟» .

وقرأ العامة: بإسكان الياء من «ربِّي» .

وقرأ الحرميان وأبو عمرو: بالفتح.

فصل في تعلق الآية بما قبلها

قال مقاتل: لما سمعوا قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ . قال النضر بن الحارث: متى يكون هذا الذي توعدنا به؟ .

فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخره، والمعنى أنَّ وقوعه متيقن، وأما وقت وقوعه فغير معلوم.

وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربي أَمَداً﴾ ، أي: غاية وبعداً، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ .

فإن قيل: أليس «أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال:» بُعثْتُ أنَا والسَّاعَةُ كهَاتيْنِ» ، فكان عالماً بقُربِ وقُوعِ القيامةِ، فكيف قال - هاهنا -: لا أردي أقريب أم بعيد؟ .

فالجواب: أن المراد بقرب وقوعه، هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى فهذا القدر من القرب معلوم، فأما معرفة القرب المرتب وعدم ذلك فغير معلوم.

قوله: ﴿عَالِمُ الغيب﴾ ، العامة: على رفعه، إما بدلاً من «ربِّي» وإما بياناً له وإما خبراً لمبتدأ مضمر، أي هو عالم.

وقرىء: بالنصب على المدح.

وقرأ السديُّ: علم الغيب، فعلاً ماضياً ناصباً للغيب.

قوله: «فلا يُظهرُ» . العامة: على كونه من «أظْهَر» ، و «أحَداً» مفعول به.

وقرأ الحسنُ: «يَظْهرُ» بفتح الياء والهاء من «ظهر» ثلاثياً، و «أحد» فاعل به.

فصل في تفسير الغيب

الغيب ما غاب عن العباد.

وقد تقدم الكلام عليه أول البقرة.

قوله: ﴿إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ . يجوز أن يكون استثناء منقطعاً، أي لكن من ارتضاه فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي و «مِنْ» في قوله: «مِنْ رسُولٍ» لبيان المرتضين وقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ بيان لذلك.

وقيل: هو متصل، و «رَصَداً» تقدم الكلام عليه.

ويجوز أن تكون «مِنْ» ، شرطية، أو موصولة مضمنة معنى الشرط، وقوله «فإنَّهُ» خبر المبتدأ على القولين؛ وهو من الاستثناء المنقطع أيضاً، أي: لكن، والمعنى: لكن من ارتضاه من الرسل، فإنَّه يجعل له ملائكة رصداً يحفظونه.

فصل في الكرامات

قال الزمخشريُّ: «في إهذه الآية إبطال الكرامات؛ لأن الذين تضاف إليهم الكرامات، وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خصَّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وفيها أيضاً إبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء، وأدخل في السخط» .

قال الواحديُّ: وفيها دليل على أن من ادعى أنَّ النجوم تدل على ما يكون من حياة، أو موت، أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن.

قال ابن الخطيب: واعلم أن الواحديَّ يجوز الكرامات، وأن يلهم الله أولياءه وقوع بعد الوقائع في المستقبل ونسبة الآية في الصورتين واحدة فإن جعل الآية دالة على المنع من أحكام النجوم، فينبغي أن يجعلها دالة على المنع من الكرامات على ما قاله الزمخشريُّ، فإن جوَّز الكرامات لزمه تجويز علم النجوم وتفريقه بينهما تحكم محض.

قال ابن الخطيب: وعندي لا دلالة في الآية على شيء مما قالوه، إذ لا صيغة عموم في عينه لأنه لفظ مفرد مضاف فيحمل على غيب واحد، وهو وقت القيامة لأنه واقع بعد قوله ﴿أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ الآية.

فإن قيل: فما معنى الاستثناء حينئذ؟ .

قلنا: لعله إذا قربت القيامةُ يظهر، وكيف لا، وقد قال: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] فتعلم الملائكة حنيئذ قيام القيامة، أو هو استثناء منقطع أي: من ارتضاه من رسول يجعل من بين يديه، ومن خلفه حفظة يحفظونه بأمر الله من شر مردة الجنِّ والإنس، ويدل على أنه ليس المراد منه ألا يطلع أحد على شيء من المغيبات أنه ثبت بما يقارب التواتر أن «شقّاً وسطيحاً» كانا كاهنين وقد عرفا بحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قبل ظهوره وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتَّى يرجع إليهما كسرى، وربيعة بن مضر، فثبت أن اللَّه تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات، وأيضاً هل المللِ على أن معبر الرؤيا، يخبر عن أمور مستقبلة، ويكون صادقاً فيه، وأيضاً: قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان وسألها عن أمور مستقبلة فأخبرته بها فوقعت على وفق كلامها.

قال ابن الخطيب: وأخبرني أناس محققون في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل فكانت على وفق خبرها.

وبالغ أبو البركات في كتاب «المعتبر» في شرح حالها وقالت: تفحصت عن حالها ثلاثين سنة، فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً، وأيضاً فإنّا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضاً، وقد ترى الأحكام النجومية مطابقة وإن كانت قد تتخلف، فإن قلنا: إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن فيكون التأويل ما ذكرناه.

فصل في معنى الآية

قال القرطبيُّ: المعنى ﴿فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه، لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات كما ورد في التنزيل في قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: 49] .

وقال ابن جبير: ﴿إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ هو جبريل - عليه السلام - وفيه بعد، والأولى أن يكون المعنى لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى، أي: اصطفاه للنبوة فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالاً على نبوته.

فصل في استئثار الله بعلم الغيب

ذكر القرطبيُّ أن العلماء قالوا: لما تمدح الله سبحانه وتعالى بعلم الغيب واستأثره دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأعلمهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ومن يضرب بالحصى وينظر في الكواكب ويزجر بالطير من ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وبتخمينه وكذبه.

قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان مختلفو الأحوال والرتب فيهم الملك، والسوقة، والظالم، والجاهل، والعالم والغني، والفقير، والكبير مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة، فإن قال: إنما أغرقهم الطالع الفلاني الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام هذه الطوالع كلِّها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوص به، فلا فائدة إذ ذاك في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقي، ولا سعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن الكريم؛ ولقد أحسن القائل: [الكامل]

4917 - حَكَمَ المُنجِّمُ أنَّ طَالعَ مَولِدِي ... يَقْضِي عَليَّ بِمَيتَةِ الغَرقِ

قُلْ للمُنَجِّمِ صِبْحَةَ الطُّوفانِ هَلْ ... وُلِدَ الجَمِيعُ بكَوكَبِ الغَرقِ؟

وقيل لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر لفي العقرب؟ فقال: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر. فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من البلاغة في الرد على من يقول بالتنجيم، وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين، لا تسرِ في هذه الساعة وسِرْ بعد ثلاث ساعاة يمضين من النهار، فقال له علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ولم؟ .

قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك، وأصاب أصحابك بلاءٌ، وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت، وظهرت وأصبت ما طلبت، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: ما كان لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا لأصحابه منجم، ولا لنا من بعده. ثم قال: فمن صدقك في هذا القول لن آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله نداً، وضداً، اللَّهُمَّ لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ثم قال للمتكلم: نكذبك، ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهاها عنها، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدوا به في ظلمات البر والبحر، إنما المنجم كافر، والكافر في النار، والمنجم كالساحر، والساحر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم، أو تعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتُ، ولأحرمنَّك العطاء، ما كان لي سلطان، ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها فلقي القوم فقتلهم، وهو وقعة «النَّهروان» الثابتة في «صحيح مسلم» ، ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها، وظفرنا، وظهرنا لقال: إنَّما كان ذلك تنجيمي وما كان لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ منجم، ولا لنا من بعده، وقد فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر وسائر البلدان، ثم قال: يا أيها الناسُ، توكلوا على الله وثقوا به، فإنه يكفي ممن سواه.

قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ ، يعني: ملائكة يحفظونه من أن يقرب منه شيطان، فيحفظ الوحي من استراق الشياطين والإلقاء إلى الكهنة.

قال الضحاك: ما بعث الله نبياً إلى ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين، أن يتشبهوا له بصورة الملك فإذا جاءه شيطان في صورة الملك، قالوا: هذا شيطان فاحذره، وإن جاء الملك قالوا: هذا رسول ربِّك.

وقال ابن عباس وابن زيد: «رَصَداً» ، أي: حفظةُ يحفظون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أمامه، وورائه من الجن، والشياطين.

وقال قتادة وسعيد بن المسيِّب: هم أربعة من الملائكة حفظة يحفظون الوحي بما جاء من عند الله.

وقال الفرَّاءُ: فالمراد جبريل كان إذا نزل بالرسالة نزل معه ملائكة يحفظونه من أن يستمع الجن الوحي، فيلقونه إلى كهنتهم، فيسبقوا به الرسول.

وقال السديُّ: «رَصَداً» أي: حفظة يحفظون الوحي، مما جاء من عند الله، وما ألقاه الشيطان قالوا: إنه من الشيطان، و «رَصَداً» نصب على المفعول.

قال الجوهريُّ: «والرَّصدُ: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكور والمؤنث وربما قالوا: أرصاد، والرّاصد للشيء: الراقب له، يقال: رصده يرصده رصْداً ورصَداً، والتَّرصُّد: الترقب، والمرصد: موضع الرصد» .

قوله: ﴿لِّيَعْلَمَ﴾ . متعلق ب «يَسْلكُ» .

والعامة: على بنائه للفاعل، وفيه خلاف. أي: ليعلم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة، قاله مقاتل وقتادة.

قال القرطبيُّ: «وفيه حذف تتعلق به اللام، أي: أخبرناه بحفظنا الوحي، ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حاله من التبليغ بالحق والصدق» .

وقيل: ليعلم محمد أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه.

قاله ابن جبير، قال: ولم ينزل الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة - عليهم السلام -.

وقيل: ليعلم الرسول أن الرسل سواه بلغوا.

وقيل: ليعلم الله، [أي: ليظهر علمه للناس أنّ الملائكة بلغوا رسالات ربهم.

وقيل: ليعلم الرسول، أي رسولٍ كان أنَّ الرسل سواه بلغوا] .

وقيل: ليعلم إبليس أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه واستراق أصحابه.

وقال ابن قتيبة: أي: ليعلم الجن أن الرسل قد بلغوا ما أنزل إليهم، ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم.

وقال مجاهد: ليعلم من كذب الرسل أن المرسلين، قد بلغوا رسالات ربهم.

وقيل: ليعلم الملائكة. وهذان ضعيفان، لإفراد الضمير.

والضمير في «أبْلغُوا» عائد على «من» في قوله: «من ارْتضَى» راعى لفظها أولاً، فأفرد في قوله ﴿مِن بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ، ومعناها ثانياً، فجمع في قوله «أبْلَغُوا» إلى آخره.

وقرأ ابن عباس ومجاهد وزيد بن علي وحميد ويعقوب ليعلم مبنياً للمفعول أي ليعلم الناس أن الرسل قد بلغوا رسالاته.

وقرأ ابن أبي عبلة والزهري: لِيُعلم» - بضم الياء وكسر اللام - أي: ليعلم الله رسوله بذلك.

وقرأ أبو حيوة: «رِسَالة» بالإفراد، والمراد الجمع.

وقرأ ابن أبي عبلة: «وأحيط، وأحصي» مبنيين للمفعول،» كل «رفع ب» أحصي» . قوله: «عَدَداً» ، يجوز أن يكون تمييزاً منقولاً من المفعول به، والأصل: أحصى عدد كل شيء، كقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً﴾ [القمر: 12] ، أي: عيون الأرض على خلاف سبق.

ويجوز أن يكون منصوباً على المصدر من المعنى، لأن» أحْصَى «بمعنى» عَد» ، فكأنه قيل: وعد كل شيء عدداً.

أو يكون التقدير: وأحصى كلَّ شيء إحصاء، فيرد المصدر إلى الفعل، أو الفعل إلى المصدر.

ومنع مكي كونه مصدراً للإظهار، فقال: «عَدَداً» نصب على البيان، ولو كان مصدراً لأدغم.

يعني: أن قياسه أن يكون على» فَعْل «بسكون العين؛ لكنه غير لازم، فجاء مصدره بفتح العين.

ولما كان» لِيعْلمَ» مضمناً معنى «قَد عَلِمَ ذلِكَ» جاز عطف «وأحَاطَ» على ذلك المقدر.

قال القرطبي: «عَدَداً» ، نصب على الحال، أي: أحصى كل شيء.

فصل في معنى الإحاطة في الآية.

المعنى: أحاط علمه بما عند الرسل، وما عند الملائكة.

وقال ابن جبيرٍ: المعنى ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط بما لديهم، فيبلغوا رسالاته ﴿وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي: علم كل شيء وعرفه فلم يخف عليه منه شيء، وهذه الآية تدل على أنه تعالى عالم بالجزئيات، وبجميع الموجودات.

روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورَةَ الجِنِّ أُعْطِيَ بعَددٍ كُلِّ جنِّي وشيْطانٍ صدَّق بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّب بِهِ عِتْقُ رَقبةٍ» والله تعالى أعلم بالصواب.

سورة المزمل

مكية في قول الحسن رضي الله عنه وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها: ﴿واصبر على ما يقولون﴾ ، والتي تليها [الآية: 10، 11] ، ذكره الماوردي وغيره.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском